______ ١______
إن بيعة السمع والطاعة، كما وردت في التاريخ الإسلامي، لم تثبت إلا لأولي الأمر من أصحاب السلطان. ووفقًا لما جاء في القرآن الكريم، فإن الذين يحق لهم، بعد الله ورسوله، أن يطالبوا الناس بالسمع والطاعة، هم أولي الأمر من المسلمين فقط. وعليه، فإن هذا الحكم قطعي لا مجال فيه للشك: بيعة السمع والطاعة، إن جاز وقوعها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تكون إلا لأولئك الذين يتولّون أمر المسلمين.
ولا ريب أن هذا الأسلوب في أخذ العهد بالطاعة كان معروفًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فمع أن طاعته كانت تستند إلى مقامه الرسالي، إلا أن بيعة السمع والطاعة كانت ترتبط في جوهرها بالإمارة السياسية. ولهذا لم يطلب النبي هذه البيعة من أحد في مكة، ولم ينشئ على أساسها جماعة، ولا طالب بها أتباعه خلال مرحلة الدعوة. وإنما طلبها من أهل يثرب عندما دعوه إلى المدينة حاكمًا، فاشترط عليهم هذه البيعة، التي عرفت لاحقًا ببيعة العقبة.
وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، استمر الخلفاء الراشدون على هذا النهج، فكانوا يأخذون البيعة من المسلمين. وهذا أمر معروف ومثبت في كتب السيرة والتاريخ، ولا يكاد ينكره أحد من أهل الدراية.
لكن دكتورنا الغالي إسرار أحمد، ذهب إلى القول إن المسلمين، إذا كانت الحكومة القائمة غير إسلامية، فإنهم يبايعون على السمع والطاعة أمير جماعة تسعى لإقامة الحكم الإسلامي. وهذا قول، للأسف، لا يمكن قبوله ولا التسليم به، إذ لا يوجد في القرآن أو السنة ما يدل عليه. وما دام لا نص فيه، فلا يحق لأحد أن يجعله من الدين، أيًّا كان مقامه أو منزلته.
وقد صرّح دكتورنا الغالي بأنه بإحياء هذه البيعة قد أحيى سنّة من سنن الإسلام. غير أن هذا يشبه إلى حد بعيد أن يخرج شخص إلى الشوارع يجلد الزناة ويقطع أيدي السارقين، ثم يزعم أن الله وفقه لإحياء فرضين من فرائضه.
كنا نظن أن هذا النوع من التفكير لم يعد له وجود في عصرنا، لكن يبدو أن:
ابھى کچھ لوگ باقى ہیں جہاں میں
ترجمة: ما زال في الناس بقية
إذا كانت بيعة السمع والطاعة، في نظر دكتورنا الغالي، سنّة من السنن[1]، فإن حكمها، كما أشرنا من قبل، سيكون شبيهًا بحكم إقامة الحدود على الزناة والسارقين، أي أنها من اختصاص أولي الأمر، لا عامة الناس. وموقفنا من هذه الأمور واضح لا لبس فيه: من واجبنا أن ننصح أهل السلطة بالعمل بها، لا أن نقوم بها بأنفسنا دون إذن أو سلطان مشروع.
ومن الأولى بدكتورنا الغالي الفاضل أن يكبح شيئًا من اندفاعه النابع من شوق صادق، فإن كثيرًا من الخيرات يمكن تحصيلها حتى دون بيعة السمع والطاعة، والخير كل الخير أن يكتفي بما تيسّر له من تلك السعادات، دون أن يحمّل الأمر ما لا يحتمل.
ترجمة: نفس قيس، وهو سراج الصحراء، إن لم يكن مشعل بيت ليلى، فلا بأس.
______ 2______
فيما يتعلّق بالنقد الذي وجّهناه لموقف دكتورنا الغالي إسرار أحمد بشأن بيعة السمع والطاعة، نشر تعليق منسوب إلى شقيقه الفاضل، اقتدار أحمد، في عدد نوفمبر ١٩٨٧م من مجلة "ميثاق". ولا يسعنا إزاء ذلك إلا أن نهنّئه على ما أبدعه من "مزيج راق" بين الابتذال والاستدلال، وهو مزيج قلّ أن يجتمع بهذا التوافق في مقال واحد. فلئن كان هؤلاء الروّاد في مسيرة "الثورة الإسلامية" لم يوفّقوا، على حدّ علمنا، إلى اليوم في إقامة دين محمد العربي صلى الله عليه وسلم على هذه الأرض، فإن بلوغهم شيئًا من شمائل النبي وأخلاقه العالية ربما كان كفيلاً بتغيير مسارهم، ولربما كان واقعهم الحالي، بعد سنوات من الجهد، غير ما كتب لهم أن يواجهوه من إخفاق ظاهر وواقع محتوم.
لقد حاول فيما يبدو أن يكتب بأسلوب ساخر. ولكنه ربما لا يدرك أن الأسلوب الساخر من بين أصعب فنون الكتابة، لا يقدر عليه كل كاتب، إذ يتطلّب حسًّا مرهفًا، واتزانًا دقيقًا، وأدبًا رفيعًا، لا ينزلق فيه صاحبه إلى فجاجة التعبير أو ابتذال المعنى. فالسخرية الأدبية، كما قيل، تحتاج إلى من "يمشي على حد السيف"، وأقل زلل فيها يفقدها رونقها ويحطّ من قدرها.
فإذا كان قد انبعث فيه شغفٌ بالكتابة في هذا العصر، فنصيحتنا إليه بكل أدب أن يختار لها أسلوبًا يليق بدعوته، ويعبّر عن مضمونها بما ينسجم مع ما يدعو إليه. ومع غضّ الطرف عن مواطن الابتذال في مقاله، فإننا نتناول هنا ما تضمنه من استدلال، ونجيب عنه بما يليق. كنا قد قررنا، فيما كتبنا، أن بيعة السمع والطاعة في التاريخ الإسلامي لم تثبت إلا لأصحاب السلطة. وقد بيّنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب هذه البيعة من أحد طوال الفترة التي أقامها في مكة، رغم أنه كان يتلقى الوحي ويدعو إلى الله، ولم يجعل منها يومًا شرطًا للانضمام إلى دعوته، ولا اتخذها أساسًا لتكوين جماعة. إنما طلبها حين دعاه أهل يثرب ليتولى أمرهم، فأخذ منهم بيعة السمع والطاعة، والتي عرفت فيما بعد ببيعة العقبة. وقد أقرّ اقتدار أحمد بهذه الحقيقة حرفًا حرفًا، حيث وافق على أن النبي صلى الله عليه وسلم، خلال ثلاثة عشر عامًا قضاها في مكة، دعا إلى الله، تبعه من آمن به؛ ربّى أصحابه وعلّمهم؛ هاجر بعضهم إلى الحبشة؛ صبروا على الأذى؛ تحمّلوا كل أنواع الظلم؛ لم يطلب منهم قط بيعة على السمع والطاعة. ومع ذلك، فإن الأستاذ الكريم، لأنه لا يريد أن يسلّم بأن ما يسمّونه اليوم "الأساس المسنون للتنظيم" لا أصل له في الدين، اضطر إلى تقديم تأويل يحاول أن يبرر به هذا النقص. ولهذا، حاول اقتدار أحمد أن يقدّم تأويلاً لهذا الإشكال، فكتب ما نصّه:
"وأما الإشكال بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب من أتباعه من قبل بيعة على السمع والطاعة، فسببه في نظرنا الغفلة، عن وعي أو دون وعي، عن هذه الحقيقة: وهي أن جماعة النبي، ما دامت كانت محصورة في مكة، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حاضرًا بينهم، لم تكن هناك حاجة لأي بيعة رسمية. إنما نشأت الحاجة إلى البيعة لاحقًا، لأن المسألة أصبحت متعلّقة بأهل يثرب، الذين لم يكونوا قادرين على التواصل التنظيمي المباشر والمستمر مع النبي الكريم."
فلننظر الآن في هذا التأويل الذي قدّمه بعين فاحصة وتأمل دقيق:
أول ما يلاحظ في هذا السياق، أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب هذه البيعة من أصحابه في تلك المرحلة، فكيف انكشف هذا "السر العظيم" بعد أربعة عشر قرنًا، ليقال إن "الأساس المسنون للتنظيم في الثورة الإسلامية" إنما هو بيعة السمع والطاعة، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلبها لأنه كان حاضرًا بنفسه في مكة؟! أما القرى؟! فهل صرّح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟ وهل ورد في حديث صحيح، أو حتى في أثر موثوق، أن النبي امتنع عن طلب البيعة لأن وجوده بين أصحابه أغناهم عنها؟! إن إثبات أي أمر من أمور الدين، بعد القرآن الكريم، لا يكون إلا بقول النبي نفسه. فإذا لم يأخذ هذه البيعة من أصحابه في مرحلة الدعوة، ولا يوجد في مجموع الأحاديث النبوية ما يدل على مشروعيتها في ذلك المقام، فبأي مصدر أو مرجعية يمكن أن نثبتها؟ إن لم يكن لديهم نص نبوي صريح، فما مصدر هذا الكلام؟ والأهم من ذلك، هل يدّعي أحدهم أن ما يقول هو وحي أو إلهام حتى يقبل بلا بيّنة ولا دليل؟!
ثم إنهم يعتبرون هذه البيعة الأساس "المسنون" لتنظيم الدعوة الإسلامية. ولكن الذي نعرفه، وتعرفه الأمة كلها، أن "السنّة" لا تثبت إلا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أو قوله أو تقريره. فهل يفهم من هذا أن السنة يمكن أن تستنبط وتثبت من غير طريقه؟! وهل أصبح كل من بلغ به الحماس مبلغًا، مؤهلًا لإحياء السنن من عند نفسه؟! وإلا، فهل يقبل أحد بعقل راجح أن يقوم شخص في مدينة من هذه المدن، فيخرج كل صباح عند الساعة العاشرة، فينادي الناس إلى المسجد، ويصلي بهم ركعتين، ثم يعلن أن هذا هو "الطريق المسنون لتزكية النفس"، وأن الله قد خصّه بتوفيق لإحياء هذه السنة في هذا العصر؟! هل يقبل منه هذا الزعم لمجرد أنه يقول إن الصحابة في زمن النبي لم يكونوا بحاجة إليها لأن النبي كان حاضرًا بينهم، أما الآن، فقد أصبحت حاجة ملحّة؟ فما الفرق إذًا بين هذا الادّعاء، وذاك الذي نسب إلى بيعة السمع والطاعة؟ وكيف تسمّى "سنّة"، وهي لا تثبت بفعل ولا قول ولا تقرير من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! النقطة الثالثة التي تستوقفنا في هذا السياق، هي أن الأستاذ يقول: إنّه ما دام النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرًا بنفسه في مكة، فلم تكن ثمّة حاجة إلى أخذ البيعة من أصحابه.
ولكن، إن صحّ هذا القول، فلماذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه إلى المدينة، البيعة من جميع المهاجرين والأنصار، كما تثبت ذلك روايات عديدة في كتب الحديث؟ أليس هو نفسه كان بينهم حاضرًا، بل أقرب إليهم تواصلًا وتنظيمًا مما كان في مكة؟!
أما النقطة الرابعة، فهي أن أناسًا من قبائل متعددة قدموا إلى مكة وأسلموا، ثم عادوا إلى بلادهم، مثل: طفيل بن عمرو، زعيم قبيلة دوس، وأبو ذر الغفاري من بني غفار، وعمرو بن عبسة من بني سليم، وأبو موسى الأشعري من اليمن، وجعال بن سراقه من بني ضمرة، وعبد الله وعبد الرحمن من بني كنانة، وبريدة بن الحصيب من بني خزاعة. وكذلك، في السنة السادسة من البعثة، وفدٌ من نحو عشرين نصرانيًا جاءوا من الحبشة إلى مكة بقصد التحقيق، فأسلموا ورجعوا إلى وطنهم. وجميع هؤلاء لم يكونوا، بطبيعة الحال، قادرين على الحفاظ على اتصال تنظيمي مباشر أو دائم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، لم يطلب منهم أبدًا أن يبايعوه على السمع والطاعة. فإن كانت غيبة النبي الجسدية، كما يدّعي أخونا الفاضل، توجب البيعة، فلماذا لم يطالب هؤلاء بها؟!
أما النقطة الخامسة، فهي أن دكتورنا الغالي إسرار أحمد نفسه، مقيم بين أتباعه في هذا البلد، لا في بريطانيا أو فرنسا. وأكثر من بايعوه، هم من أهل لاهور نفسها. فإذا كانت حجّته لوجوب البيعة هي غياب القائد عن القوم، فبأي حجّة يطلب هو البيعة من أناس يعيشون معه في نفس المدينة؟!
نحن هنا أشرنا فقط إلى بعض أوجه هذا التأويل الغريب، وإلا فإن ما في السيرة النبوية والأحاديث الصحيحة من أدلة تنقض هذا الرأي، أكثر من أن يحصى. ولو شئنا الإحاطة بها كلها، لاحتجنا إلى مجلد خاص فقط لردّ هذه الفكرة. بعد ذلك، وفي سياق ردّه على موقفنا بشأن بيعة العقبة، كتب إقتدار أحمد ما نصّه:
"إنهم (أي أصحاب هذا الرأي) يظنّون أن أهل يثرب قد دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة من أم القرى (مكة) وتولي زمام السلطة في بلدتهم، وعلى هذا الأساس بدأ النبي يطلب منهم البيعة على السمع والطاعة، والهجرة، والجهاد. لكن هذه، في نظرنا، هي تلك الحلقة المختلقة التي لا وجود لها في كامل القصة. فكل لحظة في تاريخنا ما زالت منوّرة بوجه النبي صلى الله عليه وسلم الوضّاء، وليس فيها ما يثبت هذا الزعم. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى يثرب بعد بيعة العقبة الثانية، ولكن هذه الهجرة في زعمنا لم تكن لتولي الحكم أو إقامة دولة (مع التنبيه على أن الله تعالى قد مهّد له الطريق فعلًا لهذا الأمر لاحقًا). ما جرى بين النبي وأهل يثرب لم يكن إلا ميثاق نصرة وحماية، مفاده أن يمدّوه بالعون والدفاع في وجه ما يتعرض له من عدوان قريش أثناء دعوته. ولهذا السبب سمّي أهل يثرب بـ"الأنصار"، لوعدهم بالنصرة، لا لكونهم بايعوه على إقامة دولة. ولهذا أيضًا، لم يعيّن النبي في تلك المرحلة حاكمًا أو واليًا على المدينة، بل اختار اثني عشر نقيبًا من بينهم. كما أن مصعب بن عمير، الذي سبقه إليهم، لم يرسل بصفته أميرًا أو عاملًا، بل داعية ومعلّمًا فقط. وعليه، فإذا أمعنّا النظر في ألفاظ بيعة العقبة الثانية، سنجد أن عنوانها لم يكن بيعة على السلطة، بل كانت بيعة تنظيم، أي تنظيم للدعوة لا للحكم."
والآن دعونا نستعرض هذا "الافتراء المنسوج" حول بيعة العقبة، كما يصفه البعض، من خلال مصادر السيرة المعتمدة.
فقد نقل ابن سعد وغيره من المؤرخين أن النبي صلى الله عليه وسلم، في السنة الحادية عشرة من البعثة، خرج، كعادته، في موسم الحج إلى منى، يلتقي قبائل العرب ويدعوهم إلى الإسلام. وهناك، بالقرب من العقبة، التقى بجماعة من قبيلة الخزرج، فجلس معهم وعرض عليهم دعوته. هؤلاء القوم، الذين تتراوح روايات السيرة في عددهم ما بين ستة وثمانية، استمعوا إلى دعوته بكل طمأنينة ورضا، وآمنوا به إيمانًا صادقًا. وبعد أن بايعوه على الإيمان، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:
"هل تبايعونني على أن تنصروني، لأبلغ رسالة ربي؟"
ولفهم معنى هذه "النصرة" المطلوبة، لا نحتاج إلى تفسير خارجي، فقد عبّر عنها أهل يثرب أنفسهم بوضوح، حيث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:
"نحن مجتهدون لله ولرسوله. نحن، فاعلم، اعداء متباغضون، وانما کانت وقعة بعاث عام الأول، یوم من أیامنا اقتتلنا فيه. فان تقدم، ونحن کذا، لا یکون لنا علیك اجتماع، فدعنا حتی نرجع إلی عشائرنا، لعل الله یصلح ذات بیننا، وموعدك الموسم العام المقبل."[2]
في هذه الرواية، يتجلّى بوضوح، في عبارة "لا يكون لنا عليك اجتماع"، أن معنى "البيعة على النصرة" كان مفهومًا بجلاء لأهل يثرب، وإن خفي على بعض الباحثين المعاصرين في السيرة. فقد أدرك أولئك القوم مراد النبي صلى الله عليه وسلم من دعوته دون لبس، وعادوا إلى يثرب وشرعوا في العمل لتحقيق هذا الهدف. وفي العام التالي (أي في السنة ١٢ بعد البعثة)، جاء اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الموضع نفسه عند العقبة. من هؤلاء، كان خمسة قد أسلموا في العام السابق، أما السبعة الباقون، فكان منهم خمسة من الخزرج، واثنان من الأوس.
وبفضل جهود هؤلاء، انتشرت دعوة الإسلام في جميع بيوت الأوس والخزرج، غير أن زعماء القبيلتين وكبراءهم لم يكونوا قد أسلموا بعد، وظلّ النفوذ السياسي في يثرب بأيديهم. ولهذا، لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الرجال بيعة السمع والطاعة في هذه المرحلة أيضًا، وإنما اكتفى منهم ببيعة الإسلام، وهي التي سمّيت في كتب السيرة بـ"بيعة النساء". وحين همّ هؤلاء بالرجوع إلى المدينة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير، ليكون لهم معلّمًا وداعية. وفي قيادته، انطلقت جهود الدعوة في المدينة بقوة وانتشار. وهكذا، حتى إذا جاء موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة (١٣ بعد البعثة)، كان سادة الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، وبذلك تحوّل النفوذ السياسي في يثرب فعليًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندئذ، وفد منهم سبعون رجلًا إلى النبي في موسم الحج، فاجتمعوا به في العقبة، وهناك عقدوا معه أول بيعة في الإسلام على السمع والطاعة والجهاد، وهي التي سمّيت في كتب السيرة بـ"بيعة العقبة الكبرى"، وكانت البيعة السياسية الأولى في تاريخ الدعوة الإسلامية. وكما بيّنا آنفًا، فإن هذه البيعة (بيعة السمع والطاعة) لم يطلبها النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين أسلموا أول مرة عند العقبة، ولا في اللقاء الثاني معهم، على الرغم من أن النبي لم يكن حاضرًا بينهم بنفسه، ولا كان بالإمكان إقامة تواصل تنظيمي مباشر ومستمر معهم. بل إنما طلب منهم بيعة السمع والطاعة والجهاد في المرة الثالثة، حين أسلم وجهاء قبائل يثرب الحاكمة، وأدركوا بوعي كامل أن الأمر لم يعد مجرد التزام دعوي، بل تحوّل سياسي كبير. فهم بوضوح دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إمامًا وقائدًا، وهو ما عبّر عنه أسعد بن زرارة في لحظة البيعة، إذ خاطب قومه قائلًا:
"يا أهل يثرب فانا لم نضرب اليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضّكم السيوف. فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله."[3]
ولهذا، كتب الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه "سيرة سيّد العالَم"، تحت عنوان "أهمية بيعة العقبة" ما يلي:
"لقد كان هذا الحدث من اللحظات الثورية في تاريخ الإسلام، وهي لحظة وفّرها الله بفضله، فاغتنمها النبي صلى الله عليه وسلم ومدّ يده إليها. إن أهل يثرب لم يدعوا النبي صلى الله عليه وسلم لاجئًا يبحث عن مأوى، بل دعوه بصفته نائبًا عن الله، وإمامًا وقائدًا لهم. وكذلك لم يكن القصد من دعوة أتباع الإسلام إلى يثرب هو مجرد أن يجدوا مأوى في أرض غريبة كلاجئين، بل كان الهدف أن يجتمع المسلمون المشتّتون في قبائل شتّى من جزيرة العرب، فيتوحّدوا مع مسلمي يثرب ليؤسّسوا مجتمعًا إسلاميًّا منظمًا. وهكذا، قدّمت يثرب نفسها بوصفها "مدينة الإسلام"، ولما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هذا العرض، أصبحت يثرب أول "دار إسلام" في جزيرة العرب."[4]
هذه هي البيعة التي يقال عنها إنها لم تكن أبدًا لأجل تسلّم السلطة أو إقامة الدولة. ولكن، بطريقة لا تفهم، مهّد الله الطريق بعدها، كما يقال، لقيام تلك الدولة! أما عن تساؤلهم: لماذا لم يعيّن النبي صلى الله عليه وسلم عاملاً على المدينة بعد هذه البيعة؟
فجوابه بسيط واضح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قرر في هذه اللحظة نفسها أن يهاجر بنفسه إلى يثرب. فمكة لم تكن عاصمة سياسية له حتى يعيّن منها عاملاً على منطقة أخرى، ولم تمض سوى ثلاثة أشهر تقريبًا، حتى غادر النبي مكة متجهًا إلى المدينة ليتولّى بنفسه زمام الحكم هناك. أما الاثنا عشر نقيبًا الذين اختارهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه البيعة، فلم يكونوا مجرد دعاة، بل، كما وصفهم الشيخ شبلي النعماني في "سيرة النبي صلى الله عليه وسلم"، كانوا أيضًا رؤساء القبائل، أي يمثّلون قيادة اجتماعية وسياسية فعلية في يثرب. ولهذا السبب، أخذ النبي من الأنصار في هذه البيعة عهدًا واضحًا بالسمع والطاعة، وألزمهم أيضًا بهذا النصّ الصريح: "وألا ننازع الأمر أهله" أي، أن لا ينازعوا القيادة فيمن أسندت إليه. وهذا النص من بيعة العقبة معروف لكل من له أدنى علم بالسيرة النبوية. فلا ندري ما هي تلك "الألفاظ الأخرى"، التي لم يذكرها أحد، والتي لو طرحت، لكانت، بحسب زعمهم، تدل على أنها بيعة تنظيم لا بيعة حكم؟!
لقد كتبنا أن أقصى ما يمكن إثباته من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة هو أن جماعة من المؤمنين إذا ظفرت بالسلطة في إقليم ما، فإن أميرهم يجوز له أن يأخذ منهم بيعة السمع والطاعة.
أما قبل ذلك، فإن إنشاء مثل هذه البيعة هو بدعة لا أصل لها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن تنسب إلى الدين بغير دليل واضح. لكنهم في معرض الرد علينا كتبوا:
"أوّل من ارتكب هذه البدعة هو حفيد النبي، الحسين بن علي رضي الله عنه، حين أرسل ممثله إلى أهل الكوفة ليأخذ منهم البيعة، مع أنه لم يكن قد تسلّم السلطة بعد في أي إقليم من الأرض."
فلنتأمّل قليلًا هذا الرد الذي قدّموه؛ فإنك لن تجد في عالم العلم والمنطق شيئًا أكثر طرافة من هذا الاستدلال!
يبدو أن تصوّرهم، على ما يبدو، أن سيدنا الحسين رضي الله عنه قد سلك نفس نهج شقيقهم الفاضل، فبدأ أولًا بحلقات لتعليم القرآن في ظل حكومة يزيد، ثم بعد ذلك أسّس جماعة بناءً على بيعة السمع والطاعة، ثم أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة لتنظيم "أعضاء الفرع المحلي" لهذه الجماعة، وهناك افتتح أوّلًا "المكتب الدعوي" في دار مسلم الأسدي، ثم انتقل إلى "المقر الإداري" في بيت هاني بن عروة، ليشرع في دعوة الناس علنًا للانضمام إلى هذا الكيان الجديد! ونحن، بكل أدب، نقول لهؤلاء: مسلم بن عقيل لم يذهب إلى الكوفة لدعوة الناس إلى الإصلاح أو التعليم أو بيعة رمزية، بل ذهب ليأخذ من أهل الكوفة بيعةً على الخروج المسلّح ضد حكومة يزيد. وسيدنا الحسين رضي الله عنه نفسه خرج من الحجاز متوجهًا إلى الكوفة بهذا القصد السياسي الواضح. وما هي "البُغاة"؟ لعلّهم يرجعون، إن شاؤوا، إلى أي معجم من معاجم اللغة العربية أو حتى إلى معجم من معاجم اللغة الأردية، ليجدوا أن البغاة هم الذين ينزعون يد الطاعة من حاكم قائم ويقومون لإقامة حكم بديل. وقد بايع أهل الكوفة ممثل الحسين، مسلم بن عقيل، على هذا النوع من الخروج السياسي الصريح. نعم، لقد انتهت هذه المحاولة بالإخفاق، لأسباب سياسية وعسكرية، لكن الحقيقة تبقى، لو لم تجهض تلك الحركة، لدخل سيدنا الحسين الكوفة بصفته إمامًا وحاكمًا، لا مجرد داعية. وحينها، بمجرد استلامه زمام السلطة، كان حاكم يزيد يعتبر معزولًا بحكم الواقع، وإذا تدخلت قوات يزيد خارجيًا، لكان الحسين رضي الله عنه يقاتلهم باعتباره الحاكم الشرعي الجديد لتلك الأرض. إذًا، البيعة التي أخذت على يد مسلم بن عقيل لم تكن في مرحلة دعوة أو تربية، بل كانت في مرحلة إقامة حكم جديد. وعليه، فلا يصح أبدًا أن تعتبر بيعة بدعية، بغضّ النظر عن تقييمنا لصواب هذا الخروج من حيث فقه السياسة الشرعية. أما دكتورنا الغالي الفاضل إسرار أحمد، فحسب قول شقيقه، فهو يرى أن السلطة الشرعية للمسلمين لا تعدّ قائمة إلا إذا أقيم حكم الله في الأرض فعليًا. وبما أن هذا، في نظره، لم يتحقّق بعد في باكستان، فإنه يعتبر أنه لا وجود لحكم شرعي في البلاد. فإذا كان الأمر كذلك، وقد دعاه أهل مدينة ما لإقامة سلطته الخاصة فيها، وطلبوا منه الخروج على النظام القائم وقيادتهم في ذلك، فليقبل هو هذه الدعوة، وليبعث من شاء من أعوانه لأخذ بيعة السمع والطاعة من الناس هناك. حينها، سنرثي لعقله وفكره، وسنأسى لطريقته، لكننا لن نعتبر تلك البيعة بدعة، لأنها ستكون حينئذ ضمن إطار محاولة إقامة حكم جديد، لا في إطار تنظيم دعوي مرحلي.
______ 3______
منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا، ظلّ دكتورنا الغالي إسرار أحمد يطرح بشدّة، من خلال مجلّاته ونشراته ومنتديات أتباعه، نظرية "الثورة من خلال الاحتجاج" باعتبارها مستنبطة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن نشكر صحيفة يومية "نوائے وقت" على أنّها أتاحت لأول مرّة هذا الطرح ليدخل دائرة النقاش على المستوى القومي، فكان في ذلك فرصة لنا نحن طلبة العلم أيضًا، لنبيّن مواضع الخطأ في هذه النظريّة للعقلاء من أبناء أمّتنا، ولأولئك من "أهل البيعة" للدكتور الذين قدّموا له ولاءهم الخالص، ظنًّا منهم أنّ هذه النظريّة تمثّل المنهاج النبوي في التغيير والثورة.
ونحن على يقين أنّ هؤلاء المخلصين من عباد الله، إن لم تكن عقولهم قد تحجّرت على رأي "أمير المؤمنين" كما هو حاله، فإنهم سيصغون لكلامنا بآذان منصفة، وقلوب منفتحة.
اے لالۂ صحرائی! با تو سخنی دارم
ترجمة: يا أيّها الخميل في الصحراء، لي معك حديث!
وفي هذا السياق، نستأذن دكتورنا الغالي إسرار أحمد أن نعرض عليه بأدب هذه الملاحظات، رغم علمنا أنّ مصدر إلهامه في مثل هذه القضايا يكون في الغالب "انشراح الصدر". لكنه، شاء أم أبى، قد اختار الآن طريق الحجّة والبرهان، فلْيَصبر معنا قليلًا في هذا الميدان أيضًا، وليسمع ما عندنا. وإن كان "انشراح الصدر" عنده حجّة قاطعة، فإننا نظنّ أنّه يوافقنا على الأقل في هذه الحقيقة:
گاہے گاہے غلط آہنگ بھی ہوتا ہے سروش
ترجمة: بين الحين والآخر يطرأ لحن خاطئ، كأنه إلهام!
يفيد دكتورنا الفاضل أنّ المنهاج الذي بيّنه الله تعالى له بفضل خاص منه في شأن الثورة الإسلامية، مستمدّ من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة. وهو يؤكّد أنّه بالغ في الغوص في أعماق تلك السيرة المباركة، حتى استخرج منها هذا "الجوهر النادر" في عصرنا هذا. وهو الآن يتطلّع إلى أن يعرّف العالم كلّه باكتشافه هذا، الذي يراه استثنائيًّا وفريدًا من نوعه:
بیا کہ جان تو سوز مز حرف شوق انگیز
ترجمة: تعال، فإنني لأحرق روحي بكلمات الشوق الملتهبة!
ويفصّل دكتورنا الغالي هذا المنهاج بقوله: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين أحدث الثورة الإلهية في الأرض، بدأ أوّلًا بدعوة الناس إلى فكرته، ثم قام بتعليم وتربية وتزكية أولئك الذين تأثّروا بهذه الدعوة، ثم مرّ بهم عبر مرحلة الصبر الخالص على كل أنواع الظلم والاضطهاد، حتى إذا تجاوزوا هذه الأطوار بنجاح، أمرهم، حسب مقتضيات زمانهم، بالجهاد والقتال ضد نظام الباطل، وبهذا تحققت الثورة فعليًّا في الواقع. ويؤكّد دكتورنا الغالي أنّ السنّة النبوية في هذه المسيرة تقتضي تأسيس جماعة قائمة على السمع والطاعة، يكون قرار أميرها هو الحجّة الفاصلة، وتعدّ إشارته أمرًا مطاعًا، ويكون أفرادها على استعداد لبذل النفس والمال في سبيل هذه الغاية متى شاء القائد ذلك. وهو يرى أنّ خطّة عمله في السعي إلى إقامة الثورة الإسلامية منبثقة من هذا المنهاج النبوي، مع تعديلها اجتهاديًّا بأنّ المرحلة الأخيرة، في ضوء ظروف العصر، لا تعتمد على الجهاد والقتال بل تقوم على المظاهرات الاحتجاجية وحركة العصيان المدني. وهو لا يخفي مطلقًا أنّ ثورته، متى جاء، فسيأتي بالقوّة. بل هو يصرّح بأنّ الأساس في هذا السياق هو مبدأ "من كانت له العصا، كانت له البقرة!" لذلك، يعلن جهارًا أنّه ما إن تمتلك الجماعة التي يعدّها تحت قيادته، وهي ما يسمّيها "حزب الله"، ما يكفي من القوّة، فإنّه سينزل بها إلى الميدان، سواء أكانت غالبية الأمّة (التي يقول إنّها غالبًا ما تظلّ صامتة) مؤيّدة له أم لا. فإن شاء الله، سيقيم هذه الثورة بواسطتها وحدها:
چوں پختہ شوی خود را بر سلطنت جم زن
ترجمة: فإذا نضجت، فاضرب بنفسك على إمبراطورية جمشيد!
يرى دكتورنا الغالي أن مصدر كلّ ما سبقه هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن، في هذا المقام، لا نريد الخوض في مسألة، هل يمكن لما أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم من انقلاب بصفته رسولًا، أن يعدّ، وفقًا للقرآن والسنّة، مصدرًا يستقى منه هذا النوع من المنهاج أم لا؟ وبالافتراض الجدلي، فإننا نسلّم جدلًا بأنه يمكن ذلك. لكن يبرز هنا سؤال مهم:
هل ما يدّعيه دكتورنا الغالي من اتخاذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مصدرًا استدلاليًّا، قائم في ذاته وثابت بالدليل؟
نحن، بكل مسؤولية، نلفت نظر أهل الفكر والعقل من أبناء أمتنا إلى الحقيقة التالية:
السيرة التي يستند إليها دكتورنا الغالي في رواية قصة "الثورة"، والتي ظل يرويها منذ عشر أو خمس عشرة سنة في كل مكان، تثبت الشهادات التاريخية القاطعة أنها لم تشهد قط ما يدّعيه. وإن كان دكتورنا الغالي قد وجد تلك القصة في أعماق ذهنه أو قرأها في صفحات قلبه، فذاك أمر آخر. أمّا القرآن الكريم، ومصادر الحديث والفقه، ومجلدات التاريخ والسير، فليس فيها شيء مما يذكره. إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست صفحة مفقودة من التاريخ. بل إن وقائعها محفوظة بدقة، وجوانبها واضحة كوضوح الفجر الصادق. وإنّا نكتب، دون خوف من التكذيب، هذه الشهادة على صفحات الورق. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحدثت فعلًا ثورة، بل إنه كان أعجب ثورة في تاريخ البشرية. لكن خلال مسيرة هذا التغيير. لم يؤسّس أي تنظيم قائم على بيعة السمع والطاعة، ولم يطلب من أصحابه شيئًا من ذلك. ولا ريب أن أولئك الأنفس الطاهرة نالت تعليمًا وتزكية، لكنه لم ينزلوا إلى الميدان جماعة لإحداث هذه الثورة، ولم يرفعوا لأجله سيفًا، ولم يقوموا بأي عمل يصنّف تحت الجهاد أو القتال. الثورة قد حدثت، نعم، وقد تمّ على يد النبي صلى الله عليه وسلم وعدد من أصحابه. لكن صدّقوا: لم يكن بسيوف ورماح، ولا بحدّ السلاح، بل بالدعوة، وفقط بالدعوة. والتاريخ يشهد، أن هذه الدعوة لم تقترن بأي عمل عدواني. فلم ير في يد النبي صلى الله عليه وسلم، خلال نضاله هذا، لا سيف، ولا رمح، ولا حتى عصًا أو عصًا بسيطة. لقد ابتدأ هذا الجهاد بالدعوة، وانتهى بالدعوة، ولم يتجاوز هذا الإطار يومًا ما. إنها مرحلة واحدة فقط، هي مرحلة الدعوة، وفيها بلغت هذه المسيرة غايتها المنشودة. صدقًا، في هذه الثورة العجيبة في تاريخ البشرية، لم يسفك قطرة دم واحدة. لقد وقع على أرض الله بالدعوة، وبالدعوة وحدها. قد يعجب قرّاؤنا من هذا البيان، ولكن نرجو منهم أن يتوقفوا قليلًا، فإنّا نعرض عليهم التفاصيل الكاملة لهذا الحدث. إنّ تاريخ هذه الثورة يبيّن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته في أمّ القرى، مكة المكرمة، ووجّهها إلى قومه أوّلًا. وقد استمرت هذه الدعوة قرابة عشر سنوات، عرضت خلالها على الناس من جميع الجوانب. وقد قبلها بعض الأفراد، وتحملوا في سبيلها كل صنوف الظلم من قومهم، لكن الأمة لم تبد استعدادًا لقبولها، حتى اكتملت حجّة الله، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يوسّع نطاق الدعوة، ويخرجها من حدود قومه ليقدّمها إلى القبائل الأخرى. وبموجب هذا الأمر الإلهي، قدّم النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، في موسم الحج، أمام قبائل العرب في منى. وتشهد كتب التاريخ أن جميعهم رفضوا هذه الدعوة، إلا نفرًا من أهل يثرب، الذين تقدّموا إليها بقلوب منشرحة، وقبلوها بكل وضوح وصفاء. وتذكر بعض الروايات أن عددهم كان ستّة، وأخرى تقول ثمانية. بعد ذلك، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم:
"هل ستؤازرونني وتحمونني؟"
فكان جوابهم:
"نحن مجتهدون لله ولرسوله. نحن، فاعلم، اعداء متباغضون، وانما کانت وقعة بعاث عام الأول، یوم من أیامنا اقتتلنا فيه. فان تقدم، ونحن کذا، لا یکون لنا علیك اجتماع، فدعنا حتی نرجع إلی عشائرنا، لعل الله یصلح ذات بیننا، وموعدك الموسم العام المقبل."[5]
وهكذا، لما عاد أولئك النفر إلى يثرب، بدأوا العمل من أجل الدعوة. وفي العام التالي، أي في السنة ١٢ بعد البعثة، جاء ١٢ (اثنا عشر) رجلًا من أهل يثرب للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع العقبة. كان من بينهم ٥ (خمسة) ممن أسلموا في العام السابق، وأما الـ ٧ (السبعة) الباقون، فكان ٥ منهم من قبيلة الخزرج، و٢ من قبيلة الأوس. وقد أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة الإسلام قد وصلت إلى بيوت الجميع تقريبًا، لكن زعماءهم وأصحاب القرار فيهم لم يؤمنوا بعد. وقبل عودتهم إلى المدينة، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أحد أصحابه، وهو مصعب بن عمير رضي الله عنه، ليكون مبلّغًا ومرشدًا لهم. وقد بدأ هؤلاء، تحت قيادته، بنشر دعوة الإسلام في يثرب بسرعة لافتة. وفي العام التالي، أي في السنة ١٣ بعد البعثة، وقبيل موسم الحج، كان زعماء وأشراف قبيلتي الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام. وهكذا، دون أي عمل عدواني، وبالدعوة وحدها، انتقل السلطان السياسي في يثرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأسّس أول "دار إسلام" في التاريخ الإسلامي، وتحققت هذه الثورة السلمية العظيمة. وقد بايع أهل يثرب النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، باعتباره قائدًا وسيدًا عليهم، على السمع والطاعة. وبعد نحو ٣ (ثلاثة) أشهر من هذه البيعة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة متجهًا إلى يثرب لتسلّم زمام الحكم هناك.
ويكتب الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه "سيرة سيّد العالَم"، تحت عنوان "أهمية بيعة العقبة":
"لقد كان هذا موقفًا ثوريّاً في تاريخ الإسلام، هيّأه الله تعالى بعنايته، ومدّ النبي صلى الله عليه وسلم يده فأمسكه. لقد دعا أهل يثرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا باعتباره لاجئًا فحسب، بل كنائب عن الله، وإمامًا، وحاكمًا عليهم. ولم تكن دعوتهم للمسلمين المنتشرين في القبائل المختلفة أن يأتوا إلى أرض غريبة كمهاجرين فقط، بل كان الهدف أن يجتمعوا في يثرب، ويتحدوا مع مسلميها، ليكوّنوا مجتمعًا إسلاميًّا منظمًا. وهكذا، قدّمت يثرب نفسها باعتبارها مدينة الإسلام، وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، فصارت أول دار إسلام في جزيرة العرب."[6]
لقد وقعت هذه الثورة المذهلة في التاريخ على هذا النحو: لم تنظّم لأجله عصابات، ولم تقم مظاهرات، ولم ترفع فيه هراوة، ولا سلّت فيه سيوف، بل عرضت فيه الدعوة فحسب. فأسرت هذه الدعوة العقول والقلوب، وخضع لها أصحاب القرار في المجتمع بقلوب منشرحة، حتى أماط عالم جديد اللثام عن وجهه في أرض الله. وما إن وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حتى دوّن دستور هذه الدولة الناشئة، والذي عرف في كتب التاريخ باسم "وثيقة المدينة".
وقد اعترف صلى الله عليه وسلم في هذا الدستور باليهود كأقلية متعاهدة خاضعة لقيادته، واعتبرهم مواطنين في هذه الدولة الجديدة. كما نصّ صلى الله عليه وسلم في هذه الوثيقة على أن المسلمين واليهود يشكلون وحدة سياسية مشتركة، ووضع قوانين للدية والقصاص، والسلم والحرب. وقد سجّلت فيها مادة بكل وضوح تنص على أن شريعة الله هي "القانون الأعلى"، وأن المرجعية النهائية في جميع النزاعات ستكون لله وحده ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وجاء في نص الوثيقة:
"وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مردّه إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم."[7]
هذا هو "ميثاق المدينة" الذي بنيت على أساسه أول حكومة إسلامية رسمية. وقد بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصفته رئيسًا لهذه الدولة، إلى تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا شاملًا في مجالات السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والحدود والتعزيرات، والجهاد والقتال، خلال سنوات معدودة. فقد نفّذت في هذه الدولة، قبل فتح مكة بكثير، أحكام الزواج، والميراث، والبيع والشراء، والمزارعة، والشفعة، وحرمة الربا والميسر، وغير ذلك من الأحكام. كما وضع قانون الحرب والسلم، وأرسي نظام الشورى، وأقيمت حدود الله على المجرمين، واستؤصلت جذور الطبقية، والاستبداد، والظلم، والاستغلال، وتجلّت أعلى صور العدل والإنصاف، وأصبح الناس يشاهدونها بأعينهم، ويلمسونها بأيديهم. كل ذلك وقع، وظهر هذا الانقلاب الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثماره ونتائجه في الواقع الملموس. هذه هي القصة الحقيقية لذلك الانقلاب. فراجعها مرارًا، فإنها مذكورة في القرآن الكريم، ومحفوظة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته، ومسجلة في كتب المؤرخين، ومدونة في كتب الفقه والأصول، وفي تفاسير القرآن الكريم. تصفّح صفحاتها واحدة تلو الأخرى، وستقرّ بأن القتال، في سياق هذه الثورة، لم يكن وسيلة لإحداثه، بل جاء بعد أن تحقق هذا الانقلاب فعليًا، وكان صادرًا لا عن "تنظيم إسلامي" تحت قيادة "أمير" ما، بل عن حكومة شرعية تامة، يتمتع حاكمها بالسلطان السياسي الكامل على رعيته، وقد أطلق القتال لتوسيع رقعة هذه الثورة من مكة إلى أطراف الجزيرة العربية. فهذه نقطة فارقة ينبغي ترسيخها في الذهن: القتال لم يقع لإحداث الانقلاب، بل وقع بعد تحققه، وبقيادة حكومة رسمية، بهدف توسيع مجاله ونفوذه. ولذلك، فإن أيّ شخص منّا، إن وجد في نفسه الكفاءة، يمكنه أن يعمل اليوم على إحداث هذه الثورة، لكن السبيل إليه ليس أن ينظّم أحدهم عصابة ويفرض فكرته على الأمة بالقوة والعنف. وإنما المستفاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، أن الثورة تمر عبر الدعوة، والدعوة فقط، حتى تلتف حوله الأمة برضاها، وبمشورتها الحرة، وبإرادتها الواعية، فيتحقق في الأمة أولًا.
ثم، إذا اقتضى الأمر، خرجت هذه الأمة، بقيادة ولاة أمرها، إلى العالم بالجهاد والقتال لنشر هذا الحق، كما فعل الصحابة الكرام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ خرجوا بقيادة الخلفاء الراشدين إلى تخوم دولتي الروم وفارس، ونادوا على أبوابها، أسلموا، أو ادفعوا الجزية، أو استعدوا للقتال.[8]
هذه هي حقيقة الثورة الإسلامية، التي لأجلها تقرر في التشريع الإسلامي أن شرط الجهاد والقتال هو وجود الحكومة. وهذا مبدأ فقهيّ مسلّم به في الفقه الإسلامي، وقد نصّ عليه الشيخ سيد سابق في فقه السنة قائلًا:
"والنوع الثالث من الفروض الكفائية ما يشترط فيه الحاكم، مثل: الجهاد وإقامة الحدود."[9]
وكما لا يجوز من جهة الشريعة لأيّ فرد أن يجلد زانيًا أو يقطع يد سارق دون أن يكون له سلطان وحكم، فكذلك لا يحقّ له أن يقدم على الجهاد والقتال من غير ولاية شرعية. فكل عمل من هذا النوع، يعدّ في ميزان الشريعة جريمة. ولم يقم نبيّ من أنبياء الله بأي جهاد قبل أن يمنح السلطان. والقرآن في هذا الشأن بيّن لا غموض فيه، فإنّ رب العالمين لم يأذن لهم بالقتال إلا بعد أن هاجروا، وشكّلوا جماعتهم في منطقة حرّة، ثم أقيمت لهم سلطة فعلية، يمارس فيها الحكم بالقوة والقانون. وكان أنبياء الله في هذا الباب على غاية من الحذر؛ فلمّا لم يكن لهم سلطان، لم يذكروا القتال على ألسنتهم قطّ.
ومن هنا، إذا نظرنا في سور القرآن المكية نجدها خالية تمامًا من أي تشريع للجهاد أو القتال. وهذه الحقيقة تتجلّى بوضوح في سيرة سيدنا موسى وسيدنا المسيح عليهما السلام. فحسب الشريعة الإسلامية، من المضحك أصلًا تصور أن يمنح الإذن بالقتال لنظام لا يملك حتى سلطة تنفيذ حدود الله أو إنزال العقوبة على مرتكب الجريمة بين أتباعه.
وفي هذا السياق، يكتب القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره لآية رقم (٤٠) من سورة الحج:
"قال علماؤنا رحمهم الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة، لم يؤذن له في الحرب، ولم تحلّ له الدماء."[10]
وكما بيّنّا فيما سبق، فإن بيعة العقبة هي الحدث الذي دشّن بداية عصر السيادة الإسلامية في جزيرة العرب. فهذا هو منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الثورة، ثم في توسعته بعد قيامه. ومن هنا، يستطيع كلّ عاقل أن يقدّر المسافة الفاصلة بين هذا المنهاج النبوي، وبين تلك "الأساطير" التي ظلّ دكتورنا الغالي، طوال العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية، يرويها لهذه الأمة، من قبيل: "بيعة السمع والطاعة"، "تنظيم قائم على الانضباط العسكري الصارم"، "من كانت له العصا كانت له البقرة"، و"الجهاد والقتال" كوسيلة أولى للتغيير.
ببین تفاوت ره از کجاست تا به کجا
ترجمة: فانظر كم شتّان ما بين المبدأ والمنتهى!
والمأساة الحقيقية لهؤلاء الذين يرفعون راية "الثورة الإسلامية" هي أنهم، لم يستطيعوا أن يقدّموا هذا الدين لأمتهم بصورته الحقيقية، وبفهم صحيح متجرّد. لم ينجحوا في طرح حلول واضحة للمشكلات العميقة التي خلقتها الجاهلية المعاصرة. لم يبذلوا جهدًا كافيًا لفهم الشريعة بعيدًا عن تحيّزات "الثيوقراطية"، ومن خلال القرآن والسنّة الصافيين. ولم يرسّخوا في عقول الناس تفوّق الشريعة في مسائل السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والتعليم، والحدود والعقوبات. فكان طبيعيًّا، بعد هذا كله، أن ترفض الأمة قيادتهم، وترى فيهم العجز والفشل. ولما رفضتهم الأمة، لجؤوا إلى الضجيج والاحتجاج والفلسفة الثورية، يحاولون أن يخرجوا منها "منهاجًا نبويًّا جديدًا"، زاعمين أن الجهاد والقتال هو الطريق النبوي لإحداث الثورة.
ہوئے کس درجہ فقیہان حرم بے توفیق
ترجمة: يا للأسف! إلى أيّ مدى فقد فقهاء الحرم توفيق الله، رغم علمهم ومكانتهم.
نحن نعد هذا الفهم مخالفًا تمامًا للدين والشريعة، ونراه ضارًا أشد الضرر بالبلاد والعباد. في نظرنا، فإن هذه الحقيقة قد حسمت في حق الأمة الإسلامية من قبل ربها، وهي أن أحدًا لا يمكن أن يسلط عليها إلا بإرادة الله ومشيئته. ومن ثم، فإن أي ثورة تفرض بهذه الطريقة، سواء خرج من رحم الحكم العسكري أو ولد في أحشاء الجماعات الدينية، فهي ولادة غير شرعية في كل الأحوال. ولا يمكن إثبات مشروعيتها في الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة.
وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"من بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين، فلا يباع هو له ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا."[11]
يقول دكتورنا الغالي، إن أكثرية العامة لا تحدث تغييرًا أبدًا. ونحن نستأذنه في أن نخالفه بكل تواضع، ونقول إن التاريخ الموثوق لدعوة النبوة ينقض هذا الادعاء بشدة. لقد بينا سابقًا أن أكثرية الأوس والخزرج آمنت بالنبي، وبفضل هذه الأكثرية، تحولت يثرب إلى "دار الإسلام".
أما سيدنا موسى عليه السلام، فإن القرآن الكريم يذكر مرارًا أن قومه جميعًا آمنوا به، ولم يهاجروا معه من مصر إلا وقد تبعوه جميعًا، حتى لم يتخلف منهم طفل واحد. وفي شأن سيدنا يونس عليه السلام، يصرح القرآن أنه بعد خروجه من بطن الحوت، وعندما عاد إلى قومه يدعوهم إلى الحق بحرارة وصدق، استجابت له الأمة بأكملها. وجاء في صحيفة النبي يونس عليه السلام من التوراة ما نصه:
"فآمن أهل نينوى بالله، ونادوا بصوم، ولبسوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم. وبلغ الخبر ملك نينوى، فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه، وتغطى بمسح، وجلس على الرماد. ونودي ونشر في نينوى بأمر الملك وعظمائه قائلين: لا يذق الناس ولا البهائم، لا بقر ولا غنم شيئًا. لا ترع ولا تشرب ماء. وليتغط الناس والبهائم بالمسوح، وينادوا إلى الله بشدة، ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة، وعن الظلم الذي في أيديهم."[12]
هذه المسألة قد اتّضحت، ولكن قد يحدث أن دكتورنا الفاضل يتجاوز غوامض السيرة، إذ لم يجد فيها سندًا لفلسفة انقلابه، فيفتح موضوع "الخروج". لذا، ووقايةً مسبقة، نعرض عليه هذه الملاحظات التالية:
أولًا: ما نعرضه عليه هو أن هذه المسألة إن هو دخلها، فإنها لم تعد بحثًا في السيرة، بل أصبحت بحثًا في الشريعة. وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى توضيح في هذا الباب، إذ لا مجال فيها مطلقًا لاكتشاف شيء يدعى "الخروج". وفي هذه الحال، فإن ما يمكنه أن يجد فيه أسوة له لن يكون في سيرة النبي، بل في مواقف بعض الصحابة والتابعين الكرام مثل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن علي وغيرهم ممن قاموا ببعض التحركات ضد بني أمية. ولا اعتراض لنا في أن يتجه الدكتور إلى هناك إن شاء، ولكن عليه أن يوقن أن هذا سيجرده من عبارة "المنهاج النبوي للثورة" التي يستند إليها، ولن يبقى له إلا أن يسمّيه "المنهاج الزيدي" أو "المنهاج الحسيني" أو "المنهاج الزبيري".
ثانيًا: إن انتقلت المسألة من السيرة إلى الشريعة، فعليه أن يعترف بأن الخروج في الشريعة الإسلامية لا يكون واجبًا أبدًا، بل ليس حتى مستحبًا، وكل ما يمكن أن يقال هو أن الشريعة قد تجيزه في بعض الحالات بشروط صارمة. لكن دكتورنا الفاضل سيواجه حينها صعوبة كبرى، وهي أنه لن يستطيع إدراج هذا الفعل ضمن لوازم فريضة إقامة الدين التي يبني عليها فلسفته الثورية، وبالتالي فإن البناء الفكري الكامل لفلسفة "الفرائض الدينية" الذي اجتهد في إقامته طوال السنين، سيتهاوى بانهيار هذا العمود الأساسي.
ثالثًا: إن قبل الخوض في مسألة الخروج، فعليه أن يقبل الشروط الثلاثة التي قررتها الشريعة لهذا الأمر:
الأول: أن يكون الحاكم قد ارتكب كفرًا بواحًا لا لبس فيه.
الثاني: أن تكون الحكومة استبدادية لم تقم برضا الأمة، ولا يمكن تغييرها بإرادة الناس.
الثالث: أن يقوم بهذا الخروج شخص له تأييد واضح من أغلبية الأمة، ويُقبل به قائدًا بديلاً عن الحاكم القائم.
لكن إن قبل دكتورنا الكريم هذه الشروط، سيواجه:
أولًا: ضرورة إثبات كفر صريح في فكر أو عمل الحكام، وهو أمر بالغ الخطورة، وإن كان الدكتور شجاعًا، لكنه سيقع فيما وقع فيه غيره، مثلما حدث مع فتوى الشيخ عبد الستار نيازي ضد السيدة بي نظير، التي لم تجد صدىً وقبولًا بين الناس.
ثانيًا: سيضطر إلى وصف الحكومة الديمقراطية الحالية، التي جاءت باختيار المسلمين، بأنها استبدادية، وهذا من شأن القضاء والقدر، وليس من سلطته هو.
ثالثًا: سيتعيّن عليه أن يواجه نفس العقبة التي أراد الهروب منها، وهي: كسب تأييد غالبية الأمة لفكره ودعوته.
وبذلك، إن كان مجنون (قيس بن الملوّح العامري) يعاني من عذابين، فإن دكتورنا العزيز، سيجد نفسه في ثلاثة أنواع من العذاب. وبسبب طول البحث، لم نذكر هنا أدلة هذه الشروط من القرآن والسنة. ولكننا لا نظن أن دكتورنا المخدوم سينازع فيها. وإن فعل، فليطمئن أننا، إن شاء الله، سنقيم عليه الحجة من الكتاب والسنة على هذه الصفحات ذاتها. وفي ختام مقاله، قال دكتورنا العزيز: إن لم تقبلوا فلسفتي في الثورة، فهاتوا بديلًا. وقال، هلمّوا، هذه الكرة وهذا المضرب. وأردف قائلاً إنه عرف عن بصيرة أن ’هذا هو الطريق‘ ونحن نقول، بلا شك، هذا هو الطريق. لقد عرضنا أمامكم بوضوح المنهاج النبوي الحقيقي للثورة، وهو منهاج الدعوة. بدايته دعوة، ونهايته دعوة. فإن كنتم صادق العزيمة، فاخرج من متاهات فلسفة الثورية، وأظهر وجه الإسلام الوضاء للأمة، وأعلن دعوتكم للخلاص من اللادينية والثيوقراطية معًا. نادوا هذه الأمة المقهورة نحو عدل الإسلام وقسطه، واتركوا عنكم جدران البيعة والطاعة وحق الاسترداد التي أقمتموها من حولكم، فإن كان لا بُدّ من بيعة، فادعوا إليها كما دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم سادة قريش في مكة، حين قال:
"فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟" [13]
نؤكّد لكم يقينًا، أنه بعد ذلك، سنكون جميعًا إخوانكم ورفقاء دربكم، وليس نحن فقط، بل كل أولئك الذين فرّوا من قبضة السمع والطاعة ومن خنقة التحكّم، سيعودون ليقفوا إلى جانبكم من جديد. نادوا بالحق، وإن لم تستجب لكم هذه الأمة، فليس ذلك من مسؤوليتكم. وأنتم، بإذن الله، ستقفون مرفوعي الرأس بين يدي ربكم. لكن، يا دكتورنا الكريم، من يدري؟ لعلّكم حين تنادون من موقف الحب والأخوة بدلًا من مناخ السمع والطاعة والتسلّط، فإن هذه الأمة أيضًا تنهض بتوبة جماعية، كما خرج قوم يونس بقلوب خاشعة ولباس التواضع، عندما سمعوا نداء نبيّهم. وما ذلك على الله بعزيز.
وفي الختام، لا أجد ما أقول إلا:
ترجمة: دعاؤك أن تتحقق أمنيتك، ودعائي أن تتغير تلك الأمنية.
______ 4 ______
أقيمت أول دولة إسلامية في يثرب ومحيطها، وقد تأسّست نواتها الأولى من بيعة العقبة. وتولّى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادتها فور هجرته إليها، فكتب لها دستورًا. وقد أطلق عليه مؤرخو السيرة ودارسو التاريخ اسم "ميثاق المدينة"، وهو أول دستور مكتوب في تاريخ البشرية. وبعد تطبيق هذا الدستور في تلك الدولة، أصبحت دولة منظمة ذات نظام دستوري، وقاد المسلمون تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم جهادًا مستمرًا لتعزيزها وتوسيعها. ففي غضون خمس أو ست سنوات، امتدت حدودها شرقًا نحو نجد، وشمالًا نحو أطراف الشام، وغربًا إلى سواحل البحر الأحمر، وجنوبًا إلى مشارف أم القرى مكة. وقد نزلت في هذه الدولة الشريعة الأخيرة من عند الله تعالى، شاملة شؤون الحضارة والسياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والحدود، والعقوبات، والجهاد والقتال، وكان ذلك من السماء إلى الأرض. وقبل فتح مكة بسنوات، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بتنفيذ هذه الشريعة تدريجيًّا في دولته باعتباره إمامها وحاكمها. وهكذا، قام على الأرض ذلك الثورة الإلهية الذي عبّر عنه المسيح عليه السلام بـ"ملكوت الله"، ويعرف في زماننا هذا باسم "الثورة الإسلامية". وهذه حقيقة ثابتة لا خلاف عليها، من ثوابت التاريخ، مثلما هو ثابت في التاريخ وجود الخلافة الراشدة، والدولة الأموية، والعباسية، والإمبراطورية الرومانية. ولا يوجد في الأمة الإسلامية عالمان معتبران يختلفان في هذه المسألة، حتى الدكتور إسرار أحمد نفسه لم يكن يختلف فيها حتى قبل بضعة أسابيع فقط. فانظر إلى ما كتبه في كتابه "منهاج الثورة النبوية"، تعليقًا على اعتراض المستشرق المعروف مونتكمري وات، "محمد في المدينة غير محمد في مكة"، حيث كتب دكتورنا الفاضل:
"لكن الأمر يختلف تمامًا في المدينة؛ فهناك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل السيف، وهو القائد الأعلى للجيش، وهو جنرال، وهو رئيس الدولة في المدينة، وهو من يتولى دور القاضي الأعلى، ويبرم المعاهدات، أي أن محمدًا في المدينة يظهر في صورة رجل دولة مدبّر بارع."[14]
وفي هذا السياق، وبعد بضع جملات، يقول:
"فهناك يظهر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في دور رجل دولة حكيم، قائد سياسي، ورئيس دولة، وقائد عسكري."[15]
ثم يورد بعد ذلك آية رقم ٤١ من سورة الحج، ﴿الذين إن مكناهم في الأرض﴾ ويعلّق على الآية بقوله:
"يفهم من هذه الآية أن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، الذين منحوا التمكين في الأرض في المدينة المنورة، وما تلا ذلك من توسع، فإن هذه الآية تعد بمثابة البيان التأسيسي (Manifesto) لحزب الله والثورة الإسلامية."[16]
وفي موضع آخر من نفس الكتاب، يكتب:
"بعد أن هاجر النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، قام بثلاثة أعمال مباشرة؛ أولها: بناء مسجد النبي لإقامة الصلاة، والذي لم يكن مجرد مسجد، بل كان مقر الحكومة الثورية الإسلامية، ومركز إدارة الدولة، وكذلك معهدًا للتربية والتكوين."[17]
هذه حقيقة مسلّمة بهذا القدر من الوضوح، ومع ذلك، فدكتورنا الغالي يستحق الثناء، إذ حين نبهناه إلى هذه الحقيقة لنقض فلسفة الثورة لديه، فإنه بدل أن يعيد النظر في فكره في ضوء هذه الحقيقة، تظاهر بالجهل وسأل أية دولة؟ وأية حكومة؟
ولنفي وجود هذه الحكومة، استخرج حسب زعمه بعض الأدلة التي عرضها في مقاله. ونحن لا نعتقد أنه ليس بالغبي حتى يخفى عليه ضعف هذه الأدلّة، وبقدر ما نعلم فليس بالسريع النسيان حتى ينسى ما خطّته يداه ونشر في كتابه نفسه. لكن، وعلى الرغم من ذلك، وبما أبداه من إصرار على إنكار هذه الحقيقة، وتقديمه لتلك المبررات، فلا يسعنا إلا أن نخاطبه بقولنا:
این کار از تو آید و مردان چنین کنند
الترجمة: إن هذا الفعل لا يصدر إلا عنك، ومن شيم الرجال مثل هذا الثبات.
في نظرنا، فإن هذه الحقيقة تملك أهمية بالغة في فهم الدين والشريعة، وإنكارها يمكن أن يجرّ الإنسان في مسألة تفسير الدين إلى نتائج خطيرة للغاية. ولهذا، فإن دكتورنا العزيز، أيًّا كان الطريق الذي يسلكه أو الوادي الذي ينزل فيه، فقد رفعنا القلم، ولن نضعه، إن شاء الله، حتى نبيّن حقيقة نظريته في الثورة بيانًا كاملًا لأهل العلم والرأي في هذه الأمة. لكن، قبل أن نتقدم في مناقشة المسألة الأساسية، هناك أمران يجب توضيحهما:
١- أولًا، دكتورنا الكريم يشتكي من أننا انتقدناه قبل أن يتمّ عرض فكرته، ولكن الحقيقة أن هذه الشكوى لا تصدر إلا عن تجاهل متعمّد منه. فهو يعلم تمامًا أن هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها نظريته في الثورة. بل إنه منذ عشر أو خمس عشرة سنة، كررها مرارًا في كتاباته وخطبه، ونشرها في مجلاته وصحفه، بل لديه كتاب كامل مطبوع بعنوان "منهاج الثورة النبوية" يدور حول هذه الفكرة. لذلك، فإن فكرته بالنسبة إلينا ليست ناقصة ولا غير مكتملة، بل سمعناها مرارًا، وفهمناها تمامًا، ثم وجهنا إليها النقد عن علم وبصيرة.
٢- ثانيًا، موقف دكتورنا الغالي من الهجرة والأغلبية الصامتة، ربما ورد في مقالنا بصيغة موجزة قد تسبب سوء فهم. لكن بما أن هذا التفصيل لا يؤثر في المسألة الجوهرية، فإننا نقبل توضيحه بكل رحابة صدر، ونعلن ذلك منذ البداية لقرائنا الكرام. فالهجرة، في نظره، هي مرحلة من مراحل الثورة النبوية، لكنه لا يراها ممكنة في العصر الحاضر، ولا يفكّر في إدخالها ضمن خطته العملية للثورة. أما الأغلبية الصامتة، فموقفه هو أنه حين يخرج إلى الميدان مع "فدائييه" في مواجهة النظام الباطل، فإنه واثق أن هذه الأغلبية ستدعمه استنادًا إلى مبدأ، الصمت نصف الرضا.
وبعد هذا التوضيح، نتقدم الآن إلى مناقشة أدلته، ولكن قبل ذلك، نسلط الضوء على مجموعة من الحقائق الثابتة التي تجعل من قيام الدولة في يثرب حقيقة تاريخية لا تقبل الإنكار، عند أهل العلم والتحقيق. ونبدأ بالقرآن الكريم:
الدكتور قال إن ألفاظ "الدولة" و"الحكومة" وما شابهها لم ترد في القرآن. ونحن نرى أن هذا القول ناتج عن بحثه عن هذين اللفظين أو عن مرادفاتهما في اللغة الأردية ضمن نص القرآن، بينما القرآن الكريم لم يستخدم هذه المصطلحات الحديثة، بل استخدم بدائلها الأصيلة في لغته، مثل "الأمر"، "الحكم"، "الاستخلاف"، "التمكين"، و"السلطان". وبالفعل، فإن ذكر الحكومة الإسلامية، التي قامت بعد فتح مكة في الجزيرة العربية كلها، مذكور في القرآن في مواضع عديدة. بل إن قيام الدولة في يثرب بعد الهجرة مذكور أيضًا بألفاظ واضحة لا تقبل اللبس. وعلى سبيل المثال، نذكر قوله تعالى في سورة بني إسرائيل:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.[18]
من حيث الأسلوب، تبدو هذه الآية دعاءً يجري على لسان النبي بأمر الله، لكن من يعرف ذوق القرآن يدرك أن عطف قوله ﴿وقل جاء الحق﴾ عليها يجعل المسألة في غاية الوضوح، إنما هي بشارة عظيمة منحها الله لنبيه وصحابته عند الهجرة، وقد رسمت بكل وضوح المراحل المقبلة من مسيرة الدعوة والرسالة. فلنتأمل هذه البشارة:
١- أول ما يفهم منها، من خلال تقديم "الإخراج" على "الإدخال"، هو أن الله تعالى يبيّن أن الهجرة ليست بالأمر الهيّن، ولكن طمأنةً لنبيه، أخبره أن الاستقرار الجديد قد أعد له قبل خروجه من مكة.
٢- ثانيًا، أن الخروج من مكة والدخول إلى دار الهجرة سيكونان بعزّة وكرامة، وهيبة واستقرار.
٣- ثالثًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم سيجد هناك كما الأنصار، سلطانًا نصيرًا، يمكّنه من الانتقال من الدعوة إلى المرحلة العملية من المواجهة مع قومه.
٤- رابعًا، أن هذا السلطان النصير، بما يقدمه من عون ونصرة، ستكون نتيجته الحتمية اندحار الباطل من الأرض، وغلبة دين الحق في جزيرة العرب بكل وضوح وقوة.
فإذا وضعنا هذه المعاني نصب أعيننا، ونظرنا إلى عبارة "سلطانًا نصيرًا"، نجد أن "سلطان" هنا لا يمكن أن تعني إلا السلطة والحكم. لكن أي سلطة هي هذه؟ هل هي السلطة التي حصل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة؟ أم هي تلك التي أقيمت له في يثرب بعد الهجرة؟
موضع الآية، والسياق الذي تتحدث فيه عن الهجرة، ثم مباشرة تشير إلى "سلطان نصير" من لدن الله، كل ذلك يبيّن بجلاء أنها لا تتحدث عن السلطة التي جاءت بعد غلبة الحق، بل عن تلك التي أعطاها الله لنبيه دون أي عمل عسكري، محضًا من فضله ورحمته، أي: سلطة يثرب.
وإذا أضيف إلى ذلك وصف "نصير" بمعنى معين ومؤازر فقد بات الأمر قاطعًا بأن المقصود هو حكومة المدينة المنورة، التي كانت أداة النصر والتمكين الأول، والتي بها تحقق الغلب على مكة، ثم امتدت بعد ذلك إلى كافة أرجاء الجزيرة.
أما الأنصار، الذين بايعوا النبي في بيعة العقبة على أن يمكّنوا له دين الله، فقد عبّر القرآن عن دعمهم بـ"النصرة"، وسماهم بالأنصار، وجعل تلك الحكومة الناتجة عن نصرتهم "سلطانًا نصيرًا"، بما يؤكّد أنها هي الحكومة التي نفذت خطة الله في إقامة الدين. إن قول النبي في القرآن ’واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا‘ هو تأكيد قاطع على أن هذه الحكومة ليست مجرد سلطة دنيوية، بل هي حكومة ذات رسالة إلهية، ومنها بدأ نزول شريعة الدولة، وبها بدأ الإذن بالقتال في سبيل توسعة نطاق الحق. ولأن هذه الحكومة كانت نصيرة للحق، لا مجرد حاكمة، فقد سماها القرآن "سلطانًا نصيرًا"، وسجّل ذلك في التاريخ كحقيقة ثابتة لا تنكر.
ولذلك، نقرأ في ترجمة الشيخ شاه عبد القادر، أول من ترجم القرآن إلى الأردية، أنه ترجم البشارة بهذه الكلمات "اجعل لي من عندك حكومة تعينني"، وشرحها بقوله:
"أي أخرجني من هذه المدينة بعزّة، وأسكني في أخرى بعزّة؛ وقد أسكنه الله في المدينة، وجعل أهلها تحت حكمه، وبهم نصر الدين."[19]
بعد هذا النص الصريح في القرآن الكريم، قد لا تبقى الحاجة إلى دليل إضافي، إلا أننا، إتمامًا للحجة، نمضي قدمًا ونعود إلى السيرة النبوية لإثبات المدّعى. وما يثبت وجود هذه الدولة، بشهادة تاريخية لا تقبل الإنكار في تراث هذه الأمة المتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، هو "ميثاق المدينة".
وقد نقل هذا الميثاق ابن هشام في "السيرة النبوية"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وأبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب الأموال"، كلمة بكلمة. كما أوردت بعض فقراته أيضًا كتب مثل: سنن أبي داود، مسند أحمد بن حنبل، تاريخ الطبري، لسان العرب، وطبقات ابن سعد.
وبحسب الترتيب الذي وضعه الباحثون المعاصرون، فإنّ له اثنتين وخمسين (٥٢) مادة. أمّا المواد الثلاث والعشرون (٢٣) الأولى فتتعلّق بالمهاجرين والأنصار، وأمّا الباقي فيتناول حقوق وواجبات القبائل اليهودية في المدينة. من يقرأ هذه الوثيقة بنية فهم الدين والخضوع للحق، يدرك بوضوح أنها ليست معاهدة سلام بين جماعتين كما هو حال صلح الحديبية، بل هي دستور كامل، تنص كل مادة فيه على حقوق وواجبات الحاكم والمحكوم. ويحق للأمة أن تفتخر بها باعتبارها أول دستور مكتوب في التاريخ العالمي. وكما هو حال جميع الدساتير، فإن هذه الوثيقة تتناول المسائل الأساسية في بناء الدولة، والتي يعلم فقهاء القانون الدستوري أنها خمسة:
١- طبيعة الدولة
٢- مصادر السيادة والطاعة في نظام الحكم
٣- قضايا الحرب والسلم والعلاقات الخارجية
٤- حقوق وواجبات المواطنين
٥- نظام القضاء والعقوبات
ومن يقرأ مواد الوثيقة من أولها إلى آخرها، يجد أنها كلها تدور في هذه المحاور. ويتبين منها أن الحكومة التي أقيمت وفق هذا الميثاق هي حكومة فيدرالية، أرضها تعتبر حرمًا آمنًا لمواطنيها، وجميع السكان فيها أمة واحدة سياسيًا، متساوون في الحقوق والواجبات، وأحرار دينيًا بالكامل، والمذنب فيهم مذنب بحق الجميع، والحدود والديات تطبّق وفق قانون واضح. أما الحرب، فهي حرب الجميع، والسلم سلم الجميع. ولا يجوز لأي فرد من المواطنين أن يعقد معاهدات منفردة مع العدو. ومرجعية الطاعة العليا في هذه الدولة هي أمر الله ورسوله، ولذلك فإن السيادة التشريعية والسياسية تنتهي إليه وحده. وانظر إلى ما ورد في الوثيقة:
"وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
وأنه من قتل مؤمنا ظلما عن بينة، فإنه يقاد به، إلا أن يرضى ولي المقتول. وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا القيام عليه.
وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.
وأنه لا يجار قريش ولا من نصرها.
وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين.
وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.
وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم."[20]
هذا هو "ميثاق المدينة"[21]. هل يمكن لشخص لديه إلمام بالقانون الدستوري أن يقول، بعد الاطلاع عليه، إن قيام دولة المدينة ما يزال أمرًا مشكوكًا فيه، أو أن لأحد بعد ذلك أن يدّعي بأن المدينة لم تكن "دار الإسلام"، بل مجرد "دار السلام"؟ ثم إننا لسنا أول من قال هذا الكلام عن هذا الميثاق. بل الحقيقة أن جميع الباحثين من علماء هذه الأمة يمنحونه هذه المكانة. فانظروا، مثلًا، إلى العالم الشهير في التاريخ والسيرة الدكتور محمد حميد الله، كيف أنه في كتابه "نظام الحكم في العهد النبوي" أفرد فصلًا كاملًا لهذا الميثاق، عنوانه بـ:
"أول دستور مكتوب في العالم"، ونقل نص الميثاق تحت عنوان: "ترجمة دستور دولة المدينة في العهد النبوي"، وكتب في شرحه:
"في السنة الأولى من الهجرة إلى المدينة المنورة، صاغ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وثيقة مكتوبة، ذكر فيها بالتفصيل حقوق وواجبات الحاكم والمحكوم، إلى جانب الضرورات العاجلة الأخرى."[22]
ويقول أيضًا:
"لكن تأسيس الدولة الحقيقية لم يتم إلا بعد الهجرة. فعند وصوله إلى المدينة، حدّد النبي مباشرة حقوقه وواجباته القضائية، ولحسن حظنا أن هذه الوثيقة المثيرة والمهمة قد وصلتنا كاملة كما كتبت. ويمكن اعتبارها أول دستور ونظام أساسي لأول دولة إسلامية."[23]
ثم يضيف:
"وقد تم تسجيل هذا الإنجاز العظيم في هذه الوثيقة، التي أنهت إلى الأبد فوضى العصبية القبلية، وأرست أساس الدولة كمؤسسة جامعة. وفيها احتفظ النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه بالسلطات العليا: القضائية، التشريعية، العسكرية، والتنفيذية."[24]
وكذلك، انظر إلى الإمام الكبير والمحقق المعروف أبو زهرة، كيف أنه بدأ الحديث عن الهجرة في الجزء الثاني من كتابه "خاتم النبيين" بعنوان، "تأسيس الدولة الإسلامية"، وعرّف بوثيقة المدينة على النحو التالي:
"وجعل ما يسري على المؤمنين في قبائلهم وشعوبهم يسري على اليهود وغيرهم، على أن يكون لهم ما للمؤمنين، وعليهم ما على المؤمنين، لا يظلمون في دينهم، ولا يعتدى عليهم في معتقداتهم، وعلى أن تكون الرئاسة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم."[25]
وانظر أيضًا إلى ما جاء في كتاب "الرحيق المختوم"، الفائز بالمركز الأول في المسابقة العالمية للسيرة النبوية التي نظمها رابطة العالم الإسلامي، حيث لخّص المؤلف الشيخ صفي الرحمن المباركفوري مضمون هذا الدستور، وكتب فيه بكل وضوح:
"بعد إبرام هذا الاتفاق، أصبحت المدينة وما حولها حكومة اتحادية، عاصمتها المدينة، ورئيسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الكلمة العليا والسلطة الحاكمة للمسلمين، وبهذا أصبحت المدينة بالفعل عاصمة الإسلام."[26]
هذه هي آراء باحثي التاريخ والسيرة حول هذا الدستور. ولا ندري، كما يقول دكتورنا الكريم، إن كانت كل هذه التعبيرات في نظره أساليب مجازية للحديث عن "تلك الدولة"، فماذا عسى أن تكون أساليب التعبير عن الحقيقة إذًا؟ ومع ذلك، نضع هذا جانبًا، ونود أن نلفت عناية الدكتور إلى أن الأمر لا يتوقف هنا، بل إن في مصادر السيرة ما هو أبعد من ذلك وأشد حسمًا، وهو شهادة أحد مواطني تلك الدولة، الذين عاينوا ولادتها بأعينهم، وشهدوا الثورة النبوية تتحقق أمامهم.
وقد وردت شهادته بنصها الكامل، لا بمعناها أو بتصرف روائي، بل بألفاظه الأصلية.
والأمر اللافت أن هذا الشاهد لم يكتفِ بالإخبار عن هذا التغيير، بل استخدم في وصفه نفس التعبير العربي الذي اعتبره الدكتور نصًا قطعيًا في القرآن على وجود الدولة الإسلامية، وهو تعبير "إظهار الدين". وهو ذات التعبير الذي يخصص له دكتورنا الجليل إسرار أحمد جانبًا كبيرًا من جهوده، لشرح معناه على أنه نص قرآني واضح في إثبات الدولة الإسلامية والثورة الإسلامية. وصاحب هذه الشهادة هو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشاعر الأنصاري المعروف أبو قيس صرمة بن أبي أنس رضي الله عنه. وقد ذكره ابن إسحاق، وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرًا، جاءه أبو قيس، وأسلم، ونظم في مدحه قصيدة. وقد نقل هذه القصيدة ابن هشام في "السيرة النبوية" عن ابن إسحاق، كما نقلها الطبري في "تاريخ الأمم والملوك".
وقال عنها الحافظ ابن حجر في "الإصابة في تمييز الصحابة"، وهو ينقل عن سفيان بن عيينة، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، لما رأى ما في هذه القصيدة من دلالة تاريخية موثقة، ذهب بنفسه إلى أبي قيس لأخذها منه.
فإن كان الدكتور لا يزال يصرّ على أن ثورة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقم إلا بعد فتح مكة، فليتأمل هذه الأبيات، ولينظر ماذا يقول هذا الشاهد العياني، من أصحاب رسول الله، بشأن زمان ومكان قيام الدولة:
هذه هي أبيات أبي قيس صرمة رضي الله عنه. تأملوها جيدًا، فهو يصرّح بكل وضوح أنه لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فإن الله قد أظهر دينه في بلدة طيبة، أي: غلّبه وأقامه ظاهرًا. ولا شك أن شهادة صحابي من شهود العيان لهذا التحول التاريخي تغني عن كل قول، لكن إتمامًا للحجة، نستكمل الأمر ببيان أن علماء السيرة والمحققين في القديم والحديث، كأبي قيس، لم يكتفوا بالإقرار بقيام الدولة، بل صرّحوا كذلك بظهور الدين وغلبته داخل هذه الدولة، وبألفاظ متقاربة ووضوح لا يترك شكًا.
فانظروا، على سبيل المثال، إلى ما يرويه ابن إسحاق، شيخ مؤرخي السيرة النبوية، ومؤلف كتاب "المغازي"، الذي هو أم الكتب في هذا الفن، حيث يقول:
"فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره، وأظهر الله بها دينه، وسرّه بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته، قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أخو بني عدي بن النجار..."[27]
أي: "فلما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في دار هجرته، وظهر دين الله هناك، واجتمع حوله المهاجرون والأنصار، قال أبو قيس في مدحه تلك الأبيات."
هذا ما قاله علماء السيرة في القرون الأولى، فدعنا الآن ننظر إلى علماء العصر الحديث، ولنأخذ مثالًا واحدًا من كبار مفكري الإسلام في القرن العشرين، وهو الشيخ السيد أبو الأعلى المودودي، كيف يصف هذا التحول في تفسيره الشهير "تفهيم القرآن":
"عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، دخلت الدعوة الإسلامية مرحلة جديدة؛ ففي مكة كانت المهمة مقتصرة على التبليغ بالأصول والتربية الأخلاقية، أما بعد الهجرة، ومع تجمع المسلمين من شتى القبائل العربية، وبدعم من الأنصار، فقد تأسست نواة دولة إسلامية، وبدأ الله تعالى في إنزال التوجيهات المتعلقة بالتمدن، والمعاشرة، والقانون، والسياسة، ليرسي بها أركان نظام جديد للحياة قائم على الإسلام."[28]
وفي موضع آخر، يقول:
"ربما كان ذلك زمن أحد حين بدا وكأن حتى جوار المدينة صار خطرًا على المسلمين، أو لعل الزمان تغيّر حتى صار الإسلام يرى كقوة لا تقهر، وتمددت الدولة الإسلامية في عدة اتجاهات: إلى نجد شرقًا، إلى تخوم الشام شمالًا، إلى البحر الأحمر غربًا، وإلى مشارف مكة جنوبًا."[29]
ثم يواصل الحديث عن التحول الشامل الذي طرأ على حياة المسلمين:
"وفي غضون تلك السنوات، نشأت حضارة إسلامية متميزة، بنمطها القيمي والفكري، فصار للمسلمين طابع خاص يميّزهم عن غيرهم في كل تفصيل من تفاصيل الحياة. المساجد كانت قائمة في كل منطقة، والإمامة منتظمة في كل حي وقبيلة، وكانت القوانين الشرعية، في المجال المدني والجنائي، قد وضعت إلى حد بعيد، وبدأت تطبّق فعليًا. المعاملات الاقتصادية تغيّرت، ونظّمت المواريث، وسنت قوانين النكاح والطلاق، والستر، والاستئذان، والعقوبات الشرعية. وفي سلوكهم، وأزيائهم، ولغتهم، وحتى في طريقة معيشتهم، صار المسلمون يتميزون تميزًا تامًا، حتى يئست المجتمعات غير المسلمة من أن يعودوا يومًا إلى الاندماج معها."[30]
هذه هي حقائق السيرة النبوية. ولو كان الحديث يدور حول الدليل والبرهان فقط، لكان ينبغي أن يتوقف عند هذا الحد. لكننا نواجه الآن قومًا يجادلون في وجود الشمس، ويصرّون على عدم الاعتراف بما هو مسلّم به، ولذلك ننتقل الآن إلى بيان أسس هذه الدولة في الفقه الإسلامي. فكل من لديه أدنى إلمام بالشريعة الإسلامية يعلم يقينًا أن هناك خمسة أحكام شرعية لا تنفذ إلا بوجود السلطان، أي صاحب السلطة الشرعية، وهي:
١. صلاة الجمعة
٢. الزكاة
٣. الفيء
٤. القتال
٥. إقامة الحدود
أما الأئمة الثلاثة (الشافعي، والمالك، وأحمد بن حنبل)، فلا يذكرون السلطان كشرط لصحة صلاة الجمعة، لكن الإمام الأعظم في الفقه والاجتهاد، أبو حنيفة النعمان بن ثابت، لا يكتفي باعتبارها شرطًا لازمًا، بل يربطها بشرط آخر، هو ما يسميه بـ "مصر جامع"، أي البلدة التي يوجد فيها عامل من قِبل أمير المؤمنين، يتصرف فيها بكل الصلاحيات المخوّلة له. لذلك، فإن خطبة الجمعة وإمامتها، بحسب الشريعة الإسلامية، هي حق حصري لرئيس الدولة أو من ينوب عنه.
وكذلك الزكاة، لا تؤخذ بالقوة إلا من قِبل الدولة، وهي السلطة الوحيدة المخوّلة بإعلان الجهاد، وبها يصبح المال في أرض مفتوحة فيئًا أو غنيمةً. أما إقامة الحدود، فلا يملكها إلا من يمثّل حكم الله على أرضه. لكن، مع ذلك، فهناك حقيقة مسلّمة لا ينكرها أحد، وهي أن هذه الأحكام الخمسة كلها كانت مطبّقة قبل فتح مكة، أي في المدينة وما حولها بعد بيعة العقبة. وعليه، فإن هذه أمثلة قاطعة:
أ. صلاة الجمعة أقيمت في يثرب بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بعد بيعة العقبة
ب. القتال بدأ في العام الأول من الهجرة
ج. أموال بني النضير بعد حصارهم في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، صنّفت فيئًا
د. الزكاة بدأت الدولة في تنظيم تحصيلها ما بين العام الخامس والسادس.
ه. الحدود (الزنا، القذف، السرقة، الحرابة) نفّذت على مرتكبيها بعد العام الخامس.
فإذا كانت هذه الأحكام لا تنفذ شرعًا إلا بوجود السلطان، وقد ثبت تنفيذها قبل فتح مكة، فلا بد من الإقرار بحقيقة لا مفر منها، وهي أن وجود الدولة في المدينة بعد بيعة العقبة حقيقة مسلّمة في جميع عصور الأمة.
ولهذا، حين يطلق أئمة الفقه والاجتهاد على هذه الأحكام وصف "موكولة إلى السلطان"، ويعلّمون تلامذتهم أن كل من يسمع آيات القرآن المتعلقة بهذه الأحكام يدرك فورًا أن الخطاب فيها موجّه إلى الحكّام والأمراء، فإنهم في الواقع يصرّحون بما لا مجال للاختلاف فيه:
أن الدولة كانت قائمة في المدينة منذ بيعة العقبة، لا بعد فتح مكة.
واسمعوا ما يقوله الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه "أحكام القرآن":
"وقد علم كل من طرق سمعه هذا الخطاب من أهل العلم، أن المخاطبين بذلك هم الأئمة، لا عامة الناس، فكأن التقدير: فليقطع الأئمة والحكام أيديهما، وليجلدهما الأئمة والحكام."[31]
هذه هي الحقائق الثابتة حول دولة المدينة، كما وردت في القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والفقه الإسلامي. فلنضعها أمامنا، ثم ننتقل بعدها إلى مناقشة ما أورده دكتورنا الكريم في مقاله من أدلة، تجاهل فيها هذه المعطيات كلها، محاولًا بذلك التشكيك في هذه الحقيقة التاريخية المقررة.
أولى هذه الأدلة التي استند إليها، هي ما وقع في شوال من السنة الثالثة للهجرة، حين انسحب عبد الله بن أبي ومعه ثلاثمئة من أتباعه من ميدان غزوة أحد قبيل اندلاع القتال. ومثل ذلك ما حدث في السنة السادسة للهجرة، عندما تخلف بعض من أهل المدينة وضواحيها عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم لأداء العمرة، لخشيتهم من تعرضهم للخطر، إذ كانوا يرون أن هذا السفر أشبه بالذهاب إلى الموت. ومع ذلك، لم يعاقب أحد منهم، رغم أن وقوع مثل هذا التصرف في ظل حكومة قائمة كان من المفترض أن يفضي إلى محاكمة عبد الله بن أبي وأصحابه محاكمة عسكرية، وإيقاع العقوبة على من تخلفوا عن الخروج لأداء العمرة.
ومن ثم، فإن الزعم بأن حكومة منظمة قد أقيمت في المدينة بعد الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام والحاكم المطلق فيها، ليس سوى وهم نشأ عن لبس وقع فيه بعض الناس، ولا يعلم كيف تمكّن من عقولهم.
تأملوا هذه الحجة، فماذا يقال فيها لصاحبها؟ لعلّه لا يدرك أن التخلف عن القتال وقت النفير العام يعدّ من الناحية الأخروية ذنبًا عظيمًا، ولا يتوقّع من مسلم أن يقدم عليه تحت أي ظرف. غير أن هذا التخلف، في الشريعة الإسلامية، لا يعدّ جريمة يقام عليها حد، ولا فرض على النبي صلى الله عليه وسلم، بصفته حاكمًا لدولة المدينة، أن يوقع عقوبة دنيوية على مرتكبه. فإذا لم تقع العقوبة، فلا يعني ذلك أن الدولة لم تكن قائمة أصلاً.
وربما يكون هذا أمرًا مفاجئًا له، غير أن أهل العلم يعلمون جيدًا أن هذا النوع من الأفعال، ليس فقط لا تقام عليه الحدود، بل لا يعدّ أصلاً في الفقه الإسلامي جريمة موجبة للعقاب، ولا هو مما تباشر فيه السلطة التنفيذية إجراءً جزائيًا أو قانونيًا، أي أنه لا يدخل تحت ما يعرف في القانون بالجريمة التي تستوجب تدخل الدولة (gnizable offenseco) وعليه، فإذا تخلّف بعض الناس عن المشاركة في غزوة ما، أو لم يخرجوا لأداء العمرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمهما فعلت الحكومات الدنيوية تجاه ذلك، فالشريعة الإسلامية لا تبيح لرئيس الدولة أن يعاقبهم؛ إذ لا نص فيها يوجب ذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن ما توهمه دكتورنا الفاضل في واقعة غزوة تبوك، من أن مقاطعة كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيع، كانت عقوبة قانونية صدرت عن رأس الدولة، فهو من أوهامه في فهم النصوص. فليرجع إلى الآيتين ١٠٦ و١١٨ من سورة التوبة، ففيهما بيان لا لبس فيه بأن قضية هؤلاء الثلاثة رفعت إلى المحكمة السماوية، لا الأرضية، وأن الحكم فيها صدر من عند الله عز وجل. لقد أنزل الله تعالى العقوبة، وفرض المقاطعة، ثم أعلن التوبة عنهم، وبشّرهم بالمغفرة والقبول، وبهذا انتهى الأمر، دون أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك تصرف باعتباره حاكمًا، بل باعتباره رسولاً ومبلّغًا عن ربه.
وقد جاء في الحديث أن كعب بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أمن عندك هذا أم من عند الله؟" فقال له النبي: "بل من عند الله".[32]
وقد خلّد القرآن هذا الحكم الإلهي بقوله تعالى:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.[33]
ومع ذلك، فلا شك أن عبد الله بن أبي وأصحابه، بما أنهم انصرفوا من ميدان القتال في غزوة أحد في لحظة حرجة، فقد كان من الجائز أن يحاسبوا على فعلهم، لو أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. غير أن القرآن الكريم يبين لنا أن مراعاة مصلحة النظام الاجتماعي، والرغبة في إقامة الحجة التامة على هؤلاء المنافقين، اقتضت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يلتزم العفو والتسامح، وذلك بأمر من الله تعالى. وقد كلّف عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لهم، والاستمرار في إشراكهم في شؤون الدولة كما كان من قبل، رغم ما بدر منهم. وقد ورد هذا الأمر الإلهي صريحًا في سورة آل عمران، حيث يقول الله عز وجل:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.[34]
كتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره لهذه الآية ما نصه:
"كما هو الحال مع عامة الناس، فإن خلق اللين والتغاضي هو أيضًا المنهج المرغوب لأهل السلطة والسياسة. فهذا السلوك يغرس في النفوس حسن الظن ويعزز الثقة، مما يؤدي إلى بروز بركات الوحدة والقوة والاستقرار في النظام الجماعي. أما الشدة والتصلب، فليست من طبيعة هذا النظام، بل هي من عوارضه. فكما أن الطعام هو الأصل في حفظ الصحة، لكن تستعمل الأدوية أحيانًا عند الحاجة لعلاج الأمراض، كذلك فإن اللين هو الأصل في النظام الاجتماعي، ولا يلجأ إلى الشدة إلا في حالات الضرورة."[35]
ومن الواضح من هذا الكلام أن المسامحة التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم تجاه عبد الله بن أبي وأصحابه لم تكن نتيجة عجز أو ضعف في سلطته، ولا لأن حكمه لم يكن قد استتب عليهم بعد، بل كانت نابعة من سياسة متعمدة تمليها مقاصد الدين ومصالح الشريعة ومتطلبات الدولة. فقد اقتضت الحكمة آنذاك أن يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم معهم بهذا الأسلوب القائم على الحلم والتجاوز، إعلاء لمصلحة الأمة ووحدة صفها، وتحقيقًا للغرض الأسمى من الرسالة والدولة معًا.
أما دليلهم الثاني، فهو أن عبد الله بن أبي، على الرغم من شروره المتكررة وإيذائه الشديد، لم يتخذ بحقه أي إجراء عقابي، حتى عندما بلغت فتنه ذروتها في حادثة الإفك، حين رمى السيدة عائشة رضي الله عنها بتلك التهمة الباطلة. وقد بلغ من إيذائه للنبي صلى الله عليه وسلم أن قال: يا أيها الناس، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ما بلغ؟ ومع ذلك، لم يكن بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ضده أي إجراء عقابي ظاهر. فهل هذا تصرف من يملك سلطة الدولة؟ وهل يكون الحاكم في مثل هذا الموقف عاجزًا عن حماية نفسه وأهله من أحد أسوأ أعدائه؟
ونحن نرى أن هذه الحجة لا تنفصل عن طبيعة التفكير الذي لا يستطيع الجمع بين مفهوم الدولة ومفهوم التسامح، فكأن الجمع بينهما في نظر دكتورنا الغالي اجتماع للنقيضين. ولهذا نراه في جميع أدلته يصرّ على أن وجود الدولة يعني بالضرورة انتفاء التسامح والعفو، وأن وجود التسامح دليل قاطع على غياب السلطة. أما امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن معاقبة عبد الله بن أبي رغم أذاه وشروره، فهو موقف مدروس ومقصود، تمليه مقتضيات السياسة الشرعية والمصلحة العامة. فكل من تأمل في حال عبد الله بن أبي في ضوء حساسية الوضع السياسي آنذاك، سيدرك أن التريث وعدم اتخاذ إجراء مباشر ضده، رغم امتلاك السلطة، كان من ضرورات الحفاظ على وحدة الصف، وصيانة كيان الدولة الناشئة من التفكك والانقسام.
ويكفي للدلالة على حساسية الموقف، ما ترويه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها بنفسها في روايتها لحادثة الإفك، إذ ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في إحدى المجالس: يا أيها الناس، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ما بلغ، واتهمهم بما آذاني في عرضي؟
فما إن قال ذلك، حتى قام سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، إن كان من قبيلتنا، أوس، فنحن نكفيك أمره، وإن كان من إخواننا الخزرج، فأمرنا بما تشاء، فنحن مطيعون لك. عندها نهض سعد بن عبادة، زعيم الخزرج، وقال: كذبت، لن تقتله أبدًا! ما أردت بقولك هذا إلا أن تستغل كونه من الخزرج، ولو كان من قومك لما قلت ذلك. فرد عليه أسيد بن حضير من الأوس قائلًا: أنت منافق، تدافع عن المنافقين! وهنا ثار الغضب في المسجد، وكاد القتال أن يندلع بين الأوس والخزرج، لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدارك الموقف، وهدّأهم بكلامه، ثم نزل عن المنبر.[36]
لقد كانت لعبد الله بن أبي مكانة سياسية مؤثرة، وكان لأي إجراء يتخذ ضده تبعات خطيرة لا تخفى على ذوي البصيرة. فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عنه في ذلك الموقف لم يكن نابعًا من ضعف في السلطة أو غياب للنفوذ، بل كان تعبيرًا عن حكمة القائد، ورؤية رجل الدولة الذي يقود مجتمعًا قبليًّا، ويتحمل مسؤولية الحفاظ على وحدة الصف واستقرار الكيان الوليد. فقد كان ذلك من تمام حلمه وتدبيره، صلى الله عليه وسلم، إذ لم ينجرّ إلى رد فعل عاطفي ضد عبد الله بن أبي، مع ما كان فيه من الإيذاء والفتنة، بل آثر التسامح والتغاضي، مراعيًا ما قد يترتب على العقوبة من آثار تمس السلم الأهلي وتفتح أبواب الفتنة بين القبائل.
ومن أروع الشواهد على هذه الحكمة النبوية، ما حدث عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق، حين أهين عبد الله بن أبي على يد ابنه، إذ قال له: عمر، ما رأيك؟ حين طلبت مني الإذن بقتله، لو كنت قتلته يومها لارتجّت لها أنوف كثيرة، أما اليوم، لو أمرت بقتله، لتمّ ذلك بلا خلاف.[37]
يستدل دكتورنا الكريم من هذا الموقف على عدم وجود دولة في المدينة، ولكن انظروا كيف يستنبط أحد كبار علماء الإسلام من هذا التصرف مبدأً من مبادئ الدولة الإسلامية. فقد كتب الشيخ السيد أبو الأعلى المودودي في تفسيره "تفهيم القرآن":
"يتّضح من هذا الموقف حكمان شرعيّان مهمّان، الأول، أن السلوك الذي اتخذه عبد الله بن أبي، إذا بدر من أي شخص وهو يعيش داخل الأمة الإسلامية، فإنّه يستحق القتل. الثاني، أن استحقاق شخص ما للقتل من الناحية القانونية لا يعني بالضرورة وجوب تنفيذ القتل فيه فورًا. بل ينبغي النظر أولًا في ما إذا كان تنفيذ هذا الحكم سيؤدي إلى فتنة أعظم. فالعمل بالقانون دون مراعاة للظروف قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية تمامًا لما شرع القانون لتحقيقه. فإذا كان وراء المنافق المفسد قوة سياسية يعتد بها، فإن الأفضل من معاقبته فورًا وفتح أبواب الفتنة، أن تستأصل بتروّ وحكمة القوة السياسية التي يستند إليها في شرّه. وهذا هو عين ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ امتنع عن معاقبة عبد الله بن أبي، رغم قدرته على ذلك، واستمر في معاملته بلين، حتى تلاشى نفوذ المنافقين تمامًا في المدينة خلال عامين أو ثلاثة."[38]
دليلهم الثالث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلّف الأنصار بأي مهمة في السرايا والغزوات قبل غزوة بدر، وكان ينتظر منهم في تلك المعركة أن يبادروا هم بعرض المساعدة، بينما شارك المهاجرون في جميع تلك الحملات، واستمرّ إشراكهم فيها. وعليه، فإن كانت هناك حكومة قائمة بالفعل، لما جاز إحداث هذا التمييز بين المهاجرين والأنصار، ولوجب أن تطلب الخدمة من الجميع على قدم المساواة، دون فرق أو تفريق.
فليأذن لنا دكتورنا الفاضل أن نسأله، في أيّ كتاب من كتب العلوم السياسية يوجد هذا "القاعدة المطلقة" التي تقول إن الحكومات لا تميّز بين رعاياها في الشؤون العسكرية؟ وأنه إذا وجد مثل هذا التمييز، فإن وجود الدولة يصبح محل شك؟
الحقيقة أن هذا الادّعاء لا أساس له. أما ما يتعلّق ببقية الحكومات، فسنناقشه لاحقًا، لكن ما يخصّ الدولة الإسلامية، فإن كل من له علم بها يعلم أن الشريعة التي تقوم عليها تقرّر أن الجهاد والقتال لا يعدّان مجرد مسؤولية جماعية، بل هما أيضًا فريضة دينية. ولهذا، فإن المواطنين غير المسلمين في الدولة الإسلامية يكونون بموجب الشريعة معفيين من أداء المهام العسكرية.
وقد يحدث أن يعرضوا خدماتهم للدفاع عن الدولة في حال الضرورة، ويمكن حينها قبول ذلك، أما إن كان الجهاد يتجاوز مجرد الدفاع إلى غلبة الحق ونصرة الدين، فلا يمكن دعوة غير المسلمين للمشاركة فيه من الأساس.
والأمر لا يقتصر على غير المسلمين، بل حتى المنافقين، مع أنهم كانوا محسوبين ضمن مواطني الدولة الإسلامية، فإن الدكتور الفاضل نفسه يقرّ أن الدولة الإسلامية كانت قائمة في زمن غزوة تبوك، ومع ذلك فإن القرآن الكريم نهى عن إشراكهم مستقبلًا في أي قتال. قال تعالى:
﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.[39]
فإذا كان الله تعالى لم يأذن للأنصار في المدينة بالمشاركة في القتال في بداية أمرهم، نظرًا لحداثة عهدهم بالإسلام، ولحاجتهم إلى مزيد من التربية على الإيمان وأحكام الدين، فليس من حسن الفهم للشريعة أن يتّخذ ذلك ذريعة لنفي وجود الدولة في المدينة.
ولو أنّ دكتورنا الفاضل نظر إلى المسألة من الرؤية الصحيحة، لأدرك أن هذا لا يضعف موقف الدولة، بل يدل على مبدأ راسخ في التشريع، وهو أن الدولة الإسلامية، حتى بعد قيامها، تراعي حال فئات المجتمع المختلفة، وتحمّل كل فئة من الواجبات الشرعية ما يناسب حالها واستعدادها.
وقد نزل حكم الجهاد والقتال في شريعة الله تعالى وفق هذه الحكمة، ولذلك لم يفرض القتال على جميع المسلمين في المدينة منذ بداية الهجرة، بل جاء الأمر به بعد قرابة عام ونصف من الهجرة، في شهري رجب أو شعبان من السنة الثانية. وقد ورد هذا الأمر في قوله تعالى في سورة البقرة، الآية ١٩٠. أما الإذن الأول بالقتال، فقد نزل في سورة الحج، وهو خاص بالمهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم ظلمًا، كما جاء في الآيات:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.[40]
أما دليلهم الرابع، فهو أن القرآن الكريم يدل على أن اليهود في المدينة كانت لهم محاكمهم الخاصة، وكان للناس الخيار في عرض قضاياهم إما على النبي صلى الله عليه وسلم، أو على تلك المحاكم اليهودية، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان له الحق في قبول تلك القضايا أو رفضها بإذن من الله تعالى. وعليه، يتساءلون: هل يمكن في ظل هذه الصورة أن نعتبر أن هناك حكومة فعلية قائمة؟ وهل يعقل أن توجد حكومة يمنح فيها المواطنون مثل هذه الصلاحيات، ويترك فيها لرئيس الدولة حرية النظر أو الامتناع عن النظر في قضاياهم؟
ونحن، وإن كنا نجلّ دكتورنا الغالي ونحترم مقامه، إلا أننا، دون إساءة أدب، نود أن نقول إن هذا الدليل لا يثبت صحة موقفه، بل يدل في الحقيقة على ازدياد بُعده عن فهم الشريعة الإسلامية وعلومها، لا على اقترابه منها. ربما لا يعلم الدكتور أن الشريعة الإسلامية تجيز للحكومات الإسلامية، في كل زمان ومكان، أن تمنح المواطنين غير المسلمين الحق في إدارة شؤونهم الدينية والشخصية عبر محاكمهم الخاصة. كما يمكن سنّ قوانين تقرر أنه في حال وجود هذه المحاكم، فإن عرض قضاياهم على المحاكم الإسلامية الرسمية لا يكون ملزمًا، بل يخضع لتقدير السلطان أو الحاكم المسلم، وله الحق في أن ينظر فيها أو يمتنع عن ذلك.
وقد بيّن هذا المعنى الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة، حيث قال:
"أما ما يتصل بالشعائر الدينية من عقائد وعبادات، وما يتصل بالأسر من زواج وطلاق، فلهم فيها الحرية المطلقة تبعًا للقاعدة الفقهية المقررة: "اتركوهم وما يدينون". وإن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الإسلام أو نرفض ذلك."[41]
وعليه، فإن هذه حقيقة تاريخية ثابتة، ليس في عهد الرسالة فقط، بل كذلك في ما بعده، إذ ظلّ المسلمون يتبعون هذا المنهج في حكوماتهم تجاه رعاياهم من غير المسلمين، حيث أقرّوا لهم إدارة شؤونهم الدينية والشخصية عبر محاكمهم الخاصة. ويمكن الرجوع إلى المصادر التاريخية الكبرى للوقوف على تفاصيل هذا الأمر. ولم يكن هذا مقتصرًا على أهل الكتاب فحسب، بل شمل غيرهم أيضًا. فجميع المؤرخين متفقون على أن محمد بن القاسم، بعد فتحه للسند وملتان، أبقى على المحاكم الهندوسية كما كانت. وكذلك الحال مع الأتراك، إذ من المعروف أنهم منحوا الروس واليونانيين امتيازات مماثلة داخل سلطنتهم.
وقد كتب الدكتور محمد حميد الله في كتابه "النظام السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم" ضمن فصل "المفهوم القرآني للدولة":
"لقد أصبح هذا النهج الذي اتّبعه النبي صلى الله عليه وسلم قانونًا دائمًا، وهو أن يربط غير المسلمين من الرعايا والمستأمنين بأحكام شريعتهم في قضاياهم الشخصية، وتنشأ لهذا الغرض محاكم خاصة. وقد شهد عهد الخلافة الراشدة تطورًا ملحوظًا في هذا الجانب، وكان القضاة في هذه المحاكم من أبناء ملّتهم أنفسهم."[42]
وفي السياق ذاته، نقل الدكتور محمد حميد الله عن قاموس التاريخ والجغرافيا الكنسية الفرنسي اقتباسًا للمؤرخ كارلف سسكي، يقول فيه:
"أهم إنجاز أدخله المسلمون، وقد استقبله المسيحيون اليعاقبة ببالغ السرور، هو اعتبار أتباع كل ديانة وحدة مستقلة بذاتها، ومنح رؤسائهم الروحيين سلطات قضائية ومدنية واسعة النطاق." [43]
أما ما يقال من أن المسلمين في دولة المدينة كانوا يملكون الحق في عرض قضاياهم على محاكم اليهود، فذلك من أوهام دكتورنا الغالي. لا شك أن بعض المنافقين قد ارتكبوا هذا الجرم في بداية الأمر، لكن القرآن الكريم بيّن بوضوح أن هذا الفعل نفاق، وأن من يلجأ إلى "التحاكم إلى الطاغوت" لا يمكن أن يعتبر مسلمًا، حتى وإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الحين بالإعراض عنهم. فبعد هذا البيان الصريح من القرآن، أصبح من غير المتصور أن يقدم أحد من المسلمين، وهو من رعايا دولة المدينة، على ارتكاب مثل هذا الفعل. وقد نزلت آيات سورة النساء من الآية ٥٩ إلى ٦٥ في هذا السياق، يقول الله تعالى في ختامها:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[44]
هذه هي حقيقة الدليل الذي استند إليه دكتورنا الغالي، ولكن لا يستبعد أن يذهب أبعد من ذلك، فيقول: إن كانت المحاكم الخاصة بغير المسلمين قائمة أيضًا في العصور التالية، كعصر الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية، والعثمانية، فإن هذه الكيانات لم تكن دولًا ولا حكومات، بل كانت حركات ثورية في زمانها، حسب تعبيره، وإن العالم أخطأ حين اعتبرها دولًا وسلطات شرعية، وهكذا، في زعمه، تسخر "الحقائق التاريخية" من أهلها!
هذه هي مجمل الأدلّة التي قدّمها دكتورنا الجليل لإنكار حقيقة أثبتناها في ما سبق بالتفصيل، وهي حقيقة يشهد لها القرآن الكريم، والسيرة النبوية، وأئمة الفقه والاجتهاد، بكل وضوح وصراحة. ويمكن القول بكل اطمئنان إنه لم يوجد في تاريخ هذه الأمة عالم واحد أنكرها، بل على العكس، فإن جميع مصادر التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، والسيرة، حين تذكرها، فإنما تذكرها بوصفها حقيقة مسلَّمًا بها لم تكن يومًا محل خلاف.
ومع ذلك، فهذه هي الأدلة التي استند إليها. وقد عرضناها وقمنا بتحليلها من منظور الدين والشريعة بأقصى قدر من التفصيل. فلننظر الآن في ضوء الحقائق الواقعية المتعلقة بالدولة والحكم من حولنا، لنعرف ما الوزن الحقيقي الذي تحمله هذه "الأدلّة" التي قدّمها دكتورنا الفاضل.
انظروا، فقط إلى ما يجري في جوارنا، إلى الحكومة الأفغانية التي قامت في أعقاب "اتفاق بشاور"، والتي يترأسها الآن البروفسور برهان الدين الرباني بعد البروفيسر صبغة الله المجدّدي. فالجميع يعلم أنها، حتى الآن، لم تتمكن من فرض سيادتها الكاملة حتى على عاصمتها، وأنها لعدة أشهر احتاجت إلى تصريح مرور من زعيم "الحزب الإسلامي" قلب الدين حكمت يار لتخرج من كابل. ولا تزال سيطرتها في العديد من المناطق خاضعة لتقدير القادة المحليين. وهي لم تتمكن بعد من تنظيم جيشها، وشرطتها، وجهازها القضائي، وتشريعها، وغيرها من مؤسسات الدولة على مستوى البلاد كافة. وقد تأسست على أساس اتفاق، ولم تتمكن حتى الآن من إقرار نظام دائم خاص بها.
ومع ذلك، فإن العالم كله يعترف بها كحكومة قائمة فعليًا. فعندما يزور قادتها بلادنا، نعاملهم وفقًا للبروتوكول الرسمي المخصّص لرؤساء الدول. وممثلوها يشاركون في الاجتماعات والهيئات الدولية بصفتهم ممثلي حكومة معترف بها، وسفراؤها يعتمدون في مختلف الدول كسفراء لحكومة شرعية قائمة. وباختصار، فإن هذه الحكومة تعتبر حكومة شرعية ومعترف بها في كل مكان، ولا يوجد في العالم اليوم شخص واحد ينكر وجودها بهذه الصفة.
ثم انظروا، إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين هزمت اليابان، ففرضت عليها الدول المنتصرة حظرًا يمنعها من امتلاك أي جيش. وحتى عام ١٨٥٦م، لم تكن حكومة الشركة في شبه القارة الهندية تملك صلاحية إرسال أي جندي هندي إلى خارج البحار. ونحن نعرف جميعًا عن الولايات الهندية في عهد الاحتلال البريطاني، مثل بهوبال، وحيدر آباد، وبهاولفور، وغيرها من عشرات الإمارات التي كانت قائمة في ذلك الوقت في شبه القارة. لكن الجميع يعلم أن هذه الولايات لم تكن حرة في شؤونها الداخلية، فضلًا عن علاقاتها الخارجية أو قرارات الحرب والسلم. بل حتى في دولتنا المعاصرة، فحكومة كشمير المحرّرة قائمة حاليًا على هذا النحو. ومع ذلك، فهل سمع أحد في أي وقت أن أحدًا قال إن مثل هذه الكيانات لا تعد حكومات؟
وانظروا، كذلك إلى دولة باكستان، التي قامت كحكومة رسمية منذ ١٤ أغسطس ١٩٤٧م. فنحن نعلم أن في أراضيها، وتحديدًا في المناطق القبلية الممتدة على مئات الأميال المربعة، تمارس الإدارة الباكستانية سلطاتها هناك عبر الزعماء المحليين، وأن أحكام المحكمة العليا لا تطبّق فعليًا على سكان تلك المناطق. وإذا لجأ إليها مجرم بعد ارتكابه جريمة قتل، أو سطو على منزل، أو خطف لرجل أو امرأة، فلا يمكن القبض عليه بالطريقة المعتادة.
وهذه الخصوصية قد أقرّت رسميًا في دستور البلاد، ومع ذلك، فإن أحدًا لا يشك في أن حكومة باكستان هي حكومة قائمة، ولا يثار أي تردّد حول كونها سلطة حاكمة معترف بها.
ثم انظروا إلى المثال الآخر، جي أيم سيّد، وهو من مواطني هذه الدولة، يضع جهارًا خططًا لتقسيم باكستان، ويعلنها صراحة، ولا يخفي نواياه الانفصالية. وهذه التصرفات ليست مجرّد كلام يتداول شفهيًا، بل هي منشورة في كتاباته ومؤلفاته. ولا شك أن كل أحد يقرّ بأن ما يقوم به يعدّ جريمة بالغة الخطورة، تستوجب من الدولة أقصى العقوبات.
ومع ذلك، فإن الحكومات المتعاقبة في باكستان قد تعاملت معه بسياسة التساهل والتغاضي، ولم يقل أحد بسبب هذا التسامح، إن باكستان لم تعد حكومة فعلية.
هذه كلّها حقائق هذا العصر. فتخيّلوا، لو أنّ شخصًا ما استعار المنطق الذي ابتكره الدكتور لنفي "دولة المدينة"، ثم عرض هذه الحقائق على الناس وقال لهم بعد ذلك: أتظنّون أن هذه حكومة؟! وهل تكون الحكومة على هذه الشاكلة؟! إذًا اسمعوا، وأصغوا بآذان واعية: إنّ من يعدّ هذه حكومة إنما هو غارق في "خيال باطل" ويسخر من "الحقائق التاريخية". فتصوّروا بعد ذلك ما الذي سيحكم به الناس عليه. ومع ذلك فامنحوا الدكتور التقدير، لأنه بفعل هذا بالذات أعلن أن كلّ "البارود") مسحوق متفجّر( الذي عند مخالفيه قد حوّله إلى "براده" (نشارة الخشب/الحديد).
قد طال الحديث، ومقالنا لا يحتمل مزيد تفصيل، وإلا لكشفنا مسار أعظم إمبراطوريات التاريخ منذ نشأتها حتى استقرارها، والمراحل العسيرة التي مرت بها، والتنازلات التي اضطرت للحفاظ عليها رغم استتباب الحكم فيها، وكل ذلك لأجل مصالحها العليا. لكننا نرى أن هذه الأمثلة القليلة كافية لإثبات القضية، ويمكن من خلالها أن يدرك القارئ مدى ضآلة "الحصى" الذي جاء به دكتورنا الفاضل لمحاولة تقويض صرح شامخ. ويبدو لنا أن التوغّل في دقائق الدين والشريعة وفهم معانيها العميقة أمر شاق على الدكتور الفاضل، غير أن هذه الأدلة تظهر أن مجرد تأمل واقع الحياة من حوله، والنظر في حقائق الأمور بعين منصفة، لم يعد متاحًا له في خضمّ "مشاغله الثورية" ليلًا ونهارًا.
على أي حال، بعد ذلك تقدّم دكتورنا الغالي خطوة أخرى. فقد أخذ فقرة من مقالتنا تتعلق بالجهاد والقتال من أجل غلبة الدين، ثم فصل بمنتهى "الأمانة العلمية" تلك الجمل التي كانت توضّح مقصودنا. وبعد أن نقل ما أراده في مقالته، قال: انظروا، إن ما ذكرتموه أنتم يثبت أن التعريض بـ "من يملك القوّة يملك الحق" يرجع إليكم أنفسكم، وبذلك يبطل موقفكم الذي يقرّر أن برنامج الثورة الإسلامية إنما هو الدعوة، والدعوة وحدها.
ومشكلة دكتورنا الفاضل هي أنه إذا وجّهت إليه أي ملاحظة نقدية، فإنه يقع في حالة من التوتر والانفعال لا تبقي له قدرة على قراءة موقف الطرف الآخر، أو فهمه، أو التمييز الدقيق بين مواضع الاتفاق والاختلاف، قبل أن يتسرّع في إصدار الأحكام والردود.
ولأن هذا العجز قائم لدى دكتورنا الغالي، فإننا نرى من المناسب أن نعرض مرة أخرى، وبكل وضوح، وجهة نظرنا حول "الجهاد بالسيف"، كي تتضح لكل أحد حقيقة ما افتعله من تأويل خاطئ لما ورد في فقرتنا التي اقتبسها.
فبحسب بحثنا، فإن الجهاد بالسيف، في ضوء ما ورد في القرآن الكريم، لا يكون مشروعًا إلا في حالتين اثنتين:
١- دفاعًا ضد الظلم والعدوان.
٢- ضد منكري الحق بعد إقامة الحجة عليهم.
أما الحالة الأولى، فهي ليست موضع بحثنا في هذا السياق.
وأما الحالة الثانية، فإلى جانب الشروط العامة للجهاد، فإن القرآن الكريم يشترط لها شرطين خاصين، لا بد من توافرهما:
الشرط الأول: أن يكون هذا الجهاد موجّهًا ضد الكافرين فقط. فلا تجوز ممارسته ضد أي جماعة مسلمة، أو حكومة، أو دولة، أو كيان إسلامي. وعليه، فإن "القرية" التي يتحدث عنها دكتورنا الغالي في باكستان، والتي يريد إخضاعها للجهاد بعد "الثورة"، لا تندرج مطلقًا في هذا الإطار. بل إن الشريعة الإسلامية لا تجيز حتى لدولة كاملة، كدولة باكستان، أن تستخدم هذا النوع من الجهاد لفرض "ثورتها" مثلًا على دول أخرى كـ تركية، إيران، أفغانستان، أو العراق والشام.
الشرط الثاني: أن يكون هذا الجهاد ضد الكافرين مشروعًا فقط حين يقام نظام "الخلافة على منهاج النبوّة" على مستوى أمة الإسلام جمعاء، فتعود الأمة بذلك "أمة مسلمة"، و"خيرة أمة"، و"أمة وسطًا"، وفق مصطلحات القرآن الكريم، وتكون بذلك شاهدة على الناس في تبليغ الدين الحق في أرض الله.[45]
هذا هو موقفنا من هذا النوع من الجهاد. والآن، فليقرأ ما اقتبسه دكتورنا الكريم من كتاباتنا ضمن مقاله، ولكن هذه المرة ضمن سياقه الكامل، وفي ضوء هذا البيان، ثم ليحكم بعد ذلك: هل تعاب دعوتنا إلى الثورة الإسلامية داخل الأمة بأنها من جنس "من كانت له العصا، كانت له البقرة"؟ وهل يبطل بذلك موقفنا القائل بأن طريق التغيير داخل الأمة هو الدعوة، ولا شيء غير الدعوة؟ وهل، كما يقول دكتورنا الجليل، يفتح بذلك الباب لأي متهوّر كي يطلق ثورته بالدعوة وحدها في قرية من قرى باكستان، ثم يعلن بعد ذلك الجهاد والقتال لتوسيعها إلى سائر أنحاء باكستان والعالم؟ لقد كتبنا بوضوح:
"فمن وجد في نفسه الأهلية لهذا الأمر، فله أن يسعى لتحقيقه اليوم أيضًا، لكن ليس عبر تنظيم ميليشيات وفرضه على الأمة بالقوة. إن الطريق المستفاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يقوم الداعية إلى الثورة الإسلامية بكسب تأييد المسلمين من خلال الدعوة، والدعوة وحدها، وأن يقيم هذا النظام داخل الأمة باختيارها الحر، ومشورتها، وإرادتها. ثم، إذا دعت الحاجة، تخرج هذه الأمة تحت قيادة ولاة أمرها للجهاد والقتال من أجل نشر هذا النظام في العالم، تمامًا كما خرج الصحابة الكرام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بقيادة الخلفاء الراشدين، نحو مملكتي الروم وفارس، وقالوا لقادتها عند حدودهم: أسلموا، أو ادفعوا الجزية، أو استعدوا للقتال."
ثم تفضّل دكتورنا الغالي بعد ذلك بذكر بعض أوجه التشابه بين فكرنا وفكرهم. ونحن، وإن كنا نرى أن في هذا التشابه ذاته عشر صور من الاختلاف الخفي، نقول أحسنتم وأصبتم، غير أن رجاءنا منكم هو أن تتفضلوا علينا، تكرماً، بمحاولة اكتشاف سبيل للتوفيق في أصل المسألة محل النقاش. فالوضع هناك أنكم مصرّون على أن الثورة الإسلامية، متى ما قامت، فلا سبيل لها إلا من خلال تصادم منظم بين "فدائيين" ملتزمين بمبدأ البيعة والطاعة، وشعار "اسمعوا وأطيعوا" وبين الحكومة.
أما نحن، فلدينا اطمئنان تام إلى أن الطريق الوحيد المتاح لأمثالكم من العلماء والمفكرين ، هو العمل على إحداث ثورة فكرية تنشئ وعياً إسلامياً في عقول الناس ، والسعي الحثيث من خلال الدعوة، والدعوة وحدها، إلى إقناع أصحاب القرار بضرورة إجراء تغييرات جوهرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والعقوبات، بما يجعلها مطابقة لما يراه الإسلام من نظم وقيم. هذا هو موقفنا في هذه القضية.
لكن، دعونا نلق نظرة على أولئك "الفدائيين" الذين يريد دكتورنا الكريم أن يقيم بهم هذه الثورة. من هم؟ في بعض مقالاته الأخيرة، أشار إلى أن المسلمين ينقسمون، في نظره، إلى جماعتين "جماعة المسلمين"، وهم عموم الناس، و"حزب الله"، وهي جماعة الفدائيين الذين يسعون إلى إقامة الثورة الإسلامية، ويكونون على استعداد تام لتقديم أرواحهم وأموالهم وكل ما يملكون، امتثالاً لأمر داعية الثورة.
وقد بيّن أن هذه الجماعة لا بد أن تتوفر فيها أربع خصائص رئيسية، فقال:
١- أن تكون جماعة جديدة تماماً، لا ترتبط بأي تنظيم أو مؤسسة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية قائمة في المجتمع.
٢- أن يكون كوادرها عناصر جديدة كلياً، وألا يكون هناك أي انعكاس لفوارق المراتب الاجتماعية المعروفة، بل يبنى التمايز في صفوفها فقط على مستوى العشق للمبدأ، وروح التضحية والإيثار.
٣- أن تتولد في أفرادها حالة شعورية قوية تنحصر فيها محبتهم القلبية شيئاً فشيئاً في دائرة إخوتهم في الهدف وحدهم، ولو كانوا غرباء تماماً، وأن يروا في أعداء الثورة أعداء شخصيين، ولو كانوا أقرب الأقربين، كالأب أو الابن أو الأخ.
٤- وأخيراً، وهي الصفة الأهم، أن يكون نظام هذه الجماعة وانضباطها قائماً على الطراز العسكري التقليدي، أي على قاعدة "اسمع وأطع"، لأن خرق الانضباط في أي مرحلة قد يفسد كل ما تم بناؤه.[46]
على غرار أساطير دكتورنا الغالي الأخرى، فإن هذه التصريحات الأخيرة أيضًا، في الحقيقة، لا أساس لها من الصحة. لذا، ينبغي توضيح الأمور التالية بشأنها:
١- أولًا، إن تعبير "حزب الله" قد استخدمه القرآن الكريم في مقابل المنافقين في زمن الرسالة، ليصف به المؤمنين الصادقين. وقد ورد هذا التعبير في موضعين: في الآية ٥٦ من سورة المائدة، وفي الآية ٢٢ من سورة المجادلة. وهاتان السورتان مدنيتان، وقد نزلتا لا في فترة السعي لإقامة الثورة، بل بعد قيامها، في مرحلة التوسع. ومن ثم، يتضح جليًا أن المقصود بـ"حزب الله" فيهما لا يمكن أن يكون أبدًا "فدائيي" جماعة ثورية.
٢- ثانيًا، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان سبب تسمية المؤمنين بـ"حزب الله" هو إخلاصهم لله ووفاؤهم له، وبعده صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يبقى هذا هو المعيار الوحيد إلى يوم القيامة. فلا تقاس مراتب المؤمنين إلا بمدى وفائهم لله ورسوله. لذلك، ينبغي لكل مسلم أن يطمئن أنه إذا كان ثابتًا على عهد الوفاء مع الله ورسوله، منتميًا إلى جماعتهم أي الأمة الإسلامية، مشبعًا بروح التضحية في سبيل الدين وحاجاته، عدوًا لأعدائهما، ملتزمًا بتوجيه "اسمعوا وأطيعوا" في كل أمر، ومترابطًا مع النظام الجماعي للمسلمين، فإنه بلا شك من حزب الله. ووفقًا للقرآن والسنة، لا حاجة له مطلقًا أن يصير "فدائيًا" تابعًا لـ"داع إلى الحق" يدّعي لنفسه خصائص النبوة من غير إعلانها، ولا أن يهدي إليه روحه وتضحياته، أو أن يعتبر أمه وأباه وابنه وأخاه وأخته من خصومه لمجرد أنهم يختلفون مع هذا الداعية، أو أن يلقي بعقله وكرامته واعتزازه بنفسه تحت أقدام "أمير المؤمنين" من زمرة دينية تطبق مبدأ "اسمعوا وأطيعوا".
٣- ثالثًا، إن دكتورنا الجليل يستخدم باستمرار مصطلح "فدائيين" في وصف "حزب الله" الذي صاغه في خياله، وهذا المصطلح غريب تمامًا عن القرآن والسنة، بل وعن تاريخ الأمة في مجال الدعوة والعزيمة. والعلماء يعلمون أنه إذا استخدم هذا المصطلح سابقًا، فقد استخدم في إشارة إلى أتباع "شيخ الجبل" حسن بن الصباح، زعيم الباطنية، وحاكم قلعة "الموت"، أولئك الذين كانوا ينفذون الاغتيالات باسم شيخهم، ويوصلون خناجرهم إلى الملوك والوزراء والعلماء مع تهديد واضح بالقتل إذا لم تطع أوامر الشيخ. ومن هنا، يمكن تقدير حقيقة هذه "الطاعة والانقياد" و"اعتبار الأقرباء أعداء"، التي تقام عليها جماعة "حزب الله" التي يريد الدكتور أن يستخرجها من القرآن والسيرة، وما هو أصلها الحقيقي، وماذا يمكن أن يصدر من "الموت" إذا دخلت هذه الجماعة، لا قدر الله، مرحلة التنفيذ. فتأملوا، هذا هو البيان الجديد الصادر من بلاط الثورة لدكتورنا العزيز لصالح "الفدائيين":
"مع أداء الحقوق الشرعية لكافة المسلمين المنتمين إلى جماعة المسلمين، يجب حصر المحبة القلبية والارتباط العاطفي فقط في دائرة أولئك الذين يسعون فعليًا إلى الثورة الإسلامية، ويضحون في سبيلها بأموالهم وأنفسهم. وإلا فلن يؤهلوا للانضمام إلى حزب الله، ولن تكون هناك أي إمكانية لتحقيق الهدف الصعب للثورة الإسلامية."[47]
في نهاية مقاله، دعا دكتورنا الغالي حضراتنا إلى إعادة النظر في موقفنا من "بيعة السمع والطاعة". وقد كنا، قبل خمس سنوات تقريبًا، أي في عام ١٩٨٧م، قد كتبنا بشأن هذه البيعة، وقلنا إنها مجرد خرافة. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من أصحابه قط مثل هذه البيعة في إطار السعي لإقامة ثورة. إنما الثابت في التاريخ الإسلامي أن هذه البيعة كانت تؤخذ فقط لأهل السلطة. فقد طلبها النبي عليه الصلاة والسلام لأول مرة من أهل يثرب حين دعوه إلى الهجرة من مكة (أمّ القرى) لتولي زمام الأمور في بلدتهم. وقد قدموا آنذاك حججًا مشابهة لما هو مطروح حاليًا بشأن "دولة المدينة".
عندها كتبنا ردًا على دكتورنا الجليل في أحد مقالاتنا، فأعلن أنه لا يرغب في مواصلة النقاش حول هذا الموضوع، وانتهى الأمر. ولكن يبدو أنه لم يقف مكتوف اليدين، بل ظل يسعى في البحث عن دليل يقيم به حجته. وها هو اليوم، بعد طول اجتهاد، يعثر على ما يراه"برهانًا قاطعًا". فتأملوا! يقول:
"لا ينبغي لكم أن تتوجسوا من هذه البيعة التي ندعو إليها، إذ إن واحدًا على الأقل من بني الإنسان قد بايعكم بها من قبل! ونقصد بذلك زوجتكم الكريمة، التي فالصالحات قانتات، ملزمة بطاعتكم في المعروف. وهذه مسألة أخرى إذا استطاعت أن تقنعكم برأيها بالحجة أو النداء."[48]
دكتورنا الغالي، لا فضّ فاه، قد أوضح بأسلوب بالغ البلاغة موضع الخلاف بينه وبيننا في هذه المسألة. والحقيقة أننا، منذ عشر سنوات، لا نزال نكرر على مسامعه أنّه إن أنشئت جماعة تسعى إلى الثورة الإسلامية، فيجب أن يكون العلاقة بين قائدها وأعضائها علاقة إخوة، بينما هو مصرّ على أن يجعلهم بمنزلة الزوجات.
فلينظر دكتورنا الكريم مليًّا فيما قاله. فإن كانت زوجتي شرعًا مطالبة بالسمع والطاعة لي، فذلك لأنني زوجها، وقد أمرها الله تعالى بذلك. فقول الله: "فالصالحات قانتات" نص قرآني صريح. فليأتنا دكتورنا الكريم بنص من مصادر الدين يفرض مثل هذا السمع والطاعة لرئيس جماعة تسعى إلى الثورة، كما هو مفروض للزوج أو الوالد أو لله ورسوله وأولي الأمر، فإن فعل، خضعنا وأذعنّا، ولن نعترض بكلمة واحدة بعد ذلك. أما أن يحمّل نصًّا في غير موضعه ليثبت به لنفسه حقًّا في السمع والطاعة، فهذا مما لا يستقيم، لا لغةً ولا شرعًا.
والواقع بعكس ذلك تمامًا، إذ إنّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه حين طلب من قومه بيعة على هذا العمل، لم يطلب منهم "بيعة سمع وطاعة"، بل "بيعة أخوّة". كما ذكرنا في مقال سابق، فقد قال لهم:
"فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟"[49]
فلتكن الأمور على بيّنتها. أما "البرهان القاطع" الذي جاء به دكتورنا الغالي، فهو بالفعل "قاطع"، ولكن عن الحق والصواب! فأين نحن الفقراء من هذه الاستدلالات المحكمة، وهذه المقدمات الكبرى والصغرى، وهذه النتائج المحكمة؟ والإنصاف يقتضي أن نضع القلم مع هذا الاعتراف:
اُنھی کا کام ہے یہ جن کے حوصلے ہیں زیاد
ترجمة: إنما هو عمل لا ينهض به إلا أصحاب الهمم العالية!
[١٩٩٣م]
_______________
