لم يفرض القرآن الكريم طريقة معينة لإثبات الجريمة، ومن ثم، فمن المؤكد قطعًا أن القانون الإسلامي لا يقتصر في إثبات الجرائم على أسلوب واحد، بل تثبت الجريمة فيه بجميع الوسائل التي تعد مقبولة في أخلاقيات القانون، وتقرها الفطرة السليمة والعقل كوسائل لإثبات الجرم. وبناءً عليه، فإن الظروف والقرائن، والتقارير الطبية، وتشريح الجثة (postmortem)، وبصمات الأصابع، وشهادة الشهود، وإقرار المتهم، واليمين، والقسامة، وغير ذلك من الأدلة، كلّها تعد في الشريعة الإسلامية وسائل صالحة لإثبات الجريمة، تمامًا كما هو الحال في القوانين المعمول بها في العالم المعاصر. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله:
"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر." [1]
وقد علّق الإمام ابن القيم على هذا بقوله:
"البيّنة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسمٌ لكلّ ما يبيّن الحقَ، فهي أعمُّ من البيّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصّوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين."[2]
واستثناءً من هذا الأصل، توجد حالتان فقط لا يكتفى فيهما بالطرق المعتادة في إثبات الجرم:
أولًا: إذا اتهم شخص رجلًا أو امرأة من أهل العفة والطهارة، ممن عرفوا بين الناس بالصلاح، بفاحشة الزنا، ففي هذه الحالة يوجب القرآن الكريم تقديم أربعة شهود عيان على وقوع الجريمة. وإذا لم يقدم هذا العدد من الشهود، فإن الدعوى ترفض تلقائيًا، ولا يقبل فيها أي دليل آخر من ظروف أو قرائن أو تقارير طبية.
فإذا كان المتهم شخصًا معروفًا بالفجور، فيمكن عندئذ الاستناد إلى الأدلة والقرائن لإثبات الجريمة. لكن إذا كان صاحب سمعة طيبة وسيرة نقية، فإن الإسلام في هذه الحالة يرشد إلى التستر عليه وعدم التشهير به، حتى لو كان مذنبًا، اتقاءً للفضيحة والضرر الاجتماعي. ولذلك يطلب القرآن الكريم في مثل هذه الحالة تقديم أربعة شهود، فإن لم يتوافروا، يعدّ القاذف نفسه مجرمًا مستحقًا للعقوبة. قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.[3]
ثانيًا: إذا وجد في المجتمع نساء يمارسن الفاحشة علنًا، أي كنّ من القواعد الموصوفات بالقحبة في اصطلاح العرب، فإن القرآن الكريم يبيّن كيفية التعامل معهنّ بأن يطلب أربعة من الشهود المسلمين ليشهدوا أن فلانة امرأة مشهورة بفعل الزنا، معروفة في المجتمع بهذه الصفة.
فإذا أدلى هؤلاء الشهود بشهادتهم أمام المحكمة بكل مسؤولية، وقالوا: "نعلم يقينًا أن هذه المرأة معروفة بالفاحشة ومشهورة بها"، واطمأنت المحكمة بعد التحقيق والتمحيص إلى صدق هذه الشهادة، فبإمكانها أن تصدر حكمًا بالعقوبة على هذه المرأة. قال تعالى:
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ[4] فَاثْبُتُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ تَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.[5]
وباستثناء هاتين الحالتين، لا تفرض الشريعة الإسلامية طريقة مخصوصة لإثبات الجريمة؛ سواء كانت من حدود الله أو من الجرائم الأخرى. الأمر متروك لتقدير القاضي. فله أن يقرر قبول شهادة هذا أو ذاك، بناءً على ما يظهر له من صدق ودقة، دون تمييز بين شهادة الرجل والمرأة. فالمرأة، إذا شهدت بوضوح ودقة دون ارتباك أو تناقض، لا ترد شهادتها لمجرد أنها امرأة، حتى وإن لم يرافقها شاهد آخر رجلًا كان أو امرأة. وفي المقابل، لا تقبل شهادة الرجل لمجرد كونه رجلًا، إذا كان في شهادته غموض أو اضطراب. فالعبرة في النهاية هي بمدى اطمئنان المحكمة إلى صدق الشهادة بناء على مجمل البينات والقرائن. وإذا اقتنعت المحكمة بثبوت الجريمة، فإنها تقضي بذلك، وإذا لم تطمئن، فلها كامل الصلاحية في رفض حتى عشر شهادات من رجال. وهذا المعيار ينطبق كذلك على شهادة غير المسلمين، إذ إن المسألة تعود إلى قناعة القاضي لا إلى ديانة الشاهد. غير أن فقهاء الأمة اختلفوا في هذه المسألة. وقد عرض ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد" هذا الخلاف فقال:
"واتفقوا على أنه تثبت الأموال بشاهد عدل ذكر وامرأتين لقوله تعالى: (فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) واختلفوا في قبولهما في الحدود، فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات، وقال أهل الظاهر: تقبل إذا كان معهن رجل وكان النساء أكثر من واحدة في كل شيء على ظاهر الآية، وقال أبو حنيفة: تقبل في الأموال وفيما عدا الحدود من أحكام الأبدان مثل الطلاق والرجعة والنكاح والعتق، ولا تقبل عند مالك في حكم من أحكام البدن. واختلف أصحاب مالك في قبولهن في حقوق الأبدان المتعلقة بالمال، مثل الوكالات والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال فقط، فقال مالك، وابن القاسم، وابن وهب: يقبل فيه شاهد وامرأتان، وقال أشهب، وابن الماجشون: لا يقبل فيه إلا رجلان. وأما شهادة النساء مفردات (أعني: النساء دون الرجال) فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء ."[6]
الآية التي استند إليها الفقهاء في رأيهم حول عدد الشهود، هي قوله تعالى:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾.[7]
غير أن الاستدلال بهذه الآية، في نظرنا، محل نظر من وجهين اثنين:
أولًا: هذه الآية لا تتعلق أصلًا بالشهادة على الوقائع والأحداث، وإنما تتعلق بالشهادة التحفظية التوثيقية، أي الشهادة على الوثائق والمعاملات. والفرق بين هذين النوعين من الشهادة واضح تمامًا لكل عاقل. ففي الشهادة التوثيقية (كالديون والعقود)، نحن من نختار الشهود، لأننا ندون العقد بإرادتنا ونطلب ممن نثق بهم أن يشهدوا عليه. أما في الشهادة على الوقائع (كالزنا، والقتل، والسرقة، ونحوها)، فالشاهد يكون حاضرًا في موقع الحدث بمحض الصدفة وليس باختيار أحد. وبالتالي، لا يصح قياس أحد النوعين على الآخر، لأن طبيعة كل منهما مختلفة تمامًا.
ثانيًا: إن السياق والأسلوب الذي جاءت به الآية لا يدل على أنها تشريع قضائي يطلب فيه من القاضي أن يستند إلى هذا العدد من الشهود في حكمه.
فالخطاب موجه للمتعاملين بالدين والبيع الآجل، لا إلى القضاة أو إلى أجهزة القضاء. والغرض من الآية هو إرشاد الناس إلى أسلوب يجنبهم الوقوع في النزاعات والخلافات، من خلال توثيق معاملاتهم بشهادة أشخاص موثوقين، يشهد لهم بالصلاح والعدالة والكفاءة في أداء الشهادة. ولهذا نصّت الآية على أن الشهود يجب أن يكونوا "ممن ترضون من الشهداء"، أي ممن يتصفون بالأمانة والقدرة على أداء الشهادة بشكل دقيق. ولذلك جاءت التوصية بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، حتى إذا نسيت إحداهما أو أخطأت، أعانتها الأخرى على التذكّر. وهذا المعنى واضح من قول الله تعالى:﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾.
وهذا لا يعني أبدًا، كما هو واضح، أن القضاء لا يقضي في أي دعوى إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ بل هي توصية اجتماعية[8] تهدف إلى التحصين الوقائي من الخلافات والنزاعات، ولا تعد معيارًا قضائيًا ملزمًا للحكم. ولذلك، فإن جميع التعليمات التي وردت في هذا السياق وصفها القرآن بقوله:
﴿ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.[9]
وقد علّق ابن القيم على هذه الآية في كتابه إعلام الموقعين بقوله:
"فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه، لا في طريق الحكم وما يحكم به الحاكم، فإن هذا شيء، وذاك شيء آخر."[10]
في هذا العصر، حاول بعض الناس دعم موقف الفقهاء بشأن الشهادة استنادًا إلى الآيتين: الآية الرابعة من سورة النور، والآية الخامسة عشرة من سورة النساء، حيث ورد فيهما التعبير: ﴿أربعة شهداء﴾ و﴿أربعة منكم﴾.
وقد نسجت حجّة هؤلاء على النحو التالي:
بما أن كلمة ﴿أربعة﴾ مؤنثة، وكان يجب وفق قواعد اللغة العربية أن يكون المعدود مذكرًا، فإن المقصود بـ﴿أربعة شهداء﴾ هم أربعة رجال دون النساء. وهذه على ظاهرها تبدو حجة لغوية، لكنها في الحقيقة من أغرب ما يمكن أن يقال في ميدان العلم والاستدلال، إذ إنها بعيدة كل البعد عن قواعد اللغة العربية الصحيحة، بل تكاد تكون أجنبية عنها تمامًا. فكل من له دراية بلغة العرب يعلم أن القاعدة ليست كما صوّرها أصحاب هذا الرأي، بل إن من قواعد اللغة أيضًا: إذا كان الاسم المعدود مما يستعمل للمذكر والمؤنث معًا، فإن العدد قبله يأتي مؤنثًا أيضًا. فانظر مثلًا إلى ما ورد في سورة الأنعام:
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍۢ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...﴾.[11]
كلمة ﴿أزواج﴾ هنا، ورغم أنها مذكرة، جاء العدد قبلها مؤنثًا: ﴿ثمانية﴾،
وذلك لأن الكلمة تطلق على الذكر والأنثى. وكذلك جاء في سورة المجادلة:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ...﴾[12]
العدد ﴿ثلاثة﴾ و﴿خمسة﴾ هنا مؤنثان، رغم أن المعدود المحذوف بقرينة السياق هو "نفر"، وهي كلمة تستخدم للمذكر والمؤنث على السواء.
ومن السنة النبوية نجد أمثلة على هذا النمط من التعبير:
١- "طعام الاثنين يكفي الأربعة"[13]
٢- "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان"[14]
٣- "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة"[15]
٤- "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ..."[16]
ففي هذه الأحاديث أيضًا، استخدم العدد المؤنث رغم أن المعدود قد يكون مذكرًا أو مشتركًا. فهل يمكن لأحد أن يدّعي، وهو يفهم أساليب العربية، أن المقصود من هذه الأعداد هم الرجال فقط دون النساء؟! قطعًا لا.
أما الدليل الثاني الذي يستند إليه بعضهم، فهو ما ورد في الآية ٢٨٢ من سورة البقرة[17]، حيث ذكر أن المرأة قد تنسى أو تضطرب أثناء الشهادة، فيرون أن شهادتها تحيطها شبهة، ولذلك، وفقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"ادرؤوا الحدود بالشبهات"[18]، لا يمكن أن تبنى على شهادتها حدود، بل تعزيرات فقط. وهذه الحجة، إذا تمعنا فيها، نجدها خالصة البطلان:
أولًا: لأن المرأة إذا اضطربت أثناء الشهادة، ووجد القاضي أن هذا الاضطراب أثّر على قوتها، فللقاضي حينها أن يرفض تلك الشهادة في القضية المعروضة. لكن كيف يستنتج من ذلك أن القانون يجب أن يقيد دائمًا وأبدًا بعدم قبول شهادة النساء؟! نعم، يوجد احتمال أن تضطرب المرأة أثناء الشهادة، وهذا لا ننكره. ولكن هل هذا الاحتمال حتمي؟ بالطبع لا. فقد تدلي المرأة بشهادتها بكل ثقة ووضوح، دون أي تردد. والقرآن حين قال ذلك، قاله على سبيل الاحتمال لا القطع، بقوله: ’أن تضل إحداهما‘، ولم يقل إنها ستضل حتمًا.
فكيف يجوز إذًا تحويل احتمال ظني إلى قاعدة تشريعية قطعية تمنع بها شهادات النساء؟
ثانيًا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، لا يفهم منه أن الحد فقط هو ما يدرأ، أما التعزير فلا. بل المقصود أن العقوبة مطلقًا تدرأ بالشبهة، أي أنه إذا وجد الشك، فالجريمة لم تثبت، وبالتالي لا توقع أي عقوبة، لا حد ولا تعزير. وهنا تظهر تناقضات القائلين:
فإن قالوا إن شهادة المرأة تثبت بها الجريمة لكن لا يوقع بها الحد، بل التعزير، فهم بذلك يقرّون بثبوت الجريمة، فينبغي وفق منطقهم إقامة الحد. وإن قالوا إن الشبهة في شهادتها باقية، أي أن الجريمة لم تثبت يقينًا، فكيف يطبق التعزير؟
وعلى أي أساس يعاقب المتهم؟ إن الجريمة لا تثبت بنسبة تسعين أو تسعة وتسعين في المئة، بل إما أن تثبت مئة في المئة، أو لا تثبت أصلًا. وليس هناك منزلة بين المنزلتين في إثبات الجرم. نعم، يمكن أن تختلف العقوبة باختلاف نوع الجريمة أو ظروف الجاني، لكن لا يصح أبدًا أن يكون مستوى ثبوت الجريمة هو معيار التفرقة بين الحد والتعزير. فالعقل السليم يرفض ذلك بشدة، والفطرة الإنسانية تأباه تمامًا.
[١٩٨٧م]
_______________
