logo
أخرى

ما الذي يندرج ضمن الإيمانيات ومالايندرج؟

ما الذي يندرج ضمن الإيمانيات وما لا يندرج؟

إن علماءنا الكرام يدرجون بعض التصورات والوقائع والتنبؤات المذكورة في القرآن والحديث في زمرة الإيمانيات. بعبارة أخرى يرون أنها تحمل نفس طبيعة العقائد: التوحيد والرسالة والآخرة، التي يجب الإيمان بها. ولكن من وجهة نظر أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي فإن القيام بذلك يتعارض مع العرف الديني، وكنتيجة لهذا فإن تصنيف محتويات الدين يتضرر، وتكتسب تلك الأمور منزلة الإيمانيات التي هي في الواقع قابلة للتدبر وفيها مجال للاختلاف في الفهم والتأويل. وموقفه يمكن تفصيله على النحو التالي: الإيمان يعني أن يقبل الإنسان شيئًا بقلب مليء باليقين. وأصله الإيمان بالله، ولكن من حيث التفصيل يتكون من الأمور الخمسة التالية: 1- الإيمان بالله، أي أن نسلم أنفسنا بشكل كامل إلى ربنا دون أية شائبة من الشرك. 2- الإيمان بالملائكة، أي الإيمان بأن الملائكة هي مخلوقات الله تعالى البريئة والمتصفة بالقداسة، توصل هدايته إلى البشر، وهي أمينة وجديرة بالثقة تمامًا، وتُنفذ قرارات القضاء والقدر من خلالها. 3- الإيمان بالأنبياء، أي الاقرار بأن الأنبياء هم مرسلون من عند الله تعالي للبشر وواجب اتباعهم، وأن علمهم معصوم من الخطأ وعملهم قدوة للحياة، وأن الطاعة والاتباع والمحبة لهم ضرورية لكل شخص. 4- الإيمان بالكتب، أي الإيمان بأن ما يقدمه الأنبياء عليهم السلام باعتباره كتابًا إلهيًا هو صحائف هداية من الله تعالى. لقد أنزلها الله لتكون معيارًا للحق والباطل ولكي يلتزم الناس في قضايا الدين كلها بالعدل ويقوموا بالطريق الصحيح. 5- الإيمان بيوم الجزاء، أي الإقرار بأنه بعد الموت سنبعث حتماً ولن يكون هناك أي شيء ينفعنا سوى الإيمان والعمل الصالح، وسنكون مسؤولين أمام الله عن كل قول وفعل، ولن يكون لأحد القدرة على أن يتحدث كلمة واحدة لصالحه هو دون إذن من الله. فقد قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. (البقرة 2: 285\) وقد ادرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيمان بالله فرعاً من فروعه وهو القدر بخيره وشره – وبيّنه بهذه الطريقة: أن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملٰئکته، وكتبه، ورسله والیوم الاٰخر، و تؤمن بالقدر خیره وشره.(رواه مسلم، رقم 102\) من الواضح أن الأشياء التي تُعتبر في الدين جزءاً من الإيمان والعقيدة هي هذه الخمسة فقط. فلا يجوز بيان الأجزاء الأخرى من الدين تحت عنوان الإيمانيات. عندما قام الله ورسوله بتحديد مواضيع الإيمانيات، فلا حق لنا في تعديلها أو الإضافة فيها. ولذا كمثال ندرج الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج والعمرة والأضحية ضمن زمرة العبادات؛ ونتخذ للجهاد والحدود والتعزيرات تعبيرات للقانون والشريعة؛ ونعتبر هلاك عاد وثمود وقصص أصحاب الكهف وذي القرنين أخبار الماضي؛ ونسمي فتح مكة وانتصار الروم بالتنبؤات، وظهور الدجال، ونزول المسيح وخروج يأجوج ومأجوج نذكرها تحت عنوان علامات القيامة. إذا كانت نسبة هذه الأمور إلى الرسالة النبوية صلى الله عليه وسلم متحققة نقبلها بلا شك أو ريب، ونعتبر إنكارها متناقضًا مع الإيمان ولكن لن نتخذ لها تعبيرَ "الايمانيات". ومن الجوانب المهمة في ذلك أن إدراج بعض محتويات القرآن الكريم التي تتطلب التأمل، والتي يمكن أن يحدث فيها اختلاف في التأويل أو التفسير، فإن إدراجها ضمن الإيمانيات يخلق مشكلتين من الناحية العلمية. تنظر من زاوية معينة فإنه يدخل مفهوم الإيمانيات في دائرة البحث بذلك. والإيمانيات هي أسس الدين، والاعتراف بإمكانية البحث والنقاش والاختلاف حولها يعادل إحضار أسس الدين إلى موضع نزاع، وبالتالي إذا أُدرجت الأمور الخلافية من الأخبار والمعلومات في زمرة الإيمانيات، فسيفتح الباب للنقاش والجدال حول القضايا الأساسية للإيمانيات على سبيل المثال، فإن مفهوم ختم النبوة جزء من الإيمان بالرسالة، ويجب الإيمان به دون شرط أو قيد، والحياد عن ذلك يعد حيادًا عن الإيمان، ولا توجد مساحة للنقاش والجدال حول هذا الموضوع بينما نبقى متمسكين بالإيمان. ولكن على سبيل المثال ـ إذا أُدرجت علامات القيامة ـ مثل أن تلد الأمة ربتها وتسابق العرب وتطاولهم في بناء المباني، وطلوع الشمس من مغربها، وظهور دابة من الأرض –– وهي أخبار قابلة للتأويل –– في قائمة الإيمانيات، فيتم اعتبار الأصول الأساسية للإيمانيات مثل النبوة وختم النبوة قابلة للتأويل أيضًا. وعلى العكس من ذلك، إذا نظرنا من زاوية أخرى فإن منح الأشياء التي تتعلق بالأخبار والمعلومات مقام الإيمان سيؤدي إلى انتهاء مبرر التفكير والنقاش حولها. كأنما إذا لم يقبلها محدث أو مفسر أو قام بتأويل مختلف فتثار التساؤلات حول عقيدته وإيمانه. وتدبروا فهم هذا الأمر ببعض الأمثلة يمكن أن يكون السؤال عن من هم المصداق في القرآن بعبارة "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" أو السؤال عن أي شجرة نُهي عنها آدم علية السلام، موضوعًا للبحث والدراسة. ومثل هذه النقاشات هي نقاشات وبحوث علمية، حيث يمكن أن يختلف العلماء في فهمها وكثيرًا ما حدث ذلك بالفعل. وقضية أخبار ذي القرنين والخضر عليه السلام هي أيضًا مشابهة. ومعنى "ذي القرنين" الشخص الذي عنده قرنان، ولكن أي شخصية يعبر عنها، القرآن يظل صامتًا عن ذلك. ومن ثم، يعتبره بعض العلماء الإسكندر المقدوني الأكبر، ويرى البعض الآخر أنه كان ملكًا في اليمن ومنهم من يعينه كسرى الملك الفارسي المسمى بخسرو، وفيما يتعلق بالخضر عليه السلام، هناك ثلاث آراء بارزة فوفقاً لأحدها إنه ملك ووفق أخرى إنه كان نبيًا، وفق الثالثة كان وليًا. من الواضح أن مثل هذا الاختلاف العلمي لا يؤثر على العقائد الإيمانية، ولكن إذا قررنا عدّ مثل هذه الأخبار من ضمن الإيمانيات، ففي الحالة الأولى سيتم إغلاق باب النقاش حولها، وفي الحالة الثانية يصبح المفسرون والشارحون المتخالفون متهمين بإنكار الإيمانيات. ونتيجة لذلك، قد يبدأ أيضًا إصدار قوائم مستقلة للإيمانيات من قبل أهل العلم تحت عناوين الإيمانيات، مما يمكن أن يضر بمكانة الإيمانيات المسلمة والمتفق عليها. لذلك، من الضروري أن تبقى العقائد الإيمانية متجاوزة ومترفعة بشكل دائم عن مثل هذه المناقشات والنزاعات. (مترجمة من الأردية)