logo
أخرى

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

(مقتبس من حواره مع محمد حسن الياس)

الحلقة الثانية

التعريف بالقضية

إن حدث شق القمر هو واحد من المعجزات التي نسبت إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرت في القرآن الكريم في سورة القمر، حيث قال الله تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ". تعتبر هذه الآية دلالة على صدق الرسالة النبوية وإشارة إلى قرب يوم القيامة. والكثيرمن المفسرين والمحدثين وكتاب السير يقدمون ذلك استنادًا إلى الآيات الأولى من سورة القمر  والعديد من روايات جاءت في كتب الحديث. فقد جاء في سورة القمر أن الساعة قد اقتربت وانشق القمر، لكن مكذبي الرسول لن يصدقوا. حتى لو رأوا أي علامة، فإنهم سيعرضون عنها وسيقولون إن هذا سحر قديم. وقد أظهرت العديد من الروايات في كتب الحديث تفاصيل هذا الحدث حيث يروى أن أهل مكة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آية ليصدقوا دعوته، فأراهم انشقاق القمر إلى شقين. وهذالحدث الحسي قد حدث قبل حوالي خمس سنوات من الهجرة إلى المدينة. وكان من بين شهود العيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض من صحابته الكرام، وكفار قريش. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه موجودين في مِنًى. وكان القمر في شكل بدر كامل واضحا جليا منيراً. وفجأة انشق القمر إلى نصفين، وذهب أحد النصفين إلى جانب الجبل والآخر إلى الجانب الآخرمنه. واستمر هذا المنظر المدهش لحظةً ثم التقى النصفان بعضه البعض وصاربدراً كماكان قبل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أن يكونوا شهودًا على هذا الحدث. وقد رأى الكفار هذا المنظر مباشرة، لكنهم لم يصدقوا أعينهم. لذلك حاولوا إنكاره بقولهم إنه سحر. ولكن اقترح بعضهم أن ننتظر عودة المسافرين مناقبل أن نتخذ قرارًا نهائيًا. فستكون ملاحظتهم حاسمة، لأن أعيننا قد تُسحر، لكنهم بسبب غيابهم لا يمكن أن يكونوا مسحورين. فقبلوا هذا الاقتراح. وعندما عاد أولائك الناس، تبين أنهم أيضًا شهدوا انشقاق القمر بنفس الطريقة. وبالتالي، لم يعد بإمكان الكفار إنكار الحدث.

ومع ذلك، فعلى الرغم من ذلك لم يؤمنوا وظلوا متمادين على إنكار رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) وإنذاره ودعوته. هذا هو المعنى العام لروايات جاءت عن عبد الله بن مسعود و جابر بن متمم و عبد الله بن عباس و أنس بن مالك وبعض الصحابة الآخرين الذين يتفق المفسرون والمحدثون على صحتها. إضافةً أنه قد جاء أيضا في بعض الرويات المنسوبة إلى أنس رضي الله عنه أن هذه الحادثة كانت ردا على طلب قريش لأي معجزة ووقعت مرتين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قبل بعض العلماء والمحدثين هذه الإضافة ورفضها البعض باعتبارها مسامحةوخطأ من الرواة .

وعلى الرغم من الإجماع العام للعلماء على حدوث انشقاق القمر ، إلا أن هناك خلافا حول طبيعته الإعجازية. فمعظم علماء الحديث والتفسير يشملونه في ضمن معجزات النبوة وينسبون صدورها  إلى النبي صلى الله عليه وسلم . إلاأنه يعتبرها بعض العلماء الآخرين إحدى علامات الله، لكنهم لا يطبقون عليها المصطلح المعروف للمعجزة. فوفقاً لهم  ليس من الصحيح علميا ودلاليا اعتبارها معجزةَ نبوة. ويتمسك بهذا الرأي المولانا أبو الاعلى المودودي والمولانا أمين أحسن الإصلاحي، وكان عالمان بارزان في العصر الحاضر.

ويتفق الاستاذ جاويد أحمد غامدي معهما في بحث انشقاق القمرفي أجزائه الكافة وماخلصا إليه من رأي كلي. وقد وصف هذا بأنه هو الآخر موقفه. لذلك، فهو يعتبر شق القمر حدثا حسيا ومظهرا من مظاهر قوة رب العالمين. فعنده قد ظهرت هذه الحادثة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لدعم إنذاره ودعوته وكتحذير للمكذبين له. ويبني الاستاذ على القرآن بناءَ موقفه هذا، لكنه يدعم فهمه بقبول ماجاء في الأحاديث و يقبل الآثارالمتعلقة في فهمه وتأييده تماما. ومع أنه لا يعتبر إطلاق مصطلح المعجزة صحيحاً لتفسير هذا الحدث. والسبب في ذلك أنه لم يتم ذلك بتوسط رسول الله صلى الله عليه وسلم له. وقد تم استخدام كلمة "آية" في سورة قمر لهذا الغرض. مما تنبئ نظايرها في القرآن إلى أنه إذا كان المقصود استعمال مصطلح المعجزة فيجب استخدامه فقط للآيات التي تجيئ بواسطة الأنبياء عليهم السلام. لأن هذا المصطلح لايناسب استخدامه للآيات التي نزلت مباشرة عن الله.

وهذا الكتاب الذي هو قيد التأليف والمراجعة هو بيان لهذا الموقف لأستاذنا الجليل. ويتكون من أربعة فصول وعدد قليل من الملاحق. وعنوان الفصل التمهيدي هو "مفهوم ومصداق الآية ". هذا هو أساس المناقشات  القادمة. ففيه  تم تحديد تطبيقات كلمة "آية" على أساس نظائرها التي جائت في القرآن. وفي ضوء ذلك يتم تحديد معنى هذه الكلمة ومصداقها في سورة القمر بقطعية كاملة. وعنوان الفصل الثاني هو: حادثة انشقاق القمر في ضوء القرآن". وفيه تمت دراسة الآيات ذات الصلة من سورة القمر في سياق مناقشة الفصل الأول. وفي هذا الصدد، وصفت طبيعة انشقاق القمر وماهتيه وغرضه بالتفصيل. وفي الفصل الثالث تم تحليل روايات جاءت في حدث انشقاق  القمر. وقد جاءت فيها مناقشة جميع الروايات الأساسية وجميع مباحثها. ويلخص الفصل الرابع وجهات نظر المولانا أبي الأعلى المودودي والمولانا أمين أحسن الإصلاحي حول الموضوع قيد البحث. والغرض من ذلك هو أن المواقف التي اتفق معها الأستاذ الجليل تماما يجب أن تخرج بمصادرها الأصلية ويجب أن يكون واضحا تماما أن رأي المعلم ليس تفرده هو ، بل هو بيان لموقف ورأي لمن تقدمه من عالمان جليلان.

ويتكون الجزء الأخير من بعض الإضافات. ويتضمن بعض المكونات المهمة للمادة وبعض المناقشات التفسيرية في ضوء المتطلبات الأكاديمية والفنية. والغرض من هذه هو توفير التسهيلات للقراء إذا كانوا يريدون المزيد من البحث والتنقيح أو الوصول إلى مصادر البحث والمناقشة.

(يُتبع)