[كُتب هذا ردًّا على المقال الذي نشره الدكتور محمود الحسن تحت العنوان نفسه في صحيفة "نوائے وقت" بتاريخ 13 ديسمبر 1987م.]
من بين المجلّدات التسعة الضخمة لتفسير أستاذنا الإمام أمين أحسن الإصلاحي الموسوم بـ"تدبر القرآن"، استخرج الدكتور محمود الحسن نقيصتين في بعض موضوعاته. وقد كنا قد أوضحنا موقفنا بشأن حكم الرجم في مقالات سابقة. أما فيما يتعلق بتفسير سورة الفيل، فنود هنا أن نبسط القول ببعض الملاحظات.
التفسير الشائع لهذه السورة أن حاكم اليمن أبرهة خرج في عام ٥٧٠ أو ٥٧١ للميلاد على رأس جيش قوامه ستون ألف جندي، وبرفقته ١٣ فيلًا (وبحسب بعض الروايات ٩)، قاصدًا هدم الكعبة. فلما أدرك أهل مكة عجزهم عن مواجهة هذا الجيش العرمرم، لجؤوا إلى الجبال بقيادة زعيمهم عبد المطلب. وعندها، ظهرت جنود الله القاهرة على هيئة طيور تحمل في مناقيرها ومخالبها حجارة من سجيل، فأمطرت بها جيش أبرهة، حتى صاروا في وادي محسر كالعصف المأكول.
غير أن صاحب "تدبر القرآن" يخالف هذا التفسير، وأهم ما استند إليه في ذلك أن هذه الرواية تتعارض مع السنن الإلهية التي قررها القرآن في مواضع عدة بشأن نصر الله لعباده المؤمنين، وأن كل تفسير يؤدي إلى تناقض في مقاصد القرآن لا يمكن قبوله بحال. ويقول:
"إن الذين اتهموا قريشًا بالجبن والخذلان يفهمون من هذه السورة أن الله تعالى هو حامي هذا البيت، وأن حماته ولو فروا منه خوفًا من العدو، فإن الله سيتكفل بحمايته. فحينما هربت قريش إلى الجبال خوفًا من جيش أبرهة، بعث الله طير الأبابيل لتقذفهم بحجارة من سجيل حتى صاروا كالعصف المأكول. لكن، إن كان هذا هو ما تعلّمه السورة، فإن هذا التعليم يناقض سنة الله الثابتة. فليس من سنة الله أن يجلس العباد في بيوتهم ويقولوا كما قال بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [413]، ثم يأتيهم النصر مهدًى دون بذل أو جهاد، ويجلسون على عروش الانتصار دون عناء. ولو كانت هذه سنة الله، لكان الأولى أن يجريها على بني إسرائيل، لكن الله عاقبهم على جبنهم بأن جعلهم يتيهون في الصحراء أربعين سنة. سنة الله، كما يظهر من القرآن، هي أن ينصر من يقوم بواجبه ويقف في الميدان، ولو كان عددهم قليلًا ووسائلهم محدودة. وقد بيّن القرآن في سور مثل البقرة والتوبة والحج مسؤوليتنا تجاه البيت الحرام، وهي أن نبذل غاية ما في وسعنا في سبيل حريته وحمايته، وسيساعدنا الله، لا أن ننتظر طيور الأبابيل لتقوم بالمهمة عنا. ومهما يكن، فإن قريش قد أدت ما استطاعت، وإن كان دفاعها ضعيفًا، فقد قواه الله بريح صرصر عاتية، حتى هلك أعداؤهم كما يداس التبن اليابس. ومثل هذا ما جرى في بدر، حيث رمى النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب على المشركين، فكانت سببًا في اضطرابهم وهزيمتهم، وقد قال الله في ذلك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾[414]."[415]
الخلاصة التي يقدمها صاحب "تدبر القرآن" في تفسير هذه السورة هي أن أهل مكة، وإن كانوا قد لجؤوا إلى الجبال في ذلك الحين، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك فرارًا من الدفاع ولا تخليًا عن حماية البيت الحرام، بل لأن هذه كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم لمواجهة جيش أبرهة الجرار.
فلما اقتربت جيوش أبرهة من منى، حاول أهل مكة صدهم برشق الحجارة من خلف الجبال، فكان هذا هو أقصى ما استطاعوا فعله في سبيل الدفاع. وقد بارك الله هذه المحاولة، وأرسل عليهم ريحًا عاتية اجتاحت الجيش، حتى تحوّل وادي محسر إلى مقبرة لجثث الجنود، تتخطفها الطيور الجارحة وتنهشها. وبناءً على هذا الفهم، ترجم الإمام الإصلاحي السورة على النحو الآتي:
"أفلا ترى كيف صنع ربك بأصحاب الفيل! ألم يفشل تمامًا تدبيرهم؟! وألم يرسل عليهم أسرابًا من الطير؟! كنتم تقذفونهم بحجارة من نوع حجر الطين المحترق، حتى جعلهم الله كالعصف المأكول."[416]
كان حريًّا بدكتورنا الفاضل محمود الحسن أن يكتفي بفهم هذا التفسير على وجهه الصحيح، غير أنه اختار أن يكتب ردًّا عليه، فانظر كيف عارضه بقدر ضئيل من الفهم والعلم. يقول إذا كان معنى ﴿ترميهم﴾ هو "كنتم تقذفونهم بالحجارة"، وكان المخاطبون بها هم قريش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لكونه من قريش، سيكون مشمولًا بهذا الخطاب، في حين أنه لم يكن قد ولد بعد عند وقوع حادثة الفيل!
لكن، لو تأمل حضرته قليلًا، لأدرك أن هذا الأسلوب في الخطاب ليس جديدًا في القرآن، بل هو أسلوب مألوف، يخاطب فيه الأحفاد بما وقع لآبائهم، باعتبار وحدة الجماعة واستمرار شخصيتها الاعتبارية. فلتقرأ، إن شئت، قول الله تعالى في سورة البقرة:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾.[417]
إن أوائل المخاطبين بهذه الآيات هم يهود المدينة، ولا نظن أن دكتورنا الغالي يخالفنا في هذه المسألة. فحين كان فراعنة مصر يذبحون أبناء بني إسرائيل ويستحيون نساءهم، وحين أنقذهم الله من بطش أولئك الطغاة، وشق لهم البحر، ثم أغرق فرعون وجنوده وهم ينظرون، وحين واعد الله نبيهم أربعين ليلة، ثم عبدوا العجل من بعده، لم يكن من بين يهود المدينة أحد قد ولد آنذاك.
فهل يجرؤ أحد على أن يغيّر كل "أنتم" و"كم" الواردة في هذه الآيات إلى "هم" و"هم" بحجة أن المخاطبين لم يشهدوا تلك الأحداث؟ إن من البديهي في اللغة أن الخطاب عندما يوجّه إلى جماعة أو أمة بوصفها كيانًا متصلًا عبر التاريخ، لا ينظر إلى التواريخ الفردية لمواليد أعضائها. فإذا قلنا "يا مسلمون، أنتم الذين خرجتم من صحراء الجزيرة تحملون نور الإيمان"، ثم قام أحد الحاضرين بالاعتراض قائلًا "عن أي قوم تتحدثون؟ أجدادنا أنفسهم لم يكونوا قد ولدوا آنذاك!"، فليخبرنا دكتورنا الفاضل، ما هي حكمة مثل هذا الاعتراض، وما هو تقييمه لعقل صاحبه!
ثم إن دكتورنا الغالي كتب أنه لم يرَ في كلام العرب استخدام المفرد الحاضر مخاطبًا الجماعة بصيغة الجمع الحاضر. وهذه ملاحظة عجيبة حقًا، وليس من السهل أن نجد علاجًا مناسبًا لمثل هذا النقص في الاطلاع اللغوي. فهذا الأسلوب، في الواقع، من أكثر أساليب اللغة العربية ورودًا، سواء في القرآن أو في الشعر العربي.
بل إن أهل العربية المتمكنين يعلمون أن هذا الأسلوب يستخدم تحديدًا عندما يراد توجيه الخطاب إلى كل فرد من أفراد الجماعة على حدة، لا إلى الجماعة بوصفها كلًّا واحدًا فحسب. ففي سورة لقمان، الآية ٣١، وسورة إبراهيم، الآية ١٩، وسورة الشعراء، الآية ٢٢٥، ورد التعبير ﴿ألم ترَ﴾. وفي سورة البقرة، الآية ١٠٦ ﴿ألم تعلم﴾. وفي سورة المائدة، الآية ٨٢ ﴿لتجدنّ﴾. وفي الآية ٨٣ ﴿ترى﴾. وفي سورة الفتح، الآية ٢٩ ﴿تراهم﴾. وفي سورة الإسراء، من الآية ٢١ إلى ٤٠، نجد ﴿لا تجعل﴾، ﴿لا تقف﴾، وغير ذلك من الأمثلة.
كل هذه الأمثلة التي سبقت تعد من أساليب الخطاب الموجّه إلى غير المعيّن، وهو ما يعرف في علم البلاغة بـ"الخطاب لغير المعيّن"؛ أي أن المتحدث يوجه الكلام إلى شخص غير محدد المقصود، يراد به جمهور المخاطَبين جميعًا. ومن الشواهد الشعرية على هذا الأسلوب قول طرفة بن العبد:
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد
وكذلك قول شاعرنا محمد إقبال:
یہ ایک سجدہ جسے تو گراں سمجھتا ہے ہزار سجدے سے دیتا ہے آدمی کو نجات
ترجمة: هذا السجود الواحد، الذي تراه أنت ثقيلاً، يمنح الإنسان النجاة من ألف سجود.
فهل سيقول دكتورنا الغالي محمود الحسن إن الضمير "أنت" هنا، بصيغة المفرد، لا يمكن أن يكون موجّهًا إلى الأمة المسلمة، لأنه لم يسبق بذكرها في هذا المقطع؟ وهل سيفترض أن المخاطب هو أحد جلساء إقبال كالسيد نذير نيازي أو مياں محمد شفيع؟ وهل سيتذرّع بأن قواعد اللغة الأردية لا تجيز اعتبار "الأمة" مخاطبة بصيغة المفرد؟
لو صحّ هذا المنهج في قراءة النصوص، فلن تبقى لدينا بلاغة شعرية، ولا أسلوب خطابي، ولا خطاب قرآني يمكن فهمه على نحو جماعي. ثم يقول دكتورنا الغالي إن عبارة "أرسل على" لا تستخدم في القرآن إلا في سياق العذاب الإلهي. ونظن أن هذا القول أيضًا ناتج عن نقص في التتبع، لا عن قصور في الفهم بالضرورة. فمن المعلوم لكل طالب علم بالقرآن، أن هذه العبارة لم ترد فقط في سياق العذاب، بل جاءت كذلك في مواضع تشير إلى تسليط شيء أو جهة على أخرى، كما في قوله تعالى في سورة مريم:
﴿اَلَمْ تَرَ اَنَّا اَرْسَلْنَا الشَّیٰطِیْنَ عَلَی الْکٰفِرِیْنَ تَؤُزُّھُمْ اَزًّا﴾.[418]
أما فيما يتعلّق بمعنى الآية الكريمة في سورة الفيل، فإن الإمام أمين أحسن الإصلاحي يبيّن في تفسيره "تدبر القرآن" أن المقصود من التعبير "فجعلهم كعصف مأكول" هو تصوير حالة الخراب التام والذل والمهانة التي لحقت بجيش أبرهة. فيقول:
"هذه العبارة كناية عن الدمار والهوان والخذلان الذي لحق بجيوش أبرهة. فقد دمّرهم الله بقدرته الكاملة حتى لم يبق أحد لرفع جثثهم من ساحة المعركة، وبقيت أجسادهم مطروحة على الأرض. ثم أرسل الله عليهم طيورًا جارحة التهمت لحومهم، ونقّت وادي مكة من تعفّن أجسادهم."[419]
وقد لا نعرف على وجه اليقين موقف دكتورنا الغالي محمود الحسن من هذا التأويل، ولكن كل من له ذوق باللغة العربية وأدبها يدرك مدى ملاءمة هذا المعنى للألفاظ الواردة في الآية. لقد استعمل القرآن الكريم تعبيرًا بليغًا شاع في كلام العرب، حيث يستخدمون صورة الطيور التي تحوم فوق الجثث كناية عن الهزيمة الساحقة والخذلان الكامل للعدو. ومن شواهد هذا الأسلوب ما قاله الشاعر مرار بن منقذ:
أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعا
ثم يقول دكتورنا الغالي محمود الحسن: إذا كان الله تعالى قد دمّر جيش أبرهة بريح عاصفة (حاصب)، كما جاء في تفسير "تدبر القرآن"، فما علاقة رمي قريش بالحجارة بهذا الحدث؟
كنا نظنّ أن دكتورنا الغالي، قبل أن يشرع في كتابة نقده، قد اطّلع على تفسير الإمام حميد الدين الفراهي، إذ هو الأصل في منهجية تفسير "تدبر القرآن". غير أن هذا الاعتراض يكشف بوضوح أنه، كسائر المسائل، لم يرجع إليه، وإلا لما غاب عنه هذا الربط الجوهري. فالإمام الفراهي يقول في تفسيره:
"كانت قريش ترمي جيش أبرهة بالحجارة لطرده عن الكعبة، فأنزل الله عليهم حجارة من السماء في هذا السياق ذاته، كما نسب في بدر رمي الحصباء إلى النبي بقوله ’ولكن الله رمى‘ فكذلك هنا، فإن جعل الكفار كالعصف المأكول نسب إلى قوة الله القاهرة. وهذا من أعظم المعجزات، لأن قريش لم تكن تملك من القوة ما يمكّنها من تفكيك جيش أبرهة أو دفعه إلى التراجع، فتمّ النصر بقوة الله، عبر وسيلة ظاهرة لهم."[420]
ثم يستغرب دكتورنا الغالي من استخدام عبارة "الطيور آكلة اللحوم"، ويبدو في نظره أن هذا التركيب مستنكر أو غير مألوف. والحقيقة أن هذا الاعتراض لا يظهر إلا استخفافًا بحدود المعرفة، وجرأة في النقد دون تتبّع واستقصاء كاف. كنا نحسب أن الأمر يقتصر على ضعف في إدراك أساليب اللغة العربية، فإذا بنا نفاجأ بأن العربية ليست وحدها محلّ الضعف، بل حتى اللغة الأردية التي كتب بها اعتراضه.
فلو تفضّل دكتورنا الغالي قبل تسجيل هذا الاعتراض، بالرجوع إلى أحد معاجم اللغة الأردية، لعلم أن كلمة "چِڑیاں" (بمعنى ’الطيور‘ في اللغة الأردية) لا تقتصر في الاستعمال الفصيح على الأطيار الصغيرة التي تزقزق في البيوت، بل تستخدم كذلك بلا حرج في وصف النسور، والصقور، والعقبان، والرخم، وكل ما يطير وله مخالب ويفترس.
ثم يسأل دكتورنا الغالي، ما مصدر التفسير الذي قدّمه الإمام أمين أحسن الإصلاحي لسورة الفيل؟
وجوابنا، بكل احترام، أن مصدره هو القرآن الكريم نفسه. فالأستاذ أمين أحسن الإصلاحي لا يقيم وزنًا لتفاسير الأسلاف إن لم تستند إلى اللفظ القرآني، والنظائر الموضوعية، وسياق النظم. فإن تبيّن له المعنى الصحيح من داخل النص القرآني، فإنه لا يعارضه بأثر لم يثبت، أو برواية لا تنهض بالحجة.
ثم يعترض دكتورنا الغالي بأن الإمام الفراهي يرى أن رمي الجمرات في الحج هو امتداد لذكرى رمي قريش لجيش أبرهة، ويتساءل: لماذا لا تؤدّى هذه الشعيرة في وادي محسر تحديدًا، بدلًا من منى؟ ولماذا تستخدم الحصى الصغيرة لا الصخور الكبيرة؟
والجواب على ذلك، أن الروايات تثبت أن الرمي يقع في منطقة "المحصب"، وهي جزء من مشعر منى، فلا وجه لهذا الاعتراض. أما ما يتعلق بحجم الحصى، فنتساءل نحن بدورنا، هل في السنّة النبوية ما يدل على أن إبراهيم عليه السلام رمى الشيطان بنفس ترتيب الجمرات، وبنفس عدد الرميات، ومع التكبير، وفي ثلاثة أيام متتالية، وبهذا التحديد الزماني والمكاني؟
فإن كان دكتورنا الغالي يطالب بمطابقة رمزية شعيرة الحج لكل تفصيل تاريخي مزعوم، فهل هو قادر على إثبات تلك التفاصيل كما هي؟ ومع ذلك، لا يتورّع عن القول إن صاحب "تدبر القرآن" قد استخدم القياس في مسائل التاريخ، واصفًا عادةً من عادات قريش بـ"السنّة"، وأنه تجاهل روايات ابن إسحاق وأشعار الجاهليين!
إن اعتراضات دكتورنا الغالي، شأنها في ذلك شأن اعتراضاته السابقة، ليست سوى ثمرة التعجّل في الكتابة دون تمحيص. فقد أغفل أن الأستاذ الإمام، حين جعل مرجع الضمير في ﴿ترميهم﴾ هو قريش، إنما استند في ذلك إلى نص القرآن نفسه، لا إلى قياس أو اجتهاد محض؛ فأين موضع القياس مع وجود النص؟
ثم إن مفهوم "السنّة" في الشريعة لا يقتصر على ما ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً، بل يشمل ما صدر عن الأمة وأقرّه النبي بتصويبه أو بسكوته، وقد أقرّ الإسلام من سنن السابقين ما لم ينسخ، وجعل له نفس الاعتبار.
أما ما قاله دكتورنا الغالي بشأن إهمال الروايات التاريخية وأشعار الجاهليين في تفسير سورة الفيل، فيبدو أنه كتب دون الرجوع إلى تفاسير المدرسة الفراهيّة. وإلا لأدرك أن الإمام حميد الدين الفراهي قد نقل تلك الروايات والأشعار في تفسيره، ولم يهمل منها شيئًا ذا بال، بل اختار منها ما وافق القرآن، وترك ما لم ينهض بالحجية، وأوضح منهجه وعلل اختياره بدقة علمية يحمد عليها.
وهكذا، فإن ما يسميه دكتورنا الغالي محمود الحسن "أخطاء في المضامين" في آراء الإمام الفراهي وتفسير "تدبر القرآن"، لا يصمد عند الفحص العلمي، بل يكشف عن ضعف في الحجة وبعد عن التحقيق الرصين. ولا يسعنا إزاء هذه الاعتراضات الواهية إلا أن نخاطبه بقول الشاعر محمد إقبال:
تری نگاہ فرومایہ ہاتھ ہے کوتاہ ترا گنہ کہ نخیل بلند کا ہے گناہ
ترجمة: نظرك القاصر لا يبلغ العلى، فذنبك هذا، لا ذنب النخلة الطوال!
[١٩٨٧م]
_______________
