القانون الذي ورد في القرآن الكريم بشأن الدية قد أثار في هذا العصر سؤالين مهمين كانا محل نقاش واسع، وهما:
هل حدّدت الشريعة مقداراً معيناً للدية؟ وبناءً على ذلك، هل دية المرأة في الحقيقة نصف دية الرجل؟
ما هي حقيقة الدية؟ هل هي تعويض عن الخسارة الاقتصادية التي لحقت بورثة القتيل أو بالمجروح نفسه بسبب الجاني؟ أم أنها ثمن للنفس أو العضو؟ أم أنها شيء آخر غير ذلك؟
للإجابة عن السؤال الأوّل، فلننظر في الآيات التي ورد فيها هذا الحكم في القرآن الكريم. فقد جاء في سورة النساء:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.[1]
ورد في هذه الآية من سورة النساء قوله تعالى ﴿ودية مسلّمة إلى أهله﴾. والراجح في الإعراب أن يجعل هذا التركيب مبتدأ لخبر محذوف؛ أي التقدير، فعليه تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلّمة. وقد ورد لفظ ﴿دية﴾ في هذه الآية بصيغة النكرة.
ونحن نعلم أن الاسم النكرة لا يتحدد معناه إلا بالرجوع إلى اللغة، والعرف، وسياق الكلام؛ ولا يحتاج إلى غير ذلك لتعيينه. ومثال ذلك ما ورد في القرآن الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾[2] فكلمة ﴿بقرة﴾ هنا نكرة، ومن ثم، فإن من المقطوع به أن الله لم يأمر بني إسرائيل إلا بذبح ما يطلق عليه اسم "بقرة" في لغة العرب وعرفهم. فلو ذبحوا أي بقرة تندرج تحت هذا التعريف، لكانوا قد امتثلوا للأمر الإلهي تماماً.
وبناءً على قواعد العربية، إذا ذكر المتكلم الشيء الواجب بصيغة النكرة، فمعنى ذلك أنه يأمرنا باتباع العرف في هذا الشأن. ونظرًا لأن النكرة تدل على التعميم، فإذا لم يكن هناك في السياق ما يمنع من هذا التعميم، فإن كل ما يندرج تحت ذلك الاسم يعتبر داخلًا في مدلوله، دون تخصيص أو تحديد.
وعليه، فإن المقصود من ﴿دية﴾ في الآية المذكورة هو، كل ما يعرف في عرف المخاطبين باسم "الدية". والعبارة ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ لا تدلّ على أكثر من هذا المعنى؛ أي وجوب تسليم ما يعرف في العرف باسم "الدية" إلى ورثة القتيل.
وقد بيّن القرآن هذا المبدأ بوضوح في آية القصاص حين قال في سياق الحديث عن دية القتل العمد:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.[3]
تظهر آيات النساء والبقرة بوضوح أن حكم القرآن في حالتي القتل الخطأ والقتل العمد هو نفسه، وهو أن تدفع الدية بحسب ما جرى عليه العرف والنظام الاجتماعي في المجتمع. وقد طبّق النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم في عهده، وما ورد في الروايات من تفصيلات حول الدية إنما يبيّن الأعراف السائدة في الجزيرة العربية آنذاك، ولا يوجد في ذلك شيء يمكن اعتباره أمرًا تشريعيًا من النبي عليه الصلاة والسلام يلزم الأمة على وجه الخصوص.
فما هو هذا العرف العربي بشأن الدية؟
يظهر الاطلاع على أشعار الجاهلية وأيام العرب أن الدية في بداياتها كانت تقدّر بعشرة من الإبل لكل من كان له نسب صريح في أحد القبائل. أما الحليف (المرتبط بقبيلة دون نسب) وابن الأمة (ابن الجارية)، فكانت ديتهم نصف دية صاحب النسب الصريح[4]، ودية المرأة كانت نصف دية الرجل.
وقد ورد في كتاب "الأغاني"، أثناء سرده لأحداث إحدى الحروب بين الأوس والخزرج، ما يلي:
"وكانت دية المولى فيهم، وهو الحليف، خمسًا من الإبل، ودية الصريح عشرًا."[5]
أما المؤرّخ الدكتور جواد علي فقد ذكر في كتابه "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام":
"وأما إذا كان القتيل هجينا، فتكون ديته نصف دية الصريح. وتكون دية المرأة نصف دية الرجل."[6]
وكانت بعض القبائل تأخذ دية مضاعفة بسبب مكانتها وعلو شأنها، وبعضهم يدفع دية مضاعفة إكراما أو تفضلا على الآخرين. وجاء في "المفصّل" أيضا:
"رُوي أن الغطاريف، وهم قوم الحارث بن عبد الله بن بكر بن يشكر، كانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم. وكان لبني عامر بن بكر بن يشكر، وهم من الغطاريف أيضا، وقد عرف عامر المذكور بالغطريف، ديتان ولسائر قومه دية. وورد أن بني الأسود بن رزن كانوا يؤدون في الجاهلية ديتين ديتين."[7]
ويذكر الدكتور جواد علي في "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام":
"ولم يكن هذا التحديد عن ضعف، وإنما هو رغبة منهم في الإفضال على ذوي القتيل."[8]
أما دية الملوك، فقد كانت مقدرة بألف من الإبل، وكانت تعرف باسم "دية الملوك". ويقول قراد بن حنش الصاردي مادحا بني فزارة:
وقد حدث تغيير كبير في مقدار الدية قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم بعدة سنوات. فقد نقل أن جدّه عبد المطلب نذر نذرا مفاده: إن رزقه الله عشرة أبناء، ليذبحن أحدهم قربانا لله. فلما تحقق له ما أراد، عزم على الوفاء بنذره، وأجرى قرعة بين أبنائه، فوقعت على عبد الله، والد النبي صلى الله عليه وسلم. فلما همّ بذبحه، منعه الناس ونصحوه بأن يقدم الفداء عنه بذبح عدد من الإبل.
في ذلك الزمان، كما أسلفنا، كانت الدية تقدّر بعشر من الإبل. فجرى إجراء قرعة بين عبد الله وعشرة من الإبل، فكانت النتيجة لصالح عبد الله في كل مرة، حتى بلغت الإبل مئة. وعندها خرجت القرعة على الإبل، فتم ذبحها فداء لعبد الله. وقد روي أن هذا الحدث كان هو السبب في تثبيت مقدار الدية بمئة من الإبل في قريش خاصة، وفي عموم قبائل العرب لاحقا. فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:
"کانت الدية یومئذ عشرًا من الإبل ، وعبد المطلب أول من سنّ دية النفس مئة من الإبل، فجرت فی قریش."[9]
وقد أشار زهير بن أبي سلمى إلى هذا المقدار من الدية في معلقته الشهيرة. ففي معرض مدحه لزعيمي العرب هرم بن سنان والحارث بن عوف، وذلك بعد معركة عبس وفزارة التي تم فيها دفع ثلاثة آلاف بعير كدية للقتلى، قال:
ويفهم من هذا البيت أن دية القتلى في تلك الواقعة قد سددت على أقساط. وقد جاء في "الأغاني" ما يؤكد ذلك:
"فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين."[10]
وفي المعلقة نفسها، يوضح زهير أن الديات كانت تعطى غالبا من صغار الإبل، إذ يقول:
وقد فسّر الزوزني، شارح "المعلّقات"، تخصيص "الإفال" بقوله:
"خص الصغار لأن الديات تعطى من بنات اللبون والحقاق والأجذاع."[11]
كما كانت ديات الجراحات معمولا بها في الجاهلية. ويظهر من خلال دراسة اللغة العربية أن العرب كانوا يستخدمون كلمتي "الأرش" و"النذر" للدلالة على دية الجراح أيضا، بالإضافة إلى معان أخرى.
وقد ورد في "لسان العرب":
"أصل الأرش الخدش، ثم قيل لما يؤخذ دية لها: أرش، وأهل الحجاز يسمونه النذر."[12]
وهذا هو العرف العربي الذي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقه في عهده، تنفيذا لما أمر به القرآن الكريم كما بينا سابقا. ومن الروايات الواردة في هذا الباب ما يدل بوضوح على أن النبي صلى الله عليه وسلم أبقى نظام الديات على ما كان عليه قبل بعثته في الجزيرة العربية.
ففي الرواية التي نقلناها سابقا عن ابن عباس رضي الله عنه، في سياق الحديث عن تطور مقدار الدية، ورد أنه قال:
"فجرت في قريش والعرب مئة من الإبل، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه." [13]
في حديث آخر يورده أئمة اللغة عادة كمثال على استعمال لفظ "معقلة"، وقد ورد هذا الحديث بألفاظ قريبة في مسند أحمد بن حنبل، جاء فيه ما يلي:
"كتب بين قريش والأنصار كتابا فيه: المهاجرون من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى." [14]
أما في منطقة اليمن (جنوب جزيرة العرب)، فكان العرف السائد أن مقدار الدية في حالات القتل والجراح يحدده الحاكم، لا العرف القبلي. وعندما دخل هذا الإقليم في الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم بمكتوب يحدد فيه مقادير الدية كما كانت جارية في منطقته، فأصبحت سارية المفعول لديهم أيضا.
وقد جاء في كتاب "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام":
"وقد عرفت الدية عند العرب الجنوبيين كذلك، ولم تحدد في القوانين، وإنما ترك أمر مقدارها إلى الملك."[15]
وأما نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الموجّه إلى أهل اليمن، فقد ورد فيه[16]:
"إن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول. وإن في النفس الدية مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، [وفي اليد الواحدة نصف الدية][17]، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار."[18]
يتبيّن من هذا البحث بجلاء أن الإسلام لم يحدد مقدارا ثابتا للدية يكون ملزما إلى الأبد، كما لم يفرض علينا الالتزام بأي تمييز بين دية الرجل والمرأة، أو بين الحر والعبد، أو بين المؤمن والكافر. فقد كان قانون الدية معمولا به في الجاهلية قبل الإسلام، فجاء القرآن الكريم وأقره، فأمر في حالتي القتل الخطأ والقتل العمد بدفع الدية وفقا لذلك النظام.
وبناءً على هذا الحكم القرآني، فإن الدية أصبحت حكما واجب الاتباع في الإسلام لكل زمان ومجتمع، غير أن مقدارها وطبيعتها وسائر تفاصيلها ترجع إلى ما هو "معروف"، أي إلى ما جرى عليه العرف والنظام السائد في كل مجتمع.
وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده، في الديات وفق ما كان سائدا في عرف العرب آنذاك. وما جاء في كتب الفقه والحديث من مقادير للديات إنما هو مبني على ذلك العرف، والذي كان متجذرا في أحوال العرب الاجتماعية وتقاليدهم الثقافية.
أما اليوم، فقد دارت عجلة الزمان وطوت أوراقا كثيرة من كتاب التاريخ. فتغيرت الأحوال الاجتماعية والتقاليد الحضارية تغيرا جذريا، حتى لم يبق بينها وبين سابقاتها شبه كبير. لم يعد من الممكن اليوم دفع الدية على صورة إبل، كما لم يعد من الحكمة تقدير الدية في زماننا بمقياس الإبل، كما كان من قبل. بل إن مفهوم "العاقلة" قد تبدل تغيرا كليا، كما ظهرت صور من القتل الخطأ لم تكن تخطر على بال أحد في العصور السابقة.
إن القرآن الكريم، وهو كتاب هداية لكل زمان ومكان، قد أمرنا بأن نتبع في مثل هذه الأمور ما هو "معروف"، أي ما تعارف عليه الناس في مجتمعهم. وبموجب هذا التوجيه، فإن كل مجتمع يلزم بما هو معروف فيه.
وفي مجتمعنا المعاصر، حيث لا يوجد قانون دية سابق معمول به، فإن لولاة الأمر كامل الصلاحية أن يقروا العمل بنظام الدية الذي كان سائدا في عهد العرب، أو أن يضعوا نظاما جديدا يتوافق مع ظروفهم. فأية صورة من صور الدية يختارها ولاة الأمر، ثم يرضاها المجتمع ويقبلها، فهي في نظر الشريعة "معروف"، ومتى ما أصبحت "معروفا"، فإنها ملزمة شرعا.
ومن المهم التأكيد هنا على أن القوانين المبنية على الأعراف تخضع للتغيير بحسب تغير الأحوال والأزمنة، ولأولي الأمر في كل مجتمع أن يعيدوا النظر فيها وفقا لما تقتضيه مصالحهم العامة.
وقد أشار إلى هذا المعنى الفقيه الحنفي الجليل ابن عابدين عليه الرحمة في رسالته المشهورة "نشر العرف"، حيث كتب:
"اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح النص وهي الفصل الأول وإما أن تكون ثابته بضرب اجتهاد ورأي وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لابد فيه من معرفة عادات الناس فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقى الحكم على ما كان عليه أو لا للزم منه المشقة والضرر بالناس ويخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد."[19]
وأما بالنسبة إلى السؤال الثاني، وهو، ما حقيقة الدية؟
فقد شاع في هذا الباب رأيان رئيسيان:
١. أن الدية هي ثمن النفس
٢. أو أنها تعويض مالي عن الخسارة الاقتصادية التي تلحق بورثة المقتول أو بالمجروح نفسه بسبب الجريمة.
غير أن كلا الرأيين، في نظرنا، قابلان للنقاش ولا يخلوان من إشكال. أما من اعتبر الدية ثمنا للنفس، فقد وقع في مغالطة بينة. ذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون مع قضية القتل ضمن ثلاث مراتب:
الثأر، ثم القصاص، وأخيرا الدية.
وكان الثأر، حسب هذه التراتبية، هو الغاية الكبرى والمفضلة لديهم. إذ كانوا يعتقدون أن روح القتيل تخرج على هيئة طائر يطوف في الصحارى والجبال، يصرخ: "اسقوني، اسقوني!"، ولا تهدأ إلا إذا أخذ بثأره. وكان بعضهم يعتقد أن القتيل لا يظل حيا في قبره إلا إذا أخذ بثأره، أما إذا ترك دون انتقام، فإنه يصبح ميتا لا روح فيه، ويغشى قبره الظلام. بناءً على هذه المعتقدات، كانوا يفضلون الثأر على كل خيار، ولا يقبلون بالقصاص إلا عند الاضطرار، أما الدية فكانت في نظرهم تنازلا مذلا. وقد عبرت أم شمله عن هذا المعنى بقولها:
وقال عباس بن مرداس السلمي محرضا أحد بني خزاعة واسمه عامر على الثأر، محذرا إياه من الرضى بالتعويض المالي:
يتجلّى من الأبيات التي قالها مسور بن زيادة بعد مقتل والده، مدى الشدة والانفعال الذي بقي يعتري نفوس العرب حتى بعد دخولهم في الإسلام. فقد رفض عرضا من سعيد بن العاص، والي المدينة آنذاك، بدفع سبع ديات، وقال ردا على ذلك:
ومن هذه الأبيات يظهر بوضوح أن قبول الدية كان يعد في نظرهم عارا، وكانوا يرون فيه بيعا لدم القتيل. قال ربيع بن عبيد، من بني نصر بن قعين:
ومع ذلك، فمن الواضح أن هذه المواقف العاطفية لا تعبر عن حقيقة الدية ذاتها، بل هي مجرد تعبيرات وجدانية تنشأ في أجواء الحزن والغضب، ومثلها نراه حتى في زماننا هذا في قضايا القتل وسفك الدماء. فلا يصح بناء الأحكام على مثل هذه الانفعالات.
أما من اعتبر الدية ثمناً للنفس، فإن نظرته في الحقيقة مغلوطة؛ فحياة الإنسان وأعضاءه لا يمكن تقويمها بأي قيمة مادية. لا أم ولا أب ولا أخ ولا ابن يمكن أن يرضى بقبول الدية بناء على أنها ثمن للدم أو الحياة. ولو سلمنا بذلك، لكان معنى ذلك تعطيل الحكمة التي من أجلها شرعت الدية، وحرمان المجتمع من منافع هذا التشريع.
أما من اعتبر الدية تعويضاً عن الخسارة الاقتصادية، فقد أغفل نقطة جوهرية، وهي أن الحقيقة لا تبنى على بعض الأجزاء فقط، بل لا بد أن تشمل جميع صور الحكم. فكل من تأمل قانون الدية يعلم أنها لا تقتصر على قتل النفس فقط، بل تشمل كذلك أعضاء البدن كالأذن، والأنف، والعين، والسن، وحتى إصبع اليد أو القدم.
ومن المعلوم أن فقدان كثير من هذه الأعضاء لا يترتب عليه خسارة مادية مباشرة. فمثلاً: ضياع ضرس أو إصبع أو إبهام القدم، لا يؤدي إلى ضرر اقتصادي حقيقي. وعليه، فإن هذا التناقض الداخلي يضعف الرأي القائل بأن الدية مجرد تعويض مالي.
فإذا لم يكن هذان الرأيان صحيحين، فما هي حقيقة الدية إذاً؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى تراث العرب الجاهلي، وخاصة شعرهم، إذ إن موضوعات القتل والثأر والدية كانت حاضرة بقوة في أشعارهم، لما كان لهذه الوقائع من حضور يومي في حياتهم. ورغم أنهم كانوا عادة ما يعيبون على من يقبل الدية ويدفعونه إلى الثأر، فإننا نجد في بعض المواضع، حيث يغيب البعد الانفعالي، أن حقيقة الدية تظهر بوضوح في أشعارهم.
فقد كانوا يستخدمون في وصف الدية ألفاظاً مثل "غرامة" أو "مغرم"، وهما مصطلحان يستخدمان بنفس الدلالة التي نستخدم فيها في لغتنا المعاصرة كلمتي "تاوان" أو "غرامة". فكل مال يؤخذ من الجاني كعقوبة على جريمته كان يسمى عندهم غرامة. وقد قال زهير بن أبي سلمى:
وظل هذا المفهوم سائداً حتى في العصور اللاحقة، كما يظهر في شعر الشاعر الأموي عجير السلولي، حيث قال:
وهذا كله يبين بجلاء أن الدية ليست ثمناً للنفس، ولا تعويضاً عن خسارة مادية تلحق بورثة القتيل، بل هي في حقيقتها غرامة جزائية تفرض على الجاني في حالتين اثنتين: إحداهما إذا عفي عنه في القتل العمد، فتكون الدية بديلاً عن القصاص؛ والأخرى في حال القتل الخطأ، فتكون الدية حينئذ واجبة أصالة.
[١٩٨٧م]
_______________
