إلى أرباب "منهاج القرآن"

______ 1 ______

لم تكن لدي من قبل نظرة إيجابية واثقة حيال الرؤية الدينية التي يتبناها دكتورنا الغالي طاهر القادري، غير أني في مساء يوم ١١ نوفمبر عام ١٩٨٨، حين أشار عليّ الصديقي الكريم الدكتور منير أحمد بالاستماع إلى خطبة ألقاها حول سورة الضّحى، استمعت إلى جزء منها عبر شاشة التلفاز، فدهشت دهشة عظيمة، بل لم أصدق بداية أن ما أسمعه منسوب فعلًا إلى الدكتور طاهر القادري، بما عرف به من أسلوب وعرض. لا أعلم ماذا سبق أن عرضه من نوادر التحقيق في تفسير هذه السورة لجمهوره، ولكن حين فتحت التلفاز، كانت الآية الكريمة ﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾ هي موضع التفسير، وقد ترجمها على النحو التالي:

"يا حبيب! لقد وجدك، فبك هدى الضالين."

ويمكنني الجزم بكل يقين أن أحدًا من أهل اللغة، ممن له أدنى معرفة بأساليب العربية، لا يمكن أن يقدم على هذا التفسير أو يقبله. وإن كانت هناك لغة جديدة قد استحدثت في "منهاج القرآن"، أو إن كان للدكتور القادري اتصال بإلهام خاص لا نعلمه، فتلك قضية أخرى. أما اللغة العربية التي نعرفها، والتي نزل بها القرآن الكريم، وتكلم بها أفصح العرب والعجم، ونظم بها زهير وامرؤ القيس ولبيد والأعشى أشعارهم، ووضع لها قواعدها سيبويه والفراء والزمخشري وابن هشام وغيرهم من أئمة النحو، فإنها لا تتيح أدنى مجال لهذا النوع من التأويل.

فقد فصل الدكتور القادري بين الفعل ﴿وجد﴾ والمفعول ﴿ضالًّا﴾، وجعل ﴿فهدى﴾ مفعوله هو الضالين لا النبي نفسه، متجاهلًا كون ﴿ضالًّا﴾ نكرة مفردة، ومتعديًا بذلك على قواعد اللغة وأصولها، وهو أمر لا يمكن أن يصدر عن من له أدنى إلمام بالعربية وأساليبها البيانية. إن هذه الآية في سياقها واضحة في مقصدها. وترجمتها الصحيحة هي: "ألم يجدك تائهًا فهداك؟"

وذلك لكونها معطوفة على ما قبلها من الآية: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى﴾، فيسري أسلوب الاستفهام والامتنان هنا كما هناك. والفعل "وجد" هنا جار مجرى أفعال القلوب، فيتعدى إلى مفعولين، و"ضالًّا" هو المفعول الثاني. وبالتالي لا يصح لغويًا اعتباره مفعولًا للفعل ﴿هدى﴾ في الجملة التالية. وإن أصرّ الدكتور القادري على إنكار كون النبي صلى الله عليه وسلم كان في حال تطلّب وهداية، فله رأيه، ولكن ينبغي أن يعلم أن موقفه هذا معارض صريح لنصوص القرآن الكريم.

نحن لا نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ضلالة أو انحراف، حاشاه، بل كان على الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، لكن هذه الفطرة وحدها لا تكشف جميع أبعاد العقيدة ومطالب الرسالة. فلا غنى له، كسائر الأنبياء، عن الوحي الإلهي الذي يكشف له تلك الحقائق ويهديه إليها. ولهذا، فإن الآية التالية مباشرة تؤكد هذا المعنى: "ووجدك عائلًا فأغنى"، وفي ختام السورة يوجّه ربه إلى إعلان هذه النعمة بقوله: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، أي: كما أن الله قد هداك وفتح لك أبواب العلم واليقين، فعليك أن تحدث بهذه النعمة وتذيعها في الناس، دون تردد أو كتمان. ولذلك، فإن التعبير الأدق لحال النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة هو"الباحث عن الطريق"، وهذا هو المعنى المقصود بكلمة "ضالّ" في هذا السياق، وهو استخدام لغوي معروف في العربية، يفهم من موضع الكلام. أما ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم بعبارة "يا محبوب"، فهي أسلوب لا أصل له في القرآن الكريم. فإن الله سبحانه، في كل موضع من كتابه المجيد، يخاطب نبيه بلقبه الرسولي أو النبوي، مثل:

﴿يا أيها النبي﴾ و﴿يا أيها الرسول﴾، أو يخاطبه بأسلوب أدبي رقيق يعبر عن مقامه وحاله، كقوله: ﴿يا أيها المزمل﴾ و﴿يا أيها المدثر﴾، وما سوى ذلك لا يمت إلى أسلوب القرآن بصلة، ولا يليق بالترجمة الدقيقة لمعانيه.

يدرك كل ذي ذوق سليم أن أساليب الخطاب التي جاء بها القرآن المجيد، بما فيها من وقار وجلال، لا يقارن بها أسلوب كـ"يا حبيب"، الذي يفتقر إلى الرصانة والمصداقية. ويكفي لبيان عدم ملاءمته أن الله سبحانه، حتى في مواطن العناية الفائقة والحنو البالغ تجاه نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يخاطبه بهذا الأسلوب في كتابه الكريم.

وقد نقل إلينا بعض الإخوة أن الدكتور طاهر القادري لم يكتف بهذا الأسلوب، بل قدّم عدة ترجمات مشابهة للآية نفسها في سورة الضحى، واعتبرها كلها صحيحة بنفس القدر. وإن صح هذا النقل، فإننا مع كامل الاحترام نود أن نبيّن بكل وضوح أن القرآن الكريم ليس أحجية تقبل التأويلات المتضاربة، ولا لغزًا يحمل في طياته احتمالات متناقضة. إن هذا الكتاب الكريم هو ميزان الله في الأرض، نزل ليكون معيارًا فاصلًا بين الحق والباطل، وكل آية فيه مربوطة بسياقها، واضحة في معناها، قائمة بالحجة على مدلولها. نعم، لا شك أن للفظ الواحد معاني متعددة في معاجم اللغة، وأن التراكيب قد تصاغ بأساليب متنوعة وفق قواعد النحو، ولكن حين يدخل اللفظ في جملة، وتدرج الجملة ضمن سياق كلام مترابط، فإن هذه التعددية تذوب، ولا يبقى مجال إلا لمعنى واحد تدل عليه القرائن بوضوح.

وإذا كان هذا النص هو جزء من كلام رب العالمين، المنزل بلسان عربي مبين، والذي جعله الله سبحانه فرقانًا بين الحق والباطل، وأقام برهان صدقه على أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يعثر فيه على تناقض أو تضارب، فهل يعقل بعد ذلك أن تنسب إلى آياته معان متباينة متضادة؟!

نعم، قد يقع هذا الإشكال إذا كان القارئ ضعيفًا في العربية، أو فقيرًا في الذوق الأدبي، أو عمد إلى التعامل مع آيات القرآن بمعزل عن سياقها، يحللها مفصولة عن بنيتها الخطابية الكلية. أمّا من امتلك أدوات اللغة، وتذوّق بلاغة البيان، وكان له اتّصال دقيق بعلوم القرآن، فإن مثل هذا التصور لا يصدر عنه قط.

ليس من العلم أن يستعرض المرء عدة معان متناقضة لآية واحدة، بل العلم الحق هو أن ينقّب في كل احتمال، ويفنّده بالأدلّة اللسانية والبلاغية، حتى يثبت أن المعنى المقصود بالآية في سياقها وظرفها لا يحتمل غيره. بذلك وحده يصبح القرآن حقًا ميزانًا هاديًا لهذه الأمة، وفصلًا في موارد النزاع، ووسيلة لوحدة الفكر والعمل، بدل أن يكون مدخلًا إلى مزيد من التشتت والاختلاف. وقد تكون هذه الملاحظات النقدية ثقيلة على بعض الإخوة من أنصار الدكتور القادري، أو على الأستاذ نفسه، ولكن الحق أحق أن يقال، ولا يليق بأهل الغيرة على القرآن أن تأخذهم في الله لومة لائم. فإن من واجبنا جميعًا أن نصدع بالحق، دون اعتبار للملامة أو الحرج. وإننا جميعًا على موعد مع يوم تعرض فيه السرائر، وتنكشف الحقائق، ويجرد كل إنسان من غطائه وظاهره، حتى ينطق لسانه بما لا يستطيع أن يخفيه، ويعجز جسده عن طاعة أمره. يوم تفقد الكلمات قدرتها على التمويه، وتصبح الحروف عباءة لا تحجب معنى، ولا تضل سامعًا. يومها، لا تنفع تأويلات ولا تبريرات، ولا قدرة لأحد على ستر الحقيقة بثوب المجاز. فلنتدارك أنفسنا قبل أن يبلغ بنا الحال إلى ذاك الموقف العظيم، ولنقبل على الحق، لا نريد به إلا وجه الله، ونذر ما سواه. وما توفيقنا إلا بالله.

______ 2 ______

في معرض ما كتبناه من نقد لنقطة نظر دكتورنا الغالي طاهر القادري حول الآية الكريمة من سورة الضحى ﴿ووجدك ضالًا فهدى﴾[1] والذي نشر في عدد يناير من مجلة "إشراق"، صدر عن أرباب "منهاج القرآن" مقال مطوّل في مجلتهم حاولوا فيه الرد على تلك الملاحظات. وعلى الرغم من أن هذا المقال لا يرقى إلى مستوى يستحق التعقيب، إلا أنه في ظل حالة الجدب العلمي التي نعيشها، فإن مثل هذه التمحلات الفارغة قد تتحول أحيانًا إلى حجاب يحول بين القارئ والحقيقة. من هنا، رأينا أن نقدّم مراجعة موجزة لهذا المقال، حتى لا يبقى عذر لمريد الحق في هذه المسألة. الدكتور القادري، في أحد دروسه المتلفزة، ترجم الآية المذكورة على النحو التالي: "يا محبوب، لقد وجدك ربك، فبك هدى الضالين."

وقد اعترضنا على هذا التفسير، مبينين أنه مجاف لقواعد اللغة العربية، ومحرّف لمعنى الآية، لا يصح بأي وجه من وجوه البيان. أرباب "منهاج القرآن"، في معرض دفاعهم، قرروا أن هذا التفسير ليس بدعًا من الدكتور القادري، بل إن كبار المفسرين في الأمة قد قالوا به كذلك. واستشهدوا بأسماء مثل، الإمام القرطبي، والإمام أبو حيان الأندلسي، والإمام إسماعيل حقي، وقاضي عياض، بل قالوا إن خلاصة تفسير الإمام الرازي تدور حول هذا المعنى، بل أضافوا أن الإمام الفراء، من أئمة النحو، يؤيد هذا التفسير أيضًا. ثم خلصوا إلى أنه يجدر بنا أن نقرّ بأن الدكتور طاهر القادري يمتلك من سعة الاطلاع والمعرفة ما لا نبلغ أدنى مراتبه، وأننا لا نبلغ حتى غبار قدميه في ميدان العلم والفهم. وأنا من جانبي أقرّ أن ما أظهره كاتبوا هذا الرد من "سعة اطلاع" و"تمكن علمي" هو من نوع لم أبلغه، وقد لا أبلغ. ولكنني أعتقد أن ثمّة محطات قبل بلوغ ذلك المقام العالي الذي يزعمونه، فلو تكرموا علينا وأتاحوا لنا الوقوف قليلًا عندها، لربما تمكّنا نحن طلاب العلم من الإشادة ببعض ما عرضوه.

نبدأ أولًا بتفسير الإمام الرازي. الجملة التي اقتبسوها منه لا علاقة لها أصلًا بمحل النزاع الذي أوردناه. نحن إنما اعترضنا على الدكتور القادري لترجمته التي حوّلت الفعل ﴿وجد﴾ من معنى "علم" إلى معنى "صادف"، وجعلته متعدّيًا إلى مفعول واحد فقط، بينما هو في الآية متعد إلى مفعولين. ثم اعتبر ﴿ضالًا﴾ لا مفعولًا ثانيًا لـ﴿وجد﴾، بل مفعولًا مقدّمًا للفعل ﴿هدى﴾، وهو ما لا يجوز بحال وفق قواعد العربية وسياق الآية. أما الإمام الرازي، فقد فسر الآية تفسيرًا مختلفًا تمامًا: اعتبر ﴿وجد﴾ بمعنى "علم"، وجعلها متعدية إلى مفعولين، أحدهما "كاف الخطاب"، والآخر ﴿ضالًا﴾، وهو التفسير المقبول لغويًا. أما ﴿فهدى﴾، فمفعوله محذوف تقديرًا، وهذا أسلوب معهود في العربية. الجملة التي استشهدوا بها من الرازي لا تعني ما ذهبوا إليه، بل هي تتحدث عن أسلوب بلاغي يخاطب فيه السيد والمراد قومه.

إنّ هذا الأسلوب من التعبير يشبه ما نقول أحيانًا: "إنّ موقف إسلام آباد أو دلهي من هذه القضيّة لم يعرف بعد"، ونقصد بذلك "دولة باكستان أو حكومة الهند"، ومن خلالهما يراد عموم الشعب في هذين البلدين. ومثال آخر: نقول مثلًا: إنّ ممثّل "الأحرار" في برلماننا سيعدّ ضعيفًا، والمقصود ليس ذلك الممثّل شخصيًّا، بل ضعف حزبه من حيث التأييد الشعبي والدعم العام له بين الناس.

في اصطلاح علم النحو، يقال إن المضاف قد حذف لدلالة السياق، فيقدّر القول مثلًا: "وجد قومك ضلالًا" أو "وجد رهطك ضلالًا". يقول الإمام الرازي في تفسيره:

"إنه قد يخاطب السيد ويراد قومه، فقوله: ’ووجدك ضالًا‘ أي وجد قومك ضلالًا."[2]

إذا تم اختيار هذا الوجه في تفسير الآية، فإنه من حيث تركيب الكلام يقتضي أولًا أن ينسب ﴿ضالًّا﴾ إلى مفرد (وهو النبي)، ثم يراد به بعد ذلك الجمع (أي الأمة)، بينما في ترجمة الدكتور القادري تم تجاوز هذه المراحل تمامًا، إذ حمل اللفظ مباشرة على معنى الجمع، دون اعتبار للتنكير أو للمفرد الوارد في النص، وهو خروج بيّن عن ظاهر الكلام ودلالاته. وهذا المعنى نفسه، أي حمل الخطاب إلى النبي والمراد به قومه، هو الذي ورد في أقوال الإمام القرطبي، والإمام إسماعيل حقي، وأبي حيان الأندلسي، التي أوردها أرباب "منهاج القرآن" في مقالهم. بل إن ما أيده الإمام الفراء من النحويين لا يتطابق مع ترجمة الدكتور القادري، بل يتوافق مع هذا التفسير المشار إليه، وهو ما أورده أيضًا غير واحد من المفسرين. لسنا في هذا المقام بصدد تقييم صحة هذا التفسير أو خطئه، ولا في بيان مدى قابلية السياق القرآني أو النظم البلاغي له، ولا مدى نجاعة هذا التأويل في دفع ما عدّه البعض من إشكال. ما نود إيضاحه بجلاء هو أن هذا التفسير، وإن قبلنا مناقشته في حد ذاته، لا علاقة له البتة بترجمة الدكتور القادري. فالدكتور القادري ترجم الآية بقوله: "فوجدك ربك، فهدى بك الضالين." أي إن الضمير راجع إلى النبي في الفعل ﴿وجد﴾، ولكن المفعول بـ﴿هدى﴾ هو "الضالين" الجمع. وأما هذا التفسير الذي تم الاستشهاد به، فمعناه "وجد قومك ضلالًا"، أو "وجدك بين الضالين"، أي إن المقصود ليس أنك كنت في ذاتك ضالًّا، بل كنت في وسط قوم ضالين. فإذا جمع أرباب "منهاج القرآن" بين هذين المفهومين المختلفين (الترجمة والتفسير) وزعموا أن الثاني يؤيد الأول، فالله أعلم إن كان الواجب هنا أن نشيد بفهمهم للعلم، أم نرثي لجرأتهم على نسبة ما لم يقله الأئمة إلى أفواههم. فقد أدرج هؤلاء أقوال الرازي والقرطبي والفراء وأبي حيان ضمن ما زعموا أنه تأييد لقول الدكتور القادري، وهذا في حقيقته مثال فريد لما يمكن تسميته بـ"التمويه العلمي". ومن ذلك دعواهم أن "خلاصة تفسير الرازي" هي هذا القول، وهو ادعاء على الأرجح انطلق من فرضية أن جمهور القرّاء لا يملكون القدرة أو الرغبة في مراجعة "التفسير الكبير"، ومن ثم لن يتسنى لهم التحقق من صحة هذا الادعاء أو تفنيده. لكن الحقيقة أن الإمام الرازي كعادته قد سرد في تفسير هذه الآية أقوالًا عدة، بدءًا بآراء السدي والكلبي ومجاهد، ثم عرض دلائل تلك الأقوال، وبيّن أن جمهور العلماء لم يقبلوها. بعد ذلك جمع عشرين قولًا مختلفًا في تفسير الآية، ومن بينها القول الذي نقله كتّاب "منهاج القرآن"، ولكنه لم يفضّله على سواه، ولم يقدّمه في العرض، ولم يربطه بسياق السورة، بل في موضع آخر، عند تناوله قوله تعالى: "ألم يجدك يتيمًا"، اختار وجهًا آخر وأيّده. وعليه، فالقول الذي تمسّك به أرباب "منهاج القرآن" هو أحد الأقوال العشرين التي أوردها الإمام الرازي دون ترجيح، ولا تصريح بتقديم، ولا ربط بالسياق الكلي للسورة.

وأما قولهم إن خلاصة تفسير الرازي هي هذا القول، فليس لنا إلا أن نرد عليه ببيت الشاعر:

اين كار از تو آيد و مرداں چنيں كنند

ترجمة: أين هذا من ذاك؟! هذا أمر لا يفعله إلا أولو الجرأة، وهكذا يفعل الرجال.

على أية حال، فإن هذه المناقشة أوضحت بما لا يدع مجالًا للشك أن الإمام الرازي، والقرطبي، وأبا حيان، وإسماعيل حقي، والفراء، لم يقدّم أيّ منهم المعنى الذي اعترضنا عليه في ترجمة الآية الكريمة. فالمصادر التي استند إليها أرباب "منهاج القرآن" لا تمتّ إلى صلب المسألة بصلة، ويبدو أن الغرض من إيرادها لم يكن إلا التلبيس على أتباعهم من العوام، ممن لا حظّ لهم من علوم الشريعة، ليقنعوهم أن التفسير الذي طعن فيه قد سبقت إليه أكابر المفسرين والنحاة، فليس في الأمر ما يستدعي التوقف أو الاعتراض.

ويقال لهؤلاء، إذا كان هذا هو السبيل في تقرير العلم ونقله، فــ وا أسفاه، لقد أصبح من يدّعون أنهم في مقام الهداية للأمة، يمارسون هذه الصورة من الالتباس والادعاء:

اب كسے رہنما كرے كوئى

ترجمة: فمن يتّخذ الآن مرشدا؟

هذا كان شأن مراجع التفسير والنحو الذين نسبوا إليهم تأييدًا لموقف الدكتور القادري. أما ما بقي من استشهاداتهم، فقد انحصر فيما نقلوه عن كتاب "الشفا" للقاضي عياض، والذي يبدو أنه الأمل الأخير الذي تمسكوا به في الدفاع عن ذلك التفسير المرفوض. لكنه، هل تملك تلك العبارة التي اقتبسوها من "الشفا" الوزن العلمي الذي يجعلها تصلح أساسًا لتأويل قرآني يخرج عن دلالته الظاهرة ومقاصده المحكمة؟ نجيب بكل تواضع وأدب، إذا كان هذا هو مستند الدكتور القادري في ترجمته، فهي مما ينبغي إخفاؤه لا المجاهرة به، ولا شك أن عرضها بهذه الصورة العلنية لا يجلب له رفعة، بل يستدعي الأسف والحيرة.

صحيح أننا لم نكن نظن بالدكتور القادري أنه يمتلك أدوات عالية في علوم اللغة أو نظم القرآن وتفسيره، ولكننا على الأقل كنا نحسن الظن بأنه لا يقدم على تفسير شيء من القرآن إلا مستندًا إلى رأي قوي من آراء السلف أو قول معتبر لأحد أئمة التفسير. أما وقد كشف أن التفسير الذي يتبناه لا يستند إلا إلى تلك العبارة المفردة المنقولة من "الشفا"، فإنها خيبة ظن لا يستهان بها. والعجيب أن هذه العبارة، التي اعتمدت كمصدر وحيد لهذا التفسير، ليست من صلب ما قاله القاضي عياض نفسه، بل منقولة بصيغة تمريض "قيل"، وهي صيغة تدل على مجهولية القائل وعدم التثبت من نسبته، فضلًا عن أن موضوع كتاب "الشفا" ليس التفسير، ولا النحو، ولا علم الإعراب، بل هو كتاب في بيان حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة، ويغلب عليه سرد الروايات المختلفة، صحيحها وضعيفها، دون تمحيص دقيق. أمّا شرّاح "الشفا" أنفسهم، فقد تبرؤوا من هذا القول ورفضوه رفضًا صريحًا. وأبرز هؤلاء الخفاجي، الذين نقل عنه أرباب "منهاج القرآن" جملة اجتزؤوها من سياقها، موهمين القارئ أنه إنما يخالف القول مخالفة يسيرة. والحقيقة أن الخفاجي قال بوضوح تام:

"هذا القول لا يساعده إعراب، ولا يصحبه صواب، فالأولى تركه، لما فيه من تقديم المنصوب على عامله، والفاء العاطفة لا الزائدة، كما في قوله تعالى ’وربك فكبر‘ مع وجود عامل مقدم ملاصق، وهو ما لا تجوزه النّحاة."[3]

إن من الحق أن نقر بأن بناء أرباب "منهاج القرآن" كامل استدلالهم على عبارة من كتاب "الشفا" لم يخدم أستاذهم، بل كشف في الحقيقة عن محدودية ما لديهم من "اطلاع" و"علم وفن". فغاية ما فعلوه أنهم اقتطفوا عبارة مهجورة، وأضافوا إليها بعض الزخرفة البلاغية، ثم قدموها لجمهور من المسترشدين السذّج الذين لا يملكون أدوات الفهم ولا مفاتيح النقد، ويحسبون أن من يتحدث إليهم إنما هو شخصية مأمورة من الله، اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لهداية الناس في هذا الزمان.

بعد أن بلغوا هذا الحد من الإصرار في الدفاع، عمد هؤلاء إلى الاستشهاد بقراءة نسبت إلى الإمام الحسن البصري. وقد قرأنا مقالهم مرارًا، ومع ذلك لم نستطع أن نفهم ما الغاية من ذكر هذه القراءة، ولا ما علاقتها بالتأويل موضع النقاش.

الآية التي اعترضنا على ترجمتها هي قوله تعالى ﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾

فماذا تعني ’ووجدك ضال فهدى‘ التي أوردوها؟

إننا نعوذ بالله أن نعدّ هذه العبارة من كلام الله عز وجل. وقد أقرّوا بأن هذه قراءة شاذة، لا يثبت بها قرآن. حسنًا، لكنهم مع ذلك قالوا إنها "تفسير للآية"، وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا: أنتم تنتقدون التحريف المعنوي؟ انظروا، فنحن نثبت لكم أن الأمر يمكن أن يطال حتى ألفاظ القرآن نفسها. فإن كان الحب في النبي، فعند الحاجة يجوز أن نغير ﴿ضالًّا﴾ إلى "ضالٌّ"، ولا حرج في ذلك! هذه هي رؤيتهم لتفسير القرآن الكريم، عبّروا عنها بأقلامهم دون مواربة. ونحن من جهتنا نلفت نظر العقلاء من أهل هذا البلد إلى هذا اللون من "العلم والفن" الذي بات يروّج له باسم الدين، وينسب إلى المأمورين من الله في هذا الزمان. وعليه، فإن من الواجب اليوم أن يسأل كل عاقل من هؤلاء:

إذا كان تغيير ألفاظ القرآن جائزًا في سبيل تحقيق مقصد ما، فلماذا نختلف أصلًا حول تفسير أو تأويل؟ ولماذا ننشغل بالتحقيق والتدقيق، ما دمنا نملك صلاحية تغيير الفاعل إلى مفعول، والنفي إلى إثبات، والأمر إلى نهي، وبالعكس؟

فإذا كان ﴿ضالًّا﴾ يمكن أن يحرّف إلى "ضالٌ"، فما الذي يمنع من تحويل قول الله تعالى: ﴿حرّمت عليكم أمّهاتكم﴾ إلى ’لم تحرّم أمهاتكم‘؟

وما الذي يحول دون أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء﴾

بهذا الشكل المقلوب، "إنما يخشى العلماءَ من عباده الله" ثم يفسّر بأن الله عز وجل، والعياذ بالله، يخاف من عباده العلماء، كما يحلو لبعضهم أن يترجم، على سبيل السخرية أو العبث؟

فإذا قبل هذا المنهج، فما الذي يحول بين أي شخص وبين أن يعبث بنصوص القرآن كما يشاء، ويقلب معانيه وفق ما يوافق هواه ومعتقده؟

فإذا كان الإمام الحسن قد قرأ ﴿ضالًّا﴾ على أنها "ضالٌّ"، أفلا يحق لكل الأمة أن تفعل مثله؟

وإن جاز هذا، فلماذا نستنكر على بعض فرق الشيعة أن يقرؤوا القرآن بروايات منسوبة إلى أهل البيت، ويدّعون أن فيها دلالة صريحة على ولاية علي رضي الله عنه، أو ذم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟

وإذا جاز لنا نحن أن نقول في تأويلنا "ضالًّا؟ لا، بل ضالٌ"، فهم أيضًا لهم أن يقولوا في ثقة:

ایں گناہیست کہ در شهر شما نیز کنند

ترجمة: إن هذا الذنب منكم أيضًا شائع في بلدتكم!

على كل حال، فإننا نرغب في أن نعلن بوضوح تام أن نسبة مثل هذه القراءة إلى الإمام الحسن، هي من أعظم المعاصي التي ينبغي لكل مؤمن بالله وبكتابه أن يستعيذ منها، ويبرأ إلى الله من الوقوع فيها. وهي في الحقيقة من مظاهر الشقاء والخذلان في تاريخ هذه الأمة، أن تدخل روايات أهل البدع والباطنية إلى كتب تفسيرنا، مع أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه قد أبطل مثل هذه القراءات منذ فجر الإسلام، وأمر بحرق ما كان منها متداولًا، صيانة لكتاب الله من التعدد والتشويش. والمؤسف أكثر من ذلك، أن من يحسبون على "العلم والفن" في هذا الزمان، لا يكتفون بمجرد السكوت عن هذه الزلات العلمية التي تسربت إلى كتب التفسير، بل يتخذون منها زينة لمقالاتهم، ومادة لحججهم، فيفسدون على الناس إيمانهم بالقرآن، ويعبثون بمقاصده وألفاظه في القرن العشرين جهارًا نهارًا. وقد استخرجوا من هذه القراءة المزعومة، التي وصفوها هم أنفسهم بأنها شاذة ولا يثبت بها قرآن، بعض "الحقائق"، كما أسموها. ونحن من جانبنا لا نجد مانعًا في أن نضيف إلى قائمتهم تلك "الحقائق" التي ذكرناها آنفًا، حتى تكتمل لهم الحجة، وتغلق الأبواب على كل طالب علم قد يعترض مستقبلًا، ويجابه بقائمة مفصلة من "الحقائق" الملفقة.

وفي مقدمة مقالهم، نبّهونا أنه كان ينبغي لنا قبل الاعتراض على ترجمة الدكتور القادري أن نستمع أولًا إلى دروسه في التفسير وأصوله، لنعلم منزلة هذه "الشخصية العلمية" التي طاولت الجبال علمًا وفهمًا، حسب وصفهم. وقد استمعنا بالفعل إلى جزء من تلك المحاضرات، وتبيّن لنا منها أن تفسير القرآن يمكن عند الضرورة أن يبنى على تقديم المفعول وتأخير الفاعل، أو على اجتزاء بعض الكلمات، وتحوير مواضعها، بما يوافق المراد والمقصد!

وبهذا الاعتراف الصريح، يكون الدكتور الغالي قد بيّن بالفعل مرتبته في "العلم والفن". فإن لم نقتنع بعد ذلك، فذلك لأن عقولنا، كما يفترضون، قاصرة عن إدراك العظمة التي بين أيدينا! وقد تكرّم كاتبوا المقال كذلك بمحاولة تعليمنا بعض دروس النحو، إذ طلبوا منا أن نطرح أقلامنا، ونجلس قليلًا لنتعلم على أيديهم أن المفعول به لا يشترط أن يأتي بعد الفعل في كل حال، بل يجوز تقدمه، وأن الفعل ﴿وجد﴾ لا يقتصر على معنى "علم"، بل يأتي كذلك بمعنى "صادف"، وحينئذ يتعدى إلى مفعول واحد فقط، لا إلى اثنين.

نحن نشكرهم من أعماق قلوبنا على تذكيرهم لنا بهذه الدروس المنسية في علم النحو. فإن لم يكن في ذلك ما يزعجهم، فنود نحن أيضًا أن نذكّرهم ببعض الدروس التي ربما نسوها. فإن لم يكن في ذلك مشقة عليهم، فليعيدوا قراءة مقالنا مرة أخرى، ولينظروا هل كان موضع النقاش أصلًا هو مسألة أن المفعول به في اللغة العربية لا يمكن أن يتقدّم على فعله؟ أو أن الفعل ’وجد‘ لا يمكن أن يتعدى إلى مفعول واحد فقط بمعنى ’صادف‘؟ إن اعتراضنا كان ببساطة أن اعتبار كلمة ﴿ضالًّا﴾ في سورة الضحى مفعولًا لـ ﴿هدى﴾ وليس لـ ﴿وجد﴾، وجعل ﴿وجد﴾ غير متعلق بـ﴿ضالًّا﴾، لا يستقيم بأي حال من الأحوال من ناحية قواعد العربية.

يبدو أن ظنّهم أن كل معنى يثبت للّفظ في معاجم اللغة يمكن أن يكون مرادًا في كل سياق من السياقات. وهذا هو المستوى العلمي الذي كان عليه ذاك الشخص أيضًا، الذي قرأ بيتًا من شعر غالب:

غالب کو برا کیوں کہو، اچھا مرے آگے

الترجمة: لم تقولون إنّ غالبًا سيّئ؟ إن أنتم تقولون إنّه سيّئ، فكأنّكم تقولون إنّني أنا سيّئ.

ثم فسّره قائلًا: أنتم تمدحون غالبًا أمامي، فلماذا تذمونه أمام الآخرين؟

فقال له أحد الحاضرين بأدب: "يا سيدي، كلمة ’اچھا‘ (بمعنى ’حسن‘ في اللغة الأردية) هنا لا يحمل المعنى الذي تذكره"، فما كان من الرجل إلا أن انتفض وقال متحدّيًا، "افتح أي معجم من معاجم اللغة الأردية، وستجد أن من معاني ’اچھا‘ المعنى الذي قصدته تمامًا!"

فماذا عسى المرء أن يقول لمثل هؤلاء العلماء، وكيف له أن يشرح لهم أن الاعتراض ليس على كون هذا المعنى موجودًا في اللغة أو لا، بل الاعتراض هو: هل هذا المعنى هو المقصود فعلًا في بيت غالب أم لا؟

كذلك، ’كان‘ في اللغة العربية تكون تامة أحيانًا، وناقصة أحيانًا أخرى، ولكن هل يمكننا، على سبيل المثال، أن نطبق كلا الحالتين في وقت واحد على قوله تعالى ’ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا‘[4] ثم نزعم أن الآية تحتمل الوجهين على السواء؟ وهل يمكن القول إن كلا المعنيين صحيحان في هذا السياق؟

فيما يتعلّق بآية سورة الضحى ﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾، فإننا نؤكّد مرة أخرى، بكل طمأنينة، أنه لا يمكن، وفقًا لقواعد العربية، فصل ﴿ضالًّا﴾ عن الفعل ﴿وجد﴾ وجعلها مفعولًا مقدّمًا للفعل ﴿هدى﴾. بل إن ﴿وجد﴾ هنا لا بد أن يفهم بمعنى ’علم‘، ولا يجوز حمله في هذا الموضع على معنى ’صادف‘.

فالمسألة لا تتعلّق بمجرّد تقديم المفعول وتأخيره، لكي يرجع فيها إلى كتب النحو بحثًا عن موانع التقديم، بل القضية أعمق من ذلك. فالسؤال هو: هل يمكن، في العربية، أن يفصل بين الفعل ومفعوله حين يكونان على نحو ما في هذه الآية، ويجعل ذلك المفعول تابعًا لفعل آخر؟ نحن نقول بثقة تامة، إن هذا غير ممكن في اللسان العربي. فلا توجد، في جميع مدونات العربية، ولو مثال واحد يجيز هذا الاستخدام. بل إن أئمة التفسير، وهم الذين لا يتركون في تفسيراتهم احتمالًا نحويًّا مهما كان ضعيفًا إلا وذكروه، لم يذكروا بخصوص هذه الآية إلا وجهًا واحدًا بصراحة تامة، وهو أن (وجد) بمعنى (علم)، وأنه متعد إلى مفعولين.

وقد صرّح بذلك الزمخشري في الكشّاف، حيث قال:

"ووجدك من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد."[5]

وقال الإمام الرازي:

"ووجدك من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد[6]."[7]

بعد ذلك، أورد كاتبوا المقال رأيًا منسوبًا إلى الخفاجي، شارح كتاب الشفا، مفاده أن "وجد" في الآية له مفعول واحد، وأن المفعول الثاني محذوف. ونحن، وإن تغاضينا عن حقيقة أن هذا الرأي من حيث اللغة العربية رأي فاسد لا يصح، ويمكننا إثبات أنه لا مسوّغ له في استعمالات العرب، وأن الخفاجي نفسه أقرّ في نسيم الرياض أن معظم النحاة لا يقبلونه، فإننا، مع ذلك، نسأل هؤلاء "الفضلاء" من أرباب العلم والفن، ما علاقة هذا الرأي أصلًا بمحلّ النزاع؟

إن اعتراضنا لم يكن موجّهًا إلى ترجمة تجعل لـ﴿وجد﴾ مفعولًا محذوفًا كما قال الخفاجي، بل إلى ترجمة الدكتور القادري الذي حمل ﴿وجد﴾ على معنى "صادف"، وجعله متعدّيًا إلى مفعول واحد فقط، ثم جعل ﴿ضالًّا﴾ مفعولًا مقدّمًا للفعل ﴿هدى﴾، وبهذا وجّه التفسير وجهة مختلفة تمامًا. فما وجه الاستشهاد برأي الخفاجي في هذا السياق؟ أليس ذلك إلا محاولة لصرف انتباه القارئ عن صلب المسألة، وإشغاله بجوانب لا علاقة لها بها؟

ثم بعد الفراغ من هذا الدرس النحوي، عاد أصحاب المقال إلى مسألة أخرى تتعلق بترجمة عبارة "يا حبيب" في خطاب الله تعالى لنبيّه في القرآن الكريم. وقد وبّخونا على اعتراضنا على هذا الأسلوب، معتبرين أننا لا نفرّق بين خطاب الغزل وخطاب النبوة. ونحن بدورنا نقرّ لهم بخطئنا هذا ونعتذر إليهم أننا حاولنا إقناعهم بأن استخدام "يا حبيب" في ترجمة الوحي فيه خلل في الذوق وركاكة في الأسلوب.

ثم ذهبوا إلى الدفاع عن فكرة جواز تعدد التفسيرات للآية الواحدة، مستشهدين بـ"غوث الأعظم" الذي، حسب زعمهم، كان يفسّر الآية الواحدة بأربعين وجهًا، وبالإمام الرازي الذي نقل عشرين قولًا في تفسير آية:

﴿ووجدك ضالًّا فهدى﴾.

ولتبين ما في ذلك من اضطراب، فلننظر في بعض هذه الأقوال التي أوردها الرازي:

١- أنك ضللت عن جدك، فهداك الله إليه.

٢- أنك في سفرك مع ميسرة أضعت الطريق، فبلغك الله إلى القافلة.

٣- أنك كنت محاطًا بالكفار، فأنقذك الله وقوّاك.

٤- أنك كنت مترددًا في أمر القبلة، فدلّك الله إلى القبلة التي تحب.

٥- أنك لم تكن تعرف جبريل، فعرّفك الله به.

٦- أنك لم تكن خبيرًا بالتجارة، فهداك الله إلى طرقها.

٧- أنك كنت عاجزًا عن الهجرة، فسهّلها الله لك.

ويقال بعد هذا:

إن كانت هذه "وجوها مختلفة لحقيقة واحدة"، فمتى نطلق على الأقوال أنها "متضادة"؟!

وإن لم يكن في هذه التفسيرات تناقض، فلا ندري أين يكون التناقض إذًا؟!

لقد كان من الأجدر بهؤلاء أن يبيّنوا لنا ما هو وجه الوحدة في هذه الأقوال المتباينة، وكيف يمكن للمرء أن يكون ضالًّا عن طريق قافلة، وضالًّا عن القبلة، وجهولًا بجبريل، وعديم الخبرة بالتجارة، ومترددًا في الهجرة، ومحاطًا به الكفار، وكل ذلك تفسير لآية واحدة في سياق واحد!

إن هذا هو المنهج في التفسير الذي مزّق الأمة وأبعد أذهان أبنائها عن المعنى الحق لكلام الله. وإن من يطالع هذه التفسيرات ليسأل نفسه:

أهذا هو الكلام الذي تحدى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله؟!

أهو هذا الكتاب الذي أنزل لهداية البشر؟!

بل إننا نقولها صراحة، إن هذه التفسيرات تجعل من الصعب أحيانًا أن نصدق أن هذا كلام من يريد أن يهتدى به!

أمّا القول، إنه ذاك ما فعله أئمة التفسير في الماضي، فإنه لا يعد حجة.

فإن أخطأ السابقون، وهم بشر، فما الذي يلزمنا بأن نكرر أخطاءهم إلى الأبد؟

إن القرآن الكريم، بنصوصه الصريحة، وبما تفرضه الفطرة والعقل، لا يقبل هذا التلوّن والتشتّت. ومن واجب من آمن بهذا الكتاب أن يردّ هذا المنهج بكل قوة، وألا يخشى في الله لومة لائم. أما بخصوص معنى ﴿ضالًّا﴾ الذي أيدناه في مقالتنا، فقد اعترضوا بأنه لم يوجد ولا هذا المعنى أصلًا في أقوال المفسرين أو كتب اللغة. ونقول لهم بكل وضوح، إن أقوال المفسرين وكتب اللغة هي مصادر ثانوية، وليست مرجعًا نهائيًا. وإنما المرجع الأول في تحقيق معاني الألفاظ هو الاستعمال العربي الأصيل، كما ورد في كلام العرب وأشعارهم، ومنها استخرجت كتب اللغة أصلًا، وإليها يرجع أئمة التفسير أنفسهم. فكما أن "فرهنك آصفية" و"نور اللّغات" ليستا إلا تلخيصًا لكلام أمثال میر وغالب، فكذلك "لسان العرب"، و"الصحاح"، و"القاموس" ليست إلا تدوينًا لشواهد عربية من شعر الجاهلية وكلام النبي وصحابته. وبناء على هذا، فإن أولى المراجع في اللغة هو القرآن الكريم نفسه، ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، ثم شعر العرب في الجاهلية وصدر الإسلام. وفي هذا السياق، نود أن نلفت أنظار "منهاج القرآن" إلى بيت من الشعر قاله الفرزدق:

ولقد ضللت أباك تطلب دارماً كضلال ملتمس طريق وبار

وفي خاتمة مقالهم، ختم أرباب "منهاج القرآن" بما رأوه ضربة قاضية، فقالوا:

كان عليك أن تتأمل أولًا في ثمرة جهدك وجهد أستاذك طوال حياتكما، فما هي؟ سوى بضعة مئات من المتابعين. بينما أستاذنا الجليل، في نظرهم، الدكتور القادري، فقد أوتي من القبول ما لم يؤت أحد من قبل، إذ التف حوله خلال خمس أو ست سنوات فقط لا الآلاف، بل الملايين، الذين لا تفتر لهم عزيمة، ولا تهدأ لهم نفس، بانتظار لحظة من لحظات الإشارة ليبذلوا النفس والنفيس. ونحن من جانبنا، نقول لهم، لو أنكم اكتفيتم بهذه "الحجة" وحدها، وتركتم التنقل بين مصطلحات "العلم" و"الفن"، لكان ذلك أوفر عليكم، وأسلم لقرّائكم، وأقرب إلى حقيقة ما تدافعون عنه. لكنكم، على الأرجح، لم تدركوا أنكم بهذه "الحجة" ما رددتم بها على نقدنا فحسب، بل قدمتم لنا أيضًا "المفتاح الذهبي" الذي نبحث عنه منذ زمن لحل معضلات الخلاف بين الحق والباطل! فنحن، طلاب العلم، دأبنا على أن ندرس علوم اللغة، والنحو، والبلاغة، وأصول الفقه، ونتتبع دلائل الاستنباط ومسالك التأويل، لعقود. والآن، بفضل هذه "الحجة"، اتضح لنا أن كل تلك الجهود لا جدوى منها. فالحل بات واضحًا، بسيطًا، ونهائيًا، من أراد أن يعرف الحق من الباطل، فما عليه إلا أن يعدّ رؤوس أتباع كل قول، ويقيس حجم استعدادهم للتضحية بكل ما يملكونه من نفس ومال وجهد. فإن كثر الأتباع، وزاد حماسهم، وارتفع صوتهم، كان قول شيخهم هو الحق، وما عداه باطل لا يلتفت إليه! هل من تعقيب يقال بعد هذا؟!

هذه هي الذهنية التي يربّى عليها المسترشدون، حيث يحرمون إلى الأبد من التمييز بين الصواب والخطأ. أما عن شخصي، فليس لي ما أفتخر به، سوى أن الله شرّفني بالتلمذة على أستاذ فريد، هو أمين أحسن الإصلاحي. أما هو، فأشهد أن عمره لم يصرف فيما يفاخر به هؤلاء من جماهيرية وهتافات. لم تكن تلك الهتافات، ولا ذيوع الصيت، من غاياته، بل لم يكن يلتفت إليها أصلًا. كان يرى أن النظر إلى مثل هذه الزخارف دونًا عن شأنه، فضلًا عن أن يسعى إليها. لم يكن في مجلسه ذكر لطريقة جذب الجماهير، بل لو تحدّث أحدهم أمامه عن ذلك، لم يكن يؤذن له بعدها بالجلوس إليه. لقد كان شعاره دائمًا، أن الإنسان، ولو خلا من كل ناصر ومعين، فعليه أن يتمسك بالحق. لم يكن يبحث عن مبررات لواقع الفساد، بل سعى إلى تطهير العقل والوجدان منه. لم يهبط إلى مستوى العامة، بل دعاهم إلى معارج الفكر والصفاء. إنّ عالمه عالم العلم والدّيانة، لا نصيب فيه للمتزيّين بلباس الدّين، ولا حظّ فيه للماهرين في ألاعيب السياسة. كان في كيانه صحارى من الصبر، وبحار من الإدراك، وفي شخصيته عالمه المستقل، ذو شغل فيه عن كل لغو ولهو. أفنى حياته في العلم والتحقيق، لا في بناء الزوايا وتأسيس الطرق. ومن أراد أن يرى ثمرة جهده، فليقرأ "تدبّر القرآن"، فذلك هو عمله الخالد، وتلك هي رسالته الحقة. لم يكن من أبناء اللحظة، بل كان رجل الغد، وزمانه آت لا محالة.

أظنني قد بلغت ما أردت، وبلغ قلمي حيث أراد أن يصل. وفي الختام، لا أجد ما أقوله لهؤلاء سوى:

وہ شے کچھ اور ہے کہتے ہیں جان پاک جسے
یہ رنگ و نم، یہ لہو، آب و ناں کی ہے بیشی

ترجمة:"الروح الطاهرة تختلف تمامًا عن الجسد؛ فالمظاهر المادية كاللون والرطوبة والدم والماء والغذاء لا تعبّر عن حقيقتها."

[١٩٨٨م]

_______________

إلى أرباب "منهاج القرآن" - برھان - أفكار - أفكار