الإسلام والدولة:السرد المضاد

نقله إلى العربية:الأستاذ محمد حسن إلياس

الوضع الذي يعاني منه العالم تجاه الإسلام والمسلمين اليوم من بعض الحركات المتطرفة، هو في الحقيقة نتيجة للفكر الفاسد الذي يتدارس في مدارسنا الدينية، والفكر الذي تنشره الحركات الإسلامية والأحزاب الدينية السياسية ليلاً ونهارًا.ولكن، ما هو الفكر الصحيح في الإسلام؟

لقد تناولت ووضحت هذه المسألة المهمة في كتابنا"ميزان"مدعومًا بالحجج والبراهين.والحقيقة أن هذا الفكر يمثل مكافحة للسرد المتطرف؛ فقد نبهت مرارًا إلى أن الفساد الذي ظهر في المجتمع المسلم على أساس الدين لا يجوز مواجهته بالدعوة إلى العلمانية، بل على العكس، يكمن الحل في صياغة سرد مضاد يواجه التطرف ويصحح السرد الديني الحالي بما يتوافق مع جوهر الإسلام الصحيح.للاطلاع على تفاصيل ذلك، يجب الرجوع إلى كتابنا نفسه، أما الجزء المتعلّق بالإسلام والدولة، فسنقدّم هنا ملخّصًا له:

١-دعوة الإسلام موجهة أصلاً للفرد، فهو يريد أن يقيم حكمه على قلب وعقل كل فرد.والأحكام التي أصدرها للمجتمع موجهة في الواقع أيضًا إلى الأفراد الذين يقومون بمسؤولياتهم كأرباب حل وعقد في المجتمع المسلم.لذلك، فإن الاعتقاد بأن للدولة دينًا، أو أن هناك حاجة لإسلامها من خلال"قرار المقاصد"أو إلزامها دستوريًا بعدم سن أي قانون يخالف القرآن والسنة، هو اعتقاد بلا أساس.الذين قدّموا هذه الفكرة ونجحوا في فرضها، قد وضعوا أساسًا للتفرق الدائم داخل الدول القومية في عصرنا، وأوصلوا رسالة للغير مسلمين في تلك المجتمعات مفادها أنهم في الواقع مواطنون من الدرجة الثانية، لا يتعدى وضعهم في أفضل الأحوال كأقلية محمية، وأن أي مطالبة بحقوقهم أمام أصحاب السلطة الفعلية في الدولة يجب أن تكون من موقع خضوع وتبعية.

٣-على البلدان التي يغلب عليها المسلمون أن تؤسس دولتها الموحدة.قد يكون هذا حلمًا لكل واحد منا، ويمكننا أيضًا أن نسعى لتحقيقه، لكن لا أساس للفكرة القائلة إنّ هذا حكم من أحكام الشريعة الإسلامية، أو أنّ المسلمين بتركه يقعون في الإثم.كلا، فليست الخلافة مصطلحًا دينيًا، ولا إقامتها على المستوى العالمي حكمًا من أحكام الإسلام.منذ القرن الهجري الأول، حين كان كبار فقهاء المسلمين موجودين، قامت دولتان مسلمتان عظيمتان:الدولة العباسية في بغداد، والدولة الأموية في الأندلس، واستمرّتا قرونًا عديدة.ومع ذلك، لم يعتبر أحد من العلماء قيامهما مخالفةً لأي حكم من أحكام الشريعة، لأنّه لا يوجد أصلًا في القرآن الكريم أو السنة النبوية أي حكمٍ في هذا الشأن.وعلى العكس من ذلك، فقد أجمع الجميع، ونقول نحن أيضًا، أنّه إذا قام للمسلمين نظام اجتماعي في مكان ما، فإنّ الخروج عليه يُعدّ من أفحش الجرائم، وقد قال رسول الله ﷺ في شأن مرتكبيه إنهم يموتون ميتة جاهلية.1

٣-إن أساس القومية في الإسلام ليس الإسلام نفسه، كما يفهم عادةً.فلا يوجد في القرآن أو السنة أي دليل صريح يوجّه المسلمين إلى تشكيل قومية واحدة.بل على العكس، يؤكد القرآن’إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ‘ 2 ومن ثم، فإن العلاقة بين المسلمين لا تقوم على وحدة قومية، بل على الأخوة الإيمانية.

وعندما تقسم الأمة الإسلامية إلى دول وبلدان متعددة، فإن الرابط بين المسلمين يظل قائمًا على الإيمان المشترك، فلا بد أن يكون كل مسلم واعيًا بأحوال إخوانه المؤمنين، ويعمل على نصرتهم ودعم المظلوم منهم، مع إعطائهم الأولوية في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.ويجب ألا تغلق الأبواب أمامهم في أي ظرف من الظروف.ومع ذلك، لا يجوز المطالبة من المسلمين أن يتخلوا عن وطنهم أو دولتهم أو هويتهم القومية ليتوحدوا تحت سلطة واحدة.كما أن الإسلام يجيز للمرء أن يعيش في دول غير إسلامية وأن يحمل جنسيتها، شريطة أن يتمتع بحرية ممارسة دينه والالتزام بمبادئه الأخلاقية، دون أن يتنافى ذلك مع الانتماء لأخوة الإيمان.

٤-قد يكون بعض المسلمين حول العالم يعلنون عن انتمائهم للإسلام، ومع ذلك يتبنون معتقدًا أو فعلاً لم يوافق عليها العلماء، أو لم يقرّها غالبية المسلمين.في مثل هذه الحالات، يمكن اعتبار هذا الفعل أو الاعتقاد غير صحيح، وربما انحرافًا عن الإسلام، إلا أنه لا يجوز اعتبار هؤلاء الأشخاص غير مسلمين أو كفّارًا، إذ إنهم يستندون إلى القرآن والسنة لاستنباط وجهات نظرهم.واقتصرت مهمتنا على انتظار يوم القيامة حين يحكم الله على المعتقدين.وفي الوقت ذاته، نحن نعترف بهم كمسلمين وفق اعترافهم، وعلينا التعامل معهم كما نتعامل مع باقي المسلمين.يجب على العلماء أن يوضحوا لهم الحق ويبيّنوا لهم الأخطاء، ويحثّوهم على العودة إلى الطريق الصحيح، حتى وإن كان تفكيرهم ميالًا إلى الشرك.كما يمكن تحذير الناس من هذه المعتقدات، لكن لا أحد يملك الحق في وصفهم بغير المسلمين أو عزلهم عن الجماعة المسلمة، فهذا الحق حكر على الله وحده، كما أكد القرآن والسنة في نصوص واضحة.

٥-الكفر والشرك والارتداد تُعدّ بالتأكيد من الجرائم الكبرى، إلا أنه لا يحق لأي إنسان أن يعاقب آخر عليها؛ فهذا حق الله وحده.في الآخرة، سيحاسب الله المذنبين، وقد يعاقبهم أيضًا في الدنيا إذا شاء.ومع ذلك، فإن مسألة العقاب في الآخرة ليست موضوع نقاشنا هنا.

في هذا العالم، تتحقق إرادة الله غالبًا عن طريق إرسال رسوله إلى قوم معينين، ليُتمّ حجته عليهم، بحيث لا يبقى لديهم عذر أمام الله.وبعد إتمام الحجة، يُصدر الله حكمه، ويُعاقب من أصرّ على الكفر أو الشرك أو الارتداد، وهذه سنة إلهية ثابتة كما جاء في القرآن:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾3

ويتضح من السنة، كما في قصة قربان إسماعيل عليه السلام وقصة خضر، أن العقاب الإلهي لا علاقة له بالأفراد العاديين.فلا يجوز أن يتدخل الإنسان في القضاء على الآخرين:

لا يسمح بإحداث ضرر لشخص فقير لمساعدته، ولا قتل طفل خوفًا من كفره، ولا التضحية بأبنائنا بناءً على رؤية شخصية كما في قصة إبراهيم عليه السلام.وبالمثل، لا يجوز معاقبة أي شخص على الكفر أو الشرك أو الارتداد إلا إذا جاء الأمر مباشرة بوحي من الله أو تعليم من رسول.وكل من يعلم تاريخ الأمة يدرك أن هذا الباب قد أُغلق نهائيًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٦-لا شك أن الجهاد من توجيهات الإسلام، لكنه يقتصر على ذوي القوة ويهدف إلى مواجهة الظلم والاستبداد.السبب الأساسي وراء هذا التوجيه هو كبح الاضطهاد، أي استخدام القمع والإكراه لإجبار الناس على التخلي عن دينهم.

ويعلم أصحاب الفهم العميق أن المسلمين لم يمنحوا سلطة الجهاد على المستوى الفردي، بل خوطبوا بصفة جماعية فيما يتعلق بهذا الحكم.ومن ثم، فإن حق شن أي هجوم مسلح من هذا النوع يعود للجماعة فقط، أي الدولة، ولا يجوز لأي فرد أو حزب مسلح اتخاذ هذا القرار نيابة عن الدولة.ولذلك جاء في الحديث النبوي: "إنما الإمام جُنّة، يقاتل من وراءه" 4.

٧-إن حكم الجهاد الذي قدّمه الإسلام هو القتال في سبيل الله، ولذلك لا يمكن أن تشنّ الحرب فيه دون ضوابط أخلاقية صارمة.فالأخلاق والآداب مقدّمة على كل اعتبار وفي جميع الأحوال، حتى في سياق الحرب والقتال المسلح.ولم يأذن الله تعالى للمسلم، حتى في ميدان القتال، أن يتخلى عن المبادئ الأخلاقية أو أن يتجاوز حدود العدل.ومن مقتضيات هذا التشريع أن القتال لا يكون إلا ضد العدو المحارب، لا ضد الأبرياء.فهذا هو قانون الإسلام:من اعتدى باللسان، يواجه باللسان، ومن قدّم دعمًا ماليًا للحرب، يمنع من هذا الدعم، أما من حمل السلاح وشارك في القتال، فهو وحده الذي يقاتل.ومع ذلك، لا يجوز قتل الأسير، بل حتى في ساحة المعركة، إذا ألقى المقاتل سلاحه واستسلم، فلا يقتل، وإنما يؤسر ويحبس.لقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن الكريم في آية جاءت ألفاظها نفسها هكذا:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ 5

كما ثبت عن النبيّ ﷺ أنه"نهى عن قتل النساء والصبيان"6، وذلك لأنهم، وإن خرجوا مع الجيوش، لا يُعدّون في الغالب من المقاتلين، إذ لا يتجاوز دورهم غالبًا تقوية عزائم المحاربين أو تحريضهم بالكلمة، دون مباشرة للقتال أو مشاركة فيه.

٨-لقد أعلن القرآن الكريم قبل قرون من مفكري الغرب المعاصر، ’وأمرهم شورى بينهم‘ 7 مما يعني أن الحكم في المجتمع المسلم يقوم على أساس التشاور، بحيث يكون الجميع متساوين في الحقوق ضمن هذا الإطار.وما يبنى من خلال التشاور يمكن تعديله بالتشاور أيضًا، إذ يصبح كل فرد جزءًا من عملية اتخاذ القرار.وعندما يتم التوصل إلى إجماع أو اتفاق تام، يؤخذ برأي الأغلبية، وهو ما يمثل جوهر مفهوم الديمقراطية.

وبناءً على ذلك، فإن الحاكمية الدكتاتورية غير مقبولة في الإسلام، سواء من سلالة أو جماعة أو مؤسسة وطنية، وحتى علماء الدين الذين يفسرون القضايا الشرعية المتعلقة بالحكومة لا يسمح لهم بفرض آرائهم كقانون إلزامي، بل تؤخذ آراؤهم بعين الاعتبار ضمن مشاورات الأغلبية.في العصور الحديثة، وجدت المؤسسات البرلمانية خصيصًا لهذا الغرض، ويُعدّ البرلمان صاحب الحق النهائي في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحكم.للناس الحق في النقد والإشارة إلى الأخطاء، لكن لا أحد يملك الحق في عصيان أو تمرد على الدولة، فالمسؤولية على الالتزام بالقرارات واجبة على الأفراد والمؤسسات، حتى لو اختلفوا في الرأي.

ويؤكد المبدأ القرآني ’وأمرهم شورى بينهم‘ أن القرارات التي تتّخذ بالإجماع داخل هيئة الحكم أو البرلمان يجب على الجميع الالتزام بها، رغم اختلافاتهم النظرية.هذا هو النظام الإسلامي لإقامة الحكم على أساس الرأي الجماعي، ومخالفته تُعدّ خروجًا على منهج الإسلام، مهما ارتقى الحاكم في مكانته أو حمل لقبًا دينيًا كالـ"أمير المؤمنين".

٩-إن القول بأن أي حكومة مسلمة مطالبة بتطبيق الشريعة في كل ما يخص المجتمع هو من أعلى درجات سوء الفهم، إذ يعطي الانطباع الخاطئ بأن الإسلام منح الحكومات سلطة فرض الأحكام الشرعية بالقوة على الناس.والحقيقة أن القرآن والسنة لم يمنحا أي حكومة مثل هذه الصلاحية.

فالشريعة الإسلامية تقسم التوجيهات إلى فئتين:الفئة الأولى تتعلق بالأفراد، والفئة الثانية تتعلق بالمجتمع الإسلامي ككل.التوجيهات الخاصة بالأفراد تقع مسؤوليتها بين الفرد والله، وليس للحكومة سلطة على هذه الأمور.لذا، لا يحق للحكومة، على سبيل المثال، إجبار شخص على الصيام، أو الحج، أو العمرة، أو الختان، أو الحفاظ على شكل الشارب، أو فرض تغطية صدر المرأة، أو منعها من ارتداء الحجاب أو الحلي عند الخروج، إلا في حال وجود اعتداء على الحقوق أو تجاوز على الحياة والمال والشرف.

لقد قرّر القرآن الكريم بوضوح تام أن من بين الأحكام الإيجابية في الدين لا يحق لأي نظام اجتماعي للمسلمين، إن أراد، أن يلزم الناس بقوة القانون إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.ثم بين القرآن أنه بعد تحقيق ذلك يكون هذا النظام ملزما بترك الناس وشأنهم وألا يحاول فرض أي أمر آخر عليهم.8

أما بالنسبة للفئة الثانية من التوجيهات، فهي موجهة فقط للحكومة، باعتبارها تمثل المجتمع في الشؤون العامة.وعندما يطلب علماء الدين من أصحاب السلطة الطاعة، يكون لهذا الطلب مبرر شرعي واضح، إذ يقع على عاتق العلماء واجب تقديم هذا التوجيه بما يضمن التزام الحكومة بتطبيق المبادئ الإسلامية في نطاق سلطتها.ومن المهم التأكيد على أن هذا الطلب لا يعني"تطبيق الشريعة"بالمعنى المطلق أو فرض الأحكام الفردية على الناس، بل يتعلق بتنظيم شؤون المجتمع وفق التوجيهات الجماعية المقررة:

١-يجب أن يكون المسلمون مواطنين متساوين أمام الدولة، لا رعايا لحكامهم، ولا يجوز التمييز بينهم على أساس الثروة أو النسب أو المكانة الاجتماعية.فلا يحق للدولة فرض أي ضرائب أو التزامات مالية على الأفراد دون موافقتهم، إلا ما نصّت عليه الشريعة، مثل الزكاة.

وعند نشوء نزاعات في الشؤون الشخصية، مثل الزواج أو الطلاق أو توزيع الميراث، يجب أن تُحلّ هذه القضايا وفق أحكام الشريعة الإسلامية، مع الالتزام بالعدالة والمساواة.كما يجب على الدولة توفير جميع التسهيلات اللازمة لأداء العبادات، بما في ذلك الصلاة اليومية، والصيام، والحج، والعمرة، مع مراعاة مبدأ العدالة والإنصاف الذي أكّده القرآن’وأمرهم شورى بينهم‘ ويجب على الدولة الحفاظ على أموالها العامة وتخصيصها لتلبية الاحتياجات الاجتماعية فقط، دون المساس بالملكية الخاصة للأفراد.ويشمل ذلك تطوير الموارد لخدمة الفقراء والمحتاجين الذين لا يستطيعون إعالة أنفسهم ماليًا.وعند وفاة أي فرد، يجب الالتزام بالإجراءات الإسلامية المتعلقة بالتحضير للدفن، بما في ذلك التكفين، وإقامة الصلاة على الميت، ودفنه في مقابر المسلمين وفق السنن المتبعة.

ب-تلتزم الدولة بتنظيم صلاة الجمعة وصلاة العيدين، ولا تقام هذه الصلوات إلا في الأماكن التي تحددها السلطة الرسمية.وتُعدّ المنابر في المساجد من اختصاص الدولة، إذ إن هذه الصلوات والخطب ذات طبيعة جماعية وسيادية، ولا يملك أي فرد أو جماعة الحق في إقامتها بصورة مستقلة داخل حدود الدولة.

ج-تُعدّ المؤسسات المنفذة للقانون في حقيقتها امتدادًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وينتخب العاملون فيها من بين الصادقين الأمناء المعروفين بالنزاهة والاحتشام، ويكون دورهم توجيه الناس إلى الخير وتحذيرهم من الشر، لا افتراض الإجرام فيهم.ولا تُستخدم سلطة القانون إلا عندما يثبت وقوع اعتداء على الحقوق، أو تجاوز على النفس، أو المال، أو الكرامة الإنسانية.

د-تلتزم الدولة التزامًا مطلقًا بإقامة العدل والقسط، حتى في تعاملها مع أعدائها.فهي تشهد بالحق ولا تتخذ أي إجراء يتعارض مع مبادئ العدالة والإنصاف، التزامًا بالميزان الأخلاقي الذي قرره القرآن.

هـ-إذا أبرمت الدولة عهدًا أو اتفاقًا، سواء مع أفراد داخل ولايتها أو مع دول أخرى، وجب عليها الوفاء به نصًّا وروحًا، وبأقصى درجات الصدق والإخلاص، ما دام الاتفاق قائمًا ولم ينقض من الطرف الآخر.

و-لا تقرّ عقوبة القتل في الإسلام إلا في حالتين فقط:القتل العمد، والفساد في الأرض.وإذا ثبت على مسلم ارتكاب جريمة من الجرائم الكبرى، كالقتل أو السرقة أو الزنا أو القذف أو الإفساد في الأرض، واقتنع القاضي، بعد استنفاد جميع احتمالات العذر المرتبطة بالظروف الشخصية أو الاجتماعية، بأن الجريمة تستوجب العقوبة، جاز تنفيذ العقوبات التي فرضها الله، شريطة أن يكون ذلك بعد التزام صادق بالإسلام، وتحقق كامل لشروط العدالة والإثبات.

ز-ستقوم الدولة، على مستوى المسؤولية العامة، باتخاذ التدابير اللازمة لإيصال دعوة الإسلام إلى أقاصي العالم.فإن سعت أي قوة في الدنيا إلى عرقلة هذه الدعوة، أو مارست القهر والعنف ضد من آمنوا بها، فإن الدولة ستعمل، في حدود قدرتها وإمكاناتها، على إزالة تلك العوائق ووقف هذا العنف، ولو اقتضى ذلك اللجوء إلى القوة.9

١٠-هذه الأحكام المتعلقة بالنظام الاجتماعي هي من توجيهات الشريعة، وقد خُصّت بهذه النصوص مع التنبيه والتحذير الواضح بأن من يعترف بكتاب الله ولكن لا يحكم بما أنزل الله فيه، فسيكون حكمه عند الله يوم القيامة من الظالمين والفاسقين والكافرين.10ومع ذلك، إذا قصر أصحاب السلطة والقيادة في المجتمع المسلم أو تصرفوا بتمرد على ما أمر به الشرع، تقع على عاتق العلماء والمصلحين مسؤولية تحذيرهم من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة.ويجب عليهم دعوتهم إلى التصرف الصحيح بالحكمة والموعظة الحسنة، والرد على استفساراتهم، وإزالة الشكوك التي تعتريهم، مع تقديم أدلّة واضحة تبيّن الحكمة من تشريعات الله وعلاقتها بالحياة الاجتماعية، وأسباب صدور هذه التوجيهات، والصعوبات التي قد يواجهها الإنسان المعاصر في فهمها.ويجب على العلماء استخدام أساليب تربوية دقيقة وعقلانية، بحيث تتضح للمتلقين حكمة هذه الأحكام وغاياتها الروحية والاجتماعية، ويصبحون قادرين على قبولها بالكامل والعمل بها بطمأنينة ورضا.وقد بيّن القرآن الكريم أن وظيفة العلماء تكمن في الدعوة والإنذار، ولا تقع على عاتقهم مسؤولية السيطرة على الناس أو إنشاء جماعات لإجبارهم على الالتزام بالشريعة بقوة السلاح.

[٢٠١٥م]


مدير البحوث والاتصال بمركز غامدي للتعلّم الإسلامي(GCIL)أمريكا

1البخاري، رقم ٧٠٥٣، ٧٠٥٤

2الحجر ٤٩:١٠

3يونس ٤٧:١٠

4البخاري، رقم ٢٩٥٧

5البقرة ١٩٠:٢

6البخاري، رقم ٣٠١٥، مسلم، رقم ١٧٤٤

7الشورى ٤٢:٣٨

8التوبة ٩:٥

9للاطلاع على الأدلّة في مصادر الإسلام المتعلقة بهذه الأحكام، انظر كتابنا"ميزان".

10المائدة ٤٤:٥

الإسلام والدولة:السرد المضاد - أفكار - أفكار