logo
أخرى

الصحابة الكرام علمهم وعملهم كنموذج

علم الصحابة رضوان الله عليهم وعملهم كأسوة

[آثار التابعين وأتباع التابعين  ]

الحلقة الرابعة

(9)

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ: اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، وَقُلْ بِمَا قَالُوا، وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا عَنْهُ، وَاسْلُكْ سَبِيلَ سَلَفِكَ الصَّالِحِ، فَإِنَّهُ يَسَعُكَ مَا وَسِعَهُمْ وَلَوْ كَانَ هَذَا خَيْرًا مَا خُصِصْتُمْ بِهِ دُونَ أَسْلَافِكُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدَّخَرْ عَنْهُمْ خَيْرٌ خُبِّئَ لَكُمْ دُونَهُمْ لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ وَبَعْثَهُ فِيهِمْ وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا." (اللالکائي، شرح اصول اعتقاد أهل السنة، رقم 279)

المفهوم:

قال أبو إسحاق: سألت الأوزاعي سؤالاً فقال: اثبت نفسك على السنة وتوقف حيث توقف الصحابة وقل ما قالوا، واجتنب ما اجتنبوا، وسر على نهج أسلافك الصالحين، فإن ما كان يكفيهم يكفيك أيضًا. و(ما سألته) لو كان خيرًا لظهر لأسلافك ولم يخص بك وحدك. لم يخف عنهم شيء من الخير لم يخبروه ولم يعرفوه لفضيلتك وأخبروك به. كانوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله وبعث فيهم نبيه واصفًا إياهم قال: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا.

الشرح اللغوي

خُبِّئَ لَكُمْ: مُشتق من ’خَبْء‘ والذي يعني شيء مخفي. ’خُبِّئَ لَكُمْ‘أي مُخَبَّأ لَكُمْ.

التعريف بصاحب الأثر

أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، يُعتبر من العلماء البارزين في صفوف أتباع التابعين. وُلِد في عام 8 هـ  في حي الأوزاع بدمشق ونُسِب إليه فسُمّي الأوزاعي. روى الحديث عن أكابر التابعين مثل عطاء بن أبي رباح و محمد الباقر ومكحول و قتادة والزهري. كان معروفاً بلقب فقيه أهل الشام وكان مؤسساً لمذهب فقهي مستقل الذي كان يُعمَل به في القرون الأولى عند أهل الشام والأندلس، ولكن لم يستطع هذا المذهب الحفاظ على مكانته بمرور الزمن وتوفي الأوزاعي في عام 175هـ. ( سیر أعلام النبلاء 7/ 108- 120)

الشرح والتوضيح

هذا الأثر هو جزء من رواية مفصلة. سئل الإمام الأوزاعي: إذا سُئل شخصٌ هل أنت حقًا مؤمن؟ فماذا ينبغي له أن يجيب؟ فأجاب الأوزاعي:

''إِنَّ الْمَسْأَلَةَ عَمَّا سُئِلَ مِنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ تعَمّقُ ولَمْ نُكَلَّفْهُ فِي دِينِنَا ولَمْ يَشْرَعْهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَزْكَى السَّلامُ. '' (حليةالأولياء، رقم 1249)

وخلفية السؤال كانت أن الإنسان لا يعلم بمصيره هل سيكون خاتمته على الإيمان أم لا، ولذلك بينما هو غير عالم بالمصير، هل من الصحيح له أن يشهد على إيمانه بقوله 'أنا مؤمن' أم لا؟ فبعض الفرق الكلامية كانت تقول إنه لا ينبغي لأحد أن يشهد على إيمانه دون إضافة قيد 'إن شاء الله' (أي إذا شاء الله). وعلى العكس من ذلك، كانت بعض الفرق تعتبر قول 'إن شاء الله' دليلاً على الشك في الإيمان الحالي وتعتبره غير جائز.

فأشار الإمام الأوزاعي في الأثرالذي قيد النقاش إلى الأهمية الدينية لجماعة الصحابة مؤكدًا أن إثارة مثل هذه الأسئلة الغير الضرورية وتحديد أجوبتها ليست صحيحة بالدقة. لأن الأسئلة التي يلزم الإنسان معرفة جوابها للنجاة بالدين قد أخبرها الله ورسوله للصحابة الكرام. وإذا لم يُبلّغ إليهم أي شيء فمعناه أنه لا أهمية له في الدين. وإذا بدأ الناس بعدهم بإبداع أسئلة مثل تلك التي لم يُذكر لها أثر عند الصحابة ويعتبرون من الضروري معرفة جوابها، فهذا يعني أنّهم يدعون أنّهم أفضل من الصحابة، والذين قد وُضّحت لهم حقيقة دينية بينما كانت بقيت هناك مخفية عن الصحابة.

تخريج واختلاف الطرق

وقد أثرذلك أيضا عن أبي إسحاق الفزاري مع اختلاف طفيف في الألفاظ تم نقل هذا الأثر في المصادر التالية أيضًا.

الآجري، الشريعة، رقم 305۔ ابو نعیم، حلية الأولیاء، رقم 12495۔ الهروي ذم الکلام وأهله 118۔

(10)

عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي قال: وَمَا رَأْي امريء فِي أَمْرٍ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلی الله عليه وسلم إِلَّا اتِّبَاعُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلی اللهِ عليه وسلم وَقَالَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَوْلَى فِيهِ بِالْحَقِّ مِنَّا، لِأَنَّ اللهِ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بْاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ: ’وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان‘ وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: لَا بَلْ نَعْرِضُهَا عَلَى رَأْيِنَا فِي الْكِتَابِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا صَدَّقْنَاهُ وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ، وَتِلْكَ غَايَةُ كُلِّ مُحْدِثٍ فِي الْإِسْلَامِ: رَدُّ مَا خَالَفَ رَأْيَهُ مِنَ السُّنَّةِ.

(الهروي ذم الکلام وأهله 3/11)

المفهوم

في رأي الأوزاعي لا ينبغي لأحد أن يتبع غير ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى لو لم يكن هناك نص صريح عنه في شيئ،

فإن اتباع ما قاله أصحابه بعده هو الأَوْلى بالحق، لأن الله تعالى أثنى على من اتبعهم بإحسان، كما جاء في القرآن ’وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان‘. بينما تقولون على العكس منه لكننا سنعرض رأيهم على رأينا في كتاب الله فما وافق الكتاب صدقناه، وما خالفه تركناه. وهذه هي غاية كل مبتدع في الإسلام أي رد ما خالف رأيه من السنة.

الشرح والتوضيح

إن تعبير "وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ" في القرآن الكَرِيم قد جاء بحَسَب السِّياق ويشير إِلَى تِلْكَ الجَمَاعَة مِنَ الصَّحَابَة الَّذِينَ قَبِلُوا الإِسْلَام بَعْد المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار وَسَارُوا عَلَى نَهْجِهِم.(التوبة 9: 100)

وَمَعَ ذَلِك فِي الآثَار المُخْتَلِفَة يُطْلَقُ تَعْبِير "التَّابِعِينَ بِالإِحْسَان" عَلَى أَهْل الإِيمَان الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ الصَّحَابَة مطلقاً وَهَذَا مَفْهُوم تَوْسِيعِي. وَأَثَر الأَوْزَاعِي هذا هُوَ مِثَال عَلَى ذَلِكَ.

وفي هذا الأثر قام الأوزاعي باستنباط دقيق يوضح الأهمية الدينية لعلم الصحابة وعملهم وخطورة تقديم الرأي الشخصي على نموذجهم، فقد ذكر القرآن الكريم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وتوالى بذكر الصحابة الذين تبعوا إثرهم بإحسان وانضموا إلى جماعة المؤمنين. ويستنبط الأوزاعي من تعبير "اتباع" أن السلوك المطلوب من المتأخرين هو اتباع الصحابة، وليس اختيار طريق منفصل عنهم. وقد عبّر الأوزاعي عن مثال الصحابة بـ "السُّنَّة"، لأن جماعة الصحابة كانت تستند في علمها وعملها إلى النموذج الذي ألزمهم به النبي صلى الله عليه وسلم،. ففي نظر الأوزاعي، فإن تجاهل قدوتهم وتأسيس آراء جديدة بمساعدة استدلالات دينية مشبوهة وقياس علم الصحابة وعملهم على الآراء الشخصية بدلاً من قبول توجيههم، هو السلوك الأساسي الذي تُشتق منه جميع البدع الاعتقادية والعملية.

تخریج واختلاف الطرق

وقد ذكرهذا الأثر أيضًا في نقض الدارمي على المريسي253.

(11)

نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: قَالَ لِي الْأَوْزَاعِيُّ: يَا بَقِيَّةُ، الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلی اللّه عليه وسلم وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلی الله عليه وسلم فضله فَلَيْسَ بِعِلْمٍ.

(ابن عبد البر، الجامع في بیان العلم وفضله، رقم 894، 895)

المفهوم

الراوي بقية بن الوليد يقول: قال لي الأوزاعي: يا بقية، العلم (الديني) هو ما جاء من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يكن من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، فليس بعلم أي علم ديني.

الشرح

إن الهدف من هذا الأثر هو نفسه الذي وُضح في الأثر السابق، والمقصود هنا هو أن نحدد ما هي الأمور التي يعتبر العلم بها ذا أهمية في الدين، وما هي الأمور التي ليست ذات أهمية. والمعيار لذلك هو مدى أهمية هذا الأمر في نظر الصحابة الكرام. فإذا أعطى الصحابة أهمية لأمر ما، فإنه يعد جزءاً من العلم المرغوب في الدين. وأما إذا لم يعطوه أهمية، فإنه ليس علمًا، أي ليس جزءًا من الدين.

التخريج واختلاف الطرق

هذا الأثر للأوزاعي نقله ابن عساكر في "تاريخ دمشق" مع السند (35/ 201) بينما نقله الذهبي في "تاريخ الإسلام" (4/124) وابن كثير في "البداية والنهاية" بدون سند. (10/117)

(12)

حدثني الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك ورجال أكثر ممن سميت بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله منهم: المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه لهم، لم ينزعوا يدا عن مجامعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم".

مفهوم النص

الراوي وليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي أنه قال: إن عدداً كبيراً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدوا عهد خلافة سيدنا معاوية من بينهم سعد بن أبي وقاص، أسامة بن زيد، جابر، ابن عمر، زيد بن ثابت ومسلمه بن مخلد وأبو سعيد و رافع بن خديج و أبو أمامة وأنس بن مالك رضي الله عنهم. بالإضافة إلى العدد الكثير من الصحابة الذين لم أذكر أسماءهم. هؤلاء كانوا مصابيح الهدى وحاملي لواءه وحافظي العلم. لقد رأوا كتاب الله ينزل أمامهم وفهموا مراد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين بإحسان مثل مسور بن مخرمة، عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب و عروة بن الزبير وعبد الله بن محيريز وغيرهم من التابعين الكرام الذين شهدوا أيضاً زمن خلافة سيدنا معاوية كل هؤلاء لم يسحبوا أيديهم من مسألة الاتفاق والوحدة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

الشرح

أراد الإمام الأوزاعي أن يُوضِّح في مقابل تلك الفِرَق التي كانت تحمل وجهة نظر سلبية حول خلافة سيدنا معاوية صحةَ موقف كبار الصحابة والتابعين. وقد اختلف معاوية رضي الله عنه مع سيدنا علي رضي الله عنه في قضية الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه وامتنع عن مبايعته وانقسم الصحابة إلى مجموعتين تحت قيادة سيدنا علي وسيدنا معاوية، مما أدى إلى معركة صفين وإقامة حكومتين متوازيتين للمسلمين. وبعد استشهاد سيدنا علي رضي الله عنه تم انتخاب ابنه الأكبر سيدنا الحسن رضي الله عنه خليفة في الكوفة. وعندما بدت احتمالات اندلاع الحرب مرة أخرى بين الفئتين قبل سيدنا الحسن بعرض المصالحة من قبل سيدنا معاوية وتنازل له عن الخلافة (كماجاء في البخاري رقم 2794) وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في نبوءة عن هذا الدور التصالحي لسيدنا الحسن، فقال:

إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهِ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

(رواه البخاري، رقم 279)

وبعد حوالي ست سنوات من النزاع الداخلي وسفك الدماء، عاد الائتلاف والاجتماع للإسلام، مما جعل المسلمين عموماً يشعرون بالفرح والاطمئنان. واعتبر هذا العام "عام الجماعة". وقد بايع جميع الصحابة الكبار الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت سيدنا معاوية. وذكر الأوزاعي في هذا السياق أسماء عدة من الصحابة والتابعين أمثال مسور بن مخرمة، عبد الله بن محيريز، عروة بن الزبير، عبد الرحمن بن الأسود وسعيد بن المسيب. بالإضافة إلى هؤلاء، كانت السيدة عائشة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو الدرداء وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم من بين المبايعين أيضاً. حتى أن الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم الذين لم ينحازوا إلى أي طرف في هذا النزاع بدايةً أخذوا موقف الحياد وبايعوا سيدنا معاوية عند استعادة وحدة المسلمين (ابن حجر، فتح الباري 13/68) ومع ذلك، لم يكن الخوارج وشيعة علي الذين عارضوا سيدنا معاوية بداية مع سيدنا علي رضي الله عنه مستعدين للاعتراف بشرعية خلافة معاوية رضي الله عنه حتى بعد مصالحة الحسن ومعاوية. وقد أوضح الأوزاعي بقوله هذا أن الصحابة والتابعين الكبار الذين كانوا موجودين أثناء خلافته قد أيدوا هذه المصالحة.

فلا یزال الناس بخیر ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم، فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم هلكوا.وهذا هو عين الاستدلال الذي قد جاء في أثر لإبن مسعودكما ياتي:

إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ،فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ. (مسند أحمد، رقم 3468)

فقد أوضح الأوزاعي أكثر بأن عملية المصالحة هذه كانت بحد ذاتها مطلوبة ومستحسنة، لأنها من خلال هذا العمل تحولت الفرقة السياسية للمسلمين مرة أخرى إلى الوحدة، ولهذا السبب فإن كبار الصحابة والتابعين لم يبتعدوا عنها بل أيدوها تأييداً كاملاً.

تخریج واختلاف الطرق

بإسناد أبي زرعة، نقل الجورقاني هذا الأثر في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" (1/385) وكذلك ابن كثير في "البداية والنهاية". (11/ 434)

(13)

أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ إِبرَاهِيمَ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه وسلم لَمْ يَمْسَحُوا إِلا عَلَى ظُفُرٍ مَا غَسَلْتُهُ الْتِمَاسَ الْفَضْلِ، وَحَسْبنَا مِنْ إِزْرَاءٍ عَلَى قوْمٍ أَنْ نَسْأَلَ عَنْ فِقْهِهِمْ وَنُخَالِفَ أَمْرَهُمْ.

مفهوم النص: روى أبو حمزة عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد اكتفوا بالمسح على موضع بمقدار ظفر فلن أغسله كله للحصول على أجر أكبر. يكفينا ازدراء وعدم احترام لأي جماعة من جانبنا، أن نبحث عن علمهم وفقههم ولكن نعترض على تطبيقهم و فعلهم.

الشرح اللغوي

ازدراء شيئ يعني اعتباره بلا قيمة ومحتقر.

التعريف بصاحب الأثر

كان إبراهيم بن يزيد النخعي من التابعين الجليلين. وُلد في السنة 39 هـ أو 47 هـو توفي في سنة 96 هـ وكان ينتسب إلى قبيلة النخع، وهو ابن أخي علقمة بن قيس وهوتابعي جليل القدر في التابعين، وابن أخت الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد. استفاد من تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المشهورين من أمثال مسروق والأسود وعلقمة. وقد حضر في طفولته مع علقمة والأسود في حضرة أم المؤمنين السيدة عائشة في بعض المناسبات. (الذهبی، سیر أعلام النبلاء 4 / 521-529)

وأدرك زمن العديد من الصحابة، لكنه لم تتسنَّ له الفرصة ليروي أحاديث مباشرة عن أي صحابي.

الشرح

المراد من ذلك أن التقدم على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء أي عمل ديني واعتباره موجباً للأجر ليس صحيحاً. فإذا كان الصحابة قد رأوا أن مجرد المسح على موضع بقدر الظفر كافٍ، فإن غسله أكثرمن ذلك بنية نيل أجر أكبر ليس محل ثناء. وقد اعتبر إبراهيم النخعي ذلك بمعنى التحقير للصحابة، حيث يجب السعي وراء علمهم وتفقههم وطلب الهداية منهم، ولكن يتم تبني طريقة مخالفة لما كانوا عليه في العمل.

و قد قدم بعض علماء الشيعة أثر إبراهيم النخعي هذا كدليل على مذهبهم في مسح القدمين في الوضوء. ولكن كانت هذه المسألة محل خلاف بين التابعين، حيث استنتج بعضهم من الأسلوب الظاهري لآية الوضوء أن المسح على القدمين مطلوب مثل المسح على الرأس. كما جاء في المصنف لابن ابی شیبه، رقم 178، 184. ومع ذلك، لم يكن رأي إبراهيم النخعي موافقا لهم، فقد نقل عنه قوله: 'عاد الأمر إلى الغسل'. (المصنف لابن ابی شیبه، رقم 195) يريد أن عبارة "وَأَرْجُلَكُمْ" في الآية تتعلق بـ 'فَاغْسِلُوا' وأنه مطلوب غسلها. في ضوء ذلك، يُظهر الأثر المرجو أهمية اتباع الصحابة بأسلوب تمثيل دون علاقة مباشرة بمسألة غسل القدمين أو المسح عليهما.

التخريج واختلاف الطرق

هذا الأثرعن إبراهيم النخعي على ما يبدو لم ينقله أي مصدر آخر سوى ابن سعد.

(14)

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يَذْكُرُ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ وَسُئِلَ مَرَّةً عَنْ فُتْيَا فَأَحْسَنَ الْإِجَابَةَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَاللهِ يَا أَبَا بَكْرٍ لَأَحْسَنْتَ الْفُتْيَا فِيهَا أَوِ الْقَوْلَ فِيهَا، قَالَ: وَعَرَّضَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ لِتُحْسِنَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ أَرَدْنَا فِقْهَهُمْ لَمَّا أَدْرَكَتْهُ عُقُولُنَا.

المفهوم

سُئل محمد بن سيرين عن مسألة مرة فأجاب عليها بجواب بالغ الجودة. فقال له رجل: يا أبا بكر، لقد أجبت عليها بإجابة بديعة جداً ثم قال شيئاً يُفهم منه أن الصحابة لم يكونوا ليجيبوا بأفضل من هذا الجواب. عند ذلك قال محمد بن سيرين: ويحك، لوأردنا الوصول إلى فقه الصحابة فلن تتمكن عقولنا من إدراكه.

التعريف بصاحب الأثر

أبو بكر محمد بن سيرين هو أحد كبار التابعين. وُلد في البصرة عام 32هـ. وكان والده سيرين عبداً للسيد أنس رضي الله عنه وقد حصل على حريته باستيفاء بدل الكتابة. وتزوج سيرين بجارية اسمها صفية كانت عند أبي بكر، ومنهما وُلد محمد بن سيرين. ونال ابن سيرين شرف رؤية حوالي ثلاثين من الصحابة، ورواية الحديث عن أصحاب عدة مثل أبي هريرة و أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو عمران بن حصين وعبد الله بن عباس وعدي بن حاتم رضي الله عنهم. كان أخوه أنس بن سيرين وأخته حفصة بنت سيرين أيضاً من الرواة المعروفين في عصر التابعين. وقدتميز محمد بن سيرين، بالإضافة إلى الفقه والحديث، بمهارته الفطرية في تفسير الأحلام. وتوفي في البصرة عام 110هـ. (الذهبي، سیر أعلام النبلاء 4 / 606)

الشرح

لم يحب ابن سیرین الطريقة التي يثني بها السائل على المقارنة بين علم الصحابة وعلم الناس بعدهم. والمقصود هو أن هذه المقارنة غير مستحسنة من ناحية الأدب، كما أنها غير مقبولة أيضا من ناحية أن الفهم والبصيرة التي حصل عليها الناسمن بعدهم في الدين، إنما جاءت بفضل استفادتهم من علم الصحابة وفضلهم أنفسهم. وعلى الرغم من ذلك فإنه من غير الممكن بشكل عام لمن بعدهم الوصول إلى مقام الصحابة وعلمهم وفقهم.

تخریج واختلاف الطرق

لم يُنقل هذا الأثر لمحمد بن سيرين ظاهراً في أي مصدر آخر سوى "حلية الأولياء".

(15)

عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَامِرٍ: اتَّفَقَ شُرَيْحٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عَامِرٌ: بَلْ تَبِعَ شُرَيْحٌ ابْنَ مَسْعُودٍ وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلی اللّه علیه وسلم وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ.

المفهوم

يقول عبد العزيز بن عبيد الله إن رجلًا قال لعامر الشعبي: في هذا الأمر قد اتفق شريح وعبد الله بن مسعود. فقال الشعبي لا بل قل إن شريحاً قد تبع عبد الله بن مسعود. الاتفاق أو الاختلاف هو منصب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. ومرتبة باقي الناس تأتي بعدهم". (الهروي، ذم الكلام واهله، رقم 794)

التعريف بصاحب الأثر

يعتبر عامر بن شراحيل الشعبي من أبرز فقهاء الكوفة في عصر التابعين، وُلد حوالي سنة 28 هـ. وروى الحديث عن نحو خمسين صحابيا، من بينهم أمثال سيدنا علي، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس رضي الله عنهم جميعاً. ووفقاً لبيان الشعبي نفسه قد أتيحت له الفرصة لرؤية نحو 500 صحابي، وشهد له محمد بن سيرين على علمه وفضله أنه كان يُطلب من الشعبي رأيه وفتواه في المسائل العلمية حتى في وجود الصحابة. وتوفي عام 104هـ. (الخطیب البغدادی، تاریخ بغداد 14 / 143۔ الذهبی، سیر أعلام النبلاء 4 / 395-405)

الشرح

إن القاضي شريحا كان من التابعين الكبار وقد عيّنه سيدنا عمر قاضياً على الكوفة لما رأى من علمه وفقهه. ومع ذلك فعلى الرغم من علمه وفضله، قد اعتبر الشعبي أنه من غير اللائق ذكره بطريقة مساوية مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وأوضح أنهم -أي الصحابة- هم وحدهم الذين يمكنهم الاتفاق أو الاختلاف فيما بينهم. أما اللاحقون فإنهم يتبعون الصحابة في اتباع أو خلاف أي رأي.

تخریج واختلاف الطرق

يبدو أن هذا الأثر للشعبي لم يُنقل في أي مصدر آخر غير "ذم الكلام وأهله" للهروي.

[للبحث صلة ]

(مترجمة من الأردية)