[كتبت هذه المقالات ردًّا على الانتقادات التي وجهت إلى موقف الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي بشأن عقوبة الرجم، كما بيّنه في تفسيره "تدبّر القرآن".]
______ ١ ______
فيما يتعلق بعقوبة الزنا، فإن الحكم القطعي في هذا الشأن قد ورد في سورة النور من القرآن الكريم، حيث نصّ الكتاب العزيز على أن الزاني والزانية، كلًّا منهما، يجلد مئة جلدة. ولا شك أن هذا الحكم، من حيث أسلوبه، يتطلب كثيرًا من الشرح والتوضيح. غير أن ما فعله فقهاؤنا في هذا الباب كان أمرًا غريبًا؛ فقد ذهب الأحناف إلى أن هذه العقوبة خاصة بالزناة غير المتزوجين، أما المتزوجون فإن العقوبة في حقهم، بحسب رأيهم، لم ترد في القرآن، بل وردت في السنة، وهي الرجم أي الرمي بالحجارة حتى الموت. وهذا الرأي نفسه تتبناه المذاهب الشافعي والمالكي كذلك في ما يخص الزناة المحصنين (المتزوجين). أما الزناة غير المتزوجين، فإن كلًّا من الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام داود، وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، يرون أن عقوبتهم مأخوذة أيضًا من السنة، وتتمثل بحسب رأيهم في مئة جلدة، إضافة إلى النفي عن البلد لمدة عام، سواء كان الزاني رجلًا أو امرأة. الإمام مالك، والإمام الأوزاعي، يريان أيضًا أن عقوبة الزاني البكر من الرجال هي مئة جلدة والنفي مدة عام. أما الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري، فلا يتفقون مع هؤلاء في ما يخص الزاني المحصن؛ فبحسب تحقيقهم، يجلد الزاني المحصن مئة جلدة وفقًا للقرآن الكريم، ثم يرجم اتباعًا للسنة. إن التأمل في هذه المذاهب المختلفة لفقهائنا في مسألة عقوبة الزنا يبيّن أنهم قد أضافوا إلى العقوبة التي نصّ عليها القرآن من خلال السنة، أو خصّوها بالبكر من الرجال والنساء. فهناك فريق من الفقهاء يرى أن هذا تخصيص، بينما يعبّر عنه فريق آخر بأنه نسخ. ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى أن الفريق الأول يفهم من مصطلح "التخصيص" معنًى يعتبره الفريق الثاني "نسخًا"، بينما يستخدم الفريق الثاني مصطلح "النسخ" لحالات متعددة يطلق عليها الفريق الأول اسم "تخصيص". وعلى كل حال، سواء سمّي ذلك نسخًا أو تخصيصًا، فإن الدليل عليه مأخوذ من السنة، ومن هنا يبرز السؤال الطبيعي:
هل يمكن للسنة أن تحدث مثل هذا التغيير في حكم من أحكام القرآن الكريم؟
وبصرف النظر عن الخلاف في المصطلحات، فإن من المؤكد أن فقهاءنا قد أجابوا عن هذا السؤال بالإيجاب المطلق. ونحن لا ننكر أن هؤلاء الأئمة كانوا من كبار العلماء المعروفين في الدين، لكن الحقيقة أيضًا أنهم لم يسعوا لفرض رأيهم بناءً على مكانتهم أو مكانة غيرهم من العلماء الكبار، بل ناقشوا ذلك بالدليل والحجة. بل إن كل واحد منهم، حين عرض هذا الموقف في كتبه، بيّن أيضًا دلائله العقلية والنقلية. ومن الواضح أن الحديث إذا كان قائمًا على الدليل، فإن القبول أو الرفض لا بد أن يكون على أساس الدليل أيضًا. فإذا كان الدليل قويًا، فعلى كل من يطلب الحق بإخلاص أن يقبله، وإذا كان الدليل ضعيفًا، فعلى طالب الحق أن يرده بكل قوة، حتى لو صدر من كبار العلماء من السلف أو الخلف. فإذا كنت تريد إقناع الناس بشيء من خلال الدليل، فعليك أن تعترف بحق الآخرين في رفضه على أساس الدليل نفسه. فالعلم والاستدلال ليسا حكرًا على جماعة دون أخرى، ولا خاصية لعصر دون عصر.
وإذا كان من حق من سبقونا أن يضعوا أصلًا من الأصول، فإن من حقنا أيضًا أن نبطل ذلك الأصل إذا توفرت لدينا الأدلة على بطلانه. ولا يعلو على النقد شيء إلا الكتاب والسنة، وتأويلهما وشرحهما حق لكل من يكتسب الأهلية لذلك. فالذين سبقونا كانوا بشرًا، ونحن أيضًا بشر، ومن بين البشر لا يملك العصمة إلا الأنبياء، وهم وحدهم من يجب قبول قولهم دون نقاش أو اعتراض. باعتبارنا طلابًا في الدين، يمكننا أن نقول بكل ثقة، إننا درسنا كتب هؤلاء الأعلام مع مراعاة مكانتهم العلمية، واطلعنا على كل ما يعد من الأمهات في هذا الفن مما يتعلق بهذا الموضوع. ولكن بما أن هؤلاء جميعًا ليسوا أنبياء، فقد تجرأنا على دراسة صحة أدلتهم من عدمها. وبعد سنوات من الدراسة والتأمل والتفكر، وعلى الرغم مما نحمله في قلوبنا من احترام وتقدير عميق لجهودهم العلمية، فإننا مضطرون للقول إن كل الأدلة التي قدموها في تأييد هذا الموقف مبنية على مغالطات منطقية، وهي في غاية الضعف. ولهذا، فإننا نرى أن هذا الأصل القائل إن السنة يمكن أن تُحدث تغييرًا أو تعديلًا في أحكام القرآن الكريم، لا يصح لا من جهة العقل ولا من جهة النقل. وبما أن فقهاءنا قد بنوا حجتهم في مسألة رجم الزاني على هذا الأصل، فإننا نرى أن من الأفضل، قبل نقد أقوالهم الفرعية الأخرى، أن نبيّن خطأ هذا الأصل، لأن نقض الأصل يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الفروع التي بنيت عليه.
العلاقة بين السنّة والقرآن
السنّة هي المصدر القطعي الثاني للدين بعد القرآن الكريم. ونحن نرى أن هذا الأصل يعدّ حقيقة علمية لا يمكن إنكارها. فالقرآن في هذا الشأن واضح تمامًا؛ إذ يقرّر أن أوامر وتعليمات محمد صلى الله عليه وسلم واجبة الطاعة إلى يوم القيامة، تمامًا كما أن القرآن نفسه واجب الطاعة. لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مجرّد ناقل لرسالة الله ينتهي دوره بعد تبليغ الكتاب، بل إن كل قول أو فعل يصدر عنه، بصفته رسولًا، يعدّ في حد ذاته حجة شرعية ومصدرًا تشريعيًا. ولم يمنحه هذا المقام إمام أو فقيه، بل القرآن نفسه هو من قرر له هذه المنـزلة. ولا يمكن لأيّ شخص أن يطعن في هذه الحجية التشريعية للسنة ما لم ينكر القرآن صراحة. فالقرآن قد قرر بصيغة لا لبس فيها وجوب الطاعة الكاملة لكل أمر ونهي يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في شؤون الحياة كافة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.[1]
إن أوامر السنة ونواهيها قد تتعلق بنوعين من الشؤون:
أولًا: ما سكت عنه القرآن الكريم تمامًا، ولم يذكره تصريحًا ولا تلميحًا.
ثانيًا: ما ذكر فيه القرآن الكريم حكمًا نفيًا أو إثباتًا، أو أصّل فيه قاعدة من القواعد.
ففي النوع الأول، إذا وصلنا من خلال السنة حكم أو قاعدة، فلا مجال للنقاش أو الخلاف فيها من حيث الأصل. فمثل هذه الأمور تعتبر السنة فيها مصدرًا ومرجعًا قائمًا بذاته، ودورنا تجاه هذه المسائل ينحصر في فهم مقصودها وتحديد دلالتها، ثم الالتزام بها والعمل بها دون تردد. أما النوع الثاني، أي المسائل التي قدّم فيها القرآن الكريم حكمًا أو قاعدة، فإن الأمر فيها محسوم تمامًا، وهو أن السنة لا يمكنها أن تنسخ حكمًا من أحكام القرآن الكريم، ولا أن تحدث فيه أي تغيير أو تعديل من أي نوع. القرآن الكريم لم يمنح السنة هذا الحق، ولا يحق الآن لأي إمام أو فقيه أن يحاول إثبات هذا الحق للسنة من تلقاء نفسه. فإن مسألة التغيير أو التبديل في أي حكم من أحكام القرآن ليست من المسائل البسيطة التي يمكن الحكم فيها بناءً على القياسات العقلية. وإذا قيل إن السنة تملك مثل هذا الحق، أي حق نسخ أحكام القرآن أو تعديلها، فلا بد من تقديم نصوص قرآنية واضحة وقاطعة لإثباته. ولا يمكن إثبات هذا الحق للسنة من خلال دليل دون هذا المستوى من القطع واليقين. فإن قلنا إن السنة لا تملك حق نسخ حكم من أحكام القرآن الكريم أو تغييره بأي وجه من الوجوه، فحسبنا في إثبات ذلك أنه لا توجد في أي آية من آيات القرآن بين دفّتي المصحف ما يدل على منح السنة هذا الحق. وكل من يدّعي أن السنة تملك هذه السلطة، فعليه أن يبيّن:
هل يمنحها هذا الحق من عند نفسه؟ أم أن القرآن هو الذي منحها ذلك؟ فإن كانت الأولى، فلا قيمة لقوله في الدين. وإن كانت الثانية، فعليه أن يثبت دعواه من القرآن. أما الأدلة العقلية والنقلية التي استخدمها السابقون لإثبات هذا القول، فإن شاء الله، سنقوم بتوضيح ضعفها لاحقًا. المراد هنا فقط التنبيه إلى أن الأمور التكوينية أو التشريعية، إذا منح فيها أحد حقًا أو سلطةً في مملكة الله، فلا بد أن يقدّم لذلك أمر تفويض من القرآن الكريم. فلا يمكن إثبات سلطة لأحد من خلال أقوال فلان وفلان، إذا لم يمنحه القرآن تلك السلطة، كما لا يمكن نفي سلطة قد أثبتها له القرآن الكريم. وباعتبارنا طلابًا للقرآن، نقول بثقة وبدون تردد: إن القرآن الكريم لم يذكر في أي موضع أن للسنة مثل هذه السلطة. بل على العكس، فإن القرآن يصرّح بوضوح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يغيّر أو يزيد شيئًا في ألفاظ القرآن أو معانيه من عند نفسه، بل هو ملزم بأن يبلّغ ما أوحي إليه، وأن يلتزم في جميع الأحوال بأحكامه. وقد قال الله تعالى:
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.[2]
أما المعارضات التي قدّمها بعض العلماء حول دلالة هذه الآية، فسنجيب عنها، إن شاء الله، في المباحث القادمة. لكن ما يجب أن يكون واضحًا هنا هو أن ثبوت سلطة النسخ أو التغيير في أحكام القرآن للسنة، كما ذكرنا أعلاه، لا يمكن أن يكون إلا من خلال دليل إيجابي صريح. وأما نفي دلالة هذه الآية وغيرها من الآيات المشابهة على هذا الموضوع محل البحث، فليس كافيًا لإثبات مثل هذه السلطة للسنة. فالقرآن هو كلام ملك السماوات والأرض، وقد بيّن في مواضع كثيرة منزلته، وأنه هو الفرقان، أي المعيار والميزان. فلا شيء يحكم به على القرآن، بل هو الحكم على كل ما ينسب إلى الله أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأرض.
والرسول صلى الله عليه وسلم تابع لأحكامه، ولا يملك صلاحية التغيير أو التبديل فيها. إذن، بعد نفي سلطة النسخ أو التعديل للسنة، فإن أقصى ما يمكن أن يقال في هذا السياق هو، أن السنة توضّح وتبيّن القرآن. والآية التي تقدّم عادة في هذا الشأن هي قول الله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.[3]
المراد من الآية أن خالق الكون أنزل هذا الوحي على النبي فقط لكي يبيّنه للناس. وبمعنى آخر، فإن "التبيين" أو "البيان" هو من مسؤوليات النبي صلى الله عليه وسلم المنصوصة، وهو أيضًا حقّ منحه الله له. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن النبي صلى الله عليه وسلم "مُبيِّن للكتاب" بأمر من الله تعالى. وهذه هي العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقد عبّر عنها الإمام الشاطبي، صاحب الكتاب الشهير في أصول الفقه "الموافقات"، بهذه الكلمات:
"إن السنّة إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك، فإن كانت بيانًا، فهي تابعة للمبيّن من حيث الاعتبار... وإن لم تكن بيانًا فلا يعتبر بها إلا بعد ألّا يوجد في الكتاب."[4]
ومن خلال هذا البيان للإمام الشاطبي، يتّضح أن السنة، في كل مسألة سكت عنها القرآن، تعدّ في ذاتها مصدرًا من مصادر التشريع. أما إن كانت هناك مسألة قد ورد فيها حكم في القرآن، فإن السنة لا تملك إلا أن تبيّن هذا الحكم فقط. وفي مثل هذه الأمور، لا تملك السنة أي صلاحية تتجاوز البيان. وبعد هذا التوضيح لاختصاص السنة بالنسبة للقرآن الكريم، فإن المسألة الجديرة بالنظر الآن هي:
ما معنى "التبيين"؟
أولاً: ما هو تعريفه المنطقي الجامع المانع؟
ثانيًا: ووفقًا لهذا التعريف، ما الذي يمكن اعتباره تبيينًا؟
ثالثًا: وما الذي لا يمكن إدخاله تحت هذا المفهوم؟
مفهوم "التبيين"
"التبيين" من الألفاظ المعروفة في اللغة العربية، فإذا تعدّى إلى مفعوله، فإنه يستخدم بمعنى الإيضاح أو الإبانة والتفصيل. وفي الآية موضع البحث، جاء هذا اللفظ متعدِّيًا إلى قوله تعالى ’ما نزّل إليهم‘ ولذلك فإن المعنى المقصود هنا، كما هو الشائع، هو الثاني، أي الإيضاح والتفصيل، وهو ما يعبّر عنه في لغتنا بكلمة "الشرح". وقد استعمل هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن الكريم وكلام العرب على السواء. ومثال ذلك ما ورد في سورة البقرة في قصة بني إسرائيل حين أمرهم الله تعالى بذبح بقرة، فاعتبروا، تهرّبًا من تنفيذ الأمر الإلهي، أن قول الله ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ على الرغم من أن لفظ ﴿بقرة﴾ جاء نكرة مما يدل بوضوح على أن المطلوب هو ذبح أية بقرة، اعتبروه غير واضح. ولهذا طلبوا مرارًا من موسى عليه السلام أن يسأل ربّه شرحًا لهذا الأمر، وكانوا يستخدمون كلمة "يبيّن" في طلبهم هذا. وقد ورد حوارهم في القرآن على النحو التالي:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.[5]
وقال الأعشى ميمون بن قيس في سياق المفاخرة، وهو يذم علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل:
وقال أيضًا في موضع آخر:
فهذان الشاهدان من كلام الأعشى، إلى جانب ما ورد في القرآن الكريم وكلام العرب عامة، يدلان بوضوح على أن لفظ "التبيين" يستخدم في معنى إظهار حقيقة الأمر، وتوضيح المقصود من الكلام، ورفع الخفاء عن الشيء حتى يظهر للعيان. لقد تهرّب بنو إسرائيل من المعنى الواضح للكلام، وحاولوا أن يظهروا أنهم إنما يريدون معرفة مراد المتكلّم، فاستعملوا لذلك مرارًا لفظ "التبيين". ومدح الأعشى في شعره ممدوحه بأوصاف عدّة، فلمّا أنكرها خصومه، بيّنها الأعشى واحدة تلو الأخرى بأدلّتها، حتى ظهرت بعد خفائها، فسمّى ذلك "تبيينًا". إن الله تعالى لما قسّم السنة إلى شهور، والشهور إلى أيام، نشأ لها بداية ونصف، فلمّا خيف ضياع هذه البداية والنصف بسبب تقلّب الأيام، جعل منازل القمر تبيينًا لها. فـ"التبيين" إذًا ليس شيئًا يؤتى به من خارج ويفرض على الكلام أو الأمر أو الشأن، بل هو كنه الشيء الذي يكون موجودًا فيه منذ البداية، فيكشف. وهو مراد الكلام الذي ينشأ معه منذ صدوره، فيوضّح. وهو لازم الشيء الذي يكون كامنًا في حقيقته منذ وجد، فيبرز. فهذه هي حقيقة "التبيين"، لا تزيد عنها ولا تنقص. ولما استعمل هذا اللفظ في آية النحل على كلام الله تعالى، فمعناه هناك لا يكون إلا توضيح القصد الذي كان موجودًا في كلامه منذ البداية.
تعريف "التبيين"
إذا نريد تحديد تعريف دقيق لـ"التبيين" مع مراعاة تامة للمفهوم اللغوي الذي أوضحناه، فيمكننا أن نقول:
"التبيين هو إظهار مراد المتكلم من كلام أنشأه ابتداءً لإيصاله إلى الآخرين."
وهذا هو المعنى الذي نعبّر عنه في لغتنا بكلمة "الشرح". فالشرح لا يكون إلا شرحًا، وكلا أحد يعلم أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على ما يمكن إثباته بأنه مراد المتكلم فعلاً الذي ينسب إليه ذلك الكلام. فإذا عبّرت عن شيء متعلق بكلام ما، ثم ادّعيت أن ما قلته هو شرح لذلك الكلام، فلا يقبل هذا الادّعاء لمجرد قولك، بل كل عاقل سيطالبك بدليل على قولك.
سيسألك:
١. هل تدلّ ألفاظ المتكلم على ما تقول به، بحسب معانيها اللغوية؟
٢. وهل تقتضي تراكيب جمله نحويًا ما بيّنته؟
٣. وهل استنبطتم هذا المعنى من سياق الجمل وسباقها؟
٤. وهل هذه عادته المستمرة في مثل هذه العبارات أن يريد منها ما ذكرت؟
٥. وهل تقتضي الضرورة العقلية أن يكون ما قلته هو مراده؟
فإذا أردتم اعتبار قول ما شرحًا أو تبيينًا لكلام معين، فلابد أن تقدّم دليلًا من هذه الأدلة لإثبات دعواك. فبغير دليل من هذا القبيل، لا يمكن اعتبار شيء شرحًا أو تبيينًا. فكلمتا "الشرح" و"التبيين" تطلبان مثل هذا الدليل بحكم معناهما. ولذلك، فقد عرّف بعض المحققين "التبيين" أو "البيان" بهذه الكلمات:
"هو الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى اكتساب العلم بما هو دليل عليه."[6]
من هذا البحث يتضح أن "التبيين" ليس إلا إظهارًا لذلك الفحوى الذي كان كامنًا في كلام المتكلم منذ البداية. فأيّ تغيير ينسب إلى ذلك الكلام بعد وجوده لا يمكن أن يعد "تبيينًا" أو "بيانًا" أو "شرحًا"، سواء سمّي "نسخًا" أو "تغييرًا" أو "تبديلًا". ومن هنا نرى أن علماء الأصول الذين تنبّهوا إلى هذه الحقيقة اللفظية قد أوضحوها تمامًا في تعريفهم لـ "التبيين". فقد قال الإمام البزدوي في كتابه في أصول الفقه:
"حدّ البيان ما يظهر به ابتداءً وجوده، فأما التغيير بعد الوجود فنسخ، وليس ببيان."[7]
خلاصة البحث
بعد بيان معنى كلمة "التبيين" وتعريفها وتحديد حدودها، لم تبق هناك أي جهة غامضة في أن المنصب الذي منحه القرآن الكريم للسنّة هو منصب الشارح. فالسنّة، بوصفها شارحة، تقوم بكشف مضمرات القرآن، وتبيّن عمومه وخصوصه، وتوضح مقتضياته. وهذا العمل الذي تقوم به السنّة ليس بالأمر الهيّن، بل هو العمل الذي تتكوّن من خلاله صورة الدين، ويتأسس به ارتباطه بأحوال الحياة المختلفة. ومن هذه الجهة، فإن ما يصل إلينا من أحكام السنّة وقواعدها من خلال مصادر مختلفة، فإن اتباعها، كما بيّنا في بداية هذا البحث، واجب علينا، وهي واجبة الطاعة إلى يوم القيامة، تمامًا كما أن القرآن نفسه واجب الطاعة. وقد قال بهذه الحقيقة علماء أصوليّون رزقهم الله نعمة الفقه في الدين. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل، صاحب البيت في الحديث والسنّة، ما يلي:
قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) وسئل عن الحديث الذي يروى أن السنّة قاضية على الكتاب، فقال:
"ما أجرؤ على هذا أن أقوله! السنّة قاضية على الكتاب؟ إنما السنّة تفسّر الكتاب وتبيّنه."
وقال أيضًا:
"لا تنسخ السنّة شيئًا من القرآن. لا ينسخ القرآن إلا القرآن."[8]
وقد أوضح الإمام الشاطبي هذا المعنى نفسه بأسلوب آخر في كتابه "الموافقات"، فقال:
"إن قضاء السنّة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه وطرح الكتاب، بل إن ذلك المعبّر في السنّة هو المراد في الكتاب، فكانت السنّة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾."[9]
ثم أضاف توضيحًا آخر، مستشهدًا ببعض الشروط المتعلقة بعقوبة قطع اليد، مثل معنى كلمة "يد"، ومقدار المال المسروق، وشرط كونه في حرز، فقال:
"فذلك هو المعنى المراد من الآية، لا أن نقول إن السنّة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب، كما إذا بيّن لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول: إنما عملنا بقول المفسّر الفلاني، دون أن نقول: عملنا بقول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا سائر ما بيّنته السنّة من كتاب الله تعالى، فمعنى كون السنّة قاضية على الكتاب أنها مبيّنة له."[10]
مراجعة بعض الأدلّة
وإن كانت هذه المناقشة حول العلاقة المتبادلة بين السنّة والقرآن كافية لأهل البصيرة، فإننا نقدّم هنا، من باب إتمام الحجّة، مراجعة موجزة للأدلة التي استند إليها أولئك الذين يجيزون حدوث تغيير في مضمون القرآن من خلال السنّة. فهؤلاء يقولون: إن الأحكام التي وردت في السنّة وتعدّ ناسخةً للقرآن الكريم، أو تلك التي تؤدي إلى تغيير في فحوى بعض آياته، إنما تستند كلها في الحقيقة إلى "الوحي الخفي"، ولذلك فإن نسخ وحي بوحي آخر، أو إدخال تعديل على مضمونه، لا يمكن استبعاده عقلًا. وعند الرد على من يستدلّ بقوله تعالى:﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾[11] يقول هؤلاء، لا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يغيّر مضمون القرآن من تلقاء نفسه، ولكن إن حصل هذا التغيير بناءً على وحي خفي، فلا يتعارض ذلك مع هذه الآية، ولا يمكن إثارة أي اعتراض عقلي عليه. ويوضّحون وجهة نظرهم على النحو الآتي:
إن "الوحي المتلوّ" (القرآن) و"الوحي غير المتلوّ" (الحديث) بينهما فرق يتمثل في أن أحدهما كان يوحى بمضمونه فقط، والآخر بألفاظه من عند الله تعالى. لكن هذا الفرق في رأيهم ليس جوهريًّا إلى حدّ كبير. ومن هنا، فإن الوحي الخفي والقرآن، في حقيقتهما، شيء واحد. وإذا كان من الممكن أن ينسخ القرآن بالقرآن، فمن الممكن كذلك في نظرهم أن يغيّر مضمونه أو ينسخ حكمه بواسطة الوحي الخفي. بالنظر الأول، يبدو هذا الرأي منطقيًا إلى حدّ ما، لكن الحقيقة أنه عندما يتأمل الإنسان بعين أعمق، يصعب عليه تصديق أن استدلالًا بهذا الضعف قد صدر بالفعل عن مشايخنا الأجلاء في مسألة مثل "نسخ القرآن بالسنة". تأمّلوا! إن الفرق بين الوحي المتلوّ والوحي غير المتلوّ، وهو ما يقرّ به هؤلاء أنفسهم، أن أحدهما يلقى فيه المفهوم فقط، والآخر نزل بألفاظ الله تعالى ذاتها، فهل هذا فرق يسير؟٢[12] لكن، ولحظة واحدة فقط، دعنا نغضّ الطرف عن هذا الفرق ونسأل، هل كان هذا هو الفرق الوحيد بين القرآن والوحي الخفي حتى يجعلوه غير ذي اعتبار، ويقيموا على أساسه دليل "نسخ الوحي بالوحي"، ثم يرضوا بعد ذلك بجواز "نسخ القرآن بالسنة"؟ كل من له أدنى اطلاع على القرآن الكريم يقرّ بأن القرآن لم ينقل إلى الأمة كأقوال متفرقة عن طريق الرواية بالمعنى، بل هو كلام إلهي متّصل، مقسّم إلى أبواب وسور، مرتّب في صورة كتاب. كل آية فيه مرتبطة بما قبلها وما بعدها، محصورة في سياقها وسباقها، ومبنية ضمن نظام شامل. وقد رتّبت آياته على النحو الذي أمر به منزله، وتكفّل خالقه بحفظه بنفسه. وقد بلغ الأمة عن طريق التواتر، مع الالتزام التام بروايته باللفظ، لا بالمعنى. حجّته قاطعة، ودلالة ألفاظه ومعانيه قطعية. ولا يطلق اسم "القرآن" إلا على هذا النص وحده، فهذا هو كلام الله وحده لا سواه. أما ما يصل إلى النبي عن طريق الوحي الخفي، فلا يصبح جزءًا من القرآن، بل يظلّ يعرف بكونه حديث النبي أو سنّته، لا أكثر. هذه كلّها حقائق لا يمكن إنكارها، لا هي جديدة على الحاضر، ولا كانت غائبة عن الناس في الماضي، ولا يمكن أن تكون خافية على أعلامنا الكرام القائلين بـ"نسخ القرآن بالسنة". لكن ما يقال في هذا السياق أنّهم تجاهلوا كلّ هذه الحقائق. فإن كان الفرق بين المتلو وغير المتلو غير معتبر لديهم، فهل كانت هذه الفروقات الجوهرية أيضًا تافهة لدرجة أنّهم صرفوا النظر عنها، وقرّروا أنّ القرآن الكريم والوحي الخفي في الحقيقة شيء واحد؟ إنّ هؤلاء العلماء يجيزون هذا الأمر عقلًا، مع أنّه لا يعقل أصلًا أن ينسخ الوحي الجليّ بوحي خفي، ولا أن تنسخ الرواية باللفظ برواية بالمعنى، ولا أن تلغى القطعية بالظن، ولا أن ينقض كلام الله بقول أو فعل من أقوال وأفعال الرسول.
ومن المؤسف أنّ هؤلاء الأجلاء لم يروا في القرآن أكثر من كونه وحيًا منزّلًا. ولو كانوا بيننا اليوم، لقلنا لهم: دعوا القرآن يخبركم بحقيقته من نفسه، فهو سيبيّن لكم أنّه ليس مجرد وحي متلو، بل هو المهيمن على سائر الوحي، والدليل القاطع في الدين، والمقياس بين الحق والباطل، والفرقان الذي يفرّق به بين ما هو من عند الله وما ليس منه، والميزان الذي أنزله الله في الأرض:﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾[13] وكل شيء الآن يوزن بهذا الميزان، وليس هناك ميزان آخر يوزن به هو. وكل من يدرك مقام القرآن هذا، لا يتردد لحظة في الإقرار بأنّ الوحي الخفي، بل حتى لو كان وحيًا جليًّا، لا يجوز له بحال أن يحدث فيه تغييرًا أو أن ينسخه. وسيسلّم بلا تردد أنّ القرآن لا ينسخه إلا القرآن. لا يمكن لأي شيء خارج القرآن أن يؤثر فيه، ما لم يسمح له القرآن نفسه بذلك. هذا هو الردّ على الدليل الأول الذي يقدّمه هؤلاء العلماء. أما الدليل الثاني الذي يذكرونه، فهو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بما أنّ الله منحه حقّ "التبيين"، و"التبيين" معناه "الإيضاح"، فإنّ قيام النبي صلى الله عليه وسلم بنسخ آية من القرآن أو بتغيير معناها يعدّ من باب "التبيين"، أي أنّه يوضّح بهذه الطريقة أنّ حكم الآية لم يعد باقيًا، أو أنّ معناها قد تغيّر. هذا الدليل باطل من عدّة وجوه، ولكن بما أنّ لدينا دليلًا قطعيًا من القرآن الكريم نفسه، فسنكتفي بعرضه، ونترك مناقشة بقيّة الوجوه.
الآية التي تبيّن هذا "التبيين" وتحدّد وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم فيها هي قول الله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.[14]
فانظر بنظر متأمّل، فإن الفعل ﴿تُبَيِّنَ﴾ قد تعدّى إلى مفعوله ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وكل من له دراية بلغة العرب يعلم أنّه في مثل هذا السياق لا يمكن أن يفهم مجرد الإيضاح، ولا يمكن حمل المعنى على "الإيضاح بشأن ما نزّل إليهم"، أي القرآن، بل لا بد أن يكون المعنى، أن توضّح لهم ما نزّل إليهم، أي أن تقوم بإيضاح القرآن نفسه. ومن البديهي أنّ هناك فرقًا شاسعًا بين "الإيضاح بشأن القرآن" و"إيضاح القرآن". فلو كان المقصود هو "الإيضاح بشأن القرآن"، لكان من الجائز حينئذ أن يشمل ذلك القول بأن آية من القرآن قد نسخت، أو أنّ مضمونًا من مضامينه، المستنبطة من ألفاظه، قد تغيّر. أمّا إن كان المقصود هو "إيضاح القرآن"، فإنّ المعنى حينها لا يتعدى الشرح والتفسير فقط. وقد بيّنا سابقًا أن الشرح لا يكون إلا شرحًا، لا أكثر، ولا يقال عن أيّ شيء إنه شرح إلا إذا أمكن إثبات أنّه بالفعل يعبّر عن مراد المتكلّم من الكلام الذي ينسب إليه ذلك الشرح.
خاتمة البحث
بعد هذا البيان المتعلّق بالعلاقة بين السنّة والقرآن، فلنتأمّل الآن الآية من سورة النور التي ورد فيها بيان عقوبة الزنا. يقول الله تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.[15]
وقد سبق لنا في بداية هذه الدراسة أن ذكرنا أن العقوبة التي بيّنها الله تعالى في هذه الآية لجريمة الزنا، يخصّها فقهاؤنا بغير المتزوجين فقط. أمّا الزاني والزانية المحصنان (أي المتزوجان)، فعقوبتهما عندهم هي الرجم، أي الرمي بالحجارة حتى الموت. ويستدلّون في ذلك بأقوال وأفعال عديدة منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي تثبت، بحسب تحقيقهم، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام عقوبة الرجم في بعض حالات الزنا، لا عقوبة الجلد المذكورة في هذه الآية، وذلك فقط لكون الزاني أو الزانية متزوّجًا.
فإذا سلّمنا بصحة هذا الرأي للفقهاء، فإنّه لا بد أن نقع في تأويل هذه الآية من سورة النور في إحدى عبارتين:
إما أن المقصود من قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ في هذه الآية ليس إلا الزانية غير المتزوجة والزاني غير المتزوج، أي أنّ ألفاظ الآية لا تشمل المحصنين أصلًا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل أكثر من أن يبيّن هذا المعنى الكامن في الآية بأقواله وأفعاله، أي أن ما قام به يدخل ضمن تبيين القرآن، وليس تغييرًا فيه. أو أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى بنفسه الزاني والزانية المحصنين من نطاق هذه الآية، وبهذا يكون قد غيّر المفهوم الذي يدلّ عليه النص القرآني نفسه. أما الاحتمال الثاني، فقد بيّنا في أول هذه الدراسة بشكل واضح أن السنّة لا تملك صلاحية إحداث أيّ تغيير في مفاهيم القرآن الكريم بأيّ وجه من الوجوه. لقد كتبنا ما يلي:
"لا يمكن للسنّة أن تنسخ حكمًا أو قاعدة من أحكام القرآن الكريم، ولا أن تحدث فيه أي نوع من أنواع التغيير أو التبديل. فالقرآن لم يمنح السنّة هذا الحق، ولا يجوز لأيّ إمام أو فقيه بعد ذلك أن يسعى لإثبات هذا الحق للسنّة من تلقاء نفسه. إن مسألة التغيير أو التبديل في أيّ حكم من أحكام القرآن ليست مسألة هينة حتى يصدر فيها حكم بناءً على قياسات عقلية. فإذا كانت السنّة تمتلك مثل هذا الحق، فيجب أن تقدّم لذلك نصوص قرآنية واضحة وقطعية الدلالة تثبت هذا الاختصاص. ولا يمكن إثبات مثل هذا الحق للسنّة عبر أيّ شيء دون هذا المستوى من الدلالة. وإذا كنا نقول إنّ السنّة لا تملك حق نسخ أيّ حكم من أحكام القرآن أو إدخال تغيير عليه بأيّ صورة، فإنّ هذه الحجة وحدها كافية وهي أنّ بين دفّتي المصحف لا توجد آية واحدة تمنح السنّة هذا الحق."
أمّا ما يتعلّق بالأمر الأول، أي اعتبار هذا التفسير شرحًا لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فإننا نستطيع أن نقول بكل اطمئنان، لا مجال لذلك في أساليب البيان في اللغة العربية. فمن كان على دراية بلغة القرآن لا يمكنه أن يتخيّل أن يقصد من قول الله تعالى ’الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي‘ مجرد الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة فقط. فألفاظ الآية، من حيث معناها اللغوي، تنفي هذا التخصيص، وتركيب الجملة وصياغتها يأبيانه، وسياق الكلام لا يقبله، ولا يمكن اعتبار ذلك مرادًا للمتكلم بناءً على دلالة العرف والعادة، بل إن القاضي العقل يحكم بصراحة بعدم جواز ذلك. وباختصار، لا يمكن بأي وجه اعتبار هذا الفهم شرحًا أو تفسيرًا لمقصود القرآن الكريم. فإن كان هذا تفسيرًا، فيمكن إذًا أن يفهم من "الحصان" الثور، وأن تستعمل "الأرض" بمعنى "السماء"، وأن تأخذ "الثريا" بمعنى "الثرى"، وأن يجعل "الشمس" مرادفًا لـ "القمر"، ويستعمل "النور" بدلًا من "الظلمة"! وكل من يتجرأ على اعتبار هذا تفسيرًا، يمكن أن يقال فيه بلا تردد، إنه يطعن في بلاغة القرآن، وينكر فصاحته، ويضعف إبانته. القرآن الكريم هو كلام الله الأزليّ، أجري على لسان أفصح العرب والعجم، وهو حجّة السماء على الأرض، ومحكمة الله للبشر. فلا يمكن لأيّ شخص لديه أدنى إلمام باللغة العربية وأساليبها أن يزعم بأنّ عقوبة الجلد مائة جلدة، إن كانت خاصة بالزاني والزانية غير المتزوجين، يمكن التعبير عنها في كتاب كالقرآن الكريم، الذي يدّعي أنّ الإنس والجن عاجزون عن الإتيان بمثله، والذي نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ بهذه العبارة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ﴾ دون أيّ قرينة من السياق، أو حجة من العرف، أو دليل من العقل. ونحن نقول بكل مسؤولية، لا يمكن تقديم أيّ دليل يثبت هذا القول الأول، ولا يمتلك أحد حجة لتأييد القول الثاني، ولا مجال لطرح احتمال ثالث. ولذلك، لا يمكننا أن نتفق مع رأي الفقهاء في هذا الباب. بل نحن نرفضه رفضًا قاطعًا، وسنبقى مصرّين على هذا الرفض ما لم تقدّم لنا حجة قطعية تنقض استدلالنا هذا. فإن أقيمت علينا الحجة، فبإذن الله، سنرجع عن هذا القول بنفس القوة التي أعلنا بها إنكاره. وما توفيقنا إلّا باللّه.
أساس اختلافنا مع الفقهاء قائم على هذا الموقف، إنّ التأويل الذي قدّمه الفقهاء لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله في هذا الباب، واستنباطهم لحكم الرجم منها، يخالف في نظرنا، كما بيّنا بالأدلّة أعلاه، صريح القرآن الكريم. وأيّ قول يخالف القرآن، ولو نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكن قبوله بأيّ حال من الأحوال.[16] وأولئك الذين يرغبون في الردّ على موقفنا هذا، فإنّ السبيل الصحيح أمامهم هو أن يثبتوا أنّ هذا التأويل الذي تبنّاه الفقهاء يعدّ شرحًا حقيقيًّا للقرآن، أو أن يثبتوا من القرآن نفسه أنّ للسنّة حقّ التغيير أو التبديل في أحكامه. فإذا تمّ لهم ذلك، فلن يكونوا بحاجة إلى تكديس الروايات والآثار لإثبات وجهة نظرهم. بل إن أتوا برواية واحدة فقط بعد هذا الإثبات، فإننا سنذعن لها ونسلّم بها دون تردّد. أمّا إذا استمرّوا في تجاهل هذا الأصل الجوهري لمحلّ الخلاف، ثم قالوا ما قالوا، فكلّ ذلك عندنا لا وزن له ولا اعتبار. وفي هذا الزمن الذي شحّ فيه العلم، قد يعجب الناس بزخرف القول وعديم المعنى من كلامهم، ويظنّونه من روائع البحث والتحقيق، لكن يجدر بهم أن يسألوا أنفسهم، هل يمكنهم حقًّا أن يثبتوا صدق هذه المحاولة أمام محكمة العلم والبرهان، بوصفها محاولة نزيهة وأمينة؟
اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه.
______ 2 ______
بعد ما كتبناه حول العلاقة بين القرآن والسنة في مسألة عقوبة الرجم، يبرز في ذهن كل طالب علم هذا السؤال المهم:
إذا كان رأي الفقهاء في هذا الباب مخالفا للقرآن، فماذا يقال إذا عن عقوبة الرجم التي نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد طبقها على بعض المذنبين، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده؟
هذا هو الإشكال الذي تصدى له في العصر الحاضر العالم الجليل، والباحث المتميز، هو الإمام حميد الدين الفراهي، حيث قدم وجهة نظر تزيل هذا الإشكال الممتد منذ قرون، وتظهر بوضوح أن أمر النبي لا يمكن أن يكون مخالفا للقرآن بأي حال من الأحوال. ومع ذلك، وقبل عرض رأي الإمام الفراهي في هذا الشأن، من المهم أن نبين للباحثين حقيقة الروايات التي استند إليها فقهاؤنا في تدعيم موقفهم.
الروايات
رويت عن عبادة بن الصامت، وقد نقلها الإمام مسلم بهذه الألفاظ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم."[17]
وردت في "الموطأ" للإمام مالك بالنص التالي، قال عمر بن الخطاب:
"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا. والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى، لكتبتها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، فإنا قد قرأناها."[18]
وقد نقلت هذه الرواية نفسها في صحيح البخاري بالنحو التالي:
"إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء."[19]
وردت في سنن النسائي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ونقلت بالألفاظ التالية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، أو رجل قتل رجلا متعمدا فيقتل، أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله عز وجل ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض."[20]
الرواية الرابعة: رواها كل من ابن المنذر وعبد الرزاق، مع اختلاف يسير في الألفاظ، ونقلت في فتح الباري لابن حجر بالنص الآتي:
"البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان."[21]
هذه هي الروايات التي وردت في كتب الحديث بخصوص عقوبة الرجم، وقد رويت بطرق مختلفة. فلنتأملها بعين التدبر. وأول ما يتضح لمن ينظر فيها هو التناقض الظاهري بينها، وهو تناقض لم يتمكن أحد، طوال القرون الثلاثة عشر الماضية، من حله، ولا يبدو أن بالإمكان حله اليوم أيضا.
الرواية الأولى: تشير إلى أن عقوبة الزنا تفرّق بين المتزوج وغير المتزوج. فالجلد والنفي لا يطبّقان إلا إذا كان الزاني والزانية غير متزوجين، أما الجلد مع الرجم فلا ينفّذان إلا إذا كانا متزوجين. بل وتفهم الرواية أيضا على أن الزناة غير المتزوجين يجلدون أولا ثم يرجمون.
الرواية الثانية: تغيب فيها تماما مسألة التفريق بين المتزوج وغير المتزوج، بل يذكر فيها أن عقوبة الرجم تختص بـ"الشيخ والشيخة"، دون أن يعلم إن كان المقصود بذلك مجرد كبار السن، أو من تزوجوا. لكن حين وردت الرواية نفسها في صحيح البخاري، عادت فيها الإشارة إلى الزواج كشرط للعقوبة.
الرواية الثالثة: استبعد منها ذكر الشيوخ، كما سقط فيها الجلد قبل الرجم، ولم يذكر فيها أيضا شرط أن يكون الزانيان متزوجين، وهو الشرط الذي ورد في الرواية الأولى. والحكم الظاهر منها أن الرجل المتزوج يرجم سواء زنى بامرأة متزوجة أو غير متزوجة.
الرواية الرابعة: تختلف عن جميع الروايات السابقة؛ إذ أسقط منها شرط عدم الزواج لتطبيق الجلد والنفي، لكنها خصّت المتزوجين بعقوبة الرجم فقط. غير أن الشيوخ كانوا، بحسب هذه الرواية، أشد الناس تضررا، إذ حكم عليهم أن يجلدوا أولا مئة جلدة، ثم يرجموا بعد ذلك. ويقال في هذا التناقض ما قيل:
ترجمة: على من نثق، وعلى من لا نثق؟ لقد جاء كل واحد من مجلس الدلال بخبر مختلف عن الآخر.
الأمر الثاني الذي يتبين لنا، خاصة من رواية الموطأ للإمام مالك، هو أن القرآن، بحسب ظاهر الرواية، ليس هو كل ما بين أيدينا اليوم، بل إن بعض آياته قد أزيلت منه.
وهذه دعوى في غاية الخطورة، ويبدو أن المنافق الذي اختلقها كان يقصد بوضوح إلى تشكيك الناس في القرآن، وفتح الباب لأهل الفتنة ليخترعوا آيات أخرى مشابهة، ويدخلوا بها عقائدهم وآراءهم في كتاب الله. ثم إن الجملة التي سميت في هذه الرواية "آية من القرآن"، وهي:
"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" فهي من حيث اللغة والأسلوب في غاية الضعف والانحطاط، حتى إن إلصاقها بالمستوى السماوي للبيان القرآني يبدو مستحيلا. بل إن من له ذوق سليم لا يمكنه حتى أن ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فضلا عن أن يجعلها من كلام الله. كما أن القول بأن الآية قد أزيلت ولكن حكمها لا يزال باقيا، هو أمر في غاية السخرية، خاصة إذا علمنا أن هناك آيات لا تزال موجودة في القرآن، رغم أن أحكامها قد نسخت بآيات أخرى. ويتبادل إلى ذهن كل عاقل سؤال واضح:
إذا كانت هذه آية من القرآن ثم أزيلت، فإن ذلك يعني أن حكمها أيضا قد نسخ، فكيف يمكن بعد ذلك الاستدلال بها لإثبات حكم الرجم؟
وقد كتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي، بحق عن هذه الرواية فقال:
"هذه الرواية باطلة تماما، والكارثة أنها نسبت إلى سيدنا عمر بن خطاب رضي الله عنه. ولو أن أحدا تجرأ على روايتها في عهده المبارك، فأنا على يقين أنه لم يكن لينجو من سوط عمر." [22]
النقطة الثالثة التي تتضح من هذه الروايات هي أن أسلوب بيان هذا الحكم الشديد (حكم الرجم) جاء غامضا للغاية، وغير واضح بالمرة.
فعلى سبيل المثال، في الرواية الأولى تم بيان عقوبة الزنا بين رجل وامرأة كلاهما غير متزوجين، أو كلاهما متزوجين. ولكن، ماذا عن الحالة التي يكون فيها أحدهما متزوجا والآخر غير متزوج؟
لم تذكر الرواية أي شيء عن هذه الحالة، بل إن الجملة التي تبدأ بها الرواية توحي بأن الحكم المذكور يخص الزانية فقط. ثم إن عبارة "البكر بالبكر" و"الثيب بالثيب" الواردة في الرواية تعد من حيث اللغة محل نظر إذا أريد بها المعنى المتعارف عليه عادة. فكلمة "بكر" مثلا قد تطلق على غير المتزوج، وقد تطلق أيضا على من لم يمارس الجماع، دون أن يكون متزوجا أو غير متزوج. أما "ثيب" فهي أشد غموضا؛ إذ قد تعني المتزوج، أو من سبق له الزواج، أو من فقد بكارته، وكل ذلك دون دلالة حصرية قاطعة. كذلك فإن لفظي "الإحصان" و"المحصن" المستخدمين في الروايتين الثانية والثالثة بمعنى "الزواج" و"المتزوج"، يعلم كل من له إلمام باللغة العربية أن هذين اللفظين يستخدمان بنفس القدر للدلالة على معان أخرى، مثل:
"الحرية" مقابل "العبودية"، و"العفة" مقابل "الفجور" بل قد استخدما بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم للدلالة على "الإسلام" و"المسلم" أيضا. والأعجب من ذلك أن اللغة العربية تمتلك ألفاظا دقيقة وخاصة لا تستخدم إلا للدلالة على "الزواج" و"المتزوج"، مثل: "متزوج"، و"نكاح"، و"عقد"، ومع ذلك، فإن هذا الحكم الخطير الذي يترتب عليه إعدام إنسان بالرجم، صيغ في هذه الروايات بألفاظ متعددة المعاني، ودون أي قرينة لغوية أو شرعية واضحة تحدد المقصود بدقة. فلو أن شخصا فهم عبارة "زنا بعد الإحصان" على أنها تعني "الزنا بعد نيل الحرية" (أي بعد العتق من الرق)، فما الذي في نص الرواية يمنعه من هذا الفهم؟ لا شيء.
هذه هي حقيقة هذه الروايات التي يستدل بها لتغيير حكم القرآن، واشتقاق حكم الرجم للزاني المتزوج. فانظر إلى هذا الغموض والتناقض فيها، ثم احكم بنفسك:
هل من المعقول أن تقرّ عقوبة بهذه الخطورة، بل حتى لو كانت تتعلق بقتل بعوضة، بهذا الأسلوب الغامض؟ وهل يرضى بذلك إنسان عاقل؟
القضايا
بالإضافة إلى الروايات التي وردت سابقا، فإن ما جاء في كتب الحديث حول هذه العقوبة ليس سوى سرد لوقائع مختلفة لحالات زنا، وقد نقلت بأسلوب متناقض وغامض جدا، من خلال من شاركوا في تلك الإجراءات أو من شاهدوها. وقد رويت هذه الوقائع بشكل غير مكتمل، لا يقدّم أي إجابة قانونية أو منطقية عن الأسئلة التي تثار بخصوص هذه العقوبة من زاوية العدل والإنصاف. غير أن بعض المتفقهة التقليديين في هذا الزمان، وبسبب عدم تمييزهم بين روايات التشريع وسرد وقائع المحاكمات، يقدّمون تلك الوقائع على أنها من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، بل ويعتبرونها في مرتبة الناسخ للنصوص. لذلك، نقدّم هنا تعليقا مختصرا على تلك الوقائع، كيلا يبقى أي لبس أمام طالب الحق في فهم الأمور كما ينبغي.
أول ما يتضح من دراسة هذه القضايا هو وجود التناقض نفسه في العقوبة، كما سبق أن أوضحناه في الروايات. فمثلا، في قضية الرجل والمرأة اليهوديين اللذين رجما كما روى أبو هريرة في سنن أبي داود، إذا فسّرت كلمة "أحصنا" بمعنى "الزواج"، فإن العقوبة تكون، حسب رواية عبادة بن الصامت، بسبب الزنا بين متزوجين. لكن في قضية العامل، رغم تصريح والده بأن ابنه لم يكن متزوجا، فقد أقيم على المرأة حكم الرجم نفسه. وتذكر الرواية، عن أبي هريرة قال:
"زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا."[23]
وقال:
"كان ابني أجيراً لإمرأة هذا وابني لم يحصن." [24]
وبالطريقة نفسها، لم يجلد اليهودي واليهودية مئة جلدة قبل رجمهما، وهو ما حدث أيضا في قضايا ماعز، والغامدية، والعامل.[25] ولكن، هناك رواية عن الإمام أحمد بن حنبل تفيد أن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أقام الحد على امرأة تدعى شراحة، فجلدها يوم الخميس، ثم رجمها يوم الجمعة، وقال:
"جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم."
عن الشعبي إن عليا جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: أجلدها بكتاب الله، وفيما يخص عقوبة الزناة غير المتزوجين، فإن الصورة نفسها تتكرر. في قضية العامل،[26] تذكر رواية البخاري أنه جلد مئة جلدة ثم نفي سنة كاملة. ووفقا لرواية الموطأ،[27] فإن أبا بكر رضي الله عنه أقام نفس العقوبة على أحدهم. كما روى الترمذي[28] نفس الحكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لكن في سنن أبي داود، ترد رواية جابر بن عبد الله التي تفيد بأنه عندما جلد أحدهم مئة جلدة، ثم تبين بعد ذلك أنه محصن، أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه. وهذه الرواية تدل بخلاف ما سبق على أن أمثال هؤلاء الجناة يجلدون فقط، ما لم يكن هناك دليل سابق على الإحصان. وينطبق هذا الحكم أيضا على قضية عمرو بن حمزة الأسلمي، كما وردت في طبقات ابن سعد:
"عن جابر أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم."[29]
وجاء عن عمرو بن حمزة بن سنان، أنه شهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم المدينة واستأذن النبي في الرجوع إلى باديته، فأذن له، فلما كان في موضع الضبوعة، على طريق مكة، لقي جارية من العرب وضيئة، فنزغه الشيطان حتى أصابها، ولم يكن محصنا، ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأقام عليه الحد.[30]
وفي هذين الحادثين، كما ترى، لا يوجد أي ذكر للنفي.
أما المسألة الثانية التي تظهر من هذه القضايا، فهي أن تحقيق النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زواج الجاني غالبا ما عبّر عنه في هذه الروايات بكلمة "الإحصان"، وهي الكلمة التي سبق أن بيّنا أنها لا تقتصر في اللغة العربية على معنى الزواج فقط. ولا شك أن بعض الروايات استخدمت كلمة "الثيب" لهذا الغرض،[31] ولكن اختلاف الروايات يدل بوضوح على أن النقل فيها لم يكن لفظيا دقيقا، ولذلك لا تبقى لدينا وسيلة قطعية لمعرفة اللفظ الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع تحديدا. وبناء عليه، فإن القول بأن عقوبة الرجم قد شرعت لمجرد كون الجاني متزوجا، لا يمكن إثباته بشكل قاطع لا من هذه الروايات ولا من وقائع هذه القضايا.
وأما المسألة الثالثة، فهي أنه إذا كانت عقوبة الزاني المحصن هي الجلد والرجم معا، أو الرجم فقط، وكانت عقوبة الزاني غير المحصن هي الجلد والنفي، فإن السؤال يطرح نفسه:
لمن إذًا خصصت العقوبة التي نص عليها القرآن الكريم وهي الجلد فقط؟
فبعد كل هذا، لا يبقى لموضع هذه الآية في القرآن الكريم أي غرض إلا أن تتلى على مسامع من سيرجمون، لعلها تكون لهم وسيلة لإهداء الثواب!
المسألة الرابعة التي تظهر، هي أنه لا يمكن لأي شخص الآن، وبشكل جازم، أن يدّعي أن هذه القضايا من عهد الرسالة قد عرضت في محكمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الحكم في سورة النور بشأن عقوبة الزنا، أو أنها قدّمت إليه قبل ذلك. فـــ رواية البخاري ومسلم كلتيهما تفيدان بأن هذه المسألة كانت موضع خلاف حتى بين السلف، فقد روي أن الشيباني سأل عبد الله بن أبي أوفى:
"هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول سورة النور أم بعده؟"، فأجابه: "لا أدري."[32]
ويحاول بعض الناس تحديد وقت نزول سورة النور من خلال واقعة الإفك، ولكن حتى هذه الحادثة لا يمكن الجزم بوقوعها في وقت محدد، ولا بكيفيتها.[33] هذا فضلا عن أن حال الروايات المتعلقة بتوقيت النزول، من منظور المحدثين، ليس بخاف على أهل العلم. فمن بعد هذا كله، من الواضح أن من يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام حد الرجم على مجرمي الزنا قبل نزول أي حكم قرآني في هذا الشأن، مستندا إلى شريعة أهل الكتاب، ثم جاءت آية النور فنسخت هذا الحكم، فإن في الرد على هذا القول لا يملك شيئا يقدّم بيقين، سوى التلاعب بالألفاظ دون مضمون حقيقي.
والمسألة الخامسة التي تتضح لنا، هي أن المعلومات التي تستقى من هذه القضايا حول أحوال المجرمين في جرائم الزنا وطبيعة الجرم المرتكب، تعتبر من منظور قانوني معلومات شديدة القصور، بل وفي بعض الحالات متناقضة إلى حد يجعل من المتعذر التوصل إلى أي نتيجة قطعية منها في الوقت الحاضر. ثم إن طريقة إصدار الحكم كما وردت في بعض هذه القضايا لا يمكن لأي شخص أن يتصور أنها، ولو بدرجة بسيطة، صحيحة النسبة إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم.
فانظر مثلا: في رواية الموطأ للإمام مالك، المرأة التي أقام عليها سيدنا عمر بن الخطاب، في سفره إلى الشام، حد الرجم، لا نعلم شيئا عن هوية الرجل الذي ارتكب معها الفاحشة.
هل كان الأمر عارضا؟
أم كان بينهما علاقة سابقة كشفت لاحقا للزوج؟
وعندما رأى الزوج ذلك الرجل مع زوجته، لماذا لم يقبض عليه؟
وإن كان قد فرّ، فلماذا لم يتعقبه القانون بعد أن رأى الزوج بعينيه الرجل مع زوجته، وبعد اعتراف المرأة بالزنا؟
هل شريعة الإسلام تقتضي، بعد اعتراف المرأة بالجريمة، أن يتجاهل الرجل المعلومة هويته، ويعفى من أي مساءلة؟
"عن أبي واقد الليثي، أن عمر بن الخطاب أتىه رجل، وهو بالشام، فأخبره أنه وجد رجلا مع زوجته، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي إلى امرأته يسألها عن ذلك، فذهب إليها، وعندها نسوة من حولها، فذكر لها ما قاله زوجها لعمر بن الخطاب، وأخبرها أنها لا تؤاخذ بقوله، وجعل يلقّنها أمثال هذه العبارات لتتراجع، فأبت أن تتراجع، وأصرت على الاعتراف، فأمر بها عمر فرجمت."[34]
وفي رواية الموطأ أيضا، ورد عن سيدنا أبي بكر الصديق أنه في زمانه ارتكب رجل فاحشة مع فتاة بكر فحملها. فأتي به إلى الصديق رضي الله عنه، فأمر أن يجلد وينفى، ولكن لم يذكر في الرواية أي عقوبة للفتاة. فهل يفهم من ذلك أن الأمر كان في الحقيقة زنا بالإكراه، فخافت الفتاة من الفضيحة فأخفته، لكن لما ظهر الحمل أمسك بالمجرم وعوقب بالجلد والنفي بسبب فجوره؟
وإن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا لم تعاقب الفتاة؟ وإن كانت الفتاة قد عوقبت، فلماذا لم تذكر الرواية ذلك؟ وإن كانت أمة لا يقام عليها الحد، أفلم يكن ممكنًا أن تعاقب تعزيرًا؟
إن أبا بكر الصديق أنه أتي برجل قد واقع جارية بكر فأحبلها، ثم اعترف على نفسه بالزنا ولم يكن محصنًا، فأمر به أبو بكر فجلده الحدّ، ثم نفاه إلى فدك.[35]
تثار الأسئلة نفسها بشأن تلك الحادثة التي وردت في سنن أبي داود، حيث قيل إن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحمل طفلًا، فاعترف شاب كان واقفًا بجوارها أن هذا الطفل هو من فعله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه، ولم يتعرض للمرأة بشيء:
عن خالد بن اللجلاج حدثه أن اللجلاج أباه أخبره أنه كان قاعدًا يعتمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبيًا، فثار الناس معها، وثرت فيمن ثار، وانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
من أبوه هذا معك؟ فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها فقال: من أبوه هذا معك؟ فقال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيرًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحصنت؟ قال: نعم. فأمر به فرجم.[36]
قد سبق أن نقلنا رواية الإمام أحمد بن حنبل في شأن المرأة المسماة "شراحة"، أن عليًا رضي الله عنه جلدها يوم الخميس، ثم رجمها يوم الجمعة.[37] وعليّ رضي الله عنه هو ذلك الصحابي الجليل الذي عاش ليله ونهاره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وشهد عهود ثلاثة من الخلفاء، وتفيد بعض الروايات أنه استشير في بعض قضايا الرجم. وتبين هذه الرواية المتعلقة به أنه كان يرى الجمع بين الجلد والرجم. فإن كانت هذه الرواية صحيحة، فأين تذهب الروايات التي نقلت عن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وإن كانت تلك الروايات صحيحة، فماذا نقول عن هذه الرواية؟ كيف يتصور أن يكون علي رضي الله عنه غير عالم بأحكام النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة عظيمة كالرجم؟ وإذا لم يكن علي رضي الله عنه عالما بها، فهل يعقل أن نعتمد على علم من جاء بعده ونجعل منهم مصدرًا لهذا الحكم القانوني الخطير؟
وفي موطأ الإمام مالك ورد أن امرأة أحضرت إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد ولدت طفلًا بعد زواجها بستة أشهر، فأمر برجمها. ويستشهد البعض بهذه الرواية على أن الرجم ثابت للمرأة المتزوجة، مع أن هذه الرواية، إذا كان الطفل قد وُلد فعلًا من الزنا، تدل على أن المرأة قد ارتكبت الزنا قبل الزواج. فهل يجوز بناءً على هذه الرواية أن نقر حكمًا في القانون يفيد بأن الزانية البكر إذا تزوجت بعد الزنا، ترجم كذلك؟ أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر، فأمر بها أن ترجم.[38]
ورد في سنن أبي داود قضية رجل من قبيلة بكر بن ليث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عليه حد الزنا أولًا، ثم سأل المرأة، فأنكرت، فعند ذلك أقام عليها حد القذف. وكذلك ورد في رواية أخرى في سنن أبي داود أن رجلًا ارتكب الزنا، فأقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم حد الجلد، ثم تبين بعد ذلك أنه كان متزوجًا، فأمر برجمه. هاتان الروايتان، في الحقيقة، تمثلان افتراء خطيرًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهل يتصور من النبي صلى الله عليه وسلم (وهو أعدل الناس وأحكمهم) أن يقيم حد الجلد على رجل قبل أن يستوضح الأمر من المرأة التي اتّهمت معه؟ أليس من مقتضيات العقل والعدل أن تسأل المرأة أولًا قبل إصدار الحكم؟!
أما الرواية الثانية، فهي أشد إشكالًا. فهل يعقل أن يجلد رجل أولًا، ثم يكتشف أنه متزوج فيرجم؟ وإذا كانت التفرقة في العقوبة مبنيّة على حالة الزواج، فكيف ينفّذ الحد قبل التحقق من كونه محصنًا أو غير محصن؟ وهل كانت حالة زواجه أمرًا خفيًا يصعب التحقق منه؟
ثم نحمد الله أن الأمر لم يكن بالعكس، أي أن يرجم أولًا ثم يكتشف أنه لم يكن محصنًا!
"عن ابن عباس: أن رجلًا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مئة، وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب، والله يا رسول الله!، فجلدها حدّ الفرية ثمانين."[39]
"عن جابر: أن رجلًا زنى بإمرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم."[40]
إن حادثة رجم اليهودي واليهودية التي وردت في الصحيحين وبعض كتب الحديث الأخرى، لم تحسم حتى اليوم مسألة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام عليهما الحد وفقًا لقانون الدولة الإسلامية، أم أنه طبّق عليهما شريعة دينهما الخاص. وتفهم الروايات بظاهرها أن الاحتمال الثاني هو الأرجح، ولكن بعد ذلك، من الواضح أن هذه الحادثة لا يمكن أن تتخذ مصدرًا لإصدار حكم في مسألة هذه العقوبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"فإني أحكم بما في التوراة"، فأمر بهما فرجما."[41]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه."[42]
قصة الغامدية وردت أيضًا في عدد من كتب الحديث. فهل كانت هذه المرأة متزوجة أم غير متزوجة؟ لا يوجد أي ذكر لذلك في الروايات. في إحدى الروايات ورد أنها رجمت فور ولادتها للطفل، وفي رواية أخرى ورد خلاف ذلك بوضوح، حيث قيل إن العقوبة نفذت عليها بعد أن فطم طفلها وأصبح قادرًا على الأكل بنفسه. أين كانت خلال هذه الفترة؟ حسب رواية، فإن أحد الأنصار احتفظ بها عنده، وفي رواية أخرى أوكلت هذه المسؤولية إلى وليّها. هل كانت امرأة تسكن الخيام، بعد أن بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على ألا تقترب من الزنا ثم عادت إلى هذا الجرم واضطرت إلى الاعتراف بسبب حملها؟ أم كانت فتاة شريفة وقعت في الزنا بالصدفة رغم وجود زوجها؟ لا نجد في الروايات جوابًا على هذا السؤال. وكذلك، لا يتضح مكان وجود زوجها (إن كان لها زوج) أو أقاربها خلال هذا الحدث. وحتى عند دفنها، لم يظهر أحد من أهلها. فإن كانت امرأة من أسرة محترمة، فلماذا لا نجد في الروايات أي أثر للقلق الطبيعي الذي كان يجب أن يظهر من أهلها في مثل هذه الحالة؟
وهذه هي الروايات:
"قالت: إنها حبلى من الزنا. فقال: أنت؟ قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك.
قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: إذًا لا نرجمها ونترك ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها."[43]
"قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أنت تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى.
قال: أما لا، فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا، يا نبي الله، قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها."[44]
جاء في رواية عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: "يا نبي الله، أصبت حدًّا، فأقمه عليّ". فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها، وقال له: "أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها"، فلما وضعت أمر بها، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت.[45]
أما قضية الأجير، فقد وردت في جميع كتب الحديث تقريبًا. ووفقًا لرواية البخاري، فقد ارتكب الأجير الزنا بزوجة الرجل الذي كان يعمل عنده بأجرة. فقام والد الزاني بإرضاء الزوج بمئة شاة وجارية. لكن أهل العلم أخبروه أن لا مجال للصلح في هذا الأمر. فذهب مع الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:
"المئة شاة والجارية لك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، وإن اعترفت هذه المرأة، فارجموها".[46]
وهذه القصة، كما ترى، غامضة للغاية. من هو ذلك العربي الغيور الذي، بدلًا من أن يقطع عنق زوجته أو يفارقها على الأقل، رضي أن يساوم على شرفها ويقبض بدلًا منه جارية ومئة شاة؟ هل كان هذا البيت فعلًا بيت شرفاء؟ أم كانت هذه عادتهم أن يوقعوا أحدًا أولًا ثم يقبضوا ثمن العرض وينتهوا؟ كيف انكشف الجرم؟ هل ألقي القبض على الجانيين؟ أم أن الزوجة هي من أخبرت زوجها بأنها حققت مرادها، وأنه الآن يستطيع أن يطالب والد الشاب بجارية وغنم؟ ما هو دور الفتى؟ تبيّن وقائع القصة صراحة أن الطرفين حين مثلا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن الأمر مجرد خلاف علمي حول حكم الجريمة، بل كان نزاعًا فعليًا. أليس من الممكن أن الرجل لم يشأ أن يتنازل عن الجارية والغنم، في حين كان والد الفتى يريد أن تنال الزانية جزاءها، وأن يؤدّب ابنه أيضًا كما ينبغي؟ لا نجد جوابًا واضحًا لهذه الأسئلة في تفاصيل هذه القضية. أما أهمّ قضية في هذا السياق فهي قضية ماعز الأسلمي. كان يتيمًا تربى في بيت هزال الأسلمي.[47] وفي يوم من الأيام جاء إليه وأخبره أنه كان يتبع امرأة تدعى مهيرة، وقد نال منها ما أراد، والآن يشعر بالندم على ما فعل.[48] فنصحه هزال أن يذهب بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مقصوده من ذلك أن يجد له النبي صلى الله عليه وسلم مخرجًا من عاقبة هذا الجرم.[49] فذهب ماعز أولًا إلى سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، لكنهما نصحاه بالتوبة إلى الله، وأن يظل في ستر الله الذي ستره به.[50] لكنه، مع ذلك، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظانًّا أن النبي سيعطيه عقوبة خفيفة ثم يعفو عنه. وقد ورد في رواية جابر رضي الله عنه:
"لما خرجنا به فرجمناه، فلما وجد مسّ الحجارة صرخ فينا: يا قوم، ردّوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قومي يقتلونني وغرّوني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي."[51]
وتفيد بعض الروايات ظاهرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بجريمة ماعز من نفسه أولًا،[52] ولكن رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما تصرّح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على علم بجريمته قبل أن يأتي إليه ماعز. فالنص كما جاء في صحيح مسلم هو:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز بن مالك: أحقّ ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان. قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات، ثم أمر به فرجم."[53]
ما هي طبيعة جريمته؟ لم يرد في الروايات شيء واضح يبيّن طبيعة الجريمة التي ارتكبها. غير أنّ رواية ابن سعد تشير بوضوح إلى أن المرأة التي وقع عليها الفعل دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يحاسبها على شيء، مما يدلّ على أنه ارتكب الزنا بالإكراه:
"دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة التي أصابها، فقال: اذهبي، ولم يسألها عن شيء."[54]
أي نوع من المجرمين كان هذا؟
الجواب على هذا السؤال واضح تمامًا في الخطبة التي ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تنفيذ عقوبة الرجم عليه في نفس اليوم وقت صلاة العصر. فقد روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أوكلما انطلقنا غزاة في سبيل الله، تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس؟ عليّ ألا يؤتى برجل فعل ذلك إلا نكّلت به."[55]
أي، أكلما خرجنا مجاهدين في سبيل الله، تخلّف أحد الرجال عن الركب ووقع على نسائنا كما يئن التيس من شدة الشهوة؟ ألا فليعلم كل من يرتكب مثل هذا الفعل أنه إن أتي به إليّ فلن أتردد في إنزال عقوبة صارمة به ليكون عبرة لغيره.
في زماننا هذا، يعترض بعض الناس قائلين: أين ذكر اسم ماعز في هذا الخطاب لنقول إنه المقصود به؟ لكن قراءة هذه الخطبة مع معرفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاها بعد رجم ماعز في نفس اليوم، يظهر لكل ذي عقل بوضوح مدى سذاجة هذا الاعتراض. مثاله في الواقع المعاصر أن رئيس الدولة يفرض في الصباح حظرًا على حزب معين، ثم يلقي مساءً خطابًا متلفزًا على الأمة يقول فيه:
"كان هناك حزب في هذا البلد يعمل على تفكيك الدولة، فليعلم الجميع أن إنشاء أي حزب آخر مماثل لن يسمح به".
فهل يعقل بعد هذا أن يخرج عاقل ليسأل:
أين اسم الحزب في هذا الخطاب؟ حتى يفهم أنه هو المقصود بالحظر؟
كذلك هو الحال مع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم تلك، إذ لا مجال للشك في أن المقصود بها هو ماعز بن مالك، وأن الخطاب أتى تأكيدًا لخطورة الجريمة، وضرورة اتخاذ أقصى العقوبات بحق مرتكبيها. وكذلك يقول بعض الناس إنّ ماعزًا هو ذلك الشخص الذي اعترف بجرمه من تلقاء نفسه، وأظهر الندم على فعله.[56] وقد ذهب إلى سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فنصحاه بكتمان أمره والتوبة إلى الله.[57] كما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل اعترافه بالذنب فورًا، بل رده مرارًا،[58] وسأله قبل إصدار الحكم عليه أسئلة من هذا النوع:
هل تعلم ما هو الزنا؟ وهل شربت خمرًا؟ وسأل قومه: هل في عقله شيء من الخلل؟[59]
وقد أخبر الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ ماعزًا، عندما بدأت الحجارة ترمى عليه، صاح قائلًا:
يا قوم، أعيدوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد أهلكني قومي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لِمَ لم تتركوه؟[60] لعلّه كان يتوب، فيتقبّل الله توبته.[61] وقال لوليّه: ما أحسنت، بل كان الأفضل أن تستر عليه.[62]
ولما قال الناس: إنّ الشقاء لم يترك هذا الرجل حتى رجم كما يرجم الكلب، نبّههم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الكلام.[63] وعند دفنه، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ عليه في بادئ الأمر، إلا أنه صلّى عليه في اليوم التالي، وحثّ الناس على الدعاء له.[64] وأخبرهم أنّه قد تاب توبة لو قسّمت على أمة لوسعتهم.[65] وبشّرهم أنّ الله تعالى قد غفر له، وأدخله الجنة.[66]
ويقول هؤلاء، بما أنّ هذه الروايات جميعها واردة في كتب الحديث، فلا يمكن اعتبار ما ورد في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم موجهًا إليه، وحتى إن كان قد ارتكب الزنا بالإكراه، فينبغي أن نعدّه شخصًا ساذجًا، انقاد لمشاعره وارتكب فعله تحت تأثير الانفعال.
ولا شك أنّ هذه الأمور جميعها قد وردت في كتب الحديث عن ماعز، لكن الحق أنْ ليس فيها ما ينفي الصورة التي بيّنتها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شخصيته وسلوكه. إنّ الاعتراف بالذنب والندم عليه لا يستلزم بالضرورة أنّ هذا الشخص كان صالحًا، وأنّ الجريمة صدرت عنه عرضًا. إنّ تاريخ الجرائم في العالم يقدّم عشرات الأمثلة على أسوأ الأوباش وأخطر المنحرفين الذين استعصوا على القبض، ثم ما لبثوا أنْ تقدموا بأنفسهم إلى العدالة بعد ارتكابهم الجريمة، بطريقة أثارت مشاعر التعاطف في قلوب الناس بسبب ما أظهروه من ندم. وتبيّن دراسة علم النفس الإجرامي أنّ لدوافع الاعتراف بالذنب أسبابًا متعددة:
قد يصاب المجرم بالقلق من انكشاف جريمته، فيسارع إلى تسليم نفسه إلى السلطات، ظنًّا أنّ ذلك قد يخفف عنه العقوبة. وقد تكون الجريمة من النوع الذي لا يمكن إخفاؤه بأي حال، فيبادر المجرم إلى الاعتراف هربًا من ردود الفعل الشديدة التي قد يواجهها من المجتمع. كما أنّ من يرتكبون الزنا بالإكراه، بعد مطاردة طويلة للنساء تحت تأثير الغريزة الجنسية، قد يشعرون بعد ارتكاب الجريمة بانطفاء الشهوة، مما يدفعهم أحيانًا إلى الاعتراف بما فعلوا. وجود شخصية دينية مؤثرة في محيط الجاني قد يكون دافعًا آخر لهذا الاعتراف. وقد تؤدي مأساوية الجريمة، كعجز الضحية من النساء أو الأطفال، إلى يقظة داخلية في ضمير المجرم تدفعه للاعتراف.
فإحساس الذنب وتأنيب الضمير لا يقتصران على البسطاء، بل قد يفيق منه حتى المجرمون الكبار في ظروف معينة، فيعترفون بجريمتهم بكل إخلاص، بل ويصرّون على أن يعاقبوا بأقصى سرعة. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه الجليلان قد ردّوا ماعزًا مرارًا، ونصحوه بأن يصلح نفسه بدلًا من طلب العقوبة، وأوصوا وليّه بذلك، وأرشدوا عامة الناس إلى نفس السلوك، فهل لذلك تأثير في الحكم الشرعي على فعلته؟ بل هذا ما ينبغي أن يكون عليه موقف الكبار في أي نظام صالح، أن ينصحوا كل من لم يقدّم إلى المحاكمة بعد، ويحثّوه على التوبة والإصلاح. ولهذا، فقد بيّن القرآن الكريم في سورة المائدة، عند ذكره للعقوبات الشديدة على من يفسدون في الأرض، أنّ هذه العقوبات لا تطبق على من تاب قبل أن يقع في قبضة القانون. وإذا ظهر فيما بعد أن مثل هذا المجرم كان قد شعر بالندم واستعدّ للإصلاح، فإنّ المحكمة، وفقًا لهذه الآيات من القرآن، يمكن أنْ تكتفي بحكم أخف عليه. فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلم لم تتركوه؟"، فمن الواضح أنّه قال ذلك لهذا الغرض بالذات. فإنّ التوبة والإصلاح يمكن أن يوفّق إليهما، بإذن الله، أكبر المجرمين في أي وقت، وقد يدخله ربه الجنة نتيجة لذلك. وإذا كان رسول الله موجودًا في الدنيا، وقد أخبر عن طريق الوحي أنّ المجرم قد غفر له، ثم صلّى عليه، وحثّ الناس على الدعاء له، فكيف يمكن أن ينفى عن ذلك المجرم ما كان عليه من سلوك منحرف قبل توبته وإصلاحه؟ وهل يفهم من ذلك أنّ الفاسق لا يمكن أن يوفّق للتوبة؟ وأنّ من تاب لا يمكن أن يتصور أنّه كان فاسقًا من قبل؟ ولا شك أنّه من الصواب ألّا يتحدّث عن أيّ إنسان حتى لو كان من أشرّ الناس، بعد موته، بكلام سيئ، ولهذا السبب بالذات، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين قالوا عن ماعز: "لم تتركه شقاوته حتى رجم كلبًا"، فوبّخهم. لكن هل معنى هذا أنّ الشخص الذي يمنع الناس من ذكره بالسوء من غير داعٍ، يجب أن يكون بالضرورة شخصية بريئة معصومة؟ وأنّه لا يجوز أبدًا أن يناقش سلوكه السابق عند بحث الأحكام الشرعية والقانونية؟ وأما ما ورد من أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله مثلًا: "هل تعرف ما الزنا؟"، فهذا من الأسئلة التي يجب أن تسألها كلّ محكمة عند حصول اعتراف بالجريمة.
ففي مثل هذه الحالات، يكون احتمال الاعتراض على الحكم لاحقًا واردًا دائمًا، خاصّة إذا استند إلى أقوال غامضة من المجرم. وفي بيئة المدينة، حيث كان المنافقون ينشطون في إثارة الفتن ليل نهار، كان الخطر في ذلك أشدّ، لذلك حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على ألّا يبقى أيّ جانب من القضية غامضًا. فإذا جاء شخص بعد ذلك ليزعم أنّ ماعز لم يكن يعرف حتى معنى الزنا، فبماذا يمكن الرد عليه؟! والحقّ أنّ من يحاول في قضايا مثل الزنا بالإكراه أن يقول إنّ "الناس المحترمين أيضًا قد يرتكبونه أحيانًا"، فلا عجب من قوله. فمقدار العقل المتبقي في مدارسنا الدينية اليوم لا يكفي لأن نتوقع منهم أكثر من ذلك. على كلّ حال، هذه هي حقيقة الأمور، لكن إذا أصرّ أحد بعد كلّ ذلك على القول بأنّ هذه الروايات تثبت أنّه كان رجلًا بريئًا ارتكب فاحشة مع امرأة عابرة في الطريق، فلا بدّ له عندئذ أن يقرّ بأنّ هذا التصور سيحدث تعارضًا شديدًا بين ما ورد في خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بشأنه، وبين مضمون هذه الروايات، وحينئذ، لا يمكن لأيّ أحد أن يصدر حكمًا قاطعًا في هذه القضية. وقد وردت في كتب الحديث روايتان عن قضيتين أخريين تتعلقان بنفس الموضوع. فالأولى تتعلق برجل ارتكب جريمة الزنا بالإكراه مع امرأة كانت في طريقها إلى الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ذلك الرجل فورًا.
أما القضية الثانية، فهي تتعلق بصحابي معروف هو عمرو بن حمزه الأسلمي، الذي لم يرتكب إلا الزنا فقط، فلما اعترف بذنبه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلده مئة جلدة، ثم تركه. ورواية القضية الأولى هي كما يلي:
"عن علقمة بن وائل عن أبيه، أن امرأة خرجت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تريد الصلاة، فلقيها رجل فغلبها على نفسها فقضى حاجته منها، فصرخت، ثم مضى ذلك الرجل ومرّ بها رجل آخر، فقالت له: إن ذلك فعل بي كذا وكذا، ومرّت عصابة من المهاجرين، فقالت لهم: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا وأمسكوا رجلًا ظنّت أنه هو الذي اعتدى عليها، فجاؤوا به إليها، فقالت: نعم، هو هذا، فجاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به، قام الرجل الحقيقي الذي ارتكب الجريمة، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، فقال لها: اذهبي، فقد غفر الله لك، وقال للرجل المظلوم قولًا حسنًا، ثم قال للرجل الذي وقع عليها، ارجموه."[67]
وأما الرواية الثانية فهي كما يلي:
"إن عمرو بن حمزة بن سنان، كان قد شهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم المدينة، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى البادية، فأذن له، فخرج، حتى إذا كان بالضبوعة، على بريد من المدينة، على الطريق إلى مكة، لقي جارية من العرب وضيئة، فنزغه الشيطان حتى وقع عليها، ولم يكن محصنًا، ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فأقام عليه الحد."[68]
ومن هاتين القضيتين، فإن الأولى لا يتضح منها إن كان الرجم قد أقيم على الجاني بسبب كونه محصنًا، أم لأن الجريمة كانت زنا بالإكراه، فلا نجد في تفاصيل الرواية ما يوضح السبب الصريح في تنفيذ هذا الحكم.
أما القضية الثانية، فهي واضحة من جهة أن الجاني هو صحابي معروف من أصحاب بيعة الرضوان، وقد أقام عليه النبي صلى الله عليه وسلم الحد المذكور في القرآن الكريم لمرتكبي الزنا، ولكن إذا نظرنا في هذه القضية في ضوء الروايات الأخرى، فإن سؤالًا يطرح:
لماذا لم تنفّذ في هذا الصحابي عقوبة النفي مع الجلد، كما ورد في بعض الروايات الأخرى؟
هل يفهم من ذلك أن هذا الصحابي كان الجاني الوحيد الذي عوقب بالجلد فقط دون النفي؟
وأن جميع الجناة الآخرين الذين جلدوا ونفوا، كانوا في الحقيقة قد اقترفوا جرمًا إضافيًّا مع الزنا، ولذلك نالوا مع الجلد عقوبة النفي أيضًا؟
مصدر حدّ الرجم
هذه هي الروايات والوقائع التي يستند إليها فقهاؤنا في تعديل حكم القرآن الكريم، ويحاولون بناء عليها إثبات حدّ الرجم لمرتكبي الزنا لمجرد كونهم محصنين. وفي ضوء التعليق الذي قدّمناه على هذا كلّه، ينبغي دراسة هذا الموضوع بكل أمانة وموضوعية. وأقصى ما يمكن استنتاجه من هذا السرد، هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، قد طبّقوا حدّ الرجم والنفي على بعض مرتكبي الزنا. ولكن، ما نوع هؤلاء المجرمين الذين نفّذ فيهم هذا الحدّ؟
وكيف قرر النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه أن ينزّلوا هذه العقوبة؟
لا يمكن تقديم جواب قطعي لهذا السؤال استنادًا إلى هذه الروايات وتفاصيل الوقائع الواردة فيها. فما هو إذًا المصدر الحقيقي لهذا الحدّ؟
هذا هو الإشكال الذي حلّه الإمام حميد الدين الفراهي في رسالته "أحكام الأصول بأحكام الرسول". وبحسب منهجه، لم يغيّر الإمام الفراهي حكم القرآن استنادًا إلى هذه الروايات المبهمة والمتناقضة، بل سعى إلى فهمها في ضوء ما جاء في كتاب الله. ومن ثمّ، يرى الإمام الفراهي أن مصدر حدّ الرجم والنفي هو آية المحاربة في سورة المائدة، التي يقول الله تعالى فيها:
﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسْعَوْنَ فِی ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ یُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَیْدِیهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ یُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾.[69]
وفي شرح هذا الموقف، كتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره "تدبّر القرآن":
"المجرمون نوعان، النوع الأول، هم أولئك الذين يرتكبون جرائم كالسرقة أو القتل أو الزنا أو القذف، ولكن طبيعة هذه الجرائم ليست من النوع الذي يجعلهم مصدر تهديد أو وبال للمجتمع، أو يتسببون في مشكلة أمنية للحكومة. النوع الثاني، هم أولئك الذين يشكّلون خطرًا على المجتمع والحكومة، سواء كأفراد أو كعصابات. للنوع الأول من المجرمين، حدد القرآن حدودًا معينة وأحكام قصاص، تنفذها الحكومة الإسلامية وفقًا للشروط المذكورة في القرآن والحديث. أما النوع الثاني، فقد جاءت أحكام التعامل معهم في الآيتين ٣٣ و٣٤ من سورة المائدة."[70]
تحت آيات سورة المائدة كتب:
"المحاربة لله ورسوله تعني أن يحاول شخص أو جماعة أو عصابة أن يزعزعوا، بجرأة ووقاحة وعلانية، نظام الحق والعدل الذي أقامه الله ورسوله. فإن جاءت مثل هذه المحاولة من أعداء خارجيين، فقد فصلت أحكام الجهاد والقتال في موضع آخر، أما هنا، فيعرض قانون العقوبات الخاص بأعداء الدولة الإسلامية الداخليين، سواء كانوا من المسلمين أو من غيرهم، ما داموا رعايا الدولة، ويتحدون قوانينها ونظامها. خرق القانون له صورتان، الأولى، أن يرتكب شخص جريمة ما، فيتخذ بحقه إجراء بموجب أحكام الحدود والتعزيرات العادية في الشريعة. الثانية، أن يحاول فرد أو جماعة أخذ القانون بيدهم، فينشرون الفوضى ويهددون أمن المجتمع وسلامته. حين يصبح الناس مهددين في أرواحهم وأموالهم وأعراضهم بسبب جرائم القتل والسطو وقطع الطريق والحرق والاختطاف والزنا والتخريب والإرهاب وما إلى ذلك، فلا تتعامل الحكومة في هذه الحالة بمقتضى قوانين الحدود العامة، بل يحق لها اتخاذ الإجراءات التالية."[71]
ثم بيّن الأستاذ الإمام الإصلاحي مصدر عقوبة الرجم بهذه الكلمات:
"’أَن يُقَتَّلُوا‘ تعني أن يقتل هؤلاء المجرمون الذين ينشرون الفساد في الأرض. لكن بدلًا من لفظ ’يُقتلوا‘، استخدم القرآن لفظ ’يُقَتَّلُوا‘ على صيغة التفعيل، وهي تدل على الشدة والكثرة. وهذا يشير إلى وجوب إعدامهم بطريقة تكون عبرة للناس. ما عدا الطرق التي نهت عنها الشريعة، كالإحراق بالنار، يمكن للدولة أن تستخدم أي وسيلة أخرى تراها مناسبة لردع الأشقياء والمجرمين، وإيجاد رهبة في قلوب الناس من مخالفة القانون. ومن هذه الوسائل، الرجم، أي الرمي بالحجارة حتى الموت، فهو داخل في معنى ’يُقَتَّلُوا‘ في نظرنا". [72]
وخلاصة بحث الإمام حميد الدين الفراهي هي أن الزاني، سواء كان محصنًا أم لا، فعقوبته الأصلية هي مئة جلدة، وذلك بنص صريح من سورة النور. لكن، إذا ارتكب الجاني الاغتصاب، أو اتخذ الزنا مهنة، أو تجاهر بالفاحشة والأوباشية، أو أصبح خطرًا على شرف الناس وكرامتهم، أو انتهك حرمة الموتى وزنى بجثثهم، أو عرّى بنات الفقراء في الطرقات، أو استهدف الطفلات الصغيرات بهمجية، ففي مثل هذه الحالات، يجوز للدولة أن تحكم عليه بالرجم، استنادًا إلى آية المحاربة في سورة المائدة. كما يمكن للمحكمة، بناءً على طبيعة الجريمة وظروف الجاني، أن تطبّق العقوبات الأخرى المذكورة في الآية، ومن بينها النفي. فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالرجم والنفي على أولئك الذين لم يكونوا مجرد زناة، بل كانوا مجرمين ينشرون الفساد في الأرض بسبب سلوكهم الشاذ والمنحرف. فالذين استحقوا التخفيف، ضربوا مئة جلدة وفقًا لسورة النور، ثم نفوا بعد ذلك لحماية المجتمع من شرهم، وأما الذين لم يستحقوا التخفيف، فقد رجموا استنادًا إلى قول الله ’أَن يُقَتَّلُوا‘. هذه خلاصة اجتهاد الإمام حميد الدين الفراهي، وهو اجتهاد قائم على نصوص القرآن الكريم، كما أن الروايات التي ناقشناها تدعمه وتعدّ شاهدًا عليه. فمن أراد مخالفته، فليناقش بأدلته، أما العواطف والفتاوى الفارغة، فلا تردّ بها البحوث القرآنية. وقد يقول الناس اليوم ما يشاؤون، لكن الأغلب أن ذلك اليوم قريب، الذي لا يبقى فيه لهذا البحث مكان إلا في مجالس العلم والفكر، حيث يقابل بالثناء والتقدير، إن شاء الله العزيز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٣ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي الذي عرضناه أعلاه حول عقوبة الزنا يوضّح بكل جلاء أن الزاني المحصن لا تختلف عقوبته في القرآن الكريم عن الزاني غير المحصن، فكلاهما يُجلدان مئة جلدة. هذا المقصد القرآني لا يتجلّى فقط من خلال آية الجلد في سورة النور، بل تؤكده آيتان أخريان أيضًا، إحداهما في سورة النور (الآية ٨)، والثانية في سورة النساء (الآية ٢٥). في سورة النور، ورد:
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.[73]
هذه الآيات نزلت بشأن المرأة المحصنة التي اتّهمها زوجها بالزنا. وقد استخدم في وصف العقوبة لفظ "العذاب"، وهو نفس اللفظ الذي ورد في الآية الأولى من السورة نفسها، حيث قال تعالى:
﴿الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.[74]
في الآية ٨، فإن ﴿العذاب﴾ معرّف بأل التعريف، ومن المعلوم في اللغة العربية أن أل إذا لم يمنعها مانع، وكان معهودها مذكورًا في الكلام السابق، فلا يحمل على شيء خارجي. وهنا، المعهود هو نفس "العذاب" المذكور في الآية ٢، أي الجلد. فـ﴿عذابهما﴾ و﴿العذاب﴾ في الآيتين يشيران إلى نفس المعنى. هذه قاعدة لغوية مقررة، إذا أعيد المعرف بأل بنفس الصيغة دون قرينة تصرف المعنى، فالأصل أنه يحمل على نفس المعنى الأول. وعليه، فإن الآية ٨ في سورة النور، مثلها مثل الآية ٢، تؤكّد أن عقوبة الزاني، سواء كان محصنًا أو غير محصن، هي الجلد، وليس الرجم.
ثم لننظر في سورة النساء، الآية ٢٥، حيث يقول الله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.[75]
في هذه الآية تم التصريح بوضوح تام بأن الإماء إذا أتين بفاحشة، فإن عليهن نصف العقوبة التي على النساء الحرائر. واللفظ ﴿المحصنات﴾ المستخدم في الآية للإشارة إلى النساء الحرائر، لا يمكن بأي حال أن يقصر معناه على غير المتزوجات فقط. أما تصور "النصف"، فمن الواضح أنه لا يمكن أن يتحقق إلا في عقوبة الجلد، لأن الرجم لا يتصور أن ينصف أو يجزأ بأي شكل من الأشكال. وعليه، فإن هذه الآية أيضًا تؤكّد بجلاء أن الزاني سواء كان محصنًا أم غير محصن، فإن أقصى عقوبة ينص عليها القرآن الكريم هي الجلد مئة جلدة. ومن بين هاتين الآيتين، لم نر حتى الآن أي معارضة في تفسير آية النور (٢٤ :٨)، ولكن في ما يتعلق بآية النساء (٤ :٢٥)، فثمة ثلاث حجج تطرح عادةً للاعتراض على وجهة نظرنا:
١- أن لفظ ﴿المحصنات﴾ في بداية الآية استخدم بمعنى النساء الحرائر غير المتزوجات، وعليه فلا بد أن يفهم في نفس المعنى في قوله: ﴿نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
٢- أن ﴿المحصنات﴾ في ﴿نصف ما على المحصنات﴾ عرّفت بـ"أل" التي تفيد العهد، وبالتالي فإن المعهود هو نفس الحرائر غير المتزوجات المذكورات في صدر الآية.
٣- أن الإماء لا يصبحن محصنات إلا من خلال الزواج، بينما المرأة الحرة المحصنة قد تحقق لها الإحصان بحريتها أولًا ثم بزواجها ثانيًا، فهي ذات إحصان مزدوج، وبالتالي لا يمكن أن تكون هي المعنية هنا بلفظ ﴿المحصنات﴾ مقارنة بالإماء.
ومع أن هذه الاعتراضات ضعيفة وواضحة البطلان لدرجة تجعل الرد عليها مضيعة للوقت، إلا أن الحجة الأولى والأخيرة قد أوردها أيضًا عالم كبير مثل الشيخ المودودي رحمه الله في تفسيره "تفهيم القرآن"، ولذلك نرى من المناسب أن نبيّن وجهة نظرنا في نقدها هنا.
أما الحجة الأولى، فإن لفظ "المحصنات" يستخدم في اللغة العربية على ثلاثة معان شائعة:
١- النساء المتزوجات
٢- النساء العفيفات
٣- النساء الحرائر
وقد ورد استعمال اللفظ بالمعنى الأول في القرآن الكريم وفي كلام العرب. فمن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء في سياق ذكر المحرمات من النساء:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.[76]
وشاهد على المعنى الأول ما قاله نابغة الذبياني في شعره:
شعب العلافيات بين فروجهم والمحصنات عوازب الأطهار
وأما المعنى الثاني، فقد ورد في القرآن الكريم وكلام العرب. قال تعالى في سورة النور:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.[77]
وقال جرير مادحًا الفرزدق:
وأما المعنى الثالث، فقد ورد أيضًا في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة النساء:
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.[78]
ففي جميع هذه المعاني، يستعمل هذا اللفظ في اللغة العربية. أما أن تكون "المحصنات" بمعنى "النساء الحرائر غير المتزوجات" فليست هذه من معانيه في اللغة، بل إذا استعمل اللفظ في أول الآية في هذا المعنى، ثم ورد في آخرها، فلا يلزم من ذلك أن يبقى محافظًا على نفس التخصيص، استنادًا إلى دلالة السياق. فلا ريب أن ﴿المحصنات﴾ في أول الآية خصصت بالنساء غير المتزوجات، وذلك بسبب اقترانها بالفعل ﴿أن ينكح﴾، والنكاح لا يطلب إلا من غير المتزوجة، فمحل الاستعمال هو الذي قيّد المعنى هنا. ولكن لا يلزم من هذا أن تبقى هذه التخصيصات في الجملة الختامية: ﴿نصف ما على المحصنات﴾. فكل من له دراية بأساليب البيان يدرك أن الخصوصية التي يحدثها السياق تبقى في محلها فقط، فإذا فارق اللفظ ذلك السياق، ولو في الجملة التالية مباشرة، فإنه يرجع إلى عمومه الطبيعي، ما لم يظهر هناك قرينة جديدة تدل على تخصيص آخر. وهذا الأصل في اللغة لا يختص بالعربية وحدها، بل هو موجود في لغتنا نحن أيضًا. فنحن نقول في الأردية:
"من حق النساء أن يعقد نكاحهن برضاهن، وكما أن للرجال هذا الحق، فكذلك للنساء أن توفّر لهنّ فرص التعليم الأرقى حسب حاجتهن."
فانظر، في الجملة الأولى استعمل لفظ "النساء" باعتباره مفعولًا به لفعل النكاح، ولذلك يختص هذا اللفظ بالضرورة بالنساء غير المتزوجات. لكن في الجملة التالية، لما تجرّد عن فعل النكاح، فإن معناه يتسع بالضرورة ليشمل كل النساء، متزوجات وغير متزوجات على حد سواء. وقد يذهب بعض من قلّ علمه بالبيان إلى القول، إن لفظ "النساء" في الجملة الثانية يجب أن يبقى على تخصيصه في الجملة الأولى، فيجعل السياق دليله، ومن ثم يستنبط من العبارة كلها قانونًا بأن النساء المتزوجات لا حق لهن في التعليم. ولكن الحقيقة أن أي شخص له معرفة بلغة البيان لا يمكن أن يقبل مثل هذا الفهم. بل سيقول بيقين، إن تخصيص معنى اللفظ بمقتضى السياق لا يتجاوز محله، فإذا خرج اللفظ من سياقه ذاك واستعمل في جملة جديدة، فليس له أن يبقى على معناه الخاص إلا بدليل جديد. فإن لم يكن هناك دليل، فاللفظ يعود إلى عمومه. ومثال ذلك انظر إلى ما ورد في سورة النساء:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً...﴾.[79]
في هذا الموضع من السياق نفسه، استعمل لفظ ﴿نساء﴾ في موضعين، ومع أنهما يشيران إلى أمهات اليتامى، إلا أنه لا يمكن حمله على نفس المعنى من حيث كون النساء متزوجات أو غير متزوجات. ففي الآية الأولى، ورد اللفظ مثل ﴿محصنات﴾ بوصفه مفعولًا للفعل ﴿أنكحوا﴾، ولذلك فهو خاص بالنساء غير المتزوجات. أما في الآية الثانية، فقد ورد في صدرها مقرونًا بالأمر بدفع المهور، ولهذا لزم حمله على النساء المتزوجات. ومن هذا يتبين أن تخصيص لفظ ﴿المحصنات﴾ في قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات...﴾ بما ورد بعده في قوله: ﴿فنصف ما على المحصنات...﴾ هو تخصيص لا معنى له، لا يقبله الذوق اللغوي، ولا فهم اللغة، ولا العربية، ولا حتى قواعد لغتنا نحن. ثم ننتقل الآن إلى مناقشة الدليل الثاني:
من صور تعريف العهد، أن يسبق الاسم المعرف بـ"الـ" اسم نكرة في الكلام نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دريّ﴾[80] فكلمة ﴿المصباح﴾ استعملت أولًا نكرة، ثم أعيد ذكرها معرفة بـ"الـ"، وكذلك الأمر في ﴿الزجاجة﴾. وفي موضعنا هذا، نجد أن لفظ ﴿المحصنات﴾ جاء معرفًا بـ"الـ" في كل من ﴿أن ينكح المحصنات﴾ و ﴿فنصف ما على المحصنات﴾، دون أن يسبق بنكرة، ومن ثم فلا يمكن أن تنطبق عليه هذه الصورة من تعريف العهد. أما الصورة الثانية لتعريف العهد، فهي أن يكون مدلول الاسم المعرف باللام معلومًا سابقًا في ذهن المتكلم والمخاطب معًا. كقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾.[81]
والمراد بـ﴿النبي﴾ في هذا الموضع هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم ذهنيًا للمتكلم والمخاطب معًا. أما في قوله تعالى: ﴿فنصف ما على المحصنات﴾، فلا يصح أن يكون تعريف ﴿المحصنات﴾ بلام العهد من هذا النوع، إذ إن المتكلم، إن كان يقصد بـ﴿المحصنات﴾ المحصنات العذارى فقط، فإن هذا القصد موجود في ذهنه وحده، ولا يمكن أن يكون معهودًا لدى المخاطب كذلك. وهذه الصورة من صور لام العهد تشترط، كما ذكرنا، أن يكون مدلول الاسم المعرف معلومًا عند الطرفين في آن واحد. وقد أوضح الزمخشري هذا المعنى في "المفصل" فقال:
"أو تعريف عهد، كقولك: ما فعل الرجل، وأنفقت الدرهم، لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مخاطبك."[82]
أي أن لام التعريف تفيد العهد إذا كان الشخص أو الشيء المشار إليه معهودًا عند المتكلم والمخاطب معًا. ولا شك أن من صور تعريف العهد ما يكون بحسب المعهود الذهني عند المتكلم فقط، دون مراعاة لذهن المخاطب. ولكن من يعرف أساليب العرب في التعبير يدرك أن هذا النوع من التعريف لا يصح استعماله إلا حين لا يكون قصد المتكلم إبلاغ مدلول هذا المعهود الذهني إلى المخاطب. فانظر إلى قول لبيد بن ربيعة في معلقته حين استعمل لفظ "الحي":
وكذلك قول امرئ القيس حين قال:
ففي هذين البيتين، ذكر الشاعران "الحي" و"الكثيب" معرفين بلام التعريف، يريدان بذلك قبيلاً أو موقعًا معينًا معروفًا لهما في ذهنيهما. ومع ذلك، فإن القارئ أو السامع لا يطالب أن يعرف تحديدًا من هو هذا الحيّ أو ما هو هذا الكثيب، لأن الشاعرين لم يكن الغرض من كلامهما بيان ذلك ولا تعريفه له.
لا يمكن القول إن "اللام" في كلمة ﴿المحصنات﴾ هي لام العهد، لأن من المؤكّد تمامًا أن المتكلم أراد إيصال معنى هذه الكلمة في الآية، وهي أيضًا مما يحتاج المخاطب إلى فهمه. فالغرض من الآية بيان عقوبة الزنا بالنسبة للإماء، ومن الضروري أن يعرف المخاطب من هنّ المحصنات؟ وما هي عقوبتهنّ؟ وما المقصود بنصف هذه العقوبة التي تطبق على الإماء؟ وباستثناء حالتي تعريف العهد المعروفتين، لا توجد في اللغة العربية حالة ثالثة يمكن أن تدل على المعنى الذي يحاول هؤلاء إثباته. لذلك، فإن القول إن ﴿المحصنات﴾ وردت فيها اللام لتعريف العهد هو قول لا أساس له. وإذا طرح السؤال: فما نوع هذه اللام إذن؟ فالجواب: إنها لام الجنس، وهي ما يعرف عند أهل اللغة بأنها لام تعريف الماهية. وقد بيّن ذلك صاحب مغني اللبيب بقوله:
"أو لتعريف الماهية، وهي التي لا يحل محلها (كلّ)، لا على الحقيقة ولا على المجاز."[83]
ومن أمثلتها ما ورد في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.[84]
يوضّح محمد بن الحسن رضي أستراباذي هذا النوع من "أل" في شرحه الشهير على "الكافية" بقوله:
"والثاني ماهية الجنس من غير دلالة اللفظ على القلة والكثرة، بل ذلك احتمال عقلي، كما في قوله تعالى’لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ‘ ولم يكن هناك ذئب معهود، ولم يرد استغراق الجنس أيضًا، ومثله قولك: ادخل السوق، واشتر اللحم، وكل الخبز."[85]
يمكن الاستشهاد بكثير من الأمثلة لهذا النوع من "أل" في كلام العرب، ولكن تجنبًا للإطالة نكتفي ببيت من معلقة امرئ القيس، حيث يقول:
في هذا البيت، نجد أن "السابحات"، و"الونى"، و"الغبار"، و"الكديد" كلها قد دخلت عليها "أل" لتعريف الماهية الجنسية. فإذا تأملت في قوله تعالى: ﴿أن ينكح المحصنات﴾ و﴿نصف ما على المحصنات﴾، يتضح أن "أل" الداخلة على ﴿المحصنات﴾ لا يمكن أن تكون إلا لتعريف الماهية الجنسية. ويمكننا أن نقول بيقين تام إنه لا يوجد في قواعد اللغة والبيان مجال لرأي آخر. وبالتالي، فإن ما ذهب إليه بعضهم من أن ﴿المحصنات﴾ هنا معرفة بـ"أل" العهد، وأن المعهود هنّ الحرائر غير المتزوجات المذكورات في أول الآية، فهو قول لا معنى له، ولا يتوقع صدوره من صاحب علم.
بعد ذلك، لننتقل إلى دراسة الدليل الثالث. إن الاستدلال الذي قدّمه هؤلاء على كلمة ﴿المحصنات﴾ و"أل" الداخلة عليها، قد تم تفنيده في ما سبق، مما يجعل هذا الدليل في حد ذاته ساقطًا تلقائيًا. ذلك لأننا إذا سلّمنا بأن كلمة ﴿المحصنات﴾ في قوله تعالى: ﴿نصف ما على المحصنات﴾ تشمل، بحسب قواعد اللغة العربية، الحرائر سواء كنّ متزوجات أو غير متزوجات، فإن المنطق القائل بوجود "نصف" و"كامل" و"مضاعف" من الإحصان، يصبح اعتراضًا على نص صريح من القرآن. ومع ذلك، دعونا نضع هذا الاعتراض جانبًا مؤقتًا، وننظر في منطق هذا الرأي بذاته. تقوم بنية هذا الرأي بالكامل على الفرضية التالية: أن عبارة ﴿فإذا أحصن﴾ الواردة في الآية المقصودة، تعني "إذا تزوجن". وبناءً على ذلك، يقال إن الأمة لا تكون محصنة إلا من خلال النكاح، وحتى هذا الإحصان الذي تكتسبه عبر الزواج، فهو حسب رأيهم "نصف" الإحصان الذي تحصل عليه الحرة بدون زواج. ومن ثم، فإن إحصان المتزوجة لا بد أن يكون "مضاعفًا" لإحصان غير المتزوجة. وهكذا بنيت كامل هذه الحجة. لكن هل هذا الأساس صحيح أصلًا ؟
نحن نؤكّد بكل اطمئنان أنه ليس كذلك. إذ إن عبارة ﴿فإذا أحصن﴾ لا يمكن أن تفهم، بحسب اللغة العربية، على أنها تعني "إذا تزوجن" في سياق هذه الآية من سورة النساء. ونحن نرى أن هذه العبارة لا تعني هنا "إذا دخلن في عقد النكاح"، وإنما معناها هو: "إذا حفظن وصدن عن الفاحشة"، أي "إذا صرن عفيفات". ويمكننا إثبات هذا الرأي من خلال حجج لغوية وبلاغية واضحة. وسنعرضها فيما يلي. الجزء من الآية الكريمة الذي ورد فيه هذا التعبير هو:
﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.[86]
انظر في هذه الآية، تجد أن في عبارة ﴿فإذا أحصن﴾ دخلت الفاء على ﴿إذا﴾، وهذا يقتضي أن يكون معنى الفعل أحصن هو نفسه معنى كلمة محصنات في قوله ’محصنات غير مسافحات‘. ففي اللغة العربية، إذا قيل مثلًا: "اذهب إليه راكبًا، فإذا ركبت..."، فلا يمكن فهم "راكبًا" و"ركبت" بمعنيين مختلفين، بل إن المعنى المستفاد من "راكبًا" لا بد أن يكون هو نفسه معنى "ركبت". وبالتالي، فإن معنى ﴿أحصن﴾ في قوله ﴿فإذا أحصن﴾ يتوقف بالضرورة على تحديد معنى ﴿محصنات﴾ في الجملة السابقة ﴿محصنات غير مسافحات﴾. فإذا تأملت موقع كلمة محصنات في السياق، يتبيّن أمران واضحان:
١- أن كلمة "محصنات" جاءت حالًا منصوبة تتعلق بالفعلين ﴿فانكحوهن﴾ و﴿آتوهن﴾، أي أن عامل الحال هو نفس الفعلين، تمامًا كما هو الحال في الضمائر المنصوبة فيهما.
٢- أن هذه الحال لم تأت منفردة، بل جاءت في مقابلة مباشرة لكلمة ﴿مسافحات﴾، أي أن المقصود بها هو نقيض السفاح والانحلال.
أما بالنسبة للنقطة الأولى، فإن كل من له دراية بأساليب اللغة يعلم أن الحال إذا تعلق بفعل أمر، فإنه كثيرًا ما يحمل معنى الشرط. ومثال ذلك قولنا: "اضربه مشدودًا بالشجرة"، فمعناه: اضربه بشرط أن يكون مربوطًا بالشجرة. فالحال هنا في حكم الشرط الذي يتوقف عليه تحقق فعل الضرب. ومن المعلوم أن الشرط لا يتصور إلا إذا كان متحققًا سلفًا في فاعل الفعل أو مفعوله. في المثال السابق، يكون تنفيذ الأمر "اضربه" مشروطًا بأن يكون الشخص مربوطًا من قبل، أو أن يربط في لحظة الضرب. وبناء على هذا الأصل، يتبيّن أن الحال في مثل هذه التراكيب لا يمكن أن تكون متطابقة في المعنى مع الفعل العامل، بل يجب أن يكون معناها مختلفًا عنه. فإذا طبقنا هذا المبدأ على آيتنا، نجد أن كلمة ﴿محصنات﴾ جاء عاملها هو فعل الأمر ﴿فانكحوا﴾. فإذا فهمت محصنات هنا بمعنى "المتزوجات"، فإن معنى الآية يصبح: "انكحوهن بشرط أن يكنّ متزوجات"، وهذا كلام لا معنى له. لذلك، لا بد أن تفهم كلمة محصنات هنا بمعنى مغاير للفعل "انكحوا"، أي أن المقصود بها هو: في حال كونهنّ عفيفات محصنات عن الفاحشة.[87]
يقول أبو بكر ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن":
"وقالت طائفة: معنى قوله محصنات، وهذا ضعيف جدًا، لأن الله تعالى قال قبل: ’فانكحوهن بإذن أهلهن‘ فكيف يقول بعد ذلك: منكوحات؟ فيكون تكرارًا في الكلام."[88]
أما من حيث القاعدة الثانية، وهي قاعدة "التقابل"، فنجد أن كلمة محصنات جاءت هنا في مقابل مسافحات، تمامًا كما نقول في اللغة: "هو عالم ليس بجاهل"، فالمعنى يتحدد بحسب المقابلة بين المتضادين. وبحسب هذه القاعدة اللغوية المقرّرة، فإن الألفاظ المشتركة في المعنى، إذا وردت مع أضدادها، فإن معناها يتحدد وفقًا لمقابلة الضد، ولا تبقى في حال الاشتراك.
وبناء على ذلك، فإن كلمة محصنات في هذه الآية لا يمكن أن تفهم إلا بمعنى العفيفات المحصنات عن الفاحشة، ولا يصح حملها على أي معنى آخر. وفي اللغة العربية، نجد أن بعض الكلمات تستخدم بمعانٍ متعددة، ويتم تحديد المعنى المقصود منها بحسب السياق. من ذلك كلمة جهل، فهي تستعمل بمعنى "عدم المعرفة"، وأيضًا بمعنى "الطيش" أو "الغلبة العاطفية".
وفي الأحوال العادية، يرجع في تعيين المعنى إلى السياق وقرائنه. لكن من المتفق عليه أنه إذا وردت الكلمة مع ضدها، فإن المعنى يتحدد تلقائيًا. فكلمة جهل إذا استعملت مع ضدها حلم، فلا يمكن أن تعني "عدم المعرفة"، بل تفيد معنى "الطيش والاندفاع".
وقد أشار إلى هذا المعنى الشاعر الحماسي عمرو بن أحمر الباهلي، حيث قال:
ودهم تصاديها الولائد جلة إذا جهلت أجوافها لم تحلم
والآن، إذا تأملت في كلمة جهل، تجد أن استعمالها في مقابل حلم قد حسم المعنى تمامًا، فلم يعد هناك مجال لفهمها على أنها تعني "عدم المعرفة"، بل المقصود بها هو "الاندفاع والانفعال العاطفي". وهذا تمامًا هو الحال في كلمة ﴿محصنات﴾، فقد وردت في مقابل ﴿مسافحات﴾، الأمر الذي يجعل معناها منحصرًا في: "في حال كونهنّ عفيفات"، ولا يحتمل فيها أي معنى آخر.
وبعد هذا التوضيح لمعنى كلمة محصنات، يمكن الجزم دون أي تردد بأن عبارة ﴿فإذا أحصن﴾ بصيغتها المجهولة تعني: "فإذا تم حفظهن وصونهن بالعفة". وقد ذكرنا في بداية النقاش أن تركيب الجملة، مع الاشتراك اللفظي بين محصنات وأحصن، ووجود حرف الفاء، كلها تدل على أن فعل أحصن لا بد أن يفهم في ضوء معنى محصنات. وبما أن كلمة محصنات لا يمكن أن تعني هنا إلا "العفيفات"، فإن عبارة ﴿فإذا أحصن﴾ أيضًا لا يمكن أن تعني "إذا دخلن في عقد النكاح"، بل معناها وفقًا للغة العربية هو "إذا تم حفظهن وصونهن بالعفة".
في ضوء هذه المناقشة، يصبح معنى الآية أن الإماء، بسبب حرمانهن من حماية الأسرة وضعف تربيتهن، مستثنيات من العقوبة المذكورة في سورة النور في حق مرتكبي الزنا. ولكن من بين هؤلاء الإماء، اللواتي اهتمّ بهنّ أسيادهن، ثم أزواجهن، بحفظهن وصونهن، فإن ارتكبن فاحشة بعد هذا الاهتمام، فإن عليهن نصف العقوبة التي تطبق على الحرائر.
ومن هذا يتضح أن الأساس الذي تقوم عليه العقوبة ليس هو الزواج، بل هو الاهتمام بحفظ العفة. فإن وجد هذا الاهتمام، طبقت العقوبة، وإن لم يوجد، فإن حتى نصف العقوبة لا يمكن إنزالها بهن بحسب نص القرآن. وفي هذه الحالة، يجوز للقاضي أن ينزل بهن عقوبة تعزيرية أقل من الحد إن رأى ذلك مناسبًا.
وبناء على هذه الأدلة، يتبيّن بجلاء أن الأساس الذي قامت عليه الحجة المذكورة في هذه المسألة لا وجود له أصلًا، وأن الدليل القائم عليه هو دليل ساقط من أساسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 4 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[فيما يلي إجابات على الاعتراضات التي وجّهها كل من الشيخ أحمد سعيد الكاظمي والشيخ أبو شعيب صفدر علي على بعض آرائنا في هذه الأبحاث. وقد نشرت مقالات الشيخ أبو شعيب صفدر علي في مجلة "الإعلام"، العدد ٤-٨، بينما ظهرت مقالات الشيخ أحمد سعيد الكاظمي في مجلة "رضوان"، عدد سبتمبر - أكتوبر ١٩٨٢م]
اعتراضات الشيخ أحمد سعيد الكاظمي
الاعتراض الأول الذي أورده الشيخ هو:
"إن (أل) في آية النساء ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ليست للتعريف الجنسي، بل هي (أل) للعهد الذهني. فلو سلّمنا أنها للتعريف الجنسي، لكان المقصود من (المحصنات) جميع النساء المتصفات بماهية الإحصان، وعليه فإن المؤمنات، والحرائر، والعفيفات، والمتزوجات، كلهن يدخلن تحت هذا اللفظ. ومن الواضح أن هذا معنى باطل، لذا فلا يصح اعتبار (أل) هنا للجنس، بل لا بد أن تكون للعهد الذهني."
إن هذا الاعتراض نشأ فقط لأن الشيخ، على ما يبدو، لم يكن مطلعًا على الخلافات التي دارت بين أئمة النحو حول مصطلحي ماهيّة الجنس والعهد الذهني. فمن خلال دراسة المصادر الأساسية لهذا الفن، يتبين، كما هو الحال في سائر العلوم، أن بعض المفاهيم يعبّر عنها بمصطلحات متعدّدة. بل قد يحدث أن يستخدم فريق من أهل الفن مصطلحًا معينًا بمعنى محدد، بينما يستخدمه فريق آخر بمعنى مختلف تمامًا.
كل من خصص وقتًا جادًا لقراءة هذه الكتب وفهم مباحثها يستطيع بسهولة أن يقدم أمثلة عديدة على هذا النوع من التباين الاصطلاحي. وهذا هو حال حرف "أل" في اللغة العربية؛ فقد جرت عادة العلماء القدماء على تصنيف "أل" في نوعين كبيرين، تعريف العهد وتعريف الجنس. لكن التفاصيل الدقيقة لصور العهد وصور الجنس لا نجدها غالبًا عندهم بشكل مفصّل. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما نجده في كتاب النحو الشهير "المفصّل" للزمخشري، الذي أكمله سنة ٥١٤هـ، حيث قال:
"فأما لام التعريف، فهي اللام الساكنة التي تدخل على الاسم النكرة فتعرفه: إما تعريف جنس، كقولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، أي: هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار، وهذا الجنس من الحيوان من بين سائر أجناسه؛ أو تعريف عهد، كقولك: ما فعل الرجل؟ وأنفقت الدرهم، لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مخاطبك."[89]
قام الإمام الجليل ابن هشام، بعد نحو قرنين من تأليف كتاب المفصل، بتأليف كتابه الشهير مغني اللبيب. وقد بدأ فيه أيضًا بحث "لام التعريف" بذكر هذين الصنفين الرئيسيين: تعريف الجنس وتعريف العهد، شأنه في ذلك شأن من سبقه. غير أن ابن هشام، نظرًا إلى اختياره المنهج التفصيلي في تناول مباحث الحروف، لم يقتصر على مجرد ذكر هذين الصنفين، بل عمد إلى بيان أقسامهما المختلفة، مدعمة بالأدلة والأمثلة. أما لام العهد، فقد بيّن ابن هشام أنها تأتي في ثلاث صور:
١- أن يراد تكرار نفس الاسم النكرة بعينه، كما في قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا فعصى فرعون الرسول﴾[90] حيث أعيد ذكر "الرسول" بعد تعريفه باللام.
٢- أن يكون المصداق المشار إليه موجودًا أمام المتكلم، كما في قولك: "جاءني هذا الرجل".
٣. أن يكون ذلك المصداق معلومًا ذهنيًا، إما للمتكلم وحده أو للمتكلم والمخاطب معًا، كما في قوله تعالى ’إذ هما في الغار‘.[91]
وهذه هي الصور الثلاث التي يعبّر عنها بعض النّحاة الآخرين بمصطلح العهد الخارجي. ومن هؤلاء الشارحون لكتاب "الكافية"، مثل: الجامي، والسيد الشريف الجرجاني، والعصام الإسفرائيني، فكلهم يطلقون على هذه الصور اسم العهد الخارجي.
وحسب اصطلاح هؤلاء، فإن "أل" إذا دخلت على اسم وكانت أفراده متعيّنة في الخارج، سواء كانت حاضرة أمام المتكلم أو معروفة في ذهنه أو في ذهنه وذهن مخاطبه، فإنها تكون لام العهد الخارجي. وقد عبّر عن ذلك العصام الإسفرائيني بقوله:
"وأما أن يشار بها إلى قسم من مفهوم اللفظ معهود بينك وبين مخاطبك، يسبق فهمه إليه عند سماع اللفظ، فهي لام العهد الخارجي."[92]
قام مؤلف "مغني اللبيب"، كما فعل في أنواع "لام العهد"، ببيان ثلاث صور لـ"لام التعريف الجنسية" أيضًا. وقد عبّر عن أول صورتين بعبارتي:
١- لاستغراق الأفراد
٢- لاستغراق خصائص الأفراد
أما القسم الثالث، فقد عبّر عنه بقوله:
"أو لتعريف الماهية، وهي التي لا تخلفها (كلّ) لا حقيقة ولا مجازًا، نحو قوله تعالى: ’وجعلنا من الماء كل شيء حيّ‘ وقولك: والله لا أتزوج النساء، أو لا ألبس الثياب."[93]
وقد علّق الرضي الاستراباذي على هذا النوع من "لام الجنس" بقوله:
"والثاني: ما هو لبيان ماهية الجنس من غير أن يدلّ اللفظ على القلة أو الكثرة، بل ذلك مجرد احتمال عقلي. كما في قوله تعالى ’لئن أكله الذئب‘ مع أنه لا يوجد هناك ذئب معين معروف، ولم يرد به استغراق الجنس أيضًا. ومثله قولك: ادخل السوق، واشتر اللحم، وكل الخبز."[94]
والجدير بالانتباه هنا أن هذا النوع من "لام الماهية الجنسية"، الذي عبّر عنه ابن هشام والرضي الاستراباذي بهذا المصطلح، يسميه فريق آخر من النحاة "لام العهد الذهني".
فالعصام الإسفرائيني، مثلًا، يقول:
"وأما أن يقصد به (أي بالجنس) فرد ما منه، فهي لام العهد الذهني، كما في: ادخل السوق."[95]
تأمّلوا، إذًا، أن المثال "ادخل السوق" الذي اعتبره الرضي مثالًا على "لام الماهية الجنسية"، استخدمه الإسفرائيني نفسه دليلًا على ما يسميه "لام العهد الذهني". ومن ثم، فإن عبارة ابن هشام التي نقلناها أعلاه والتي تنتهي بقوله: "أو لا ألبس الثياب"، يضيف بعدها إشارة صريحة إلى هذا الخلاف في الاصطلاح، فيقول:
"وبعضهم يقول في هذه: إنها لام تعريف العهد، لأن الأجناس أمور معهودة في الأذهان، متميزة بعضها عن بعض، ويقسّم المعهود إلى شخص وجنس."[96]
يتّضح من هذا البحث أن ما ذهب إليه الشيخ في تفسير "أل" في قوله تعالى من سورة النساء: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾[97] لا يختلف في الحقيقة عن رأينا، فالمعنى واحد، غير أن الاختلاف إنما هو في الاصطلاح فحسب: نحن نعبر عنه، على نهج ابن هشام والرضي، بقولنا: لام تعريف الماهية الجنسية، بينما يستخدم الشيخ، متّبعًا الإسفرائيني ومن شايعه، مصطلح لام العهد الذهني. ومثل هذا الخلاف في التسمية يمكن تمثيله بمن يقول: نحن نسمّي هذا "السماء"، بينما يصرّ الشيخ على أنه "الفلك". وكل ما يمكننا أن نرجوه من فضيلته هو أن يراجع معاجم اللغة ليجد أن الاختلاف بيننا ليس إلا في العبارة، دون المضمون. أما ما أورده من أن "أل" الماهية الجنسية تدل على جميع مفاهيم اللفظ، كأن تشمل الحرائر، والعفيفات، والمؤمنات، والمتزوجات، فإن هذا مجرّد توهّم. فلا شك أن لفظ "المحصنات"، إذا ذكر في سياق مستقل دون قرائن، فسوف يتناول من حيث الجنس، جميع أنواعه بلا استثناء. أما إذا ورد جزءًا من كلام، وكان في السياق ما يحدد المراد منه، فإن الدلالة تنصرف، بحسب القواعد المحكمة في اللغة، إلى المعنى الذي يحدّده الموضع وسياق الكلام، فتلغى دلالته اللغوية العامة، ولا يبقى من مدلوله الجنسي سوى الأفراد المطابقين لهذا المعنى المخصوص، فيقال عندها إن "أل" تدل على الجنس باعتبار فرد ما منه.
ولهذا السبب، اختار ابن هشام وغيره من أئمة النحو، وهم الملمّون بدقائق هذا الفن، اصطلاح لام تعريف الماهية بدلًا من اصطلاح العهد الذهني، لتمييز هذا النوع من التعريف الذي تحدّده القرائن والسياق، لا الذهن المجرّد.
الاعتراض الثاني للشيخ هو قوله:
"إن (المحصنات) في قوله ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ لامها للعهد الخارجي، والمعهود بها هو نفس (المحصنات) المذكورات في أوّل الآية في قوله ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. ويجب أن يُعلم أنّ ذكر المعهود الخارجي بلام العهد مسبقًا ثم إعادة اللفظ نفسه بلام العهد أيضًا جائز. وقد أورد العلّامة سيد محمود الآلوسي، تحت تفسيره لقوله تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، أنّ كلمة (العسر) لامها للعهد، وأنّ التنوين في (يسرًا) للتفخيم، وقال: "يحتمل أن يكون تكرارًا للجملة السابقة، ويحتمل أن يكون وعدًا مستأنفًا، وعلى كِلا التقديرين، فاللام والتنوين على ما سبق". ثم قال: "الاحتمال الثاني أرجح لما علم من فضل التأسيس على التأكيد".[98]
لكن، وللأسف، هذا الاعتراض أيضًا لا يقوم على أساس سليم. فالقول بأن "أل" في ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾[99] للعهد الخارجي، لا يصح لا من جهة العربية، ولا من جهة السياق. فالعربية تقرر بوضوح أن المعرف بـ "أل" إذا أعيد بلفظ معرف مثله، فلا يجوز عقلاً ولا لغة أن تحمل "أل" على معنيين مختلفين دون دليلٍ من السياق. فإن كانت "أل" في الموضع الأول للعهد الخارجي، وجب أن تكون كذلك في الموضع الثاني، وإن كانت في الأول للماهية أو للعهد الذهني، فلابد أن تفهم كذلك في الموضع الثاني أيضًا. ولا يستثنى من هذا إلا إذا وجد قرينة مانعة تدل على التغاير في الدلالة، وحينها لا يعود هناك أي ارتباط بين المعهودين أصلًا. ومن ثم، فإن لفظ "المحصنات" في الآيتين، سواء في ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أو في ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، لا يدل إلا على ماهية الجنس، أو بتعبير الإسفرائيني وأضرابه: العهد الذهني. وقد سبق بيان هذا بالدليل القاطع في المباحث السابقة. أما ما نقله الشيخ من كلام الآلوسي، في تفسيره لسورة "الم نشرح"، فإنّ الآلوسي لا يخالف ما نقرّره، بل يقرر الأمر نفسه. فإنّ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[100] ، ثم قوله بعدها: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[101] يشتملان على لفظ معرف بـ "أل"، وآخر نكرة بالتنوين. وهذا الموضع عند أهل اللغة يحتمل ثلاثة أوجه:
١- أن تكون "أل" للعهد الخارجي، أي يشير بها إلى الشدائد التي كان يمر بها المسلمون آنذاك.
٢- أن تكون للماهية أو للعهد الذهني، أي مطلق الضيق والتعب من غير تحديد.
٣- أن تكون للاستغراق، أي تشمل كل أنواع العسر.
في الحالة الأولى، سيكون معنى الآية: إن الضيق الذي أنت فيه، معه يسر. وفي الحالة الثانية، نترجم الآية على هذا النحو: إن مع العسر يسرا. أما في الحالة الثالثة، فسيكون المعنى: إن مع كل عسر يسرًا. وفي جميع هذه الحالات الثلاث، فإن المعنى الذي يتّخذ في الآية الأولى: ﴿فإن مع العسر﴾، يجب بالضرورة أن يتّخذ بعينه في الآية الثانية أيضًا. أي: إذا اعتبرنا ﴿العسر﴾ في الآية الأولى معرفًا بـ "أل" للعهد الخارجي، فيجب أن نحمله على نفس المعنى في الآية الثانية كذلك. وإذا اعتبرنا "أل" هنا للجنس، فيلزم حمله على الجنس في الآية الثانية أيضًا. وإذا فهمناها على أنها للاستغراق، فلا يمكن حينئذ أن تفهم في الآية الثانية على غير هذا المعنى. هذا هو القاعدة اللغوية في إعادة ذكر الاسم المعرف بـ "أل" التي سبق أن بيّناها أعلاه. ولهذا، فإن الآلوسي بعد أن بيّن أن "أل" في كلمة ﴿العسر﴾ في الآية الأولى هي للعهد الخارجي، وأن التنوين في ﴿يسر﴾ هو للتفخيم، يكتب في تفسيره للآية الثانية بما يوافق نفس القاعدة، فيقول:
"يحتمل أن يكون تكريرًا للجملة السابقة لتقرير معناها في النفوس، وتمكينها في القلوب كما هو شأن التكرير، ويحتمل أن يكون وعدًا مستأنفًا، و(أل) والتنوين على ما سبق." [102]
يعلم كل من له إلمام باللغة العربية أن عبارة الآلوسي: "ال والتنوين على ما سبق" لا يمكن أن تفهم إلا بهذا المعنى، وهو بعينه ما سبق أن أوضحناه. فإذا كانت "أل" في "العسر" في الآية الأولى للعهد الخارجي، فيجب أن تحمل كذلك في الآية الثانية على العهد الخارجي أيضًا، ولا يكون معهودها هو نفس كلمة "العسر" المذكورة في الآية الأولى، بل يكون ذلك الشيء الذي كانت "أل" في "العسر" تشير إليه كمعهود في تلك الآية. وبناءً على تأويل الآلوسي، يكون معنى الآيتين كما يلي:
"إن الضيق الذي أنتم فيه، معه يسر عظيم. إن الضيق الذي أنتم فيه، معه يسر عظيم."
وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الزمخشري بصيغة أخرى، حيث قال:
"وإنما كان العسر واحدًا لأنه لا يخلو: إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه كحكم زيد في قولك: إن مع زيد مالًا، إن مع زيد مالًا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضًا."[103]
يقول أبو البقاء العكبري في كتابه "إملاء ما منّ به الرحمن":
"العسر في الموضعين واحد لأن الألف واللام توجب تكرار الأول."[104]
يمكن للشيخ أن يلاحظ أن العبارة التي نقلها الآلوسي تأييدًا له، هي في الحقيقة حجة قاطعة ضد موقفه وتأييد لما ذهبنا إليه. ففي اللغة العربية، القاعدة مسلم بها تمامًا، وهي أن إعادة الاسم المعرف بـ "أل" بنفس الصورة (أي معرفًا بـ "أل" أيضًا)، تدل على إعادة الأول بعينه.
وعليه، فإن اعتبر الشيخ ﴿المحصنات﴾ في قوله تعالى: ﴿أن ينكح المحصنات﴾[105] أن "أل" فيها للعهد الذهني، فيلزمه أن يعتبر "أل" في قوله: ﴿نصف ما على المحصنات﴾ أنها للعهد الذهني أيضًا. ولا يوجد في اللغة العربية مجال لأي احتمال آخر في مثل هذه الحال.
الاعتراض الثالث:
"اعتبار لفظ (محصنات) لفظًا مشتركًا هو جهل، لأن المشترك هو اللفظ الموضوع لمعان متعددة بأوضاع متعددة، كلفظ (عين) الذي وضع بأوضاع مختلفة لمعاني مختلفة، مثل العين الباصرة، والعين الجارية، وغيرها. أما لفظ (محصنات)، فمصدره (الإحصان) وهو موضوع لمعنى واحد، هو (المنع)، وله أربعة أقسام."
لكن ينبغي التنبيه إلى أن لفظ "مشترك" هو من مصطلحات أصول الفقه، ويستعمل في اللغة العربية والأردية أيضًا بمعناه العام، أي "الذي تشترك فيه معانٍ كثيرة". والتعريف الذي ذكره الشيخ، لا شك أنه هو المستعمل في كتب الأصول، ولكن بما أن حديثنا كان حول مسائل لغوية، فقد استخدم هذا اللفظ في معناه العام لا الاصطلاحي.
وهناك أمثلة من استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى عند كبار العلماء، كما في قول أبي بكر الجصاص في أحكام القرآن:
"لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معاني مختلفة."[106]
وإذا كان من دواعي سعادتنا أن يصفنا الشيخ بالجهل، فلا ندري ما الذي سيقوله عن أبي بكر الجصّاص بعد هذا.
الاعتراض الرابع:
"القول بأن (تقتيل) تعني القتل على وجه العبرة، وأن الرجم كذلك لأنه صورة من صور القتل للعبرة، هو قول خاطئ وغير مفهوم. وذلك لأن (تقتيل) لا تعني القتل للعبرة، بل هي مصدر من باب (تفعيل) من (قتل)، وهذا الباب يدل على التكثير. ومن المعلوم أن تكثير فعل (قتل) لا يتصور إلا بواسطة كثرة المفعول به، أي بكثرة المقتولين، لا الفعل ذاته."
إنّ اعتراض الشيخ هذا، بناءً على مستوى معرفته، يعتبر وجيهًا. فمنذ أن كتب سيبويه في كتابه عبارته الشهيرة: "فإذا أردت كثرة العمل قلت كسّرته"[107]، صار النحويون عمومًا يختمون بحث خصائص باب (تفعيل) عند مسألة التكثير فقط. لكن عند تتبّع ألفاظ القرآن الكريم وكلام العرب، يتبين أن (تفعيل)، بالإضافة إلى دلالته على التكثير، يستعمل أيضًا في التعبير عن شدة وقوع الفعل والمبالغة فيه.[108] فأيّ معجم لغوي عام كـ "الرائد" أو "المنجد"، إذا نظرنا فيه إلى أفعال مثل: "صرع"، "خطف"، "ضرب"، "لطم"، "طرح" وغيرها، نجد أن معاني باب (تفعيل) منها توضّح بكلمات مثل: "مبالغة في الصرع"، أو "صرعه بشدة"، أو "بالغ في ضربه"، وليس فقط على معنى التكثير. انظر إلى قول أبي ذؤيب الهذلي:
تلاحظوا، هنا أن الشاعر استخدم "تطريح" بدلًا من "طرح" ليعبّر عن شدة الإلقاء والعنف فيه. فمضمون البيت لا يقبل أن يفهم على معنى التكثير. ويقول حجل بن نضلة في مدح درعه:
نجد في هذا البيت استخدام "تفليل" بدلًا من "فل"، وهو للدلالة على شدة التكسير لا على كثرة المكسورات. فميزة الدرع هنا أنها تبطل مفعول السيف وتضعفه تمامًا، لا أن تكسره مرارًا.
وفي مدح ناقته، يقول متمم بن نويرة:
وهنا اختار "مرفع" بدلًا من "مرفوع" للدلالة على المبالغة. أما المتلمّس، فيقول:
فالحديث هنا عن قوم صرعوا بالسيوف، والمعنى يدل على مبالغة في الفعل لا على كثرة الأفراد فقط، لذا فـ "تصريع" لا يمكن أن يفهم على أنه "تكرار الصرع" أو "كثرة المصروعين".
وتقول أم قيس:
فكلمة "تفريج" هنا تعني "فتحًا تامًا وكاملًا"، لا مجرد كثرة الفتح. وعلى هذا النمط، يفهم أيضًا معنى كلمة "تقتيل"، بأنها تعني "مبالغة في القتل"، أو "القتل الشديد البالغ".
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.[109]
فانظر إلى سياق الآية في سورة الأحزاب، وكيف أن قوة التعبير وحدة الألفاظ توضح أن المقصود هو الشدة والمبالغة في القتل، لا مجرد كثرته. والمصدر "تقتيلًا" منصوب هنا لتأكيد هذه الشدة، ولا يمكن أن يفهم على أنه "يقتلون بكثرة". فكل من لديه ذوق لغوي، يدرك أن مثل هذا الفهم سيضعف العبارة السابقة: ﴿أينما ثقفوا أخذوا﴾ ويذهب بقوتها. وفي معلقة امرئ القيس يقول:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل
"قلب مقتل" تعني "أهلك هلاكًا وذلّل غاية التذليل". وهذه عبارة تدل على المبالغة والشدة. وقد استخدمنا لها تعبير "قلب مهان ممتهن". وكل من له ذوق في اللغة والأدب يدرك بلا تردد أن المعنى في هذا البيت لا يمكن أن يكون إلا هذا. ومن خلال شواهد القرآن الكريم وكلام العرب، يتّضح أن استخدام صيغة "تقتيل" بدلًا من "قتل" في الآية ٣٣ من سورة المائدة لم يكن تغييرًا لغويًّا بلا فائدة. فالزيادة في المبنى جاءت لزيادة المعنى، ومعنى الآية يؤكد أن هذه الزيادة تفيد المبالغة والشدة. لذلك، فإن ترجمة الآية بهذا الشكل:
"أن يقتل المفسدون في الأرض بطريقة عبرة ونكال" تعد صحيحة تمامًا من جهة فصاحة العربية واستعمالاتها.
اعتراضات الشيخ أبو شعيب صفدر علي
لقد وجّه الشيخ الفاضل اعتراضين فقط على آرائنا المتعلّقة بمسائل اللغة والنحو. أمّا الاعتراض الأول، فهو على ما توصّلنا إليه من تحقيق في معنى لفظ ﴿محصنات﴾ في قوله تعالى من سورة النساء ﴿محصنات غير مسافحات﴾،[110] وقد سبق بيان هذا التحقيق ضمن هذه السلسلة من البحوث.
وأمّا الاعتراض الثاني، فقد وجّهه إلى رأي الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره "تدبر القرآن" بخصوص حرف "الواو" في الحديث المشهور عن عبادة بن الصامت: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام".[111] وقد قال الأستاذ الإمام الإصلاحي في تفسيره:
"على ضوء هذا، إذا أوّلنا رواية عبادة بن الصامت، فإنها تأخذ موضعها الصحيح، وذلك بأن نأخذ حرف (الواو) فيها لا على معنى الجمع، بل على معنى التقسيم."[112]
وفي توضيح اعتراضه، كتب الشيخ:
"هذه هي الرواية (رواية عبادة بن الصامت) التي يقال فيها إن حرف (الواو) لا يفهم على الجمع، بل على التقسيم. وبناءً على هذا، فإن الزاني سواء كان محصنًا أو غير محصن، فإن العقوبة الأصلية له هي الجلد فقط، ولكن للحكومة، بموجب آية المحاربة، أن تغرب غير المحصن إذا لم يرتدع بالجلد، وأن ترجم المحصن إذا لم يرتدع به أيضًا. لكن هناك أمورًا تمنع من فهم (الواو) هنا على معنى التقسيم:
١- في إحدى روايات عبادة بن الصامت ورد حرف (الواو)، أما في رواية أخرى عنه، فقد نقل النص بلفظ:
"الثيب جلد مائة، ثم رجمًا بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة، ثم نفي سنة."[113]
٢- ولو فهمت (الواو) على معنى التقسيم في هذه الرواية، لأصبحت دلالتها أن غير المحصن يعاقب إما بالجلد أو بالنفي، والمحصن يعاقب إما بالجلد أو بالرجم. وهذا المعنى يؤدي إلى نسخ آية النور بالنسبة للمحصن وغير المحصن على السواء."[114]
إن اعتراض الشيخ المشار إليه، في الحقيقة، يمثل مثالًا مؤسفًا على الجهل بروح الخطاب وفنونه. فالأستاذ الإمام لم يقل في أي موضع أن حرف "الواو" في رواية عبادة بن الصامت المشار إليها يفيد التخيير. بل هو قد قرّره بوضوح على أنه "واو التقسيم". ومن المعلوم أن لفظتي "التقسيم" و"التخيير" لا تستخدمان لمعنى واحد، لا من حيث الاصطلاح، ولا من حيث اللغة. والتفسير الذي ذكره الشيخ للحديث هو أقرب إلى معنى "التخيير"، وهو ما يعبّر عنه أهل الفن بذلك اللفظ، لا بلفظ "التقسيم". وبناءً على هذا الفهم، فإن كلامه قد يصح، أي أن الحديث يفهم منه أن آية النور منسوخة بالنسبة للمحصن وغير المحصن معًا. لكن الأمر ليس كذلك عند الأستاذ الإمام، كما بينّا. فهو لا يرى أن "الواو" في قوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" هي للتخيير، بل يرى أنها للتقسيم، وقد بيّن معناها بعبارته الصريحة، فقال:
"أي أن الزاني، سواء كان غير متزوج أو متزوجًا، فإن العقوبة الأصلية له هي الجلد (العقوبة بالسوط)، ولكن إذا لم يرتدع غير المتزوج بعقوبة الجلد، فللدولة، إذا رأت في ذلك مصلحة، أن تطبّق عليه عقوبة النفي كما ورد في الآية السابقة من سورة المائدة (الآية ٣٣)، لأن هذه الآية أعطت للحكومة خيار النفي كذلك. وبالمثل، فإن عقوبة الزاني المتزوج، كما هو ظاهر من الرواية، هي الجلد أيضًا، لكن إذا لم يرتدع بهذه العقوبة، وأصبح خطرًا على المجتمع، فللدولة أن تطبّق عليه عقوبة التقتيل، أي الرجم، بموجب ما ورد في سورة المائدة."[115]
هذا هو المفهوم الذي عبّر عنه الأستاذ الإمام بلفظ "التقسيم". وقد استخدم ابن هشام هذا المصطلح في معاني من هذا النوع في كتابه الشهير في حروف اللغة العربية "مغني اللبيب".
ونقول للشيخ الفاضل، مع كامل الاحترام، إنه لو لم يكن على دراية بفرق "التقسيم" و"التخيير"، فالأولى به أن يمتنع عن الخوض في مثل هذه المسائل الفنية الدقيقة. وفي ضوء هذا التوضيح، يمكنه أن يرى أن اعتراضه، وإن كان ينطبق على المعنى الذي اختاره هو نفسه للحديث، فهو لا يرد مطلقًا على رأي الأستاذ الإمام. ومن المهم التنبيه هنا إلى أن المعنى الذي ذهب إليه الأستاذ الإمام في تفسير الحديث، هو معنى صحيح تمامًا من حيث قواعد العربية. ونحن نقول ذلك بكل اطمئنان: إن حرف "الواو" يستعمل في اللغة العربية بهذا المعنى. ولهذا الاستعمال نظائر من القرآن الكريم وكلام العرب، لكننا، اختصارًا، نكتفي هنا بشاهد من القرآن الكريم، وهو قوله تعالى:
﴿وَٱللَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾.[116]
في هذه الآية، تم توجيه الأزواج إلى اتخاذ ثلاث وسائل لإصلاح حال الزوجات الناشزات:
الأولى: أن يوجّهن بالنصح والموعظة،
الثانية: أن يهجرن في المضاجع،
والثالثة: أن يعاقبن بالضرب.
وقد وردت هذه الوسائل الثلاث بحرف "الواو". وكل من له دراية بالعربية يدرك بسهولة، ومن أدنى تأمل، أن دلالة الآية واضحة في أمرين اثنين:
١- أن هذه الوسائل لا تتخذ دفعة واحدة، بل يبدأ أولًا بالموعظة والتذكير والزجر، فإن لم تجد هذه الوسيلة، ينتقل إلى الهجر في المضجع، وإن لم تنفع هذه أيضًا، جاز للرجل أن يعاقب زوجته بالضرب.
٢- وليس من اللازم اتخاذ جميع هذه الوسائل، فالموعظة لا شك واجبة في كل حال، لكن الهجر لا يكون إلا مع من لم تستجب للموعظة، والضرب لا يلجأ إليه إلا مع من لا ترتدع إلا به. فهذه الوسائل موزعة بحسب النتائج، أي أنه إذا لم تجد وسيلة، تتخذ التي تليها. وفي رواية عبادة بن الصامت التي نحن بصددها، فهذا هو المعنى نفسه الذي قصده الأستاذ الإمام. وفي اللغة العربية، يعبر عن هذا المعنى عادة بحرف "ثم"، كما أشار إلى ذلك إمام اللغة الزمخشري في تفسيره للآية المذكورة من سورة النساء، فقال:
"أمر بوعظهن أولًا، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب، إن لم يجد فيهن الوعظ والهجران."[117]
انظروا، إن عبارة صاحب الكشاف توضح أن حرف "ثم" أدلّ على هذا المعنى من "الواو"، ولذلك فإن إحدى روايات حديث عبادة بن الصامت جاءت بـ"ثم" بدلًا من "الواو"، وقد استند الشيخ المعترض إلى هذه الرواية تأييدًا لرأيه، مع أن الحقيقة أن هذه الرواية حجة قاطعة على بطلان موقفه، فقد استدل بما يرد قوله، لا بما يدعمه، وليس لنا إزاء ذلك إلا أن نقول:
چه خوش چرا نه باشد!
ترجمة: فما العجب في أن يكون حسنًا؟
إلى هنا، كنت في مقام بيان وجهة نظر الأستاذ الإمام. أما رأيي الشخصي في هذه الرواية، فهو يختلف عن رأي الأستاذ الإمام. ففي تقديري، تفيد ألفاظ الرواية نفسها أن العقوبات المذكورة فيها لا تتعلق بكل من ارتكب الزنا، بل هي مخصصة بالفاسقين الذين ورد ذكرهم في الآيتين ١٥ و١٦ من سورة النساء. وتدل ألفاظ الآيتين على أن الحكم موجه إلى صنفين من المجرمين:
١- النساء اللاتي كنّ يتعاطين الزنا على نحو دائم ومنهجي.
٢- الرجال والنساء الذين كانت علاقاتهم المحرمة أشبه بالارتباط الدائم، بحيث صارت علاقات مستقرة معتادة. وقد عبّر القرآن عن هذين الصنفين بـ﴿اللاتي يأتين الفاحشة﴾ و﴿اللذان يأتيانها﴾، وورد لهما في مواضع أخرى التعبيران: "مسافحات" و"متخذات أخدان". ومن الواضح أن الحديث لا يتعلق بأشخاص زلت أقدامهم لحظة في لحظة ضعف وغلبة شهوة، فهؤلاء هم الذين شملهم حكم آية النور: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾.[118] أما أولئك الفاسقون، فقد استمروا في فجورهم حتى بعد دخولهم في الإسلام لأسباب دنيوية أو تبعًا لرؤساء قبائلهم، ولم يكفوا عن أفعالهم، فأمر الله في سورة النساء:
١- بأن تحبس النساء الفاسقات في البيوت إلى أن يتوفاهن الموت أو ينزل الله فيهن حكمًا جديدًا.
٢- وأن يجلد من تورط في علاقة خدان (عشيق أو عشيقة)، فإن تاب وأصلح، ترك، وإلا فلينتظر فيه حكم الله. وهذا كله يشير إلى أن هذه التوجيهات كانت مرحلية، والرواية عن عبادة بن الصامت توضح أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى لاحقًا وحيًا خفيًا يأمره بتحديد العقوبات تفصيلًا: من ثبت فسقه، وكان مع ذلك مستحقًا للرفق، فليجلد بموجب آية النور، ولينف عن المجتمع بموجب آية المائدة (٣٣)، لدرء فساده. ومن لا يتصور فيه أي وجه للرفق، فليرجم بمقتضى قول الله: ﴿أن يُقتّلوا﴾.
أما الجمع بين الرجم والجلد الوارد في الرواية، فليس للتنفيذ، بل لتوضيح الأحكام، لأن الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلد أحدًا مع الرجم. والسبب واضح: أن الجمع بين عقوبة الإعدام وأية عقوبة أخرى يناقض مقاصد التشريع، إذ إن القتل يغني عن التعزير والتأديب والردع، وهذا الأصل معتبر في الشريعة الإسلامية وفي القوانين المتحضرة. من هنا نرى أن تقسيم العقوبات في هذه الرواية ليس بحسب النتائج، بل بحسب تعدد الجرائم. فمن اجتمعت فيه جريمة الزنا وجريمة الإفساد في الأرض، يعاقب بالعقوبتين، كل واحدة لجرمها. وبناء عليه، تجمع العقوبات بحسب الجاني، وتقسم بحسب الجريمة، ولا مانع في العربية من التعبير عن هذا المعنى إما بـ"الواو" أو بـ"ثم"، وكلاهما سائغ في اللسان العربي.
وإذا رغب شيخنا الغالي، فإننا مستعدون لتقديم شواهد ونظائر من لغة العرب تدعم هذا الاستعمال. الشيخ الكريم قد أثار اعتراضًا أولًا على رأينا في معنى لفظ "محصنات"، وللرد عليه، نعيد هنا نشر مقالتنا التي صدرت في العدد الخامس من مجلّة "الأعلام"، بعد أن نشر هو مقالته بعنوان "عقوبة الزاني المحصن" في العدد الرابع من المجلّة نفسها. وإليك نص المقال:
كتب صديقي الفاضل الشيخ أبو شعيب صفدر علي تحت عنوان "عقوبة الزاني المحصن" مجموعة من النوادر لا يمكن تقديرها إلا من قِبل أولئك الذين شابت رؤوسهم في دراسة أساليب العرب، ثم لأول مرة في حياتهم أتيح لهم الاطلاع على هذه المقالة ليتلقوا فيها من عجائب علم اللغة والنحو ما لم يخطر لهم على بال.
تخيّلوا، فقط تخيّلوا، كم عبّر أولئك الخبراء عن أسفهم على ما فاتهم من هذه النفائس، حين علموا من بحث الشيخ المحقق أن في اللغة العربية نوعًا من "أل" التعريف إذا ما التصق بكلمة، حرّم أن يفهم منها العموم على وجه يشمل المجنون والصبي والمكره! أيّ فتح مبين هذا؟! أيّ اختراع لغوي فذّ؟! وهل تظن أن هذا بالأمر الهيّن؟! لا والله، فالمسألة التي خصّص الإمام الشاطبي عشرات الصفحات في كتابه "الموافقات" لمعالجتها، جاء شيخنا المحقق فحلّها بجملة واحدة، بل في هامش من الحاشية، وكأنها ليست شيئًا يذكر. فإن كان الناس اليوم لا يزالون يشكون من ندرة أهل العلم، فلا مناص لنا، ونحن في حضرة هذه المعجزات العلمية، إلا أن نرثي عقولهم بدلًا من أن نرثي أهل زمانهم. وقد كتب الشيخ مقالته هذه ردًا على مقال لي، وهو صديق عزيز عليّ، فالعدل يقتضي ألا نحرم شيخنا الجليل من نصيب من الثناء على شيء من نوادره، ولكنني، مراعاةً للاختصار، سأكتفي بذكر اثنتين فقط، إذ يظهر أن كل جهد الشيخ في المقال قد تركز على صقل هذين المبحثين وتجميلهما، وأما بقية ما كتب، فهو لا يعدو أن يكون مكمّلًا لهذين الجوهرتين.
١- في النصف الأول من المقال، يصرّح الشيخ أنه ناقش، متجردًا من كل عصبيّة، مسألة استعمال اسم الصفة "محصنات" في اللغة العربية، وهل يصح إطلاقه على الإماء. وفي سبيل ذلك، قلب معاجم اللغة رأسًا على عقب، من "لسان العرب" إلى "الجوهري" و"صحاح"، وذكر اقتباسات لا تحصى. سعى إلى تتبع أصل الكلمة، وشرح معناها المصدري، وتمييز صيغ الفاعل والمفعول، وأورد شواهد من شعر الجاهلية لبيان منزلة الإماء مقارنة بالحرائر. واستشهد بآيات من القرآن الكريم تبيّن الفروق بين المرأة المصونة والمرأة العفيفة، كما تستخدم ألفاظًا وأساليب لغوية مختلفة. وقد صدق في هذا كله، إذ أدّى فريضة الترحال في صحراء المعاني حق أدائها، حتى كاد يصل إلى لبّ الحقيقة. أما الاكتشافات المذهلة التي أتحفنا بها في علم اللغة والنحو، والتي أشرنا إلى واحدة منها آنفًا، فستبقى تثير الدهشة قرونًا طويلة في أوساط أهل العلم. فمن أين لذوي الذوق الأدبي أن يعثروا على مثل هذه الكنوز؟! أثناء هذا البحث والتنقيب، فإن الاكتشافات المذهلة التي تفضل بها الشيخ في فن اللغة والنحو، والتي ذكرنا واحدة منها سابقًا كنموذج، فإن الحق أنها ستبقي أهل الفن حيارى حقبًا طويلة. فأين لمحبّي الذوق الأدبي أن يجدوا مثل هذه اللطائف من غيره؟ والآن، إذا تجرأ أحد في مجلس العلم على أن يفتح فمه بالكلام، فسيضع الإخوان أيديهم على فمه، ويتضرعون إلى سيّد المجلس بهذا الرجاء:
عشوۂ زاں لب شیرین شکر باز بیار
ترجمة: أعد لنا تلك النظرة الساحرة من ذلك الشفاه الحلوة كالسّكر.
غير أن الأمر الذي يفوق كل تلك الاكتشافات المدهشة في هذا الجزء من المقال، فهو ما توصل إليه الشيخ الجليل من نتيجة بحثه. فبعد أن قطع تلك الفيافي واجتاز وهادها وسهولها، صرّح بأن تتبعه للسان العرب والقرآن الكريم قد أوصله إلى أن لفظ (المحصنات) لا يستعمل في الأصل للإماء، وإنما نقلًا عن الإمام الأزهري، فإن استعماله لهن جائز إذا أعتقن، أو تزوّجن، أو دخلن في الإسلام. لقد أوضحنا سابقًا تفاصيل هذا التتبع الصحراوي الذي قام به الشيخ في سبيل هذه الخلاصة، ولكن الذي جعل من هذه النتيجة قطعة من الكلاسيكيات الأدبية هو ما يلي:
أن الآية الكريمة في سورة النساء، التي جعلها الشيخ نفسه محورًا لتحقيق معنى هذا اللفظ، هي بذاتها دليل قاطع على أن هذا اللفظ، وإن لم يستعمل في اللغة العربية كوصف أصيل خاص بالإماء،[119] فإنه مثل سائر الصفات يطلق على من تتصف به، سواء كانت حرة أو أمة. فإذا تحققت صفات الإحصان في الأمة، جاز إطلاق هذا الوصف عليها كما يطلق على الحرة. وهذا ما فعله القرآن الكريم في هذه الآية. والذي لا شك فيه أن دلالة الآية على استعمال هذا اللفظ في وصف الإماء واضحة وضوح الشمس، بحيث يدركها بسهولة قارئ عادي للقرآن الكريم، ولكن لنرفع القبعة للشيخ المحقق، الذي لم تكن الآية غائبة عن نظره أثناء كتابة مقاله، بل كان يبحث في معناها نفسه، ومع ذلك لم يعرها التفاتًا كافيًا، ولم يرجع إليها ليضع حدًا لهذا الجدل. بل إن قلمه أقرّ في لحظة استعجال بأن اللفظ هنا مستعمل في الإماء، ومع ذلك استمر في البحث عن دليل ينفي هذا الاستعمال، ولم يعرج على هذه الآية، وكأنّ الأمر لا يعنيه. لا ندري ما الذي سيفسره نقاد الأدب من أسباب لولادة هذه الكلاسيكية، أما نحن، فلا نملك إلا أن نحسن الظن ونردّ ذلك إلى تقواه البالغة، فقد كان الحديث عن (المحصنات)، فغضّ الطرف، وأبى أن يرفع بصره حتى إلى الآية ذاتها، التزامًا منه بأقصى حدود الحياء والتعفف. وإليك الآية الكريمة التي تبيّن بجلاء استخدام هذا الوصف للأمة المؤمنة:
﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.[120]
يأبى القلب إلا أن تتلى هذه الآية الكريمة على مسامع الشيخ الفاضل، ثم يسأل برفق وأدب:
إن لفظ ﴿المحصنات﴾ قد ورد في هذه الآية صريحًا في وصف الإماء، والقرآن الكريم، كما لا يخفى، هو الحجة العليا في الدين، والمرجع الأسمى في لسان العرب. فكيف جاز لكم، يا فضيلة الشيخ، أن تغضوا الطرف عن هذه الآية البينة، وأن تعرضوا عن نصها القاطع في سياق بحثكم عن دلالات هذا اللفظ؟! بل كيف فضلتم التيه في مسارب التأصيل المعقدة، والتفتيش في متون المعاجم والدواوين، وتركتم هذا النص الجليّ الذي كان أولى بالاستشهاد والاعتماد؟! لكننا نمسك عن البوح بهذا التساؤل، خشية أن يكون جوابكم:
"أنّى لك، أيها العامي! أن تدرك طرائق أهل الفن ومسالك التحقيق عند أئمة هذا الشأن؟! تعال، فاجلس بين يدي الشيوخ، نعلّمك كيف يصاد البجع، ونريك الفرق بين مناهج الأساتذة ولهو الهواة من أمثالك!"
في النصف الثاني من المقال، تفضّل شيخنا الفاضل بنقض وجهة النظر التي كنت قد عرضتها بشأن دلالة لفظ ﴿المحصنات﴾ في الآية الكريمة من سورة النساء. وقد ذهبت في رأيي إلى أن هذا اللفظ في السياق المذكور يدل على "العفائف" لا على "المتزوجات". ومن جملة الأدلّة التي استندت إليها ما يلي: أن كلمة ﴿المحصنات﴾ هنا لم ترد مستقلة، بل وردت في مقابلة ﴿المسافحات﴾، تمامًا كما نقول: "هو عالم ليس بجاهل". وهذا من القواعد المستقرة في العربية: أن اللفظ إذا ورد في تركيب تقابلي، تحدّد معناه باعتبار مقابله، فيغدو دالًا على نقيض ذلك المقابل. وحيث إن ﴿المسافحات﴾، في هذا السياق، لا تحتمل إلا معنى "الزانيات"، فإن ضدّها لا يمكن أن يكون إلا "العفيفات"، وهذا يعني أن ﴿المحصنات﴾ في الآية لا يمكن تفسيرها إلا بالعفائف، وليس بالمتزوجات. ولأن هذه الحجة أوضح لذوي الأفهام، ممن قد تثقل عليهم مباحث النحو العويصة، فقد آثر الشيخ الكريم التركيز عليها دون غيرها. ولقد كان من لطف الشيخ أن سلّم بالقانون اللغوي الذي بنيت عليه هذه الحجة، دون أن يعترض عليه أو ينقضه. غير أن النتيجة التي تترتب عليه لم تكن لترضيه، فعدل عن نقد القاعدة إلى تأويل مقابل اللفظ، أي ﴿المسافحات﴾، محاولًا صرفه عن دلالته القاطعة. وقد اختار الشيخ أن يسلك نفس المسلك المنهجي الذي سلكه في بحثه الأول عن ﴿المحصنات﴾. فابتدأ بتحديد موقع "المسافحات" بين الأسماء في اللغة، وتتبع أصلها ومادتها وصيغتها، ثم فرّق بين "الزنا" و"الفاحشة" و"السفاح"، واستعرض ما شاء الله من أقوال أهل اللغة من "لسان العرب" و"تاج العروس"، بل وأتبع ذلك بثلاثة أحاديث من "مسند الإمام أحمد" ليعضد استنتاجه بأن "السفاح" ليس الزنا العارض، بل هو نوع من العلاقة المستمرة بلا عقد نكاح. وبناءً عليه، خلص إلى أن "المحصنات" في مقابل "المسافحات" لا يمكن أن تعني "العفائف"، بل تعني "المتزوجات". وهذا الاستنتاج، كسابقه، ليس بالأمر الهيّن، فقد سلك إليه الشيخ الطريق ذاتها، غاص في بطون المعاجم، وقلّب صفحات المسند، ولكنه، وللمرة الثانية، أعرض عن القرآن، وهو أوثق مصادر العربية، وأبلغها بيانًا، وأولاها بالرجوع في تحديد دلالات الألفاظ. ومن عجيب الأمر، أنه في الوقت الذي استخرج فيه كل ما استطاع من "المسند"، لم يكلّف نفسه عناء تأمل الآية نفسها التي كانت بين يديه طوال مدة الكتابة، والتي ورد فيها ﴿المحصنات﴾ مقابل ﴿المسافحات﴾، و﴿المسافحات﴾ مقابل ﴿المتخذات أخدان﴾. وهو يعلم، كما نعلم، أن ﴿المتخذات أخدان﴾ لا تعني إلا النساء اللواتي يقمن علاقات سرّية خارج إطار الزواج، فبمقتضى القاعدة التي سلّم بها سابقًا، لا يمكن أن تعني "المسافحات" في المقابل، إلا النساء اللواتي يجاهرن بالزنا.
وعندئذ، إذا وردت "المحصنات" في مقابلة هذين الوصفين، فلا يمكن أن تعني بحال إلا "العفائف". فالمقابلة في الآية ثلاثية واضحة: ﴿المحصنات﴾ مقابل ﴿المسافحات﴾.
﴿المسافحات﴾ مقابل ﴿المتخذات أخدان﴾ فكانت المحصنات، العفائف، باللزوم العقلي واللغوي معًا. وهذا عين ما فعله الشاعر الجاهلي ابن مقبل حين قال:
من نسوة شمس لا مكره عنف ولا فواحش في سرّ ولا علن
لكن، ما عسانا نقول؟! إنّ هذه النصوص القرآنية القطعية، لم تجد، للأسف موضعًا لها في مراجع شيخنا الباحث ولا حظًّا من عنايته! فـيا للعجب! ولكن، ما جدوى العجب؟! فإنّ تعجبنا، نحن العوام الذين لم نغص في "فنّيات البحث" ولا تمرّسنا بـ"دقائق النقد"، لن يقيم له فضيلته وزنًا ولا اعتبارًا. فالأولى بنا أن نسجّل له إعجابنا بـجرأته البحثية الخارقة؛ فقد وقف بكل ثقة أمام برهان القرآن القاطع، ليواجهه مستندًا إلى "لسان العرب" و"الصحاح" و"المسانيد" و"الجوامع"، ثم أعلن حكمه بثبات ويقين، وكأنّما آيات الكتاب لا شأن لها بمسائل اللغة والاستعمال! والأعجب من ذلك، أنّه لم يكتف بتجاوز دلالة الآية، بل استند في تدعيم موقفه إلى تأويل الإمام الزمخشري في "الكشاف"، وادّعى أنّه أيضًا يرى لفظ "المحصنات" بمعنى "النساء المتزوجات". لكن هل هذا حقًا ما قاله الزمخشري؟ فلننظر في عبارته الشهيرة:
"محصنات: عفائف، والأخدان: الأخلاء في السر، كأنّه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرّات له."[121]
ويا للخير الذي أصابنا، والحمد لله، إذ إنّ صاحبنا، كما يعترف هو نفسه، ليس على دراية كبيرة بكلام العرب، وإلا لكان لم يكتف بالزمخشري، بل لاضطرّ شاعر "الحماسة" نفسه إلى أن يجثو بين يديه ليتعلّم منه معاني ألفاظه، وهو الذي استعمل كلمة "المسافحة" وصفًا للزانية، مشيرًا إلى نتائج الفجور المتكرّر في بيئته، فقال:
تسد فرج القحبة المسافحة مفسدة لابن العجوز الصالحة
ولا ندري حقّا، هل سيعتبر أساطين التحقيق كلاسيكية الباحث الأولى أعظم من الثانية، أم العكس؟! أما نحن، عامة الناس، فقد خرجنا من مطالعة هذا المقال بنتيجة واحدة: أن كلا الاكتشافين هما من كرامات ورع فضيلته! فحين غضّ بصره عن "المحصنات"، العفيفات، وترك النظر في دلالة لفظهنّ، خرج لنا بـ"الكلاسيكيّة الأولى"، وحين صرف نظره عن "المتخذات أخدانًا" (أي ’صاحبات العلاقات السرّية‘) وابتعد عن معناهنّ، أتحفنا بـ"الكلاسيكيّة الثانية". وهكذا، ومن محض تقواه، أهدى للأوساط العلميّة رائعتين فذّتين في مقال واحد فقط!
وما عسانا نقول في الختام إلا:
یہ نصیب، اللہ اکبر، لوٹنے کی جائے ہے
ترجمة: هذا هو الحظّ العظيم، يا سبحان الله، يا له من غنيمة لا تقدّر بثمن!
حين همّ صديقنا الكريم بكتابة هذا المقال، كنا قد نصحناه مشفقين أن يكتفي بعد نشر وجهة نظرنا في هذا الموضوع، بتوضيح استدلالات المتقدّمين، وألا يتعجل القلم دون دراسة دقيقة للمباحث الفنية المتعلقة بهذه المسألة، وألا ينزلق إلى الاجتهاد في مسائل اللغة والأدب دون زاد كاف. لكن، وعلى الرغم من نصيحتنا، آثر أن يسطر اجتهاداته، وأن ينشرها تحت عنوان "عقوبة الزاني المحصن" في مجلة الإعلام. وبعد صدور المقال، عرضنا عليه كل ما لدينا من ملاحظات، وقد أوردنا جزءًا منها أعلاه، وطلبنا منه إن كان لديه رد عليها، فليتفضل. فما كان من فضيلته إلا أن أقرّ، مشكورًا، بأنه لا يملك ما يردّ به. وبسبب هذا الإقرار، آثرنا أن نكتفي بهذا التعليق المختصر، لكن إن رجع لاحقًا عن هذا الاعتراف، فـ"الرفيق ما زال حيًّا والصحبة باقية"، وسنكون له بالمرصاد، كما يقال. ولن ننسى أن عنوان مقاله هذا، الذي يثير كثيرًا من اللبس، كان من اقتراحنا، إذ كان يومها حائرًا في اختيار العنوان المناسب، فاقترحنا عليه هذا العنوان، فوافق عليه. ومع استمرار كتابته في هذا الموضوع، إن احتاج في أي وقت إلى خاتمة مؤثّرة، وأحبّ أن يسند إلينا شرف اختيارها، فلن نبخل عليه بهذا البيت الشعري الذي نقدّمه له اليوم عربون محبّة ورفقة علمية:
ترجمة: خواطري مضطربة، متشابكة كخصلات شعر الحبيب، فلا تلمني، فقد سطّرت كلماتي في ليل الهجر والحرمان.
[١٩٨٢م]
______________
