حدود الدعوة

شهدت مسيرة الدعوة إلى الدين في هذا العصر حادثة جسيمة، تمثلت في أن كثيرًا من الدعاة لم يراعوا، في الغالب، الحدود التي ينبغي الالتزام بها ضرورة في هذا المجال.أما ما وقع في الماضي، فلا مجال لإصلاحه الآن، غير أن من سيحملون هذه الرسالة في المستقبل، وسيكون ذلك بإذن الله، فهم أحوج ما يكونون إلى وضوح الرؤية والتزام الضوابط.ومن ثم، نبيّن هنا جملة من الحدود التي يجب أن تكون حاضرة في أذهانهم، حتى لا تبقى لباحثي الحق شبهة ولا التباس.

١- الحجّة النهائية في الدين

أول هذه الحدود أن النبوة قد ختمت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وبهذا الختم الإلهي، لم يعد لأحد من الناس أن يزعم لنفسه الحق في أن ينزل رأيه أو اجتهاده منزلة الحجة القطعية التي لا تقبل النقاش، أو أن يجعل من قوله أو فعله معيارًا يميز به الحق من الباطل، ثم يطالب الناس باتباعه على هذا الأساس. إنما هذا حق خالص للأنبياء، قال تعالى:

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[383]

وهو وحده من خاطبه ربه بقوله:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[384]

ومن ثم، فإن من يقوم بالدعوة بعده صلى الله عليه وسلم، لا يملك إلا أن يقدم رأيه واستنباطه مستندًا إلى دلائل من الكتاب والسنة، مع التصريح بأن ذلك اجتهاده الخاص، الذي يطمئن إليه، لكنه لا يدّعي له العصمة من الخطأ. وما يطرحه على الناس إنما يعرض بقوة الحجة، لا بقوة المنزلة. وأي وحي خاص، أو إلهام، أو رؤيا، أو انشراح صدر، لا يمكن أن يمنح هذه المكانة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن يقال في صاحبه:

’إن الحق يدور معه حيث دار‘.[385]

٢- السمع والطاعة

أما الحد الثاني، فهو أن حق طلب السمع والطاعة لا يملكه أحد في ذاته إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو وحده الذي خاطب قومه بقوله: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾[386] ومن بعده، فإن هذا الحق لا يثبت إلا لأولي الأمر من المسلمين، أي الحكام الذين يطلبون الطاعة في نطاق ما أمر الله به وشرعه، بشرطين واضحين في القرآن الكريمأن يرد النزاع إلى الله ورسوله،وأن يحتكم في الأمر إلى مبدأ الشورى، كما في قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾[387] وقد بيّن الله تعالى هذا الأصل في قوله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.[388]

فهذا الحق (السمع والطاعة) محصور في ثلاث جهات: الله، ورسوله، وأولو الأمر من الحكّام. أما سائر الدعاة إلى الدين، فلا يملك أحد منهم هذا الحق، وليس في الكتاب أو السنة ما يدل على منحه لهم.وغاية ما يحق لهم طلبه من الناس هو: المعاونة في أعمال البر والتقوى،[389] والنصرة في سبيل الله، كما قال تعالى:﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله﴾،[390] وإذا تأسّس تنظيم لأغراض الدعوة بناءً على التشاور والاتفاق، فإن الالتزام به يكون داخلًا في عموم قوله تعالى: أوفوا بالعقود.[391] حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن له حق الطاعة من الله، لم يطلب ـ وهو في مكة ـ من أحد من قومه بيعة على السمع والطاعة. بل إن أكثر ما طلبه في مقام الدعوة، قوله:

"فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟" [392]

فالداعية، إن شاء، فليأخذ من رفاقه بيعة الأخوة والصحبة، أما بيعة الطاعة المطلقة، فليست له بحال.وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب هذه البيعة من أهل يثرب إلا في بيعة العقبة، حين دعوه إلى المدينة ليكون حاكمًا عليهم. أما قبل ذلك، فقد مكث ثلاث عشرة سنة في مكة، لم يطلب فيها من أحد تلك البيعة.

٣- التزام الجماعة

الحد الثالث هو أن الأمر الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ’أنا آمركم بالجماعة‘[393]، إنما يتعلق بالنظام السياسي للمسلمين. وهذا ما يظهر جليًا في روايات ابن عباس التي أوردها الإمام البخاري، حيث جاء:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية."[394]

وجاء في رواية أخرى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية."[395]

يتبيّن من هذه الروايات أن كلمتي "الجماعة" و"السلطان" استخدمتا بمعنى مترادف، مما يدل بوضوح على أن "الجماعة" المقصودة هي السلطة السياسية. وعليه، فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها لا ينطبق إلا على جماعة المسلمين التي تملك السيادة السياسية في بقعة من الأرض، ويكون فيها نظام إمارة قائم.

وهذا هو ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالالتزام به، وجعل الخروج عليه بمنزلة الخروج من الإسلام. أما الجماعات الدينية والتنظيمات التي لا تملك سلطانًا سياسيًا، فلا يشملها هذا الحكم، ولا يصح إسقاطه عليها.[396]

٤- الهجرة والبراءة

الحد الرابع أن الأمر بالهجرة في القرآن الكريم لا يزال قائمًا من حيث المبدأ، فحيثما أصبح الالتزام بالدين في مكان ما ضربًا من المخاطرة والتعذيب، وجب على المؤمنين تركه والانتقال إلى حيث يتمكنون من ممارسة شعائرهم. غير أن هناك نوعًا من الهجرة تحدث عنها القرآن، وهي هجرة الدعوة التي كانت تمثل مرحلة من مراحل الرسالة، وتعد إعلانًا بالمفاصلة والبراءة من قبل الداعي تجاه قومه، فهذه خاصة بالرسل دون سواهم. ذلك أن من شروط هذه الهجرة أن تكون حجة الله قد أقيمت على القوم إقامة تامة، وهذا لا يتحقق إلا من خلال دعوة الرسل، لأنهم وحدهم الذين يملكون المقام الذي يؤهلهم لهذه المهمة: يبشّر ببعثتهم قرونًا قبل مجيئهم، ويذكرون في الكتب السماوية، وتروى أخبارهم في الأمم،[397] ويكونون قدوة في الأخلاق، وصفوة في السيرة،[398] يوحى إليهم من الله، ويحاطون بعناية إلهية دقيقة[399] تضمن لهم تبليغ الرسالة بلا خطأ أو نقص[400] ولهذا، نجد أن كثيرًا من الأنبياء الذين لم يمنحوا منصب الرسالة لم يبلغوا هذه المرحلة من الدعوة. فالأنبياء من بني إسرائيل، كحناني وميكايه، سجنوا[401]، اضطرّ إلياس إلى الالتجاء إلى جبال شبه جزيرة سيناء[402]، ورجم زكريّا في هيكل سليمان بين "القدس" و"المذبح".[403]، ضرب إرميا وسجن، ثم علق في بئر مملوءة بالطين بعد أن ربط بالحبال.[404] وعاموس فقد نفي من وطنه.[405] وقطع رأس يحيى بناء على طلب راقصة، ووضع في صحن وقدم لها.[406] لكن لم يذكر أن أحدًا منهم هاجر هجرة مفاصلة على نحو ما فعله الرسل.

والقرآن يبين أن قرار هذه الهجرة لا يكون إلا من الله تعالى، ولا يمكن لإنسان أن يقرره بعقله أو اجتهاده. فلما جاء ملائكة الله إلى نبي عظيم مثل إبراهيم عليه السلام حاملين قرار العذاب لقوم لوط، رأى ذلك سابقًا لأوانه، فجادل ربه في شأن هذا القرار.[407] ويونس عليه السلام الذي ترك قومه بغير إذن من ربه، فعاتبه الله بشدة[408]. ولما آمن قومه بعد ذلك، اتضح أن توقيت الهداية لا يعلمه إلا الله. ومن ثم، فإن القرآن الكريم يجعل من واجب الرسول أن ينتظر حكم ربه باستقامة وثبات، ولا يترك قومه اعتمادًا على تقديره الشخصي بأنه قد أدى ما عليه من البلاغ. بل يظل قائمًا في الدعوةحتى يأذن الله له بالخروج، كماقال تعالى:

﴿وَلَاتَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.[409]

﴿فَاصْبِرْلِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَاتَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.[410]

فهذه الآيات تدل على أن الهجرة الدعوية لا تكون إلا بقرار إلهي صريح، وبهذا يعلم أن بعد ختم النبوة، لا مجال لهذا النوع من الهجرة مرة أخرى. أما في حال تعذر العيش بالدعوة مطلقًا، فإنه لا مانع أن يهاجر الداعية فرارًا بدينه، كما فعل أصحاب الكهف والمهاجرون إلى الحبشة. لكن هذا شيء مختلف تمامًا عن هجرة الرسل بعد إتمام الحجة، وقد انتهى هذا النوع من الهجرة بوفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا، فإن أي حديث في هذا العصر عن هجرة دعوية أو براءة بمعنى الانقطاع التام عن المجتمع بدعوى إتمام الحجة، هو قول لا دليل عليه من القرآن أو السنة، ولا يؤيده العقل، ويعد توهّمًا لا وزن له في ميزان العلم والدعوة.

٥- النهي عن المنكر

الحد الخامس أن تجاوز التذكير والموعظة إلى مرحلة إزالة المنكر بالقوة ليس من صلاحيات أي داعية، بل هو مما اختص الله به ولاة الأمور. فالقرآن الكريم في هذا الباب واضح لا لبس فيه، إذ لم يؤذن حتى للرسل، وهم أعلى مراتب الدعاة، أن يتجاوزوا حدود التبليغ والبيان. يقول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.[411]

وقد يعارض بعض الناس هذا الفهم بماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقوله:

’من رأى منكم منكرًا‘[412] ولا شك أن هذا الحديث قد حمل في بعض فترات التاريخ، خاصة من قبل من لم يحسنوا فهم الدين، على أن كل صاحب عزيمة مكلف بتكوين جماعة من الأتباع، ثم الخروج لمحاربة المنكر بالقوة، حتى لو أدّى ذلك إلى الثورة على الأنظمة والحكومات.
وقد تأسّست على هذا الفهم المنحرف جماعات مسلّحة، سلّحت الشباب بالبندقية بدلًا من الكتاب، ورفعت شعار "الإسلام الثوري" أو "الإسلام المقاتل".

وهذه هي القراءة ذاتها التي أدّت في عصرنا إلى اتخاذ هذا الحديث ذريعة لما يُسمّى بـ"الجهاد المحلّي" أو "الثورة الإسلامية". لكنّ الواجب أن يفهم الحديث في ضوء نصوص القرآن، ومسلّمات الدين، وسيرة الأنبياء، وألفاظ الحديث نفسه. ومن هنا يتبين أن تغيير المنكر بالقوة مرتبط بدائرة السلطة والولاية. فالرجل مسؤول في بيته، والحاكم مسؤول في دولته، والمدير مسؤول في مؤسسته. فكل صاحب ولاية شرعية مسؤول عن إزالة المنكر ضمن حدود ولايته.فإن لم يزل المنكر، مع قدرته عليه، ولم يكن ثمة مصلحة راجحة تقتضي الترفق أو التدرج، كان ذلك علامة على ضعف الإيمان. أما أن يقوم أي فرد أو جماعة بتجاوز حدود ولايته، ويشرع في التغيير بالقوة خارج إطار السلطة الشرعية، فهذا ليس جهادًا، بل هو فساد في الأرض، لا يقرّه الإسلام بأي وجه من الوجوه.

٦- العذاب العام

الحد السادس أن العذاب العام الذي نزل على أقوام مثل عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، بسبب تكذيبهم للحق، هو أمر خاص بعصر الرسالة، ولا يمتد إلى ما بعده. القرآن الكريم بيّن أن هذا النوع من العذاب لا ينزل إلا حين يقيم الله الحجة على قوم من خلال رسول من رسله. فإذا بلغ الأمر غايته، واستمر التكذيب بعد إقامة الحجة، فإن سنة الله تجري بهلاك القوم.أما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد انقطعت هذه السنّة، ولم تعد قائمة. فلا يحق لأي داعية بعده أن ينذر قومه بعذاب عام، أو يتنبأ لهم بزوال تام بسبب رفضهم لدعوته. فمثل هذا الأمر من خصائص الرسالة، وهو في الوقت ذاته دليل على الرسالة، لا يكون إلا معها. نعم، تنبيهات الله وتحذيراته لا تزال قائمة، وما يقع من بلاء أو مصيبة قد يكون بسبب صد الناس عن الحق، لكن ذلك لا يبلغ حد العذاب الاستئصالي الذي أهلك به الله أقوام الرسل.

وبناءً عليه، فإن على الدعاة في كل عصر أن يجعلوا محور دعوتهم التذكير بالآخرة، ويظلوا ملتزمين بحدود البلاغ والموعظة، ولا يتجاوزوها إلى الوعيد بالعذاب العام، أو التهديد بالهلاك الجماعي، فإن ذلك تعدّ على مقام النبوة، وخروج عن منهج القرآن والسنة.

٧- التكفير

الحد السابع أن حكم تكفير الأفراد ليس من الحقوق الممنوحة لأي داعية، كائنا من كان. فقد يقع بعض المسلمين في الكفر أو الشرك نتيجة الجهل بأحكام الدين، ولكن ما دام لا يعترف هو بنفسه بأن ما صدر عنه كفر أو شرك، فإن الواجب في حقه أن تبيّن له الحقيقة، وتعرض عليه أدلة الكتاب والسنة التي تكشف خطأه، مع النصح الصادق، والتنبيه إلى خطورة ما وقع فيه، وتحذيره من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة. وأمّا إصدار حكم بالكفر على شخص ما، فلا يكون إلا بعد إقامة الحجة البالغة، وهو أمر اختصّ الله به رسله، ولذلك، فإنه بعد ختم النبوة، لا يملك أحد هذا الحقّ إلى يوم القيامة.

وأقصى ما يمكن أن يقوم به النظام الجماعي للمسلمين، كما تدلّ عليه آيتا سورة التوبة (الآيتان ٥ و١١)، هو الإعلان عن خروج فرد أو جماعة من دائرة الإسلام لأغراض تنظيمية أو قانونية، كتحديد التعامل معهم في إطار الدولة والمجتمع، لكن هذا لا يعني بالضرورة تنزيل وصف الكفر عليهم بمعناه العقديّ والشرعيّ الكامل.

غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن للداعية أن يداهن في أمر الكفر والشرك، أو أن يسكت عن مظاهرهما. بل إن من أعظم مسؤولياته أن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن ينفي التصورات الفاسدة في التوحيد والرسالة والمعاد، ويدعو إلى الصراط المستقيم الذي بينه الله في كتابه العزيز، من غير تردد ولا خشية ولا مواربة. لكن، مع ذلك، ليس له أن يصف أحدا من المسلمين بالكفر أو الشرك ما لم تقم عليه الحجة البالغة، ولا أن ينفصل عن المسلمين في شعائرهم كالجمعة والجماعة، أو أن يقطع علاقاته الاجتماعية معهم، أو يسعى إلى تكوين جماعة منعزلة داخل الأمة المسلمة، كأنها أمة أخرى، فهذا انحراف عن منهج الدعوة الحق، وتجاوز لحدود ما شرعه الله لعباده.

[١٩٩٠م]

_______________

حدود الدعوة - برھان - أفكار - أفكار