توجد آيتان في القرآن الكريم اعتبرهما بعض العلماء في هذا العصر أساسًا لتحفيز جهودهم من أجل غلبة الدين، واستندوا إليهما لإضافة "فرض إقامة الدين" إلى الواجبات الدينية.[193] ولكن، في رأينا، هذه التأويلات غير صحيحة من ناحية القواعد العربية، وهي تتعارض تمامًا مع المقصود الحقيقي للقرآن الكريم. لذا، نقدّم في هذا المقال تفسيرًا مدعومًا بالأدلّة لإيضاح موقفنا.
الآية الأولى هي:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.[194]
دعونا نتأمل في هذه الآية. فهي تبيّن سنّة إلهية ثابتة تتعلق بإرسال الرسل، حيث أن الله سبحانه وتعالى، عندما تستكمل الحجّة على أي قوم بواسطة رسوله، يهب للرسول الغلبة عليهم. قد يغلب النبي، من قبل قومه٢[195]، أمّا الرسول فلا بد أن ينتصر عليهم، سواء تحقق له هذا النصر في حياته، أو بعد وفاته على يد أتباعه وأنصاره. وتؤكد هذه الفكرة أيضًا ما جاء في سورة المجادلة، حيث قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.[196]
النبي صلى الله عليه وسلم كان أيضًا رسولًا من الله، لذا ورد في القرآن الكريم تأكيد لهذه السنة بالنسبة له. حيث أخبر الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون له الغلبة على قومه، أي مشركي العرب. وقد جاء ذلك صريحًا في سورة الفتح، حيث قال الله تعالى:
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.[197]
كيف تم تحقيق هذه السنة؟
يظهر القرآن الكريم أن الصحابة الكرام أمروا بالقتال ضد المشركين، وكان الهدف من هذه الحرب واضحًا لهم: إمّا أن يسلم المشركون أو يقضى عليهم. قال الله تعالى في سورة الفتح:
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.[198]
وقد أمروا بالقتال حتى تسود كلمة الحق في جزيرة العرب. وتم إخبارهم بأنه إذا لم يغير المشركون من نهجهم ولم يقبلوا الإسلام، فإن مصيرهم سيكون مشابهًا لمصير الأمم السابقة التي كذبت برسلها. في سورة الأنفال، يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ﴾.[199]
وقد وعدهم الله تعالى بأنهم سيحققون الغلبة والتمكين في جزيرة العرب نتيجة لهذه الحرب. قال الله تعالى في سورة النور:
﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾.[200]
والتاريخ يشهد أن هذا الوعد الإلهي قد تحقق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث غلب دين الحق على جميع الأديان في جزيرة العرب، وظهر ظهورًا تامًّا. وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:
"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب."[201]
أي أنه لا يجوز أن يبقى فيها غير دين الإسلام. وبهذا تحققت سنة الله في رسوله، وهي سنة ماضية لا تتبدل، كما أكد القرآن الكريم. فالآية التي وردت في سورة الصف هي من هذا السياق، حيث جاء قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
والضمير في ﴿ليظهره﴾ يعود إلى الله، أي أن الله هو الذي يظهر الدين، وليس الناس هم المكلّفون بذلك. و﴿الدين الحق﴾ هو الإسلام، أما ﴿الدين كله﴾ فيقصد به سائر الأديان الموجودة في جزيرة العرب، لا في العالَم بأسره، لأنّ الخطاب كان للمشركين من العرب دون غيرهم، كما هو الحال في استعمال القرآن لكلمة ﴿المشركين﴾.
وعليه، يمكن أن يفهم المعنى على النحو التالي:
"هو الذي أرسل رسوله بدين الحق، ليعليه على سائر الأديان في جزيرة العرب، رغم كراهية المشركين لهذا الظهور."
وهذه القراءة موافقة لأساليب العربية وسياق الخطاب القرآني. وبذلك يتضح أن هذه الآية لا علاقة لها بجهاد الناس في هذا العصر لغلبة الإسلام على الأرض، وإنما هي خاصة بسنة الله التي أجراها مع رسله، وقد تحققت فعليًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فمخاطبو سورة الصف هم الصحابة، وموضوع السورة هو التحفيز على الجهاد في سبيل نصرة الرسول. وهذه النصرة كانت حقًّا مخصوصًا بأتباع النبي في حياته. ولهذا، تم تحذيرهم من التخلف عنه كما تخلف بنو إسرائيل عن نصرة أنبيائهم. ثم بشروا بأن الله سينصر رسوله، ودعوا للجهاد ليكون لهم شرف تحقيق ذلك. وفي نهاية السورة، ضرب الله لهم مثل حواريي عيسى عليه السلام الذين استجابوا فورًا لنداء النصرة، فكتب الله لهم الغلبة على أعدائهم.
وقد وردت هذه الآية في مواضع أخرى من القرآن الكريم بالسياق ذاته، مما يدل على أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا يمتد إلى غيرهم بعد وفاته، فلا يحق لأحد حتى قيام الساعة أن يستند إلى هذه السنة لتبرير أي جهاد شخصي أو حركة غلبة باسم إقامة الدين.
وأما الآية الثانية، فهي قول الله تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...﴾.[202]
تبيّن هذه الآية أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت بدين جديد، كما أن سائر الأنبياء الذين سبقوه لم يكونوا مؤسسين لأديان مستقلة، بل كان كل واحد منهم رسولًا للدين الواحد الحق، الذي أنزله الله على جميع أنبيائه. فـــــ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، عليهم السلام، جميعهم دعوا إلى هذا الدين ذاته، وبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم امتدادًا لهذا الخط النبوي المتصل، ليكمل هذه الرسالة العالمية. ثم جاءت الوصية الجامعة في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وهي وصية واحدة نزلت على جميع الأنبياء وأممهم. فما المقصود بها؟ وكيف نفهمها فهما دقيقا؟
لفهم المعنى المقصود من هذا التوجيه، لا بد من الوقوف عند لفظة ﴿أقيموا﴾، فهي الكلمة المحورية في الآية. وهي، كما هو معلوم، فعل أمر على صيغة الإفعال.
وفي الاستعمال القرآني واللسان العربي، يستخدم هذا الفعل "أقام" متعديًا إلى مفعول مباشر في حالتين:
١- في الأمور المادية، سواء على حقيقتها أم على سبيل المجاز.
٢- في المفاهيم المعنوية والقيم المجردة.
ففي الحالة الأولى، تعني التسوية أو الإقامة على الاستقامة، أي: جعل الشيء معتدلًا أو الحفاظ عليه كذلك.
مثلًا، يقال: "أقام الدرع"، أي أزال اعوجاجها، و"أقام الصف"، أي سوّى الصف وجعله مستويًا، لا ميل فيه ولا خلل.
قال ثعلبة بن عمرو:
أكبّ عليها كاتب بدواته يقيم يديه تارة ويخالف
وفي هذا الباب أيضًا يدخل الاستخدام المجازي، كما في قولهم: "أقيموا صدوركم"، أي: أصلحوا ما في قلوبكم من زيغ، ووجهوها نحو الحق والاستقامة.
وقال يزيد بن خذاق:
أقيموا بني النعمان عنا صدوركم وإلا تقيموا كارهين الرؤوسا
وفي القرآن الكريم، نجد هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾.[203]
وفي موضع آخر:
﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾.[204]
قال تعالى:
﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾.[205]
﴿فأقم وجهك للدين القيم﴾.[206]
في هاتين الآيتين، يتّضح أن الأمر بإقامة الوجه يراد به التوجّه الكامل والإخلاص في العبادة والدين، وهو من استعمالات "أقام" المعنوية.
٢- تثبيت الشيء المتحرّك أو غير المستقرّ:
وهذا المعنى ورد في شعر بشامة بن غدير في مدح جمله:
فأقام هوذلة الرشاء وإن تخطّى يداه يمدّ بالضّبع
٣- إيقاف الجالس أو إقامة الشيء قائمًا:
يقال مثلًا: "أقام الرجل"، أي جعله يقوم بعد جلوس، و"أقام الجدار"، أي نصبه ورفعه حتى استقام.
قال تعالى في سورة الكهف:
﴿فوجدَا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه﴾.[207]
ومن هذا المعنى المجازي قولهم: "أقام السوق"، أي أنشأها أو جعلها قائمة.
وقد أشار ابن خزيمة إلى هذا المعنى في قوله:
أقامت غزالات سوق الضراب لأهل العراقين حولًا قميطًا
وفي هذا السياق ورد قوله تعالى:
﴿وإذا كنت فيهم فأقمتَ لهم الصلاة﴾.[208]
﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾.[209]
أما في الحالة الثانية، عندما تتعلّق هذه المفاهيم بالأمور المعنوية، فإن الاستعمالات تتخذ الدلالات التالية:
١- إظهار الشيء أو تفعيله أو تنفيذ حكمه
كأن يقال: "أقم الحق"، أي أظهره، أو "أقم الحد عليه"، أي نفّذ حكم الحد.
٢- تصحيح الأمور أو الحفاظ على صحتها واستقامتها
كما في قوله تعالى:
﴿وأقيموا الشهادة لله﴾.[210]
٣- التثبيت والاستمرار والمداومة
أي: جعل الشيء ثابتًا ومحفوظًا ومفعّلًا على الدوام.
يقال مثلًا: "أقام الله الصلاة"، أي جعلها فريضة ثابتة الأداء.
وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى:
﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله﴾.[211]
أي: لا يستطيعان الثبات على تنفيذ هذه الحدود وصيانتها.
وكذلك في سورة المائدة:
﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾.[212]
أي: لن تكونوا على شيء من الدين الصحيح ما لم تقيموا تلك الكتب بإحيائها والعمل بها، واستقامة الدين لا تكون إلا بذلك.
هذه هي المعاني التي ترجمها معظم مترجمي القرآن الكريم بتعبير "إقامة" و"تثبيت"، أي جعل الشيء ثابتًا ومستمرًا في الحياة، مستقلاً ومحفوظًا، والالتزام به. بمعنى آخر، جعله دستورًا للحياة. لذا، لاحظوا، قال صاحب "تفهيم القرآن"، الشيخ السيد أبو الأعلى المودودي عليه الرحمة في تفسيره: ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾[213]، ترجمها إلى: "حتى تقوموا بالتوراة والإنجيل، وكذلك الكتب الأخرى". ثم كتب في تفسيره:
"مرادنا من إقامة التوراة والإنجيل هو اتباعهما بصدق، وجعلها دستورًا للحياة."[214]
بعد هذه التفصيلات، دعونا نتأمل في الآية التي نحن بصددها. بما أن مفعول الفعل ﴿أقيموا﴾، أي ﴿الدين﴾، هو شيء معنوي، فإنه لا يمكن ربط الفعل "أقيموا" بالمعنى الأول. وبالتالي، يبقى المعنى الثاني هو الأرجح. في هذه الحالة، نجد أن المعنى الأول يتضمن "الإظهار" و"التنفيذ". أما بالنسبة للمعنى "التنفيذ"، فيمكن أن يكون هذا المقصود، ولكن هناك أمرين يمنعان ذلك:
أولًا: أنه وفقًا لقواعد اللغة، من الضروري أن يتبع الفعل ﴿أقيموا﴾ مفعول آخر، مثل قولنا: "أقيموا الحدود على الناس"، حيث يتواجد المفعول "على الناس". لكن في الآية لا يوجد ما يشير إلى هذا المعنى، ولا دليل يمكن الاعتماد عليه لتأكيده.
ثانيًا: أن هذا المعنى لا يتناسب مع ما جاء بعده من "ولا تتفرقوا فيه"، مما يجعل من الصعب تفسيره في سياق الآية بشكل صحيح. نفس الأمر ينطبق على معنى "الإظهار"، حيث لا يوجد توافق مع ما جاء بعده من ﴿لا تتفرقوا﴾. لذلك، لا يمكن أن يكون المعنى المقصود في الآية هو "التنفيذ" أو "الإظهار". تبقى المعاني الأخرى، وهي أن يفهم الفعل ﴿أقيموا﴾ بمعنى "التصحيح" و"الثبات" و"الحفاظ" و"الاستمرارية".
والمثال الأفضل على ذلك هو أمر إقامة الصلاة في القرآن الكريم، حيث أمر الله تعالى بإقامة الصلاة في عدة مواضع باستخدام نفس الفعل "أقام". وفي سورة المعارج، أوضح الله تعالى بدقة معنى هذا الفعل:
﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾.[215]
﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾.[216]
أي أنهم يلتزمون بالصلاة التزامًا مستمرًا، ويقيمونها على أكمل وجه، فتكون ثابتة، مستقرة، ومحفوظة.
بعد هذا التوضيح، يظهر بجلاء أن الفعل ﴿أقيموا﴾ في الآية المعنية يستخدم بنفس المعنى.
بعد أن تم بيان أن الله تعالى قد منح جميع الأمم نفس الدين، كان من المناسب في سياق الحديث أن يتم التأكيد على حق هذا الدين على الناس باستخدام ألفاظ جامعة. ولذلك، جاءت الآية: ﴿أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، أي: حافظوا على الدين بشكل صحيح، واجعلوه ثابتًا في حياتكم، ولا تتفرقوا فيه. أما معنى "التفرق في الدين"، فهو أن يبتعد الشخص عن الدين ولا يبقى ثابتًا عليه، فيأخذ منه ما يشاء ويترك ما يشاء، ويضيف إليه بدعًا. ومن الواضح أن هذا يتناقض مع ما جاء في ﴿أقيموا الدين﴾. من خلال هذا المعنى، نجد أن الفعل ﴿أقيموا﴾ يتناسب تمامًا مع ما يتبعه من ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾. هذه هي نفس الهداية التي وردت في القرآن في أماكن أخرى، مثل قوله:
"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" [217]
أي: تمسكوا جميعًا بحبل الله ولا تفرقوا.
الهدف من هذه الهداية هو أن الدين لم يعط ليترك أو يتجاهل، بل أعطي لجميع الأنبياء وأممهم ليتمسكوا به بصدق، ويعملوا به بعدل، ويظلوا ملتزمين به دون أن يدخلوا فيه أي بدع أو تغييرات تشوّهه.
ابن العربي في تفسيره لهذه الآية يكتب:
"أي اجعلوه قائمًا، أي دائمًا، مستمرًا، محفوظًا، مستقرًا، من غير خلاف فيه ولا اضطراب عليه."[218]
ورأي إمام اللغة الزمخشري في "الكشّاف" يتّفق مع هذا المعنى حيث قال:
"والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وباليوم الآخر، وكل ما يكون به الرجل مسلمًا."[219]
أما الآلوسي فقد فسر ذلك في "روح المعاني" فقال:
"والمراد بإقامته: تعديل أركانه، وحفظه من أن يقع فيه زيغ، والمواظبة عليه[220]."[221]
ويكتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي:
"المقصود من إقامته هو أن ما يجب قبوله من تعاليم ينبغي أن يقبل بصدق وأمانة، وما يجب فعله يجب أن ينفذ بنزاهة واستقامة. كما يجب أن تتم متابعة الناس بشكل مستمر لضمان عدم غفلتهم أو انحرافهم عن الطريق، بالإضافة إلى ضرورة الحرص على ألاّ يدخل أهل البدع أي تغييرات أو تشويش في هذا الدين[222]." [223]
من هذا المعنى، يتضح بجلاء أنه ليس من فرائض الدين أو من أحكامه أن يتم اعتبار "إقامة الدين" فريضة جديدة، بل هي توجيه عام يتعلق بكل الدين. كل ما يشمله "الدين" في القرآن والسنة قد تم توجيهنا في الآية المذكورة للحفاظ عليه بشكل صحيح واستمراره في حياتنا. هذا التوجيه يقتضي أنه يجب قبول العقائد والمبادئ، والقيام بالصلاة والصوم، والحج والزكاة، وحسن المعاشرة، والإصلاح والدعوة، والقانون والشريعة، والجهاد والقتال، وكل الأحكام الأخرى التي يجب قبولها أو القيام بها. ولكن ليس لأن جميع هذه الأحكام أو أي منها تدخل في معنى "إقامة" بحسب مفهوم لفظ ﴿أقيموا﴾، بل لأن جميع هذه الأمور تشكل جزءًا من ﴿الدين﴾ كما ورد في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تم توجيهنا في هذه الآية للحفاظ على الدين بكل جوانبه في حياتنا، وعدم التفرق فيه.
هذا ما عندي، والعلم عند الله.
[١٩٩٠م]
_______________
