تجربة العيد الأبدي
يروي سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".
(صحيح مسلم، رقم٧٠٧٢)
للصائم فرحتان لا تشبه إحداهما الأخرى، فرحة تملأ كيانه عند فطره، حين يذوق أول قطرة من ماء بعد ظمأ، ويلمس أول لقمة بعد جوع، فتنتعش روحه ويسكن جسده، وفرحة أعمق وأبهى عند لقائه بربه، حين يفيض عليه من رحمته وكرمه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وكما تغمر الصائم نشوة الراحة بعد ساعات من العطش والجوع، فإن لقاء الله سيكون أعظم ارتواء، وأكمل سعادة، حيث تنقشع غمامة الدنيا، وتشرق شمس النعيم الأبدي. فكما ينسى الصائم مشقة يومه حين يفطر، فإن الإنسان حين تغمره أنوار الرحمة الإلهية، سينسى عناء العمر كله، ليصبح النعيم المقيم والراحة المطلقة قدره الذي لا ينقطع.
وفي هذا الحديث النبوي العميق، يتجلى الإفطار كتجربة روحية تمهد للفرحة الكبرى، وكأنها نافذة تطل على ذلك اللقاء الموعود، تذكيرًا لطيفًا بأن الصبر على المشقة يعقبه جزاء لا يفنى، وأن وراء كل عطش مؤقت، ارتواءً لا ينضب.
إفطار الصائم هو "أجر عاجل" يحمل في طياته بشارة مسبقة بـــ"الأجر الآجل" في الجنة وبلقاء الله عز وجل. فتجربة هذه الفرحة العارضة عند الإفطار ليست سوى لمحة خاطفة من السعادة الأبدية، ونموذجًا مصغرًا من النعيم اللامحدود الذي ينتظر المؤمن في دار الخلود. وكأنها بشارة ممهدة وغيض من فيض، تنبئ بما هو أعظم وأبقى. (وهذا الفرح المعجّل نموذج لذلك الفرح المؤجّل)
وبالمثل، فإن شهر رمضان، بما يشتمل عليه من سحور وإفطار، وقيام ليل، وصبرٍ على الجوع والعطش، واجتناب للشهوات واللذات، ومعاناة من التعب وقلة النوم، يمثّل رحلة إيمانية شاقة، لكنها مفعمة بالنور واليقين. وفي ختامه، يمنحنا الله صباح العيد، ذاك الصباح الذي يشرق بأنوار الفرح، ويتوّج مسيرة الصبر والعبادة بالسرور والانشراح. وهذه التجربة الرمضانية في جوهرها ليست سوى انعكاس رمزي للحياة الدنيا المقيّدة والمحدودة، في مقابل حياة الآخرة، حيث الحرية المطلقة والسعادة الخالدة.
وهي بشارة من الله لعباده المؤمنين، بأنّه كما أن أيام رمضان المحدودة (أيامًا معدودات) تنتهي بفرحة العيد وانعتاق النفس من قيود الجوع والعطش، فإنّ هذه الحياة القصيرة ستتوج، لمن صدق مع الله، بحياة أبدية في الجنة، حيث الفرح المطلق، والحرية الكاملة، والنعيم المقيم الذي لا يفنى ولا ينقطع.
ومن حفظ ذكر الله في هذه الدنيا الفانية، وأحسن إلى عباده بصدقٍ ورحمة، فإنّ له في الآخرة مقامًا كريما، وعالما أبديّا تتجلى فيه السعادة في أبهى صورها، حيث لا خوف، ولا حسرة، ولا حزن. إنه العهد السرمدي الذي تفتح فيه أبواب الملكوت لعباد الله الصادقين، في جوار ملك الملوك، حيث تفور ينابيع النعيم، وتجري أنهار الرضوان، ويسري في الأرواح نور السعادة الأبدية، في عالم لا يزول، وفرح لا ينقطع.
يوم العيد هو يوم العهد مع الله، يوم يجدد فيه المؤمن ميثاقه بأن يجعل الدنيا مجرد محطة عابرة لا موطنًا دائمًا، وأن يرى نفسه سائرًا في رحلة نحو دار الخلود، حيث النعيم الأبدي والحياة السرمدية.
إنه يوم الصفاء الروحي، حيث يتحرر القلب من قيود الدنيا وزخرفها الفاني، ويشرئبّ إلى نور الآخرة وبهائها الدائم. إنه اليوم الذي يعيد فيه المؤمن رسم مساره، جاعلًا الآخرة غايته السامية، فيرتب أولوياته وفق ميزان الخلود، ويقدم ما يبقى على ما يفنى، ساعيًا نحو نعيمٍ لا يزول، وسعادة لا تنقطع.
ينبغي للمؤمن أن يجعل "الصبر والصلاة" ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) زاده في رحلته عبر جسر الحياة الدنيوية، حتى يعبره بسلام وأمان، متجاوزًا دروب الابتلاءات الوعرة بثباتٍ ويقين. كما ينبغي له أن يغذي روحه بذكر الله والتفكر، ويتزود بنور التلاوة والتذكير، ليواصل مسيرته على الصراط المستقيم بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر.
هذا هو المعنى العميق للعيد، وهذه أعظم دعواته وعباداته. فطوبى لمن يغادر مصلى العيد وقلبه عامرٌ بهذا العهد الإيماني المتين.
هؤلاء هم الصائمون الذين كتب الله لهم شرف الدخول إلى الجنة عبر "باب الريّان"، ذلك الباب الذي أعدّه لعباده الصائمين، تكريمًا لصبرهم وطاعتهم، كما بشّرت بذلك نصوص الوحي في الحديث النبوي الشريف:
"إنّ في الجنة بابًا، يقال له: الرّيّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، فلا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد. "
وقد روى الصحابي الجليل سيدنا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلی اللہ علیہ وسلم قال:
"إن في الجنة بابًا يسمّى الرّيّان، لا يدخل منه يوم القيامة إلا الصائمون، لا يدخل منه أحد غيرهم. فيقال: أين الصائمون؟ فيقومون، فلا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد بعدهم." (صحيح البخاري: ١٨٩٦)
فيا سعد من لبّى نداء الصيام، وسار على درب الطاعة، حتى يحظى بهذه الكرامة العظمى، ويفتح له باب الريّان في دار النعيم المقيم.
يا له من مشهد مهيب! حين يقف المؤمنون عند "باب الريّان"، ذاك الباب المشرق بالريّ والنعيم، وفي استقبالهم خالق الجنة بنفسه، يسقيهم بيده الكريمة، فيفيض عليهم من رحمته ورضوانه:
"وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا" (الإنسان: ٢١)
إنّ حياة المؤمن ليست سوى رحلة صيامٍ طويلة، يبدأها يوم ينطق بكلمة التوحيد، معلنًا صيامه عن كل ما يبعده عن ربه، حتى يحين موعد الإفطار الأعظم في الجنة، حيث يهنأ بلقاء خالقه وينعم برضاه الأبدي.
وهناك، سيستقبل بكرامة لا يدانيها شرف، وعزّة لا يحدّها خيال، في لحظة تعلو على كل فرحة أو تكريم عرفته الدنيا. وعندها، سيرتفع نداء سماويّ شجيّ، يبشّره بالسعادة الأبدية والخلود في دار النعيم.
يا صائمًا ترك الطعام تعففًا
أضحى رفيق الجوع واللأواء
أبشر بعيدك في القيامة رحمةً
محفوفةً بالبر والإنْداء
يا صائمًا عافت جوارحه الخَنا
أبشر برضوانٍ من الديان
عفوٍ ومغفرةٍ ومسكنِ جنةٍ
تأوي بها من مدخل الريان
[أيها الصائم الذي ترك الطعام والشراب طلبًا للطهارة، وصاحب المشقة والجوع، أبشرْ بيوم عظيم في القيامة، يوم تغمره الرحمة، ويعمّه الكرم والإحسان. أيها الصائم الذي صانت جوارحه نفسه عن الفحشاء والمنكر، أبشرْ برضوان ربّ الجزاء، وبعفوه ومغفرته، وبذلك المسكن في الجنة، حيث تدخله عبر باب الرّيّان، فتقيم فيه إقامة أبدية.]
وهذا هو الفوز العظيم الذي يجدر بالساعين أن يسابقوا إليه، وللمتنافسين أن يبذلوا فيه جهدهم: وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (المطففين : ٢٦)
[١٥ أبريل ٢٠٢٤م ]
