logo
أخرى

قضية الإلحاد

قضية الإلحاد

على النقيض من الله الذي يدعو الدين إلى الإيمان به، كان هناك دائمًا أولئك الذين يعتبرون كونَنا هذا هو خالق الإنسان وربه. وهذا ما يسمى الإلحاد. وكان قبل القرن السابع عشر الهيمنة السياسية للدين والفكر الديني قائمةً على مستوى العالم. وقد استمرت هذه الهيمنة لأكثر من ألف عام بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه هي الفترة المذكورة في الكتب المقدسة الإلهية لذلك. (راجع إلى الكتاب المقدس، رؤيا يوحنا 20: 7-9) وبما أنها كانت نبوءةَ رُسل الله، لذلك فقد تحققت نصًا وروحًا، والآن انتهت هذه الهيمنة في جميع أنحاء العالم. وفي الجو الذي خلقه ذلك الفراغ، أصبح دعاة الإلحاد بارزين بأعداد كبيرة، فهم الآن يعرضون قضيتهم ضد الدين باقتناع كامل.

وإن الاعتراضات التي يتم فيها تقديم هذه القضية مضمونةً بشكل أساسي تتمخض في أربع إيرادات. وسنشرح في السطورالآتية الطريقة التي أجاب بها القرآن عليها:

الاعتراض الأول هو أن مفهوم الله الواحد هو نتيجة التطور الفكري للإنسان. ومن هنا يمكننا أن نرى أنه لا يوجد أي أثر للإله الذي قدمه القرآن، في التاريخ المبكر للإنسان. فأينما نظرت إليه، فإن مظاهر الشرك تتواجد في كل مكان فيه، لكن التوحيد لا يُرى في أي مكان. ومن ثم، فإن الحقيقة هي أن فكرة الإله الواحد قد ظهرت تدريجيًا في هذا التاريخ، وذلك أيضا برعاية ظروف من يقدمونها فمثلاً ظهرت كمَلك في بعض الأماكن، وكزوج فخور في بعض الأماكن، وكزعيم ديني متعاطف مع الفقراء في بعض الأماكن، وليس هذا فحسب، بل جلب الإنسان معه أيضًا تقاليدَ الأديان المتعددة الآلهة من هذه الرحلة، وكان يطالب بجعلها خاصة لنفسه في جميع الأزمان. فكيف يمكن للإنسان العاقل أن يقبل هذا الإله الذي صنعه الإنسان بنفسه كخالقه وسيده وإلهه؟

وردًا على هذا الاعتراض، يمكن لنا أن نقول إن أسطورة التطور هذه مجرد أسطورة. ولا يمكن العثور على أي أساس لذلك في عالم الحقائق. إن ما هو معروف حتى الآن عن تاريخ الفكر الديني للإنسان يمكن إرجاعه إلى خمسة آلاف سنة. ولكن ما هو عمر الإنسان على الأرض؟ وفي ضوء التحقيقات التي تم إجراؤها حتى الآن و تم تقديرها فهذا حدث وقع منذ آلاف وآلاف السنين قبله. وبعد ذلك، ما الذي يمكن أن يكذب قول القرآن أن البشر كانوا على دين واحد في البداية؟

وقد تم توجيهه لهم من قبل ربهم نفسه. وتسللت الانحرافات في فكرهم الديني في وقت ما بعد ذلك، مما أدى إلى انشقاقات فتفرقوا. فالشرك شيء وليد من ذلك العصرمن التفرق والتشتت. ومن ثم فمن المؤكد أن رحلة الفكر الديني لم تكن من الشرك إلى التوحيد، بل على عكس منه من التوحيد إلى الشرك.كما قال تعالى:

وَمَا كَانَ النَّاسُ اِلَّا اُمَّةً وَّاحِدَةً فَاخْتَلَفُوْا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيْمَا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ. (یونس 10: 19)  

وتاريخ الألفي سنة الماضية يشهد أيضًا على هذه الحقيقة. ويعرف العلماء أن هذا التاريخ بدأ بالدعوة إلى التوحيد على يد إثنين من أعظم رُسل الله المسيح ومحمد. ولكن بعد ذلك انظر ما أحدثه خليط الفلسفة والتصوف من انحرافات في تعاليمهما، حتى جعله أتباع المسيح نفسه ابنًا للّٰه وأمه أمَ الرب، وهم يدعونهما ويناجون منهما، وفي أتباع محمد (عليه السلام) هناك من الناس من يرى "أحد" في حجاب أحمد فرق بينهما ميم فقط، فيصرخ في عالم الجذب والكيف:

وہی جو مستوی عرش تھا خدا ہو کر        اتر پڑا ہے مدینہ میں مصطفیٰ ہو کر

(إن الذي كان مستويًا على العرش في السماء هو الذي نزل إلى المدينة في صفته المصطفوية المحمدية.)

وبعد ذلك، لاتحتاج هذه الحقيقة إلى دليل أن الطقوس التعبدية ومراسمها قد تم تعيينها في الأصل من قِبل الله وخالصةً للّٰه، ولكن عندما خلق الشرك آلهته، فتبناها المشركون لآلهتهم أيضًا مع بعض التعديلات.

لذلك، عندما بعث الأنبياء، كان أكبر مطلب للناس في دعوتهم هو أن يا أيها الناس، هذه الطقوس ومراسم العبودية هي خاصة ب الله فقط ويجب أن تظل خاصة به، لأنه وحده هو ربكم، وهو ملك الكون وهو الإله الواحد، لا إله إلا هو.

وأما أن مفهوم الله يبدو غير متجانس في الكتب المقدسة الإلهية هو ببساطة بسبب سوء الفهم. هذه الكتب المقدسة هي من روائع البيان الأدبي. لذلك، ولذا يمكن فصل آياته عن البيانات التاريخية لمؤلفيه في كل مقام ويمكن إظهار كيف حاول الناس فهمها وتفسيرها مع نقص المعرفة والافتقار إلى اللباقة الادبية وعدم الذوق الأدبي، وبالتالي دمروا كل جمالها بتفسيراتهم. ولذا يصدق القول إن قيل عنهم:

من ذهب بشعري إلى أهل المدرسة (الذين لايستطعون فهمه)

الاعتراض الثاني هو أن الطريقة التي يفهم بها الناس الدين، والفكر الديني الناتج عن ذاك الفهم هي مجموعة من التناقضات. إنه لا يتفق على فكرة الله وتصوره، ولا على صفاته وأفعاله، ولا على طريقة تعامله مع الإنسان، ولا في وصاياه وتعليماته له، ولا على مطالبه من الإنسان، ولا على آرائه في الإنسان والكون. فكأن الأمركما عبربه شاعرأردي:

لائے ہیں  بزم ناز سے یار خبر الگ الگ

(إن اصحاب الحبيب قد جاؤوا بأخبارمتفرقة متضاربة من حفلة حبه)

هل يمكن إذن أن يتوقع من صاحب عقل وشعور أن يفكر أو يؤمن بهذه المجموعة من التناقضات بأي درجة؟

والجواب على هذا الاعتراض هو أن هذه الاختلافات هي نتيجة حتمية للقدرة الممنوحة للإنسان على فهم الحقائق الوجودية واستنباطها منها. فإن العجائب التي أظهرها الإنسان حتى الآن في هذا العالم هي كل من فوائد هذه القدرة. ليس هناك شك في أن المشاكل قد نشأت بسبب استخدامه، ولكن ضع في اعتبارك أن الشرف الحقيقي للإنسان هو هذه القدرة. الإنسان إنسان من أجلها وبسببها. لقد خلقه خالقه بهذه الطريقة وأعطى له معها الأخبار السارة عن الحياة الأبدية. فكيف يتوقع أنه من أجل خلق الوحدة في فهم إرشاده، سوف يسلب هذه القدرة من الإنسان؟ بالطبع لا، لقد أصدر حكمًا واضحًا بأن "لا إكراه في الدين"، ولذا لم يتعرض أحد للاضطهاد في مسألة الدين ولن يتم ذلك مرة أخرى مستقبليًا.

ومع ذلك، فهذا لا يعني أن الإنسان قد تُرك وهُجر ليعيش في متاهة الاختلافات نتيجةً لذلك. يقول القرآن أن دين الله هو نفسه وأن اسمه كان دائمًا "الإسلام"، ولكن بمجرد ظهور هذا الموقف الاختلافي في فهمه، بدأ الله يرسل أنبياءه إلى كل أمة وبعث أيضًا بكتبه معهم. وتم إنزال هذه الكتب بصفتها ميزانًا وفرقانًا للتمييز بين الحق والباطل، حتى يتمكن الناس من فصل خلافاتهم من خلالها، وبالتالي إقامة العدل في مسألة الحق.فقال تعالى:

كَانَ النَّاسُ اُمَّةً وَّاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيّنَ مُبَشِّرِيْنَ وَ مُنْذِرِيْنَ وَاَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيْمَا اخْتَلَفُوْا فِيْهِ. (البقرة 2: 213)

والقرآن الكريم هو كتاب أخير نهائي من هذه السلسلة، فهو الآن كتاب واحد بين جميع الكتب الإلهامية للعالم، الذي يمكن أن يقال بثقة كاملة إنه موجود فينا في نفس اللغة ونفس الأسلوب ونفس الترتيب الذي نزل فيه بدون أدنى تغير ولا تبدل. وتواتره هذا معجزة في مكانه فإنه كتاب واحد في العالم الذي يمكن للملايين من المسلمين أن يسمعونه من "الحمد" حتى "والناس" من حفظهم محضًا. والتاريخ يشهد أن هذا التسلسل لرواية هذا الكتاب وصيانته هو من جانب رب العالمين بنفسه.

وقد اشارالقرآن نفسه إلى بعض الجوانب من صيانته من حين لأخر ومنها مايلي في ألفاظ الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي:

''أولًا أن الله تعالى قد اهتم اهتمامًا خاصًّا لكي لا تتدخل الشياطين في الوحي القرآني. وإن كان هذا اهتمامًا عامًّا في الكون أن لا تستمع الشياطين ما يذكر بالملأ الأعلى ولا تختلط ولكن كان هناك اهتمام خاص لكي لا تخطف الشياطين خطفة في الوحي القرآني، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وثانيًا الملك الذي تم انتخابه لهذا العمل الخطير وصفه القرآن "بذي قوة مُطاع ثَم أمين قوي عند ذي العرش مكين.'' فهو قوي لدرجة أن لا تغلبه الأرواح الخبيثة وهو أمير الملائكة لا ينسى شيئًا فماذا يُسلم إلقاءه إليه يلقيه بأمانة كبيرة، ولا يسعه أن يكون هناك فرق كبير أو صغير فيها. وهو ملك مقرب عند الله تعالى وقربته تدل على أنه خير الملائكة وأفضلهم في صلاحياته. وظاهر أن هذا أيضًا حتى لا يكون هناك إمكان ما لتدخل الباطل فيه من جانب منبعه.

وثالثًا البشر الذي تم انتخابه لتحمل هذه الأمانة الكريمة هو خير الخلائق كلهم من كل الاعتبارات. ولم يحمله أن يحفظه ويصونه ويرتبه واحدًا بنفسه بل فرض الله ذلك على نفسه ولذا قال له في سورة القيامة: لَا تُحَرِّكْ بِه لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه اِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَه وَقُرْاٰنَه فَاِذَا قَرَاْنٰهُ فَاتَّبِعْ قُرْاٰنَه ثُمَّ اِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه (القيامة 75: 16-19) فتقول الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار كانوا يحفظون القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذاكره كل عام في شهر رمضان كي لا يكون هناك سهو ونسيان. وتكون المذاكرة بترتيب رضي ربه الله أن يدون عليه القرآن. وكما تقول الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قام بهذه المذاكرة القرآنية مع جبرئيل الأمين مرتين في رمضان في حياته الأخيرة ثم ضبط وكتابة وتدوين القرآن كله مطابقًا لقراءة العرضة الأخيرة هذه، وقام الخلفاء الراشدون ببعث نقوله إلى مدن وبلدان المملكة الإسلامية في طولها وعرضها. ولم يحظ أي صحيفة من الصحف العتيقة بهذا الاهتمام الخاص حتى وأن صحف التوراة لا أحد يلم عليها بإلمام بأي زمن رتبت صحفها المختلفة وفي أي زمان وبواسطة من.

ورابعًا أن القرآن كلام معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فلا يُرقع بكلام الغير حتى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي نزل عليه وهو أفصح العرب والعجم، لا يدانيه ولا يقابله، فلا إمكان أن يختلط به كلام الغير. فإن التاريخ قد احتفظ في كتب التاريخ والأدب نماذج من مزخرفات مدعي النبوة الكاذبين الذين تجاسروا على القول بكلام مصطنع بجواب القرآن. فقارن بينه وبينها وجدت فرقًا كفرق الجوهر الخالص والزخرفة. وبهذه الطريقة، تم سد طريق التسلل إلى القرآن حتى من الخلف.كماقال: لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.( حٰم السجدة 41: 42)

وخامسًا أن الله قد وعد بحفظ اللغة القرآنية مع صيانة القرآن إلى يوم القيامة. فإنه قد دخلت التحريفات الكثيرة التي لا تحصى في الصحف السماوية الأخرى بسبب اندراس لغاتها الأصلية بطريق الترجمات. ولا يمكن التطرق إليها اليوم، ولكن لغة القرآن الأصلية محفوظة مصونة وتظل مصونة إلى يوم القيامة فلا يتطرق إليه أي باطل بطريق الترجمات والتفاسير. وإذا كانت هناك محاولة خبيثة لإدخال أي باطل فيه فبوسع أهل العلم أن يفرقوا ويميزوا بين الحق والباطل على المعيار الأصيل." (تدبر القرآن 7/112)

الاعتراض الثالث هو أن موقف الله الذي يدعوه الدين إلى الإيمان به قاس للغاية. إنه يقتل حتى الأطفال بكاءً بالأمراض والمعاناة، ويذبح الملايين ومئات الملايين من الحيوانات كل يوم على أيدي البشر كما أنه يمكّن للحيوان أن يمزق حيوانا آخر، فهو لا يمسك بيد أي قاتل وظالم، بل يمنحهم فرصًا للتصدي والعدوان، ويخلق مخلوقات لا حصر لها فقط حتى يتمكن الإنسان من إصلاحها وإخضاعها وتسخيرها لعمله. حتى أنه يلهم البشر لقتل ومحاربة البشر ويعد المكافآت لهم على ذلك. وليس هذا فقط، إن هذا العالم الذي خلقه ليس مثاليًا من جميع النواحي. فهناك زلازل، هناك صواعق، هناك جدب وجفاف وهناك آلام، وليس هذا فقط بل في بعض الأماكن يمكن أيضًا الإخبار عن عيوب. ثم كيف يمكننا أن نصدق أنه ذات رحمن ورحيم وحكيم، عقله غير محدود وقدرته لانهائية ولا محددة؟

وقد أجاب القرآن على هذا الاعتراض بالقول إن العالم الذي يكون فيه ظهور صفات الله في الكمال وصفات المجد والجمال أصليًا لا يزال في الغيب، وقد خلق الإنسان لذلك العالم المستقبلي. وفي الوقت الحاضر، تم بناء الكون العظيم بادي ذي بدء ومليارات المجرات المنتشرة في هذا العالم أمامه من غير ذي ذرع، فهذا كله اعدادات بنائية لذاك العالم وهي مبعثرة في الفضاء اللامحدود كالمعدات البنائية. يقول القرآن إن اليوم ليس بعيدًا عندما يُحَّول العالم الموجود إلى أرض وسماء أخرى، ويخرج الكل ويحشرون للوقوف أمام الله وحده. (إبراهیم 14: 48) بعد ذلك يظهر عالم جديد ويكون نطاقه توسع الكون كله. فذلك عالم ظهور دينونة الله ونعمته ورحمته. أما عالمنا هذا الذي نفتح فيه أعين الوعي فهو ديباجة ذاك العالم وتمهيده. ولم يتم إقامته من أجل الدينونة ولا من أجل ظهور الكمال. وإنما الغرض منه هو فقط أن يكون ابتلاءً واختبارًا. فالكل هنا حتى الجن وأنس في عرصة الاختبار. كما قال تعالى:

الَّذِيْ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيٰوةَ لِيَبْلُوَكُمْ اَيُّكُمْ اَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْغَفُوْرُ.

(الملک 67: 2)

نتيجة لذلك لا يتم هنا فصل الحياة أبدًا عن الموت، والسعادة عن الحزن، والمتعة عن الهم والغم، والرضا عن القلق، والراحة من الألم والنعمة من النقمة في هذا العالم. لقد تم تجميعها معا مثل الزوجين. فهذا عالم من ندمات الماضي ومخاوف المستقبل. ومهما كانت المعرفة والحكمة التي أعطيت للإنسان، فقد أعطيت لفهم هذه الحقيقة. فيقول القرآن: ومن يعطى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. (البقرة 2: 269)

لأنه بهذا يدرك الإنسان حدود معرفته، وبدلاً من إلقاء اللوم على الله، يحاول فهم مخططه باعتراف عجزه أمامه، ويدعو كل لحظة أن: رَّبِّ زِدْنِيْ عِلْمًا. (طٰهٰ: 114)

فإن أكبر حرمان للمعرفة والفلسفة هو فقدان هذه الحكمة. وهذا الاعتراض على الله ينشأ من هذا الحرمان ويسلم الإنسان إلى الأبد للظلمات التي لم يعد أمامها من نور.

الاعتراض الرابع: أن الإنسان في صغره ربما كان يحتاج إلى الدين، ولكنه الآن قد بلغ رشده ونضج عقله، فقد تعلم من خلال علمه وعلومه القائمة على التجربة والملاحظة والاستقراء والاستنباط مفتاح حل كل مشكلة وتم اكتشافه. كما أنه بدأ يفهم الكون من حوله إلى حد كبير، وقام بإنشاء هياكل وتشكيلات ومؤسسات اجتماعية مبنية على قيم عالية جدًا لتنظيم المجتمع واحتياجات السياسة والاقتصاد، ويمكن تقديرها بالنظر فيها كم سامية ومتفوقة معرفة الإنسان هذه مقارنةً بتلك القوانين والشرائع التي كان يطوق بها عنقه قرونًا عديدة باسم الدين. فمَن إذن على استعداد لقبول هذه الشرائع بأي درجة؟

وردًا على هذا الاعتراض نقول: إن مثل هذه المقارنة لا يمكن إجراؤها إلا من قِبل أشخاص يجهلون الدين تمامًا. لأنه لم يكن هدى الدين لشيء من هذه الأمور قط. ولم ينزل لشرح قوانين العلم للإنسان، ولا لتلبية احتياجاته الطبية، ولا لإنشاء الهياكل والمؤسسات الاجتماعية لتنظيم المجتمع واحتياجات السياسة والاقتصاد. لذلك، كل ما فعله الإنسان في هذا العالم، كان عليه أن يفعله. لقد خلقه خالقه لهذا الغرض بمنحه قوى وقدرات غير عادية. أماغاية الدين فإنما هو تطهير علم الإنسان وأعماله وحياته الفردية والجماعية وتزكيتها.

والأشياء التي اعتمد لها مصطلح الشريعة في مضمونها هي العبادات، وأحكام طهارة البدن، وطهارة الطعام والشراب، وطهارة الأخلاق وتزكيتها، وكل هذه الأشياء ليست للدنيا على الإطلاق، بل مطلوب للآخرة. لقد قرر الله أن تكون جنته لأولئك الذين يزكون أنفسهم. وبعد هذا فإن الدين لا علاقة له بأي شيء آخر غيره.

ولذلك، إذا أردنا فهم شريعة الله، فسوف تُفهم من حيث غرضها وهدفها هذا لا غير. كما أن الحكم بوجوبها يجب أن يتقرر بهذا المعنى، وتتحدد أيضًا درجتها ومرتبتها في علوم الدنيا وفنونها اعتبارًا بهذه الميزة فقط. لذا أنظر كيف تناول الرب تعالى ذلك حين قال:

هُوَ الَّذِيْ بَعَثَ فِي الْاُمِّييّنَ رَسُوْلًا مِّنْهُمْ يَتْلُوْا عَلَيْهِمْ اٰيٰتِه وَيُزَكِّيْهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَاِنْ كَانُوْا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ. (الجمعة 62: 2)