بحث في الخلافة
الحلقة الأولى
]كان الشيخ علي عبد الرزاق من مصر أحد من علماء الأزهر المتنورين. فقد أدلي برأيه في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" أنه لايوجد نظام سياسي في الإسلام. وقد أصدر كتابه هذا في
عام 1925، يدعو إلى فصل الدين عن السياسة والذي أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من "الخلافة"؛ فرد عليه الأزهر بكتاب "نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم" ومما يُقضى له العجب أن قد عقد له الأزهر المحكمة التأديبية على كتابه هذا فخرج من زمرة العلماء بمقتضى قرار المحكمة وبالأسف. كان هناك الكثير من النقاش والجدل حول هذا الكتاب ورد عليه العديد من علماء الأزهر والكتاب الإسلاميون أيضًا، ننقل هنا بحثاً مستخرجاً من الكتاب.[
معنى الخليفة والخلافة
الخلافة لغة: مصدر، تخلف فلان فلاناً إذا تأخرعنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه. ويقال خلف فلان فلانا إذا قام بالأمرعنه، إما معه وإما بعده. قال تعالى: ولونشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون، الزخرف: 60)
والخلافة: النيابة عن الغير، إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه إلخ والخلائف جمع خليفة، وخلفاء جمع خليف[36] والخليفة السلطان الأعظم[37].
الخلافة في الإصطلاح
والخلافة في لسان المسلمين وترادفها الإمامة هي :رياسة عامة في أمورالدين والدنيا نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلم[38] ويقرب قول البيضاوي[39]: "الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة،على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة[40] وتوضيح ذلك ماقال ابن خلدون:"والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظرالشرعي،في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة،فهي في الحقيقة
خلافةعن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.[41]
معنى قولهم بنيابة الخليفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم
وبيان ذلك أن الخليفة عندهم يقوم في منصبه مقام الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان صلى الله عليه وسلم في حياته يقوم على أمرذلك الدين، الذي تلقاه من جانب القدس الأعلى ويتولى تنفيذه والدفاع عنه،كما تولى إبلاغه عن الله تعالى، ودعوة الناس إليه. وعنده أن الله جل شأنه كما اختارمحمداًصلى الله عليه وسلم لدعوة الحق، وإبلاغ شريعته المقدسة إلى الخلق، قد أختاره أيضاً لحفظ ذلك الدين وسياسة الدنيابه.[42]
فلما لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى قام الخلفاءمن بعده مقامه في حفظ الدين وسياسة الدنيا به.
سبب التسمية بالخليفة
وسمى القائم بذلك: خليفة وإماما فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في أتباعه والاقتداء به، وأماتسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق وخليفة رسول الله، واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم، ومنع الجمهور منه وقد نهى أبوبكر رضي الله عنه لما دُعيَ به وقال: لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم[43].
حقوق الخليفة في رأيهم
فالخليفة عندهم ينزل من أمته بمنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم من المؤمنين، له عليهم الولاية العامة، والطاعة التامة، والسلطان الشامل، وله حق القيام على دينهم فيقيم فيهم حدوده وينفذ شرائعه وله بالأولى حق القيام على شؤن دنياهم أيضا،وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها لأنه نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند المسلمين مقام أشرف من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سما إلى مقامه فقد بلغ الغاية التي لامجال فوقها لمخلوق من البشر. عليهم أن يحترموه لإضافته إلى رسول الله، ولأنه القائم على دين الله، والمهيمن على حفظه، والدين عند المسلمين هو أعز ما يعرفون في هذا الكون، فمن ولي أمره فقد ولي أعز شيئ في الحياة وأشرفه.
عليهم أن يسمعوا له ويطيعو "ظاهرا وباطنا"[44] لأن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله[45] فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب، وأمر لازم ولايتم الإيمان إلا به، ولايثبت إسلام إلا عليه.[46]
وجملة القول إن السلطان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أيضاً حمى الله[47] في بلاده وظله الممدود على عباده، ومن كان ظل الله في أرضه وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولايته عامة ومطلقة كولاية الله تعالى وولاية رسوله الكريم ولاغروَ حينئذ أن يكون له حق التصرف في "رقاب الناس وأموالهم وأبضائعهم".[48]
وأن يكون له وحده الأمروالنهي وبيده وحده زمام الأمة وتدبيرماجل من شؤنها وماصغر. كل ولاية دونه فهي مستمدة منه، وكل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطانه وكل خطة دينية أو دنيوية فهي متفرعة عن منصبه، لاشتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا[49] فكأنها الإمام الكبير والأصل الجامع وهذه كلها متفرعة عنها، وداخلة فيها، لعموم نظر الخلافة، وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم.[50]
وليس للخليفة شريك في ولايته ولالغيره ولاية على المسلمين، إلا بولاية مستمدة من مقام الخليفة، وبطريق الوكالةعن الخليفة، فعمال الدولة الإسلامية وكل من يلي شيئاً من أمرالمسلمين في دينهم أو دنياهم من وزير أو وال أو محتسب أو غيرهم كل أولائك وكلاء للسلطان ونواب عنه وهو وحده صاحب الرأي في اختيارهم وعزلهم وفي إقامة الولاية عليهم وإعطائهم من السلطة بالقدر الذي يرى، وفي الحد الذي يختار.
من أين يستمد الخليفة ولايته؟
فقد كان واجباً عليهم، إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة ورفعوه إلى ذلك المقام، وخصوه بكل هذال السلطان أن يذكروا لنا مصدر تلك القوة التي زعموها للخليفة أنى جاءته؟ ومن الذي حباه بها وأفاضه عليه؟ لكنهم أهملوا ذلك البحث، شأنهم في أمثاله من المباحث السياسية الأخرى، التي قد يكون فيها شبه تعرض لمقام الخلافة ومحاولة البحث فيه والمناقشة. على أن الذي يستقرئ عبارات القوم المتصلة بهذا الموضوع يستطيع أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج أن للمسلمين في ذلك مذهبين.
(يُتبع)
