logo
أخرى

التصور الديني للّحية

التصور الديني للّحية

(1)

[إنه قد لخص السيد محمد حسن إلياس برنامجاً في "سلسلة 23 اعتراضا" حول اللحية. والنص الحالي يعتمد على استخلاص من حديثه واستفادة منه.]

موقف الأستاذ غامدي من اللحية

اللحية قضية حساسة جداً عند المسلمين فإنهم يرون أن الحفاظ على اللحية فريضة، بينما عدم الاحتفاظ بها يُعتبر إثماً. وفي رأي أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي اللحية ليست حكماً دينياً، أي أن الدين لم يلزمنا أن نبقي لحية. وقد بيّن موقفه هذا بالتفصيل الكبير في سلسلته ل "23 اعتراضات"

إن الأمر الثابت في مسألة الدين هو أن المصدر الوحيد للدين على وجه الأرض هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم المباركة. وقد أعطانا صلى الله عليه وسلم هذا الدين بصورتين:

احداهما القرآن

الثاني السنة

عندما نرى القرآن لا نجد فيه أي آية تتعلق باللحية. نحن نعلم عن السنة أنها تقليد الأنبياء. وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة بتقديم الأحكام العملية للدين، كما كانت تتوارث في تقاليد الأنبياء السابقين، مع تعديلاته وإضافاته وتجديده ولأن اللحية كانت تقليداً عملياً وكان يجب أن تنتقل عبر الممارسة، لم تصل إلينا أي تعليمات من هذا النوع عبر التواتر العملي للمسلمين.

الآن السؤال الذي يطرأ هو: أين جاء ذكر اللحية؟ وأين تمت الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس أن يُعفوا اللحى؟ كل هذه المواد نجدها في الأحاديث. فقد جاء في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشد المسلمين إلى تطويل اللحية. ومن المقرر بشأن الحديث أن أي توجيه يتعلق بالدين فيه يجب أن ينضوي تحت الأركان الأربعة التي حددها القرآن الكريم. والتوجيهات المتعلقة بالدين التي تأتي في الأحاديث تتضمن تفصيلاً لفهم حكم أساسي في القرآن، وقد تم توضيحها وشرحها، وقد تم بيان متطلباتها العقلية أو اللغوية، أو تم الإشارة إلى مبدأ ما في الحديث الذي طبقه النبي صلى الله عليه وسلم.

لذلك يجب مراعاة أمرين بخصوص الحديث:

أولاً: الأمر الذي يرد في الحديث، سيُنظر فيه أولاً إلى المبادئ القرآنية التي يفسرها وتطبيقه لتلك المبادئ، لأنه لا يمكننا قبول أي شيء في الحديث يكون غريباً ومستقلاً عن القرآن الكريم أو يخرج عن الأركان الأربعة التي أسسها القرآن الكريم.

ثانياً: نحن نعلم أن الناس قد نقلوا هذه الأقوال عن النبي صلى الله عليه وسلم استماعاً من عند أنفسهم، ولذا يجب علينا أن نحقق في ما إذا كانت هذه الأقوال التي وصلت إلينا بنسبة إليه صلى الله عليه وسلم تتوافق مع معايير السند الموثوق أم لا.

دعونا نرى الآن ما ورد في الأحاديث المتعلقة باللحية وكيف رآها أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي أو فهمها. لذلك نقسم الأحاديث المتعلقة باللحية إلى نوعين:

1- الأحاديث المتعلقة بالهيئة والقطع

2- الأحاديث المتعلقة باللحية

القسم الأول هو الذي قام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعليق على مظهر الأشخاص المتكبرين الذين كانوا يحتفظون بشوارب طويلة ولحى قصيرة على طريقة الأوباش. كان هذا أسلوب الأشخاص المغرورين والمتعجرفين. وقد نهى القرآن الكريم عن التكبر وأوضح أن الجمل يمكن أن يدخل في سم الخياط أي ثقب الإبرة، ولكن المتكبر لا يدخل الجنة. هذا هو المبدأ الذي يتعارض مع التواضع والخضوع. وهذا مما يكرهه الله تعالى بشدة. وقد طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في هذه الروايات. وحسب رائي غامدي، فإن ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الروايات ليس بأن المسلمين يجب عليهم حتماً أن يطيلوا لحاهم، بل إنه يلفت النظر فقط إلى أن الذين يحتفظون بشوارب طويلة ويجعلون مظهرهم متكبراً مع لحى قصيرة، فهذا غير مقبول وغير مرغوب فيه في الدين. ويجب على كل شخص أن يتجنب ذلك.

إنه من الأمور الملحوظة أن العديد من الناس يحتفظون بشوارب كبيرة ويقومون بلفها وتجعيدها، ومن خلال ذلك يسعون إلى فرض هيبتهم ورعبهم وتفوقهم على الآخرين. لذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه إذا كان لا بد من إطالة شيء، فلتُطِلوا اللحى ولتقصوا الشوارب. أي إذا كنتم تحبون أن يكون لديكم شعر طويل في الوجه فأطيلوا اللحى، لأن إطالة اللحية لا تظهر منها بصورة ظاهرية كعلامة على التكبر.

وإن تاريخنا الإنساني، في سلوكياتنا وتأملاتنا، يُعبر دائمًا عن الكبرياء بتكبير الشارب وليس بتكبير اللحية. عندما يتم تكبير الشوارب عادةً ما يُصغَّر اللحية، لكي يتم التركيز على الشيء الأكبر وجعله أكثر بروزًا في العموم، لا يقوم الناس بتكبير اللحية والشوارب معًا، ولكن يحتفظون بشوارب كبيرة. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: من كان له رغبة في التكبير فليُكبّر اللحية وليُقصّر الشارب.

هذا الباب ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواياتٌ منقولة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأيضاً عن صحابةٍ آخرين رضي الله عنهم. ومن هذه الروايات المشهورة التي نقلت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حديث صحيح أخرجه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

خَالِفُواالْمُشْرِكِينَ،أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى.

وورد في رواية عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى وَخَالِفُوا الْمَجُوسَ.

"وخالفوا هؤلاء المجوس"، هذا أمر كبير. كما لو أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أوضح أنه إذا تبنيتم الكِبْر وفعلتم ذلك بسبب الكِبْر فقد اتبعتم غير المسلمين لأن هذه العادة كانت في الأصل من عادات غير المسلمين في ذلك الزمن، أي المجوس والمشركين. تجنبوا هذا العمل وإذا أردتم فعل شيء من هذا القبيل فعليكم بتطويل اللحى وتقليل الشوارب. هنا أيضًا يمكننا أن نرى أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يقول بضرورة تطويل اللحى، بل قال فيما بعد "وخالفوا هؤلاء المشركين" وخالفوا هؤلاء المجوس"، فمن ذلك يتضح تمامًا أن الهدف الذي فعلوه من أجله هذا العمل لا نتفق معه، لأن عقيدتنا الدينية ومبدؤنا وهدى القرآن الكريم لا ينسجم معه.

النوع الثاني من الروايات هي التي تذكر اللحية. في هذه الروايات يحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أتباعه من بعض البدع لأهل الكتاب وينهاهم عنها. كان من الشائع بين هؤلاء الناس أنهم يحتفظون بشوارب كبيرة ويجعلون لحاهم قصيرة كجزء من العبادة الدينية بمعنى أنهم اتخذوها كنظرية دينية، لكنها كانت بدعة اخترعوها بأنفسهم. نحن نعلم أن الله تعالى عندما يبعث الأنبياء، فإنهم يزيلون المفاهيم الخاطئة والبدع المنتشرة باسم الله والدين ويشددون عليها للناس. وهكذا في هذا النوع من الأحاديث، وجه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين للابتعاد عن هذه البدع.

إن الأحاديث الواردة في هذا الشأن توضح بجلاء أنها تعارض أي اختراع جديد أو خلق ذاتي شخصي في اسم الدين. وتصلنا رواية في هذا السياق عن نسبة إلى أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. فيروي:

خَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّی اللهِ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ عَلٰی مَشْیَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارٍ بِیضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ یَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوْا وَصَفِّرُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا:یَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَتَسَرْوَلَوْنَ، وَلَا یَاْتَزِرُوْنَ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ تَسَرْوَلُوْا وَائْتَزِرُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا: یَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَتَخَفَّفُوْنَ، وَلَا یَنْتَعِلُوْنَ. قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ: فَتَخَفَّفُوْا، وَانْتَعِلُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا: یَا رَسُوْلَ اللهِ: إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَقُصُّوْنَ عَثَانِیْنَهُمْ وَیُوَفِّرُوْنَ سِبَالَهُمْ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ قُصُّوْا سِبَالَکُمْ، وَوَفِّرُوْا عَثَانِیْنَکُمْ، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ".

إذا تأملت في موضوع هذه الرواية وسياقها وأسئلة المخاطبين وشرح وتوضيح رسول الله صلى الله عليه وسلم، يظهر أن هذه الرواية قد شملت أسئلة الناس من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الأخرى لأهل الكتاب بخلاف اللحية. في هذه الرواية تم توضيح أربعة نقاط أساسية.

1- أن الأشخاص الذين كانوا مخاطبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لحاهم بيضاء ولم يكن لديهم اهتمام بصبغها. كما نرى عمومًا أن الذين يكونون كبار السن تكون لحاهم بيضاء. وعند رؤيتهم قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، ونصح هؤلاء الأنصار بقوله: "اصبغوا لحاكم باللون الأحمر أو الأصفر وخالفوا أهل الكتاب". لأنهم إذا كانوا يعتقدون أن صبغ اللحية دينيًا هو أمر خاطئ، فهذه مسألة تصور ذاتي منهم، وهي مخالفة للحقيقة والدين لذلك، لا يوجد ضرر في أن تصبغوا لحاكم.

2- إن الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يا نبي الله: إن أهل الكتاب يلبسون السراويل، ولكن لا يلبسون الإزار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا السراويل والإزار وخالفوا أهل الكتاب. كانت هذه أيضًا بدعة دينية لديهم أن أهل الكتاب كانوا يلبسون السراويل ولكن لا يلبسون الإزار. وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال في الجواب: ليس عليكم أي قيود، يمكنكم ارتداء السراويل والإزار معًا. لا حرج من الناحية الدينية في ذلك. وتأتي في نفس الرواية هذه الكلمات و خالفوا أهل الكتاب أي في هذا الأمر أيضا.

3- ثم سأل الأنصار: يا نبي الله أهل الكتاب يرتدون الجوارب في الصلاة لكنهم لا يرتدون الأحذية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا الأحذية والجوارب كليهما وخالفوا أهل الكتاب في هذا الأمر أيضا وكأن هذا أيضا من عندهم بدعة دينية واختراع أنهم كانوا يرتدون الجوارب في الصلاة، لكنهم لا يرتدون الأحذية وهكذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم أهل الأنصار إلى مخالفتهم في هذا الأمر أيضا.

4- في نفس السياق، طرح الأنصار هذا السؤال قائلين: يا نبي الله أهل الكتاب يتركون شواربهم طويلة ويحلقون لحاهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قصروا شواربكم واطيلوا لحاكم، وخالفوا أهل الكتاب في هذا الأمر أيضاً.

من هذه الرواية يتضح أن هذه النقاط والأسئلة الأربعة تتعلق ببدعة واختراع ديني ابتدعها الناس باسم الدين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب عن هذه البدع بقوله إنه إذا قمتم بهذه الأعمال، فلا حرج فيها. لذلك، إذا كنتم ترغبون في ارتداء السروال والإزار فلا بأس بذلك، وإذا كنتم ترغبون في صبغ اللحى فلا بأس بذلك، وإذا كنتم ترغبون في ارتداء الجوارب والأحذية أثناء الصلاة فلا حرج أيضًا وبالمثل إذا كانوا يعتقدون أن إبقاء الشوارب طويلة وقص اللحية ضروري فإن إطالة اللحية وتقصير الشوارب لا يوجد فيهما حرج أيضًا.

في هذه الرواية، ليس هناك بالأساس نقاش وبحث حول إصدار النبي صلى الله عليه وسلم للناس حكماً بشأن اللحية، بل هو سؤال من الناس بشأن بدعة معينة، ويجيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليها وبالتالي وفقاً لقول الأستاذ غامدي، ليس هناك في أي من النوعين من الأحاديث أي أمر أصلاً للمسلمين بإطالة اللحية.

في النوع الأول من الروايات، علّق رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبني التكبر في المظهر، وفي النوع الثاني من الروايات عارض البدع الشائعة وأخبر الناس بأنه لا حرج في تبنيها. وبالتالي، ليس هناك أي نقاش ولا بحث حول مسألة الأمر بإعفاء اللحية في هذه الأحاديث.

[للبحث صلة ]

(مترجمة من الأردية)