الأستاذ لا يوبخ أبداً
ترجمة عن النص الأردي:عثمان فاروق
الأستاذ لا يوبخ، بل ينزل صوته في عتماتنا، علّنا نسمع صدى كينونتنا الحقيقية وسط ضباب الإرادة ولهاث العادة.توبيخه، في جوهره، ليس سوى محاولة لإيقاظ تلك الأصوات التي دفناها تحت طبقات من الراحة والخوف والنسيان الذاتي.إنه لا يوقظنا فقط، بل يعرض أمامنا المرآة التي تجنبنا النظر فيها طويلاً.يذكرنا بأننا لسنا مجرد أشخاص أو أجساد عابرة، بل نحن طاقات كامنة لم نمنحها بعد فرصة الاكتشاف.وحين يكون قاسياً، فإنما يسلط حرارة صدقه على ذلك الموضع فينا الذي تشتعل فيه رغبة صادقة لأن نكون شيئاً ذا قيمة، لكننا نحاول كبتها وإخفاءها.فغاية توبيخه ليست أن يسقطنا، بل أن ينهض بنا من تحت الركام الذي صنعناه بأيدينا.
ولهذا، لا ينبغي أن يكون ألمنا من صوته بسبب جرح الكبرياء، بل من أننا أوصلناه إلى لحظة اضطر فيها إلى الشدة.فالألم الحقيقي يسكن الأستاذ، ذاك الذي يؤمن بنا أكثر مما نؤمن بأنفسنا.ذاك الذي كان بوسعه أن يصمت ويتراجع، لكنه لا يفعل...لأنه يعلم أن الحلم فينا لا يزال يتنفس، وإن غاب عن سمعنا، فإنه يرفع صوته حتى نفيق.فلا تظنوا أن صوته العالي توبيخ، بل هو انحناءة تولد من عين ترى تلميذها يهبط عن المنزلة التي تمنت له أن يسمو إليها.هو قلق ينشأ في قلب الأستاذ، حين يرى أن تلميذه قد رضي بأقلّ من ذاته الحقيقية.
إنه لا يصرخ علينا، بل يوقظ فينا الحلم الذي كففنا عن رؤيته.وإذا أصغى القلب إلى توبيخه، لم يعد ذاك الصوت غضباً، بل غدا باباً يفتح باباً للتأمل في الذات، باباً يكشف لنا أحلاماً مؤجلة، وقدرات خاملة، وإمكانات تتألم في صمت.وإن لم نرفض هذا الصوت، بل استقبلناه كطرق على باب وعينا، فقد يكون هو المفتاح الذي يخرجنا من دوائر الجمود إلى آفاق من النهوض والتحقق.لكن هذا لا يتم إلا إذا مثلنا أمامه بلا قشور الكبر، وبنية خالصة للتعلم، وقلب منفتح...
لا بدفاع، ولا بتعقيد، بل بإيمان بأن الحقيقة، وإن كانت مرة، فإنها جاءت لتصلحنا لا لتحطمنا.
تذكروا:اليوم الذي يصمت فيه الأستاذ، هو اليوم الذي ينبغي أن نخافه.لأن الصمت ينزل حيث مات الأمل.وإن وبخك الأستاذ اليوم، فاشكر الله، فلعله الوحيد الذي لا يزال يرى فيك مجداً لم تبلغه بعد.وقد أنشد أحد شعراء الأردية في فضل الأستاذ:
رہبر بھی یہ، ہمدم بھی یہ، غم خوار ہمارے
استاد، یہ قوموں کے ہیں معمار ہمارے
(رائدنا، رفيقنا، شفيقنا في الشدائد، أستاذنا هو معمار الأمم ومشعل الحضارة)
ملاحظة:
هذه الكلمات موجهة لذلك الأستاذ الذي تخفي شدته حباً، ولهجته حرصاً صادقاً على الإصلاح...
ذلك الذي لا يوبخ ليقمع، بل ليوقظ...
الذي لا يمارس القهر، بل يصوغ التربية.
وأما من ينشر الخوف باسم التعليم، فلا يدعى أستاذاً، بل هو من يحتاج إلى أستاذ.
