logo
أخرى

التحقيق في سياق نزول الآية "إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ"

بحث في سبب نزول قوله تعالى: "إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ"

هل كان وليد بن عقبة فاسقًا؟

(2)

]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة.وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

بعد هذه النقطة الأساسية، لا تبقى هناك حاجة لمناقشة كل رواية على حدة، لكن من باب الاطمئنان الإضافي سأعرض أمام الدارسين كل رواية على حدة.

رواية مجاهد

روى ابن جرير بسنده رواية ابن أبي نجيح وقال:

عن مجاهد في قوله تعالى: 'إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ' قال هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالهدية، فرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني المصطلق جمعت لتقاتلك (تفسیرابن جریر الطبری، سورۃ الحجرات، بتحقیق د، عبد اللّٰہ بن عبدالمحسن الترکی، مرکز البحوث للدراسات العربیة والاسلامیة بدار هجر للنشر والتوزیع. (21/351)

ففي سنده هناك كلام أن مجاهد لم يذكر الشخص الذي علم منه هذه القصة. و أن هذا الأمرأيضا بعيد عن المعقول الذي جاء في النص أن الوليد عاد بعد ما رأهم، وأيضاً أن الهدية والتحفة تُقدمان للضيف عند وقت العودة، وليس عند وقت القدوم.

رواية قتادة

قوله "إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ" هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث نبي الله خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل. فانطلق حتى أتاهم، فبعث عيونه فلما جاءوا وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يُعجب فرجع إلى النبي فأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: التبين من الله والعجلة من الشيطان."(تفسيرالطبري:21/ 352)

رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى

إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ... نزلت في الوليد بن عقبة حين أُرسل إلى بني المصطلق. (تفسير الطبري 21/ 352)

رواية يزيد بن رومان

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم هموا بقتله، ومنعوا ما قبلهم من صدقاتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوتهم حتى تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم، فبينما هم في ذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا سمعنا برسولك حين بعثت إلينا فخرجنا إليه لنكرمه ولنؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاستمر راجعاً فبلغنا أنه يزعم لرسول الله إنا خرجنا إليه لنقتله، والله ما خرجنا لذلك، فأنزل الله في الوليد بن عقبة وفيهم: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.

فانظر أن قتادة ويزيد بن رومان كلاهما لديهما تناقض واضح في رواياتهما كما هو ظاهر، وقدذكر المفسر نظام الدين النيسابوري في تفسيره إضافةً على رواية يزيد بن رومان بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدق اعتذار وفد بني المصطلق الذين قالوا: يا رسول الله، إنما خرجنا لإكرام رسولك وإعطاءه مال الزكاة، لكنه لم يتوقف ورجع مسرعاً. عند سماع ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: توقفوا عن طغيانكم، وإلا سأرسل إليكم شخصًا هو عندي كنفسي، يقتل مقاتليكم ويأسر أطفالكم. وبعد أن قال ذلك، ضرب بيده على كتف علي بن أبي طالب وقال: هذا هو الشخص. فعند سماع هذا، صرخوا نحن نعوذ بالله وغضب رسوله. فاتاهم النبی صلی اللّه عليه وسلم وقال لتنتهن أولابعثن الیکم رجلا هو عندي كنفسي یقتل مقاتِلتکم ويسبي ذراریکم، ثم ضرب بیده علی کتف علي رضي الله عنه فقالوا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله."(تفسیر النیشابوري علی هامش تفسیر الطبري، سورة الحجرات)

هذا الجزء من الرواية بعد قراءته يكشف تمامًا الحقيقة بأن هذه القصة المتعلقة بالوليد وآية "إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ" هي مفتعلة من قبل فئة معينة. ولا ندري لماذا تجاهل المودودي هذا الجزء.

 وبالإضافة إلى هذه الروايات المرسلة، نُسبت هذه القصة أيضًا إلى السيدة أم سلمة وعبد الله بن عباس والحارث بن ضرار وتم نقلها بهذه النسبة.

رواية منسوبة إلى السيدة أم سلمة

يقول ابن جریر الطبري:

حدثنا أبو كريب ثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الواقعة فسمع بذلك القوم فتلقَّوه يعظِّمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدَّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفُّوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا بذلك وقرَّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال وأذَّن لصلاة العصر ونزلت: يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق. (تفسير الطبري 21/ 349)

في إسناده علتان: أولًا أن روايه موسى بن عبيدة شديد الضعف كان شخصًا غاليا في التشيع وقد أشار النسائي وعلي بن المديني وابن معين وغيرهم إلى ضعفه.

فيقول الإمام أحمد: "لاتحل الرواية عندي عنه". وقال مرة "لایکتب حدیثه". وقال البخاري قال أحمد: "منکر الحدیث، حدث أحادیث منکرۃ". ثانيًا ثابت مولى أم سلمة هو شخصية افتراضية. لم يكن لأم سلمة أي غلام بهذا الاسم فإن كُتب الرجال تظل صامتة إزاء إثبات وجود هذا الثابت.

وعلى الرغم من ضعف السند، حتى لو افترضنا أن أم سلمة رضي الله عنها قد روت هذه القصة بالفعل، فليس من الممكن أن تكون قصة الوليد بن عقبة. فلم يُذكر اسم الوليد في هذه الرواية، ولم يكن الوليد مؤهلاً في العهد النبوي ليُرسل كمصدِّق في أي مكان. كان الوليد طفلاً غير بالغ عند فتح مكة، وانتقل إلى المدينة مع أهل بيته بعد الفتح. وكان فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وإذا تم هذا الحدث المنسوب للسيدة أم سلمة، فقد حدث في السنة السابعة للهجرة لذلك، لا علاقة للوليد بهذا الحدث.

[للبحث صلة ]

(مترجمة من الأردية)