logo
أخرى

قضية التبديل في نصابات الزكوة:بين القرضاوي وغامدي

قضية التبديل في نصابات الزكوة بين الشيخ القرضاوي والأستاذ جاويد أحمد غامدي

تستند الأحكام الإسلامية دائما إلى سبب معقول، وإذا تغير ذلك، يمكن أن يتغير تطبيق الأحكام أيضا. وقد ورد في أصول الفقه هذه القاعدة بلفظ تال:

"الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا"

أي أن أحكام الشريعة تدور في الوجود والعدم مع سببها. وهذا يعني أنه عندما يظل سبب الأمر قائما، ينطبق هذا الأمر أيضا، وعندما تنتهي علته، يمكن أن يتغير تطبيق الحكم أيضا.

إن مصارف الزكاة حكم مقرر لا مجال فيه للاجتهاد، ولكن حد نصابها والامتيازات الممنوحة فيه هي في الأساس أمور اجتهادية. سنرى السبب الحقيقي والعلة هنا أيضا. كما تم تحديد مقرر الزكاة ونصابها وفقاً لنفس المبدأ بحيث لا يستطيع تحمل تكاليفها إلا من يستطيع القيام بهذا الواجب. هذا هو السبب في أن هناك مجالا لمراجعة نصابات الزكاة في سياق التغيرات الاقتصادية الحديثة.

إن الحد الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في مسار الزكاة قد انتقل من خلال السنة النبوية. وبناء على ذلك، تم وصف خمسة أواقي (أي مايساوي642  جراما من الفضة وخمسة أوسق ( أي مايساوي653 كيلوغراما من التمر أو الحبوب) في المنتجات الزراعية.

وكان السبب الرئيسي لجعل الفضة معياراً في نصاب الزكوة في زمن النبوة هو أنها كانت الفضة المصدر الرئيسي للتبادل العام للمال (currency)  وكانت تمثيلا حقيقياً للظروف المالية للطبقة الوسطى. ففي ذلك الوقت  كان سعر الفضة وقوتها الشرائية يعتبر مقياسا موثوقا به للحالة الاقتصادية. على هذا الأساس، كان يمكن التمييز بوضوح بين من هو صاحب الاستطاعة ويقدر على تحمل التكاليف وبين من يستحق الزكاة.

ويقول الشاه ولي الله في كتابه (حجة الله البالغة) وهو يبين حكمة تحديد نصاب الزكاة مامفهومه: إن الحكمة من تحديد الشريعة الإسلامية لخمسة أوسق من التمر والحبوب في نصاب الزكاة أن هذا القدر يكفي لحاجات أسرة صغيرة لمدة عام كامل، والأسرة الصغيرة تعني الزوج والزوجة، و الولد، أو الموظف، أو أسرة قليلة العدد مثل ذلك. والحد الأقصى للطعام الذي يأكله الإنسان هو رطل أو مد، وحتى بعد أكل هذا القدر قد يتبقى منه شيء لأسباب طارئة. وقد حدد الشرع مبلغ خمس أواق (مائتا درهم) في زكاة الفضة لأن هذا القدر يكفي أيضاً أسرة صغيرة لمدة عام، بشرط ثبات الأسعار طوال العام في جميع المناطق. وإذا نظرت إلى المناطق التي تتوازن فيها تقلبات الأسعار، تجد أن هذه القاعدة صحيحة.

ويقول الشاه إضافة إلى ذلك عن النصاب فيما يتعلق بالزكاة المقررة على الحيوانات في الشريعة الإسلامية:مامفهومه:

’’وقد حدد الشرع عدد الإبل بخمس من الإبل، ووضع عليها شاة واحدة في الزكاة - مع أن الأصل أن يكون نوع الزكاة من الإبل نفس نوع الزكاة من المال - لأن الإبل حيوان كبير وله منافع عظيمة، ويستخدم في الأكل والركوب ودرّ اللبن وحصول النسل منه ،كما أنه يحصل الإنسان منه على الدفء والحرارة من صوفه وجلده، وبعض الناس يقتني بعض الإبل من أجود أنواع الإبل، وهي تعادل عدداً كبيراً من الإبل من حيث المنافع، وقد ورد في الأحاديث أن الإبل في عهد النبي كانت تساوي ثمانية وعشرة واثنتي عشرة من الغنم، فجعل صلى الله عليه وسلم نصاب الإبل خمساً، وجعل فيها شاة واحدة في الزكاة.‘‘

(حجة الله البالغة)

وهذا الرأي يوضح أن المقرر لم يتحدد بمعزل عن الزمان أو المكان أو أي نظام اقتصادي معين، بل كان يتحدد مع الأخذ في الاعتبار للظروف الثقافية والاقتصادية في ذلك الوقت، والاحتياجات المالية للأسرة، والبنية العامة للاقتصاد.

والسبب هو أن الشرائع السابقة كانت قد اعتمدت معايير مختلفة فيما يتعلق بنصاب الزكاة. وفي الشريعة الإسلامية تغيرت نصابات الزكاة أيضاً وفقاً للظروف الثقافية.

ففي الأمم السالفة، كان الإنتاج الزراعي في البداية هو المعيار الرئيسي، ولكن في فترات لاحقة، أصبح الثروة الحيوانية، إلى جانب السلع الأساسية، أساسَ المقررات الزكاتية. بينما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح الاقتصاد معتمداً بشكل أكبر على المال والنظام التجاري. وفي هذه الفترة أصبح نظام الصرف يعتمد بالدرجة الأولى على الذهب والفضة، ولذلك تم تحديدهما كمعيار لنصاب الزكاة.

لاجتهاد في مسائل الزكاة سوابق تاريخية

وهذه ليست المرة الأولى التي تبرز فيها الحاجة إلى الاجتهاد في نصاب الزكاة. وقد اجتهد الفقهاء والصحابة عبر التاريخ في اتخاذ القرارات الاجتهادية آخذين بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية المستجدة. ففي عهد خلافة عمر رضي الله عنه حدثت تغيرات هائلة في الاقتصاد الإسلامي، فوضع مبادئ الزكاة واجتهد في تطبيقها. وفيما يلي لمحة موجزة عن آرائه واجتهاداته:

أولاً: الاستثناءات في زكاة المنتجات الزراعية: فقد خفف سيدنا عمر رضي الله عنه في زكاة المنتجات الزراعية، لأن بعض المحاصيل كانت من حاجات الناس الأساسية، وكان أخذ الزكاة منها يثقل كواهل الناس.

ثانيا: قرار عدم جباية الزكاة من الخيل: مع أن بعض الفقهاء يرون وجوب الزكاة على الخيل، إلا أن عمر رضي الله عنه قضى بعدم جباية الزكاة من الخيل نظراً للظروف الاقتصادية في ذلك الوقت

 ثالثا: التساهل في زكاة الأنعام: لقد وضع سيدنا عمر (رضي الله عنه) في اعتباره مبادئ التساهل والشدة في أداء الزكاة حتى يتم الحفاظ على روح الزكاة الأصلية. وكذلك اجتهد فقهائنا بين الحين والآخر في مسائل مختلفة تتعلق بالنصاب في ضوء هذه الاحتياجات نفسها، فعلى سبيل المثال: في البداية كانت الزكاة واجبة في الغالب على المحاصيل الزراعية والماشية والذهب والفضة، ولكن مع اتساع نطاق التجارة، توصل الفقهاء إلى أن الزكاة تجب في جميع أنواع السلع التجارية بغض النظر عن شكلها (الملابس، والمجوهرات، والأشياء الثمينة، والأسهم، وما إلى ذلك).

وكذلك الحال في زكاة الأوراق النقدية، وزكاة ما يشبهها من الحيوانات، كالجاموس مثلاً. وهذه الاجتهادات دليل على أن مبادئ الشريعة مع المحافظة عليها فإن تطبيقها ممكن في حدود الشريعة مع مراعاة الظروف.

وفي هذا الصدد يعرض اثنان من المفكرين الكبار في هذا العصر، هما العلامة يوسف القرضاوي والأستاذ جاويد أحمد الغامدي، موقفهما.

موقف القرضاوي

وقد تناول الشيخ هذه المسألة بالتفصيل في كتابه فقه الزكاة. وحجته أن الغرض الأساسي من الزكاة هو ضمان العدالة الاجتماعية والإنصاف. أي أن من كان مقتدراً فعليه إخراج الزكاة، ومن كان محتاجاً فعليه أخذ الزكاة. ولكن إذا جعل النصاب الفضي هو الأساس فإنه يجب على من يواجه صعوبة أن يدفع الزكاة، وهذا مخالف لمقصود الزكاة. وبحسب القرضاوي فإنه لا يمكن تعديل المبادئ الأصلية، ولكن بما أن النصاب اجتهادي فإنه يمكن التأمل فيه. وبحسب قوله، في الماضي لم يكن هناك فرق كبير بين قيمة الذهب والفضة، أما اليوم فقد انخفضت قيمة الفضة بشكل كبير. إذا تم الحفاظ على معيار الفضة، فإن الشخص الذي يمتلك ممتلكات بقيمة بضع مئات من الدولارات فقط يمكنه أيضًا أن يصبح حاملًا لنصاب الزكوة فتجب عليه. في حين أن القصد الحقيقي هو إعطاء الزكاة لهؤلاء الأفراد، وليس فرض الزكاة عليهم.

فقد كتب في كتابه القيم فقه الزكوة مامفهومه:

’’والسؤال المطروح هو: هل يجوز لأسرة في بلد إسلامي أن تعيش سنة كاملة على خمسين ريالاً أو خمسين جنيها مصرياً أو سعودياً أو باكستانياً أو هندياً أو حتى يعيش عليها شهراً أو أسبوعاً؟ والواقع أن هذا المبلغ في البلدان النفطية التي ارتفع فيها مستوى المعيشة إلى حد كبير لا يكفي حتى لسد احتياجات الأسرة المتوسطة اليومية، فكيف يعتبر صاحب هذا المبلغ غنياً في نظر الشريعة؟ هذا بعيد المنال!" (فقه الزكاة)

قد أيد هذا الموقف مبدئيا الأستاذ جاويد أحمد غامدي في كتابه ميزان:

موقف الأستاذ جاويد أحمد غامدي

يرى غامدي أن مقدار الزكاة لا يتغير، لأنه محدد من الله مباشرة. ولكن هناك مجال للاجتهاد في تحديد النصاب وتطبيقه فقد كتب:

’’وثالثاً إذا أرادت الدولة أن تستثني شيئًا من الزكاة مراعاةً للظروف فلها أن تفعل ذلك كما أنها يمكن لها أن تضع نصاباً متوافقاً للتقليد السائد للأشياء التي تحصل عليها الزكاة، ولأجل هذا الغرض قد وضع النبي صلى الله عليه وسلم نصاباً للزكاة في المال والماشية والإنتاجات الزراعية.‘‘

ورغم أن غامدي يرى أن أسعار الذهب والفضة لا تزال صالحة اليوم في حدود هذه المعادن، فإنه يعطي الدولة صلاحية مراجعة أسعار الزكاة في ضوء الإنتاج والادخار المالي. وأصل هذا الاجتهاد أن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء، ولا تجب على من يعاني من ضائقة مالية. وبموجب هذا المبدأ فإنه يجوز للدولة أن تعدل من نظام الزكاة وتطبيقها بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية المتغيرة.

ويطبق غامدي الزكاة أيضاً على مصادر الدخل الجديدة المتولدة في الاقتصاد الحديث ويعتبر الزكاة غير مقتصرة على مصادر الدخل التقليدية (مثل المنتجات الزراعية والذهب والفضة والثروة الحيوانية)، وبالتالي يطبق الزكاة على الإنتاج من الرواتب والخدمات والإيجارات والإنتاج الحديث. فيكتب في كتابه ’’ميزان‘‘: 

’’أما في الإنتاج فإذا حصل من العمل والجد أصالة أو من رأس المال أصلاً ففي لك حصاد يؤخذ عشر المال وإذا حصل الإنتاج من تعامل الكسب والمال كليهما فنصف العشر،  وإذا حصل فقط بالعطية الإلهية بغير الكد والمال كليهما فعشرون في المئة.‘‘

في حين أن السيد غامدي يطبق الزكاة على وسائل الإنتاج الجديدة والمماثلة، فإنه يؤمن أيضًا بالاجتهاد في تحديد منهجها ومقررها وتطبيقه مع الحفاظ على مبادئها الأساسية حتى يظل نظام الزكاة أكثر فعالية وقابلية للتطبيق بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية اليوم.

خارطة الطريق لتغيير المناهج في العصر الحديث

وفي رأينا المتواضع، فإن الطريقة المنطقية والفعالة لتحديد معدل الزكاة ونصابها في الاقتصاد الحديث قد تكون في الاستناد إلى المبادئ الاقتصادية الحديثة ومعايير القدرة المالية السائدة في النظام الضريبي. فاليوم أصبحت المعايير التي يضعها الاقتصاد لتقييم الوضع المالي علمية وعملية إلى حد كبير، وهي تأخذ بعين الاعتبار الوضع المالي الفعلي لأي فرد أو أسرة والوضع الاقتصادي للمنطقة.

وكما أن النظام الضريبي يضع حداً معيناً للدخل (income threshold) لحماية ذوي الدخل المنخفض من الأعباء المالية غير الضرورية، فإن نصاب الزكاة يمكن أن يستند أيضاً إلى هذا المبدأ بحيث لا تنطبق الزكاة إلا على أولئك الذين هم مستقرون مالياً حقاً، ولا تشكل عبئاً غير ضروري على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

وبالإضافة إلى ذلك، تتم مراجعة معدل الضريبة بشكل دوري للتأكد من توافقه مع الوضع المالي للجمهور. ويمكن تطبيق نفس المبدأ على منهج الزكاة حتى يكون نظامه منسجماً مع الواقع الاقتصادي في العصر الحاضر، ولا يتأثر بروحه الأصلية.

وإذا جرت بحوث واجتهادات جماعية بشأن نصاب الزكاة، فإن أعظم فوائدها هي أن هذا النظام سوف يتمكن من ضمان التوزيع العادل للموارد المالية، ويمكن تلبية الغرض الحقيقي من الزكاة، والمتطلبات الاقتصادية للنظام الجماعي، في ضوء العدالة الاجتماعية والإنصاف.

المصادروالمراجع

1. القرضاوی، یوسف – "فقه الزکوٰة"، دارالقبس

2. غامدي، جاوید أحمد – "میزان"، المورد

3. الشا ه ولي الله – "حجة الله البالغة"، دارالکتب العربیة،

4. ابن رشد – "بداية المجتهد"، دارالسلام

5. ابن قیم الجوزیة – "إعلام الموقعین"، دارابن الجوزي،

(مترجمة من الأردية)

صاغه بالعربية د.محمد غطريف شهباز الندوي