الإيمان بالله
ترجمة عن النص الأردي:د.محمد غطريف شهباز الندوي
الإنسان مخلوق.تبدأ قضية الدين بإدراك هذه الحقيقة.إنها حقيقة وجودية، ويمكننا ملاحظتها بأعيننا وقتما نريد.لذلك نحن نعرف من أية عناصر غير حية يتم إنشاء كيان الإنسان، وإلى أي مصنع تذهب تلك العناصر من خلال نظامنا الغذائي.وكما نعلم أنه لا توجد بذرة إنسانية فيها، ولا يوجد أي شيء يحول المادة إلى حياة، والحياة إلى وعيٍ وشعور.
ولكن عندما يصل الغذاء نفسه إلى نقطةٍ معينة، يتم تحويله إلى مادةٍ منوية تحتوي على النطف المنوية القادرة على أن تصبح إنساناً.وتوجد الجراثيم المنوية بالملايين والملايين في هذه القطرات المنوية، والتي تخرج من ذكرٍ واحدٍ في مرةٍ واحدة.وكل واحدٍ منها لديه القدرة على لقاء وتلقيح بويضة المرأة، والتي تتشكل بنفس الطريقة في مصنعٍ آخر، وتصبح إنساناً كاملاً.
ويمكننا أن نرى أنه عندما تلتقي هذه الجرثومة بالبويضة، فإن الشيء الذي يظهر إلى حيز الوجود في البداية يكون صغيراً جداً، بحيث لا يمكن رؤيته بدون مجهر.ولكن ثم يتحول نفس الشيء المحتقر في تسعة أشهر وبضعة أيام، بدءاً من قطرة ماء، إلى مضغة تتحول في حلقة، ثم في العظام المركبة عليها اللحم، ويصبح شيئاً آخر في رحم الأم، ويخرج إلى عالم الكون، حتى يتمكن من إظهار عجائب المعرفة والتفكير والفكر والصناعة، والتي يمكن رؤيتها ومشاهدتها في كل مكان في العالم في هذا الوقت.
نرى هذا المخلوق وننظر من خلال بنيته وعينه أن نبحث عن خالقه.ليس لأنه يجب أن يكون هناك خالق لكل الأشياء، بل لأنه يجب أن يكون هناك خالق لكل مخلوق.إن فعل الخلق هو الذي يجبرنا على البحث والتفقد عنه.لقد وُلدنا مع هذا القلق وحس الفحص، لذلك لا يمكننا أبداً أن نتفق على التخلي عن البحث عن فاعلٍ للفعالية، وعن مؤثرٍ لكل تأثير.
انظروا إلى كل أساطين الفلسفة والعلم والتصوف واحداً تلو الآخر، لم يتمكن أحد منهم من التخلي عنها.لذلك فإن تاريخ المعرفة كله هو تاريخ الاعتراف بحقيقة أن كل مخلوق له خالق، وبما أن الإنسان مخلوق، لذلك يجب أن يكون له أيضاً خالق.
وليس هذا فقط، ولكننا نعلم أن عمل الخلقة الذي نشهده مقصود وإرادي، وفي كل جزءٍ منه تظهر قوة هائلة ومعرفة وحكمة لا مثيل لها.وكما أننا لا نستطيع أن ننكر الخلق، لا يمكننا أن ننكر طبيعة هذا العمل؛ لأن طبيعة الفعل هذه هي حقيقة وجودية تماماً، كما أن وظيفة الخلق هي أيضاً حقيقة وجوبية.
وكما نلاحظ العمل، نلاحظ هذه الحقيقة أيضاً؛ لذلك نحن ملزمون بالاعتراف في الوقت نفسه بأن خالق الإنسان هو صاحب الإرادة.وقوته غير محدودة، وهو عالمٌ وحكيم.
فقد يجيء عقل الإنسان به ويحضره إلى هنا.فهو في هذه الرحلة لا يحتاج إلى أي توجيه من الخارج.إن قدرة المعرفة والفهم التي منحها الإنسان عند ولادته كافية لإرشاده في هذه الرحلة.ولكن أبعد من ذلك، فإن السؤال:من هو ذلك الخالق؟ لا يمكن للعقل البشري أن يجيب على هذا بنفس اليقين والقطعية الحتمية.
وهكذا فإن عقله عادةً ما ينظر إلى الإجابتين اللتين تم تقديمهما عبر تاريخ البشرية، ويختار بينهما أو يظل متردداً في صراعٍ بينهما.
الجواب الأول هو أن الكون الذي يفتح الإنسان في حضنه عين الوعي والشعور هو خالقه.هذا هو جواب الإلحاد.
ويتم تقرير هذا الرد بشكل عام بطريقة تجعل الكون لديه وعيه الخاص، بحيث تكون تلك القوة المبدعة أيضاً بداخله، والتي هي خالقة من حيث واقعها.ولا يوجد شيء خارجه، ولكن التمييز بين الداخل والخارج موجود أيضاً بداخله.وكل جزء منه موجود بنفسه في داخله وأيضاً في خارجه.إنه مصنع الأسباب والعلل، لكن السبب النهائي في مجمله هو نفسه.
وهذه الإجابة مجرد ادعاء.
أولاً:لأنه لم يتم رصد أي دليل في مشاهدتنا على الوعي الذاتي للكون الذي تدعيه هذه الإجابة.ونحن نعلم أن حقيقة الكون هي المادة، والمادة خالية من القصد، كما أنها خالية من العلم والعقل.وهذه الأشياء، إذا وُجدت في أي مكان، فهي موجودة في نفس المخلوق الذي ادّعى فيه أن هذا الكون هو خالقه، وليس هذا فحسب، فهذه القوة أيضاً في مستوى ما، إذا وُجدت في أي مكان، فهي في نفس المخلوق.وبدونها يصبح الكل من المعرفة والعقل والإرادة بلا معنى.
ثانياً:لأن ظهور قوة الكون، الذي اعتبر خالقاً، هو مجرد ظهور لخصائص الشيء الكائن وفعاليته وتأثيره.ويمكننا أن نرى هذا النوع من الظهور في كل جزء من الآلات الأوتوماتيكية التي اخترعها الإنسان، وفي شكل الذكاء الاصطناعي الذي يفاجئ بكماله المذهل الجميع الآن.
ثالثاً:لأن مجملها إن وُجد، فهو مجموع نفس التأثيرات والخصائص التي تخلق علاقات السبب والنتيجة، وعلاقة العلة والمعلول فيه، ولا علاقة له بفعل الخلق، الذي يتطلب قوة المعرفة والعقل والنية والعمل في كل مرحلة.فهذا عالم الأسباب والعلل، ودنيا المناهج والقوانين، وليس لها مكانة أكبر من ذلك.
من هو خالق الإنسان؟ الجواب الثاني على هذا السؤال هو الذي قدمه أولئك الذين يقدمون أنفسهم كأنبياء.وكانت قد أُعطيت هذه الإجابة للإنسان مع بداية خلقه.فكما كان الإنسان الأول أول إنسان، كذلك كان النبي الأول.وتتلخص هذه الإجابة في أن خالق الإنسان هو الذات الحكيم خارج هذا الكون.بدأ خلق الإنسان من بطن الأرض.فإن نفس عناصر التربة التي تدخل إلينا على شكل طعام تبدأ هذه العملية بالتحول إلى مُخلَّص الماء المهين(النطفة المنوية)التي يُصنع منها البشر.فقد مرت نفس العملية داخل الطين اللزِب في ذلك الوقت حتى اكتمل الخلق، وجفَّ نفس الملاط من الأعلى وأصبح الطين صلصالاً كالفخار.وبسبب الهدم والكسر فيه ظهر كائن حي، والذي ينبغي أن يُسمى وجود الإنسان.
ثم بدأ نفس الفعل الذي حدث داخل الأرض يحدث داخل هذا الكائن غير المهذب، وبدون
علمٌ وفهمٌ، وبعد ذلك يتم صقله وتهذيبه وتسويته بكل طريقة، حتى يتمكن من إعطائه شخصية الإنسان.لذلك مُنح إياها مع ضربة خفية، ونُفخ فيه من روحه.كما قال:
﴿ٱلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ﴾(السجدة:٧-٩)
والمصدر الذي رُدَّ منه هذا الجواب آخر مرة هو هذا القرآن الذي نُقلت آياته أعلاه.ويزعم النبي الذي قدّمه أنه كلام الخالق الذي نزل عليه.وكما نزل قرأه على الناس بالطريقة نفسها، ولم يبدّل فيه حرفاً ولا مقطعاً، ولن يجرؤ على ذلك أحدٌ غيره إلى يوم القيامة.
وهذا الادعاء مذكور في القرآن نفسه، ومعه طُرح معيارٌ واضحٌ جداً يمكننا على أساسه أن نقرر ما إذا كان القرآن حقاً كلام الخالق، أم افتراء إنسانٍ نسبه إلى الخالق.
وما هو ذلك المعيار؟ يمكننا أن نعرض ذلك في النقاط الثلاث التالية:
الأول:أن المعرفة التي يدّعيها الإنسان لفظاً ومعنى تكون معرفةً ثابتة بعد المرور بمراحل عديدة من التجربة والخطأ.ففي اليوم الأول ليس هو سقراط ولا أفلاطون، ولا غالب ولا شكسبير، ولا نيوتن ولا أينشتاين ولا ابن حزم.بل إنه يتعلم ويفهم ويخطئ في كل مرحلة من مراحل التعلم والفهم، ويصحح أخطاءه أيضاً.نراه يأخذ المعارف من المتقدمين سنوات، ويمارسها ويصقلها، ويتقدم فيها خطوةً خطوة، حتى تصدر منه جواهر العلم وروائع الأدب.
هذا هو قدر الإنسان وقدر وُلده به، وفي تاريخ العلم والأدب كله لم نشهد أي استثناءٍ لهذا.
أبدًا، ولا يمكن تصور مثل هذا الاستثناء على الإطلاق مستقبلًا.
لكن القرآن له استثناءٌ من ذلك.فإن الشخص الذي قدَّمه كان يراه شعبه ليلَ نهارَ مدةَ أربعين عامًا في قريةٍ صغيرةٍ مكوَّنةٍ من بضع مئاتٍ من المنازل.لقد مرَّت أيامه ولياليه أمام أعينهم، لكنهم لم يرَوا قط بمرِّ السنون من مراحل التجربة والخطأ تلك التي تلازم مثل هذه المعرفة والكلمات، وهي خاصية لكل إنسان.ولذلك، فإن الحقيقة أنهم لا يكادون يصدّقون أن هذا الرجل الصادق والأمين، من قريتهم، يمكن أن يكون خالقَ مثل هذه المعرفة، ومبدعَ مثل هذه الكلمات العظيمة.فكانوا يضطرون أن يقولوا، متضايقين:إن كلَّ هذا قد أملاه عليه عجميٌّ متعلِّم.وقد نبَّههم القرآن ولفت أنظارهم إلى ذلك فقال:
﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾
(يونس:١٦–١٧)
وكان المقصود أن يخاطبهم النبي قائلًا:أيها الأغبياء!متى رأيتموني أهتم بهذه المناقشات والمباحث، أو أُعبِّر عن بعض الأفكار والآراء عنها، أو أتدرَّب على تحريرها، أو أكتسب أي علمٍ وفنٍّ يتعلق بها، والتي يتم تلاوتها تباعًا في سور القرآن الآن؟ وقد أقمتُ بين أظهركم طوال الأربعين سنة، فمتى شعرتم بشيءٍ في كلامي وحركاتي واندفاعاتي مما يمكن تسميته مقدمةً للدعوة التي أتوجه بها إليكم في هذا الوقت؟
ما أقوله اليوم، هل وجدتم أيَّ علامات تطوُّرٍ له في حياتي؟ ألا تعلمون أن دماغ الإنسان لا يستطيع إنتاج أيِّ شيءٍ في أية مرحلةٍ من عمره، والذي لا تظهر عليه علامات التطور في المراحل المبكرة؟ وأنتم تقولون اليوم إنني أكذب على الله.وقبل هذا هل سبق لكم أن رأيتم أي شائبة لأي كذبٍ أو خداعٍ أو تزويرٍ أو زللٍ في شخصيتي، حتى اليوم كنتم تعتبروني صادقًا أمينًا وجديرًا بالثقة.
والآن كيف تقولون إن نفس الصادق والأمين أصبح كذّابًا مفترِيًا وضالًّا بين عشيةٍ وضحاها؟ يا عباد الله!لماذا لا تعقلون ولا تتصرفون بحكمة؟
والثاني هو أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تكون خالية من التناقضات.فإن حكاية النحت والعبادة والكسر، التي يبدأ الإنسان كتابتها من اليوم الأول تستمر حتى النهاية.وهذا أيضًا إذا فكرت فيه علمت أنه نتيجة لنفس التجربة والخطأ الذي ذكرناه لاحقًا، وليس هذا فحسب، فإذا اتخذت معرفته يومًا ما شكل الأدب فسوف يحدث فيه نفس الوضع.
إذا نظرت إلى أعماله بعنايةٍ يبدو لك كلٌّ من القصيدة والبلاغة والمعنى مختلفًا متفاوتًا.فيكون كلامه معجزًا للجمال في بعض الأماكن، وفي بعض الأماكن يظهر في درجةٍ سافلةٍ كثيرًا، وحتى في بعضها الآخر مهملًا.لذلك إنها حقيقة أنه لم يكن هناك أبدًا إنسانٌ في العالم يستمر في إلقاء الخطب حول مواضيع متنوعة وفي مواقف مختلفة تبلغ إلى حد الإعجاز من حيث البلاغة ورفعة الكلام، وعندما يتم جمع وشمل هذه الخطب من البداية إلى النهاية، فإنها تأخذ شكل مجموعةٍ متناسقةٍ ومتوافقةٍ ومنسجمةٍ من الكلام، حيث لا يوجد صراعُ أفكار، ولا توجد لمحة عن الأحوال التي تنشأ في قلب المتحدث والمتكلم وعقله، ولا يمكن رؤية أي علامات تغيرٍ في الرأي ووجهة النظر في أي مكانٍ فيه.
ولكن للقرآن هناك استثناءٌ من هذه الكلية أيضًا، فقد قال تعالى:
﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾(النساء:٨٢)
يقول الأستاذ الإمام:
"وكل مقولةٍ للقرآن مستحكمةٌ ومترابطة في أصولها وفروعها إلى درجةٍ لم تكن صيَغ الرياضة وقوانين الهندسة المستحكمة كاستحكامها.فإن العقائد التي جاء بها هي متناسقة ومترابطة بعضها ببعض، حتى إنَّ نَفَقًا في واحدةٍ منها يخلّ بالسلسلة الكاملة لها.فالعبادات والطاعات التي يأمر بها القرآن تنبثق من تلك العقائد كما تتفرع الأغصان من الجذع.والأعمال والأخلاق التي يلقّنها القرآن تظهر من أصولها كما تظهر اللوازم الطبيعية الفطرية من الشيء.ونظام الحياة الذي يحدث من تعليمه الجماعي يبرز في صورة بنيانٍ مرصوص.كل لبنةٍ من لبناته ترتبط وتلتصق ببعضها من بعض، حتى إن تجزئتها لا يمكن إلا بإحداث خللٍ في البنيان كله." (تدبر القرآن، ٣٤٧/٢)
ثالثًا:إن علم الإنسان لا يكون صحيحًا مطلقًا أبدًا.هناك دائمًا مزيج من الحقيقة والباطل فيه، ولذلك فهو لا يغادر الدنيا حتى تظهر أخطاء علمه ومعلوماته واستدلالاته وظنونه.وهذا هو مصير كلٍّ من سقراط وأفلاطون ونيوتن وأينشتاين.ولا يمكن لأحدٍ الهروب من هذا المصير.ولم يُستثنَ أحدٌ من ذلك في أي مكانٍ وفي أي عصرٍ في تاريخ العلم والأدب كله.لكن القرآن له استثناءٌ مدهشٌ في هذا الشأن أيضًا.
وكتاب الله هذا متواجدٌ عندنا في يومنا هذا، وقد مرَّ عليه خمسة عشر قرنًا على الأقل منذ قراءته لأول مرة، وتحدّيه باقٍ حتى اليوم.ومع ذلك لم يتمكن أحدٌ من أعظم الفلاسفة والحكماء والعلماء أن يثبت خطأ من كلامه أو بطلانًا في تعاليمه.
والدنيا في أثناء هذه البرهة الطويلة قد تغيّرت رأسًا على عقب، لكن لم يتم الكشف عن مثل هذه الحقيقة في هذه الرحلة بكاملها، ولكن في هذه الرحلة بكاملها لم يتم الكشف عن حقيقةٍ تتعارض مع الحقائق التي قدّمها القرآن، ولم تنكر أي معرفةٍ المعرفة المذكورة في القرآن، ولم يتم بأي خبرةٍ وملاحظةٍ تثبت أن التوجيه الذي أعطاه القرآن للإنسان لأي غرضٍ يهدفه باطلًا، وما يسميه حقًّا لم يكن أبدًا كاذبًا، وما يسميه كاذبًا لم يثبت صحته أبدًا.
وهذه حقائق لا تتحدّى عن القرآن كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
(حم السجدة:٤١–٤٢)
هذا هو المعيار الذي بموجبه أخبر القرآن الإنسان، بعد إثبات صحته، أن الكون الذي تخطئون في اعتقاده أنه خالقكم هو أيضًا مخلوق لمن هو خالقكم.
ألا ترون أن كل شيءٍ في هذه الدنيا هو إظهارٌ بارع ومؤشّرٌ عظيم على الخلق المبدع، وفي كل شيءٍ له آيةٌ معنوية عميقة، واهتمامٌ كبير، وحكمةٌ بالغة، ومنفعةٌ كبيرة، ونظمٌ عجيب، وترتيبٌ تام، ورياضةٌ لا نظير لها؟ لا توجيه لكل ذلك إلا أن هناك خالقًا كبيرًا، وذلك الخالق هو الذي خلقكم.
وهو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، والجبال أوتادًا، وخلقكم أزواجًا، وجعل نومكم ثباتًا وراحة، والليل لباسًا، والنهار معاشًا، وخلق فوقكم سبع سماوات شدادًا، وأضاء فيهن سراجًا مشتعلًا، وهو الذي أنزل لكم المطر الغزير، فأنبت به خضرةً وحبّاتٍ وحدائقَ مدهمةً غلّابة، كما قال تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(الحشر:٢٢–٢٤)
وينصّ القرآن على أن الاعتراف بسيادة وربوبية هذا الخالق هو شيء تم غرسه في طبيعة الإنسان منذ الأزل، ويذكر أن هذا الأمر قد حدث في شكل عهدٍ وميثاق، ويذكر القرآن هذا العهد كأمرٍ واقعي ثابت.
لقد كان بعث الإنسان إلى هنا للامتحان والابتلاء، لذلك تم محو تلك الحادثة من ذاكرته، لكن واقعيتها مطبوعة على صفحة قلبه وراسخة في كامن عقله، لدرجةٍ لا يمكن لشيءٍ أن يصرفه ويمحوها.ولذا، إذا لم يمنع شيءٌ في البيئة من تذكير الشخص بذلك العهد والميثاق، فإنه يقفز نحوه تمامًا كما يقفز الطفل نحو الأم، على الرغم من أنه لم يرَ نفسه يخرج من رحم الأم، ويقفز مع الاعتقاد لو كان يعرفها من قبل.
وإنه يشعر أن اعتراف الخالق وإقراره هذا كان استجابةً لحاجةٍ إلى ضرورةٍ طبيعيةٍ كانت موجودةً فيه، وقد وجدها الآن، لذلك وجدت جميع متطلباته النفسية مكانها معه.وينصّ القرآن أن هذه الشهادة للإنسان باطنةٌ قاطعة، لدرجةٍ أنه فيما يتعلق بسيادة الله وربوبيته، فإن الجميع مسؤولون أمام الله على أساس مجرد هذه الشهادة فقط، كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(الأعراف:١٧٢–١٧٣)
وهذا الاعتراف هو روح هذا الكون.فعقل الإنسان راضٍ عنه ويطمئن له، وصدره يكون مطمئناً للأنوار.فيصرخ قائلاً:لا ريب، إنه الله، بنوره تضيء هذه الأرض والسماوات.وقال تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(النور:٣٥)
يقول الأستاذ الإمام:
"هذه السماء والأرض، بل هذا الكون كله، هو عالمٌ من الظلمات وبلاد الدياجير للشخص الذي لا يؤمن بالله، أو يؤمن به لكنه لا يقرّ ويعترف بصفاته وما تقتضيه من الواجبات.فعقل هذا الشخص لا يستطيع أن يعرف من أين جاء هذا العالم، ولا يمكنه معرفة ما هو الغرض والغاية من وجوده.وإنه لا يستطيع حتى أن يقضي بنفسه ما هو هدفه من وجوده.هل هو استبدادي وحرّ طليق في هذا العالم، أم أنه مقيّد ومقهور؟
هل هو مسؤول أم غير مسؤول؟ ما هو خير له وما هو شر بالنسبة له؟ هل يجب أن يتبع طريق الظلم والقمع أم طريق العدل؟ هل يجب أن يسعى وراء مصالحه ورغباته الخاصة أم يعمل لغرض أعلى ومقصد أسمى من ذلك؟ تعتمد الحياة الصحيحة والناجحة على الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة.لكن الشخص الذي لا يؤمن بالله لا يستطيع أن يجد الجواب والحل الصحيح لهذه الأسئلة.
إنه يتجول ويتخبط مثل جاموسٍ أعمى في الظلام، ويسقط في النهاية في هاوية الهلاك والموت، ويصل إلى مصيره المحتوم.وأما من آمن بالله واعترف بصفاته الحقيقية، فإنه يحصل أيضاً على نهاية هذا الكون، ونهايته أيضاً تتضح له، كما أنه تتولد له الإجابات على جميع الأسئلة التي لا يستطيع غير المؤمن بالله والمتكفر حلها أبداً.ولهذا السبب لا يبقى هذا العالم مظلماً ولا بلا دياجير بالنسبة له، فإن نور الإيمان ينير له كل شيء، وكل جانب منه يتلألأ ويضيء عليه.فلأن مهما كانت الخطوات التي يتخذها يتخذها في ضوء النهار كله، وفي أي اتجاه يسير فيه، فإن نور الإيمان بالله يرشدُه.وقد أوضحت هذه الحقيقة في الآية الكريمة:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾
ومن حُرم من هذا النور يتخبط في عالم الظلمات، ولا يمكن لأحدٍ آخر أن يعطيه النور. "وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ." (تدبر القرآن، ٤٠٩/٥)
