حیاة أمين
(سيرة الشيخ المولانا أمين أحسن الإصلاحي)
[وفقًا لوصية صاحب "تدبر قرآن"
من كاتب سيرته نعيم أحمد بلوش]
الحلقة الثانية
[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السيرة للشخصيات"، وهي تعكس آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، لذا، لا يلزم أن تتوافق المؤسسة مع جميع ما يرد فيها. ]
في ذكريات طفولته، يتذكر المولانا أمين أحسن جيدًا أن جده أراد أن يجعله موظفًا حكوميًا. وعلى الرغم من أنه كان يحب جده كثيرًا، إلا أن المولانا كان يكره بشدة أن يكون موظفًا رسميًا. وكان السبب في ذلك أنه أحب الاحترام والتقدير اللذين كانا يحظى بهما العلماء في وطنه ومحيطه. وكانت فكرة أن يصبح شيئًا مماثلًا لهم تنمو في ذهنه، وكان يقول إن عائلتنا كانت تُسمى "أخوة العلماء" بسبب تواجد المولوي شبلي، والمولوي حميد الدين، والمولوي شبلي المتكلم، وغيرهم فيها، ولهذا كان لهم مكانة خاصة في المجتمع.
قال إنه عندما ذهب إلى المدرسة، كان ينشد قصائد كريمة سعدي، وكان الناس يستمعون إليه باهتمام، بل ويثنون عليه، وكان بعضهم يطلب منه أن ينشد لهم هذه القصائد، فيبدأ في إنشادها بفرح عظيم:
کریما به بخشائے بر حال ما
كه هستم اسیرِ کمندِ ہوا
نداریم غیر از تو فریاد رس
توئی عاصیاں را خطا بخش و بس
نگہدار ما را زِراہ خطا
خطا در گذار و صوابم نما
[ترجمة: أيها الكريم الغافر، تفضّل علينا برحمتك، فنحن أسرى أهوائنا وضعف نفوسنا. لا ملجأ لنا سواك، فأنت وحدك الغافر لزلات العاصين. فاحفظنا من الانحراف، واغفر لنا ذنوبنا، واهدنا إلى طريق الحق والصواب..]
لم يكن الناس يستمعون إلى هذه القصائد فحسب، بل كانوا أيضًا، مثل الطالب الصغير، ينشدونها ويقرؤونها معه. قال المولانا، معلقًا على هذه القصائد: "لقد كنا لفترة من الوقت أسرى لهذه القصائد، ولكن عندما كبرنا، أدركنا أنها تحتوي على مغزى التصوف بأسره، وربما يشير المولانا إلى كلمة أسير الطمع".
العلاقة مع الهندوس في القرية
وفي إشارة إلى التسامح الديني في الظروف الاجتماعية في ذلك الوقت، يقول المولانا: "كنا نحضر بانتظام الطقوس الهندوسية مثل حفلات الزفاف وغيرها، وكانوا يحضرون مناسباتنا أيضًا. وهذا يعني أن الارتباط الثقافي كان قائمًا بشكل كامل. لم يكن المسلمون يحضرون احتفالات الهندوس الدينية البحتة، لكن الهندوس كانوا يحضرون عيد الفطر أيضًا. وفي هذه المناسبة، كانوا يرتدون ملابس جميلة مثل المسلمين. كانوا يلبسون عمائم كبيرة، وكان هذا هو الزي الخاص للهندوس من طائفة الراجبوت. كما كان يتم تبادل الهدايا أيضًا".
لا توجد لدى المولانا أي ذكريات عن طفولته أو شبابه تشير إلى الكراهية أو المرارة بين المجتمعين الهندوسي والإسلامي. بل كان هؤلاء الناس ينتمون إلى نفس المجتمع الذي اعتنق منه أجداد المولانا الإسلام، ولم يسبب هذا التغيير في الدين أي كراهية أو عداوة. ويوضح المولانا أن الإسلام لم يفعل أكثر من تغيير عقائدهم وتحذير الناس مما هو مسموح به وما هو محظور، أما فيما يتعلق بالمراعاة الاجتماعية والثقافية والعادات والتقاليد، فلم يطرأ أي تغيير يُذكر.
بل قال إن الأنا الراجبوتية والشعور بالفخر كانا حاضرين فينا حتى بعد أن أصبحنا مسلمين. ويعترف المولانا بأنه في المدرسة شهد الكثير من الإصلاحات في هذا الصدد. يقول:
"لقد كان لدي أيضًا نوع من العناد الذي استأصله مولانا حميد الدين بشكل خاص."
وفي هذا الصدد، يصف المولانا حساسية معلمه قائلًا: "لاحظنا أنه كان يسمي أحد أبنائه ميرزا، والآخر مغول، والثالث خان أي باثان. وقد كنا نتفاجأ كثيرًا بهذا. وأخيرًا، في أحد الأيام، سألناه عن السبب، فقال: إني سميتهم بناءً على طباعهم، فلكل أمة طباعٌ خاصة تنعكس على طبيعة أفرادها".
خلفية تأسيس مدرسة الإصلاح
وقد ذكر المولانا قصة دخوله إلى مدرسة الإصلاح، وذكر نشأتها على وجه التحديد. وعلّق المولانا على هذه الأحداث تعليقًا بليغًا وأوضح الدور الذي لعبه مولانا شبلي النعماني في إنشاء المدرسة، وقال:
"لقد سئم المولانا شبلي النعماني من تجواله، فجاء إلى أعظم جراه وقرر البقاء هناك. لقد ترك جميع أنشطته الخارجية - بلكناو وما إلى ذلك - وجلس وساقاه متقاطعتان، ولست أقول هذا مجازًا، بل حدث ذلك بالفعل. لقد تم بتر قدمه. ثم وقع حادث كانبور. عندما وُضع رجال الدين في السلاسل، أصبح مضطربًا. لقد مات أخوه، وكان لكل هذا أثره على شعره وعلى كل شيء آخر. وعندما ذهب إلى الاعتكاف في أعظم جراه، لم يكن من أولئك الذين ظلوا صامتين. لقد كان شخصًا كريمًا مفضالًا للغاية. أينما جلس، شرعت الحدائق والمروج تنمو، وأخذت الأنهار تجري. وكانت فكرة دار المصنفين قد ترسخت في قلبه وعقله منذ زمن، فبدأها".
أصبحت المدرسة الثانوية الوطنية "كلية شبلي". وفي الوقت نفسه، اتجه اهتمامه إلى مدرسة إصلاح المسلمين في "سرائى مير". وكان السبب في ذلك هو حادثة "الندوة"، فلم يكن من الممكن أن يعيش شبلي بدون خياله عنها، لأنه لم يكن من النوع الذي يقضي حياته بلا جدوى. لقد كان عاصفة تمشي على الأقدام. ففكر الآن في إنشاء مؤسسة للتعليم الديني هنا، وربما تأثرت هذه الفكرة أيضًا بخيبة أمله في الندوة، فتوجه إلى مدرسة الإصلاح.
كل هذه العبارات ليست مجرد جمل، بل هي إشارات إلى أحداث مهمة في الماضي، وتحمل دلالات بعيدة المدى للمستقبل. وهي تحتاج إلى بعض التفصيل والتلخيص.
هذه الجمل ليست مجرد كلمات، بل هي تلميحات ذات دلالات كاملة، تشير إلى أحداث خطيرة في الماضي، وتُنبئ بمواقف بعيدة المدى في المستقبل. ولذلك، فهي تحتاج إلى بعض التفصيل والتلخيص، وهو ما نقدمه في هذا الملخص:
بعد فشل حرب عام ١٨٥٧، توصلت النخبة الواعية من المسلمين في شبه القارة الهندية إلى استنتاج مفاده أنهم لم يعد بإمكانهم تحسين أوضاعهم من خلال النضال المسلح. وبعد التوصل إلى هذا الإدراك، أسسوا ثلاثة أنواع من المدارس.
الأولى نشأت عام ١٨٦٦ من خلال تأسيس دار العلوم ديوبند. ويقول أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي عن هذه المرحلة:
"في هذا العهد، تعرفنا لأول مرة بشكل مباشر وملموس على الحضارة الغربية. وكانت النتيجة أن انقسمت الأمة إلى فئتين مختلفتين تمامًا. الفئة الأولى أصرت على أنه لا يمكن فهم القرآن والسنة وتعليمهما إلا وفق أصول ومبادئ مدرستنا الخاصة، مستندة إلى آراء ومذاهب أكابرنا. ولم تكن ترى في الحضارة الغربية وعلومها ما يستحق الاهتمام أو الدراسة. ومن أعلام هذه الفئة قاسم النانوتوي، ورشيد أحمد الكنكوهي، ومحمود حسن الديوبندي، وأنور شاه الكشميري، وحسين أحمد المدني، وأشرف علي التهانوي، وشبير أحمد العثماني، وغيرهم." (مقامات، ص ٥٥)
أما الفئة الثانية، فقد أعطت كل الاعتبار للحضارة التي هُزمت الأمة على يديها – أي الحضارة الغربية وعلومها – وجعلتها معيارًا للحق والباطل. وكان على رأس هذه الفئة سر سيد أحمد خان، الذي أسس "الكلية المحمدية الإنجليزية الشرقية" في علي كره عام ١٨٧٥م.
وبالمقارنة مع هاتين المدرستين، أسس شبلي النعماني مدرسة فكرية ثالثة. يقول أستاذنا الجليل عن ذلك:
"تبنت هذه المدرسة الفكرية مبدأين: الأول هو الرجوع إلى عصر الرسالة حين كان القرآن ينزل، وكان الرسول ﷺ بنفسه يدعو الناس إلى الإسلام. والثاني أن من متطلبات فهم التراث القديم الاطلاع على الجديد أيضًا. ومن أعلام هذه المدرسة السيد سليمان الندوي، وأبو الكلام آزاد، وأبو الأعلى المودودي، وحميد الدين الفراهي، وأمين أحسن الإصلاحي. وأطلق على هذه المدرسة اسم "مدرسة شبلي"." (مقامات، ص ٥٦)
شبلي النعماني ومسيرته العلمية
بدأ شبلي تعليمه على يد أستاذه المولوي فاروق الجرياكوتي، وتأثر بالإمام أبي حنيفة تأثرًا كبيرًا، حتى كتب عنه كتابًا انتشر على نطاق واسع. ثم أضاف إلى اسمه لقب "النعماني" نسبة إلى الإمام أبي حنيفة، واسمه النعمان.
لاحقًا، تبنّى مجال التعليم الحديث، وكان المحاماة هو المجال الأكثر شعبية وشهرة في عصره، لكنه لم يستطع البقاء فيه طويلًا، إذ لم تكن طبيعته الجياشة لتسمح له بأن يبقى أسير الفقه الحنفي وحده، كما لم يجد في المحاماة ما يُشبع ميوله العلمية.
وانتقل إلى علي كره، حيث أعجب سر سيد أحمد خان بقدراته العلمية، فضمه إلى هيئة التدريس في الكلية التي أسسها هناك. وبقي يُدرّس في عليكرة حتى وفاة السيد أحمد خان، نظرًا لعلاقته الودية معه وإيمانه بأهمية نشر المعرفة.
أما على الصعيد المعرفي، فقد تعلّم اللغة الفرنسية من البروفيسور توماس أرنولد، مقابل تدريسه اللغة العربية له. كما سافر إلى تركيا، وزار مصر والجزيرة العربية، ولم يكتفِ بالغوص في محيط المعرفة، بل كان يُراقب أحوال العالم من حوله. في مصر، التقى بالمفكر محمد عبده، وفي تركيا التقى بالسلطان عبد الحميد الثاني.
رؤيته السياسية والاجتماعية
اتفق شبلي مع السيد أحمد خان في أن سر بقاء الأمة وتقدمها يكمن في نشر المعرفة وتعزيزها. لكن نظرته السياسية والاجتماعية تبرز من خلال هذا الاقتباس الذي أورده تلميذه السيد سليمان الندوي:
"عندما تحكم دولة أجنبية شعبًا آخر، فإن أنجح استراتيجياتها الإمبراطورية تتمثل في خلق الانقسامات بين الأفراد والطبقات داخل الأمة الخاضعة لحكمها. فبعد قرون من الحروب والصراعات، كان المسلمون والهندوس في الهند قد وصلوا إلى مستوى من الوحدة الوطنية، حيث ارتدوا الملابس نفسها تقريبًا، وأصبحت حضارتهم موحدة، ولغتهم واحدة. لكن أول ما فعله البريطانيون بعد سيطرتهم على الهند هو إزالة اللغة الفارسية من المكاتب الحكومية واستبدالها باللغة الأردية. وبعد ذلك، أسسوا في كلية فورت ويليام لغة جديدة أطلقوا عليها اسم "الهندية"، وادعوا أن الأولى لغة المسلمين، والثانية لغة الهندوس. وقد انتشر تأثير هذا التمييز تدريجيًا حتى غطى البلاد بأسرها." (حياة شبلي، ص ٤٠٠-٤٠١)
وهذا يعني أن مولانا شبلي والسيد سليمان الندوي كانا يريان أن نظرية السر سيد أحمد خان حول الدولتين، والتفرقة بين اللغتين الأردية والهندية، لم تكن سوى مؤامرة بريطانية ضد المصلحة الوطنية، رغم أن السر سيد أحمد خان نفسه دعم ذلك بحسن نية. [55]*
وكان هذا الخلاف بين شبلي وسرسيد أيضًا حول تفسير الدين ومنهج العمل، وقد ذكرت في "حياة شبلي" عشرات الاختلافات في هذا الباب، ولكن خوفًا من الإطالة نكتفي هنا بذكر جزء آخر: "ومن الجدير بالذكر أيضًا الخلافات التي نشأت بين الرجلين حول تأليف كتاب" الفاروق". فوفقًا لأحدهما (سر سيد)، لم يكن عمر الفاروق سوى ممثل لحكم وسلطنة النبي ﷺ، ووفقًا للآخر، فقد كان تجسيدًا لما قيل بالفارسية:
"آنچِہ خوباں ہمہ دارند، تو تنہا داری"، أي: (إذا كان الآخرون يتمتعون بهذه الكمالات جميعًا، فأنت وحدك تجمعها بأسرها في كيانك).
وفي هذا الصدد، لم يكن من السهل على محبٍّ للصحابة مثل المولانا شبلي أن يتقبل الرأي الذي عبر عنه السير سيد في كتابه ومقالاته بشأن الخلفاء الراشدين. ولهذا السبب كتب المولانا شبلي كتاب الفاروق بكل جهده، غير مبالٍ باعتراضات السير سيد واختلافاته واستيائه.
ثم كان هناك خلاف آخر نشب بينهما، فوفقًا للسير سيد، فإن علاج أمراض المسلمين كان أن يصبحوا إنجليزًا في كل شيء باستثناء الدين، بينما رأى المولانا شبلي أن العلاج يكمن في الحفاظ على المعتقدات والأخلاق الإسلامية الحقيقية، مع قبول الأمور المفيدة فقط من العصر الجديد. ومن ضمن حلقات هذا الخلاف، أن المولانا شبلي سبق له أن قال في خطاب له في "الندوة" أو غيرها: إن تقدم الأمم يكون بالمضيّ قُدُمًا، لكن تقدم المسلمين يكون بالتراجع إلى الوراء والوراء حتى يلحقوا بدور الصحابة.
وقد غضب السر سيد غضبًا شديدًا من هذه العبارة، إذ تصور أن مثل هذه النصيحة في ذلك الوقت سوف تحرف المسلمين عن الطريق الذي أراد أن يسلكوه فيه، فكتب مقالًا شديد اللهجة ضده (حياة شبلي، ص ٢٦٨).
وكان هناك مثال آخر بارز للخلاف بينهما فعندما أراد السر سيد أن يترجم شبلي تفسيره للقرآن الكريم، اعتذر شبلي معللًا ذلك بانشغاله. وبعد ذلك، أمر باستدعاء مولانا حميد الدين الفراهي، وهو طالب شبلي وابن أخيه، حيث كان يدرس آنذاك في الكلية، لكنه رفض كذلك. وعندما سأله السر سيد بإصرار عن السبب، قال: لا أريد أن أكون مساهمًا عاصيًا بالتعاون في نشر هذا الباطل (حياة شبلي، ص ٢٨٨).
الخلاف حول السياسة وأسلوب الإدارة
كان السبب الرئيسي وراء نفور شبلي من علي كره هو الطبيعة الاستبدادية للسر سيد. وبالمقارنة، كان شبلي يتمتع بمستوى مثالي من التسامح والمزاج الديمقراطي، والذي انعكس في جميع الأمور، سواء كانت سياسية أو إدارية أو فكرية. فعلى سبيل المثال، كان السر سيد يعارض بشدة حزب المؤتمر الوطني الهندي (كانكريس)، في حين اعتبره شبلي وسيلة للوحدة الوطنية، وضرورية لتلبية مطالب الحكومة البريطانية، مما عرضه لانتقاد شديد من السر سيد.
كما كان شبلي يؤمن بوحدة الهندوس والمسلمين وظل ملتزمًا بهذه الأيديولوجية السياسية حتى وفاته. ورغم هذا الخلاف العميق مع السر سيد، فإن علاقتهما الودية استمرت، بفضل رقيّ التعامل والسلوك النبيل السائد في ذلك العصر، وهو أمر يصعب تصوره اليوم. وهذا يدل على أن شبلي كان يحمل أيديولوجية مختلفة ونظامًا فكريًا مستقلًا. ويتأكد هذا أيضًا من خلال انخراطه لاحقًا في الجامعة العثمانية في حيدر آباد، ثم في ندوة العلماء بلكناو.
دوره في ندوة العلماء
في عام ١٨٩٢، تأسست ندوة العلماء في كانبور، وهي حركة قام بها علماء تأثروا بحركة عليكرة، لكنهم كانوا معارضين لأيديولوجية السر سيد. وقد رأوا أن المؤسسات التعليمية المتأثرة بأفكاره أصبحت أحادية الجانب، ولا تلبي احتياجات المسلمين. فقرروا تأسيس دار علوم تجمع بين التعليم التقليدي والحديث. وقد انضم المولانا شبلي إلى هذه الحركة منذ أول مؤتمر لها، وألقى كلمة مهمة فيها.
وفي عام ١٨٩٨، تأسست دار العلوم ندوة العلماء في لكناو، بعد ستة أشهر من وفاة السر سيد. وكان شبلي يعلق آمالًا كبيرة على هذه المؤسسة، إذ رأى فيها فرصة لإنشاء مدرسة تعليمية متكاملة تخدم العالم الإسلامي.
في عام ١٩٠٥، تولى شبلي منصب الأمين العام للمؤسسة، وبدأ في تنفيذ إصلاحات جوهرية. وكان يواجه صعوبة في إدراج اللغة الإنجليزية ضمن المناهج الدراسية، حيث كان تعلّمها للعلماء لا يزال يُعتبر جريمة كبرى آنذاك، وإن كانت فتاوى حرمة تحصیل الإنجليزية قد انتهت بالنسبة للرجل العادي . إلا أنه أصرّ على ذلك حتى تم قبوله. كما أراد إدراج اللغتين السنسكريتية والهندية، لكن اقتراحه رفض.
ومع ذلك، كان نجاحه الأكاديمي في الندوة كبيرًا، حيث أنتجت المدرسة عددًا من أبرز علماء الهند، وأصبح طلابها يتمتعون بقدرات تعبيرية وأكاديمية متميزة.
استقالته من ندوة العلماء
رغم هذه الإنجازات، تعرّض شبلي لحملات معارضة واسعة من بعض العلماء التقليديين، الذين اتهموه بأنه عميل للسير سيد، وأنه جاء لتحقيق أجندته. كما اتُّهم بالتقصير في إحياء شعار الإسلام، واعتبر إعماله للعقل في الدين جريمة لا تُغتفر. فقد كان البعض يرى أن الدين يجب أن يُؤخذ بالإيمان فقط، لا بالعقل.
وكان نواب محسن الملك وهو من زعماء حركة على كره قد تنبأ عندما قرر شبلي الالتحاق بالندوة. فقد قال للشبلي إنه لن يقاومك أحد في حالات البؤس لهذه الندوة ، ولكن عندما تظهر علامات التطور ، فإن كل المولويين سيحملون ويسقطون عليك. (حياة شبلي 639)
كان شبلي مثالًا للإخلاص والاحترام الإنساني، فلم يتحمل هذه المؤامرات والدسائس. وبعد أن بذل جهودًا كبيرة للإصلاح، استقال أولًا من تحرير مجلة الندوة عام ١٩١٢، ثم من دار العلوم ندوة العلماء عام ١٩١٣، رغم أنها كانت قد أصبحت مدرسة ضخمة بحجم جامعة.
استقال شبلي في وقت كانت فيه الندوة في أوج تطورها، مما أثار احتجاجًا واسعًا. فقد أضرب الطلاب عن الدراسة، وناشده العلماء والمحبون من جميع أنحاء الهند للعودة، لكنه غادر بهدوء إلى بلدته أعظم كره، واضعًا حدًا لرحلته مع ندوة العلماء.
وقد تقرر أن يتولى المولانا خليل الرحمن إدارة الندوة، وهو الذي أراد أن يدير هذه الدار بأسلوب قديم بحت، مما جعله لا يتفق حتى مع الأهداف والغايات الأساسية لتأسيس الندوة. وصدق قول الشاعر الأردي:
میؔر کیا سادے ہیں بیمار ہوئے جس کے سبب
اسی عطار کے لڑکے سے دوا لیتے ہیں
[ترجمة: كم هو ساذج مير! فقد مرض بسبب ذلك العطار، لكنه لا يزال يأخذ الدواء من ابنه.]
هذا هو تفصيل لكلام المولانا الذي أوجزه بهذه الكلمات: "جاء المولانا شبلي نعماني إلى هناك متعباً من مسيرة الحياة، وقرر البقاء في أعظم كره، متخليًا عن جميع الأنشطة في الخارج، سواء في لكناو أو غيرها."
حادثة إصابة قدم شبلي
يروي المولانا الإصلاحي حادث إصابة قدم شبلي، إذ ذهب شبلي إلى بلدة أعظم جراه في ١٧ مايو ١٩٠٧ لحضور حفل. وبعد أن نهض من المكتب وذهب إلى غرفة النساء، جلس على المقعد ومدّ قدميه إلى الأسفل. كان هناك مسدس ملقى بالقرب منه، وهو المسدس الذي احتفظ به ابنه حامد حسن لقتل الغربان التي كانت تفسد الفاكهة في بستان الليتشي. كانت البندقية ممتلئة، وأراد المولانا تسليمها لزوجة ابنته حتى تحتفظ بها في مكان آمن، ولكن أثناء المناولة، ضغط على الزناد دون قصد. وعلى الرغم من أن البندقية كانت موجهة للأسفل، إلا أن الفوهة كانت موجهة نحو قدمه من مسافة قريبة. وفقًا للسيد سليمان الندوي، فقد تحطم كاحل المولانا تمامًا، وباتت قدمه معلقة من الساق بحزامين فقط. وعند إخراجها، بقي الكعب داخل الحذاء، مما استدعى بتر القدم من الساق. أمضى المولانا بقية حياته مرتديًا قدمًا اصطناعية.
حادثة كانبور وتقييد العلماء بالسلاسل
في عام ١٩١٣، تم توسيع طريق في مدينة كانبور الواقعة في مقاطعة أترابراديش، مما جعل مسجدًا يقع في سوق السمك ضمن مخطط التوسعة. وعندما احتج المسلمون، تقرر هدم الجزء الشرقي فقط من المسجد، والذي كان يتكون من غرف الوضوء، مع تقديم الحكومة البريطانية بديلًا لهذا الجزء. لكن بعض المسلمين المتحمسين العاطفيين لم يقبلوا بهذا القرار ورفعوا دعوى قضائية، إلا أن الحكم جاء ضدهم. بعد صدور الحكم، هدمت الحكومة الجزء الشرقي من المسجد وبدأت في بناء الطريق. وعندما حاول المسلمون إعادة بناء الجزء المهدم، أطلقت القوات البريطانية النار عليهم، مما أدى إلى استشهاد عشرات المسلمين، بمن فيهم الأطفال.
كتب شبلي قصيدة طويلة عن هذه المأساة، وأشاد الشيخ الإصلاحي ببعض أبياتها، ومنها:
عجب کیا ہے جو نوخیزوں نے سب سے پہلے جانیں دیں
کہ بچے ہیں سويرے ان کو جلد سو جانے کی عادت ہے
شہیدان وفا کی خاک سے آتی ہیں آوازیں
کہ شبلی بمبئی میں رہ کے محروم سعادت ہے
[ترجمة: ليس غريبًا أن يكون الصغار أول من قدّم أرواحهم، فهم أطفال اعتادوا النوم مبكرًا. وتصاعدت أصوات الشهداء من تحت الثرى، معاتبةً شبلي على بقائه في بومباي، حيث حرم من شرف الشهادة وسعادة التضحية.]
وفاة الأخ وتحول المدرسة إلى كلية
كان مولوي إسحاق، الأخ الأصغر لشبلي، محاميًا ناجحًا وزعيمًا سياسيًا نشطًا، وعضوًا في الرابطة الإسلامية (مسلم ليك). لكنه عارض بشدة نظام الانتخابات المنفصلة، إذ كان، مثل شبلي، يعتبره مؤامرة بريطانية ضد الوحدة الوطنية. كان إسحاق يتولى أمور أراضي العائلة والمشاكل الإدارية، مما أتاح لشبلي التفرغ للعمل الأكاديمي والديني. ولكن بوفاته في ٥ أغسطس ١٩١٤، خسر شبلي دعمًا كبيرًا، مما دفعه إلى الاستقرار نهائيًا في أعظم كره. ومع ذلك، حاول التغلب على حزنه بإكمال الأعمال غير المكتملة التي بدأها أخوه.
في سرائي مير، كانت عائلة شبلي قد أسست مدرسة وطنية، لكنها تراجعت مع الوقت. أعاد المولوي إسحاق تنظيمها، وكان يخطط لترقيتها إلى كلية، لكن القدر لم يمهله. وبعد وفاته، استمر شبلي في العمل على تحقيق هذا الهدف، حتى حصلت المدرسة على مكانة الكلية في عام ١٩٤٠، وسُمّيت بـ"كلية شبلي" تحقيقًا لوصيته.
تأسيس دار المصنفين ومدرسة الإصلاح
في عام ١٩٠٦، أسس أقارب المولانا حميد الدين الفراهي وغيرهم من المسلمين الطيبين جمعية إصلاحية قرب قريته فريحة، كانت تهدف إلى استضافة العلماء وإلقاء المحاضرات الدينية. مع مرور الوقت، تحولت إلى مدرسة رسمية عام ١٩٠٩، وتم بناء مبنى بسيط لها.
في عام ١٩١٠، طلب شبلي من المولانا حميد الدين الفراهي الحضور إلى سراي مير لبضعة أيام لإجراء تحسينات على المدرسة. واستمرت المدرسة في التطور بعد ذلك، حيث أقال شبلي أحد الإداريين بسبب شكاوى متكررة ضده، وجلب طالبين موهوبين من الندوة، هما عبد الرحمن النجرامي ومعين الدين النجرامي.
وبعد استقالته من الندوة، قرر شبلي أن يجعل هذه المدرسة محورًا لأحلامه التعليمية. فكتب رسالة إلى المولانا الفراهي، يعرض عليه الانضمام إلى المشروع، قائلًا:
"في بعض الأحيان، يخيل إليّ أنه يجب أن يكون هناك مركز واحد يجمع بين الدين والدنيا، يتم فيه إعداد دعاة الإسلام، ويمنح الدراسات الدينية العالية كما لو كانت جامعة. فإذا لم يكن العمل في الندوة ممكنًا، فيجب إنشاء دائرة أخرى نعيش جميعًا فيها، وتضم مكتبة محترمة. إذا كنت على استعداد لذلك، فأنا أيضًا حاضر." (رسائل شبلي، إلى حميد ٦٧)
لاحقًا، عين المولوي مسعود علي لإدارة المدرسة، وبدأت تتبلور فكرة إنشاء جامعة إسلامية متكاملة، تضم دار المصنفين ومدرسة الإصلاح. وكان شبلي على فراش المرض حين اجتمع تلاميذه لإكمال مشروعه، حتى إنه في اليوم الثالث بعد وفاته، عقد المولانا حميد الدين اجتماعًا مع بعض طلابه، وأطلقوا على أنفسهم "الإخوان الصفا"، متعهدين بمواصلة إرث شبلي.
وهكذا، تحققت أمنية شبلي في تأسيس مدرسة الإصلاح، ووضع المولانا الفراهي منهجًا متميزًا لتعليم القرآن الكريم. وقد خلّد المولانا الإصلاحي هذه الجهود بقوله إن "تفاصيل هذه الأحداث هي مسؤوليتك في حفظها وروايتها."
(للحديث صلة)
نقله إلى اللغة العربية: أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
ـــــــــــــــــــــــــ
