إشراقة
أيها القارئ الكريم!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إنه قد أدرّ حبر وفير و كتب الكثير عن مصطلح "إسلامية المعرفة" أو "أسلمة العلوم" (Islamization of Knowledge) ، وعقدت حوله مئات المؤتمرات الوطنية والندوات الدولية، كما أُطلقت العديد من المشاريع التعليمية والبحثية التي تناولت الأفكار والرؤى والمفاهيم المنبثقة عنه. حتى أصبح هذا المصطلح شبيهًا بالشعارات الحماسية والهتافات الجذابة لدى كثير من المهتمين بقضايا الأمة الإسلامية شرقًا وغربًا.
وفي هذا السياق، برز العديد من الكُتّاب والمفكرين وعلماء الدين والفقهاء الذين جعلوا هذا المفهوم محورًا لأطروحاتهم وأعمالهم الإصلاحية، ومن أبرزهم منظّره الأول، الباحث والمفكر الإسلامي الفلسطيني الشهيد إسماعيل الراجي الفاروقي (المتوفّى: ١٩٨٦م)، والعالم والأديب المفكر والتربوي السعودي عبد الحميد أحمد أبو سليمان (المتوفّى: ٢٠٢١م)، والمفكر والفقيه العراقي طه جابر العلواني (المتوفّى: ٢٠١٦م)، وغيرهم ممن تبنّوا هذا النهج في التفكير والعمل.
ولا يمكننا إنكار أن هذه المصطلحات وما أثارته من اهتمامات ونشاطات وتحركات حولها قد أسهمت في تحقيق الكثير من الخير لصالح الإسلام والمسلمين، حيث أدّت إلى نجاحات ملموسة في تجديد الفكر الإسلامي، وإحياء الفقه، ومراجعة كتب التراث، وتجلية وترقية فكرة مقاصد الشريعة الإسلامية وإثراء مفهوم مقاصد القرآن العلياالتزكية والتوحيد والعمران. ولكن – وهذا "لكن" كبير – لم يتحقق في البلدان الإسلامية، سواء الكبرى أو الصغرى، ما كان يُؤمل من هذا النشاط الفكري، من نهوض تعليمي حقيقي، أو تقدم علمي وتكنولوجي، حتى في الدول الغنية التي تمتلك موارد طبيعية وفيرة.
ويعود ذلك، من جهة، إلى الأنظمة السياسية المستبدة التي جلبت الويلات والويلات للعالم الإسلامي، ولم تهتم إلا بالمكاسب الشخصية والمصالح الفردية – إلا ما شاء الله. ومن جهة أخرى، إلى تبني الجماعات الدينية والمعاهد العلمية لأولويات غير معاصرة، وترجيحات غير مجدية، وهتافات لا أثر لها في الواقع العملي.
حقيقة التصنيف بين "إسلامي" و"غير إسلامي"
إنه الحق والحق يُقال أن ليس هناك علم "إسلامي" وآخر "غير إسلامي"، ولا اقتصاد "إسلامي" وآخر "غير إسلامي"، أو أدب "إسلامي" وآخر "غير إسلامي". وعلم النفس الإسلامي وغيرالإسلامي وغيره.وكل هذه العلوم ،مع مافيها ماهو صالح وماهو طالح وعلى اختلافها بين النافع والضار، هوثمرة جهودجبارة إنسانية مشتركة ومساعي محمودة شارك فيها كل الثقافات والحضارات وتمخضت بها تجارب البشرية على مرّ الدهور والأحقاب، وساهمت في تنميتها مختلف الثقافات والحضارات عبر العصور. وقد علّمنا ديننا أن ننتفع بالحكمة أينما وجدناها، وفقًا للمبدأ الإسلامي الراسخ: "خذ ما صفا ودع ما كدر".
إننا في عصر العولمة، ولا يمكننا أن ننعزل عن العالم، ولا أن نعيش في جزيرة منفصلة، وليس هذا من مطالب الدين. فالإسلام يُعنى بتزكية النفس، وتنمية الأخلاق، وتربية الذات، أما ما عدا ذلك، من علوم واختراعات وثقافات وآداب وعلاقات، فهو من شؤون الدنيا. وقد بيّن لنا النبي ﷺ ذلك بوضوح حين قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها).
وعليه، فإن الدين لا يمنع المسلم من السعي في ميادين العلوم والآداب والتكنولوجيا والاكتشافات، بل يوجّهه إلى كيفية التعامل في المسجد، وفي السوق، وفي التجارة، وفي البرلمان وفي أي مجال من مجالات الحياة، بحيث تكون تصرفاته وأعماله متوافقة مع تعاليم الإسلام، ومستمدة من مبادئه، ليكون بذلك نموذجًا راقيًا في مجتمعه، وزادًا لآخرته.
واقع العالم الإسلامي والتحديات المعاصرة
إن العالم اليوم يضم ثلاثة أنواع من الاقتصادات:
١- الاقتصادات المنتجة: مثل: إسرائيل، وأوروبا الغربية، وأمريكا، وروسيا، واليابان، والصين. ومن بين الدول الإسلامية، لا تندرج في هذه الفئة سوى تركيا وماليزيا – إلى حد ما.
٢- الاقتصادات الريعية والبترولية: مثل دول الخليج الغنية التي تعتمد على البترول، بينما تحاول دبي أن تعتمد على بنيتها التحتية المتطورة لكي تقوم فيها نشاطات التجارة العالمية والثقافة والسياسة والعلاقات الدولية وتكتسب من خلالها الأرباح الريعية.
٣- الاقتصادات النامية: وتشمل دول العالم الثالث، مثل الهند، التي تمضي قدمًا اعتمادًا على قوتها الناعمة، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. أما بقية الدول الإسلامية، فتعتمد اقتصاداتها بالكامل على القروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو على المساعدات الخارجية من الدول الغنية.
نحو نهضة إسلامية علمية حقيقية
إن حاجتنا اليوم أشد ما تكون إلى العودة إلى أصولنا في الكتاب والسنة، وما أجمع عليه السلف الصالح من اعتقاد وعمل، مع الأخذ بما هو نافع وترك ما هو غير مجدٍ. كما أننا بحاجة إلى الاستفادة من كل ما حققته الإنسانية من علوم ومعارف متطورة، والسير بخطى ثابتة نحو التقدم في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي وعلوم العصر، مسترشدين بحديث النبي ﷺ: "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها" (أخرجه الترمذي: ٢٦٨٧). وهذا وذلك مانرمي إليه بمصطلح الأصالة والمعاصرة.
حول هذا العدد من مجلة "الإشراق"
في هذا العدد الثاني من (الإشراق) ، وكما في العددين السابقين، نقدم للقارئ العربي مختارات من النسخة الأردية لعدد مارس ٢٠٢٥، إلى جانب بعض الأبحاث المستقلة. وسنواصل ذلك كل شهر بالعمل بجدية أكبر لجعل مجلتنا أكثر حرية في طرح مواضيعها، وأكثر دقة في انتقاء مقالاتها وبحوثها، بما يضمن تقديم محتوى متميز ومبدع. وقد استلمنا ببعض الانطباعات من قراءنا الكرام وأصدقاءنا الأفاضل فنرحب بها وسنشيد مستقلاً أيضا بجميع الملاحظات النقدية من قرائنا الأعزاء، ونعد بأخذها بعين الاعتبار في مسيرتنا المعرفية هذه نحو التطوير المستمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين
أ. د محمد غطريف شهباز الندوي
(٩ أبريل ٢٠٢٥ م)
ـــــــــــــــــــــــــ
