logo
أخرى

مقطتف من ’’ميزان‘‘

ميزان

(الحلقة الثانية)

 

مبادئ تدبر القرآن

وخذ أولاً تلک المبادئ التي یجب أن تُلاحظ للتدبر في القرآن الکریم.

اللغة العربية العالية: وأول شیئ من ذلک أن اللسان الذي نزل فیه القرآن ھو العربي المعلیٰ لأم القریٰ، الذي کان ینطق به قبیلة قریش في زمن الجاھلیة. ومما لامریة فیه أن الله تعالیٰ قد جعله معجزة خالدة للفصاحة والبلاغة. وأنه في الحقیقة لغة کان ینطق بھا رسول الله وکان ینطق بھا أھل مکة في ذلک الزمان. فقال جل وعلا:

فَاِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِيْنَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (مريم: ٩٧)

ولذا فإن الفھم الصحیح لھٰذا الکتاب متوقف علی العلم الصحیح لھٰذه اللغة وذوقها السلیم، ولابد للتدبر في ھٰذا الکتاب ولشرحه وتفسیره أن الإنسان یکون عالماً جیدا بھٰذه اللغة وأن یتذوق أسالیبها تذوقاً أن لایحول لسانه في طریقه للوصول إلی فھم مدلول القرآن علی أقل حد.

ولا تحتاج ھٰذه الحقیقة إلی شرح مزید علی ذلک، ولکن لیفھم کل طالب له فھماً کاملاً أنھا لیست عربیة کتبھا الحریري والمتنبي والزمخشري والرازي، أو التي تذاع في جرائد مصر وسوریا في ھٰذا الزمان ویکتبھا أدباءھما وشعراءھما. نعم ھٰذه أیضا لغة عربیة. ولکن العربیة التي نزل بھا القرآن والتي ینبغي تسمیتھا بالعربية العالية بجدارة. ھناک فرق کبیر في لھجات وأسالیب البیان والألفاظ والمحاورات لتلک اللغة ولھٰذه اللغة. وھو فرق کمثل فرق وقع في لغة أردیة لمیر[2] وغالب[3] ولفارسیة لسعدي[4] وخیام[5] علی الأقل وبین لغة أردیة وفارسیة یکتبھا الجرائد والصحف الھندیة والإیرانیة في زماننا ھٰذا المعاصر.

فمن الحقیقة أن لغة الجرائد ھٰذه لاتولد ذوقاً سلیماً للسان القرآن، بل علی عکس من ذلک إنھا تجعل المرء غافلا عنه تماما وإذا کانت ھي تتغلب علیه فربما تحرم الإنسان من فھم القرآن تماماً. فأول شیئ یجب الرجوع إلیه للغة القرآن ھو القرآن نفسه. فلایجحد شخص عن القرآن أنه إذا نزل بأم القریٰ فمع أن مکانته الإلھامیة صارت محلا للنزاع والنقاش لمدة بلاشک، ولکن لم یمکن لشخص أن یتحدی عربیته أبداً. وقال إنه لیس کلاماً أعجمیا واستدل له لأنه نزل بلسان عربي مبین. إنه قرر نفسه معجزة للغة والأدب والفصاحة والبلاغة وتحدی قریشاً أن یاتوا بسورة من مثله، حتی أعلن أن یدعوا لذلک ممن أرادوا من الأدباء والشعراء والخطباء والکھنة ولیس فقط الإنسان بل یدعوا من یشاؤا من الجنات والشیاطین والآلھة معھم. فمن الحقیقة التي لاتجحد أنه لم یتمکن أحد من العرب من جحود عربیته كما لم يمكن لشخص أن یستجیب لتحدیه أبداً. کما قال تعالیٰ:

وَاِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلٰي عَبْدِنَا فَاْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِّنْ مِّثْلِهٖﵣ وَادْعُوْا شُهَدَآءَكُمْ مِّنْ دُوْنِ اللّٰهِ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ. (البقرة: ٢٣)

وقال في موضع آخر:

قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْاِنْسُ وَالْجِنُّ عَلٰ٘ي اَنْ يَّاْتُوْا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْاٰنِ لَا يَاْتُوْنَ بِمِثْلِهٖ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا. (الإسراء: ٨٨)

ولیس فقط ذلک بل حینما سمعه نقاد کبیر للأدب في أم القریٰ کمثل ولید بن مغیرة فلم یلبث إلا أن قال:

والله ما منکم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصیره مني، ولا بأشعار الجن، والله مایشبه الذي یقول شیئاً من ھٰذا، والله ان لقوله الذي یقوله حلاوة، وإن علیه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه لیعلوا ولا یُعلیٰ، وإنه لیحطم ماتحته. (السیرة النبویة لإبن کثیر ١  /٤٩٩)

وکان لبيد من شعراء السبع المعلقات حیاً آنذاک، وقد أسلم. وھو شاعر سجد لشعر له[6] شاعر کبیر مثل فرزدق، فقد أصیب بذھول أمام القرآن لدرجة أن قال حینما التمس منه عمر رضي الله عنه بقول الشعر:

"ما کنت لأقول شعراً بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران[7]"

وھٰذا ما کان اعتراف رجل واحد فقط بل إنه یعني أن فصاحة العرب وبلاغته سجدت للقرآن وخضعت له. ثم إنه من الحقیقة أن ھٰذه المعجزة للسانیة قد انتقلت إلینا لفظا بغیر أدنیٰ تغیر ودون تبدیل في أي حرف. ولذا فھٰذه الحقیقة ثابتة مسلمة الیوم أن القرآن لیس فقط حجة الله للدین في ھٰذه الأرض بل إنه قول فصل للغة عصر نزوله وبرھان قاطع له. ویوجد ھٰذا اللسان بعد القرآن في الحدیث النبوي وذخائر آثار الصحابة. ولا شبھة أن جزءاً قلیلا من ھٰذه الذخائر یُقدم کسند وحجة في صدد تحقیق اللغة بسبب الروایة بالمعنی ولکن ھٰذه البقیة الباقیة أیضاً متاع قیم ثمین لأصحاب الذوق، فإنھا لغة أفصح العرب والعجم ولسان الصحابة الأفصحین الأقحاح. وھو مثل أعلی اعتباراً بالألفاظه ومحاوراته ومن حیث أسالیب بیانه للسان عربي مبین نزل فیه القرآن.

وفي أدعیة النبي صلی الله علیه وسلم وأمثاله ومکالماته وحدیثه مع الصحابة، بما أن ھناک اھتمام للروایة باللفظ في عامة الأحوال ولذا توجد نظائر تلک اللغة أکثر من کل شیئ في روایتھم. فإن شاء طالبوا القرآن أن یغوصوا في بحار ذاخرة للآثار یستجمعون الکثیر من اللآلي الثمینة منھا وسيجدون نصرةً کبیرة في حل المشکلات اللفظیة والمعنویة للقرآن من ھٰذه الذخیرة للآثار والأحادیث.

وبعد ذلک إن کلام العرب ھو مأخذ کبیر لھٰذه اللغة، وھو شعر الشعراء من أمثال إمرء القیس وزھیر وعمرو وکلثوم ولبید ونابغة وطرفة وعنترة والأعشیٰ والحارث بن حلزة وکلام الخطباء من مثل قیس بن ساعدة الأیادي. ویعرف أھل العلم أن معظم کلام العرب یوجد في دواوین الشعراء وجامعي کلام العرب من أمثال الأصمعیات[8] المفضلیات[9]، الحماسة[10]، السبع المعلقات[11]وکتب الجاحظ والمبرد وأمثالھا من أھل الأدب[12]. ولقد نشرت في زماننا ھٰذا الکثیر من دواوین شعراء الجاھلیة لم توجد ولم تظھر قبل الیوم. ومما لامریة فیه أن معظم لغات العرب قد تم نقلھا بإجماع أھل اللغة وتواترھم واحتفظت ذخیرتھا الکبیرة الثراء في أمھات اللغة من مثل التھذیب[13]، المحکم[14]، الصحاح[15]، الجمھرة[16] والنھایة[17]  وغیرھا. ولکن إنه أیضاً حقیقة أن کلام العرب ھٰذا ھو المصدر المتعمد علیه للبحث والتحقیق في ذخیرة لغة العرب التي لم تواترت مثل ذلک. نعم ھناک کلام منحول أیضاً. ولکن کما أن العلماء الناقدین للحدیث یمکن لھم تميیز صحیحه من سقیمه یتمکن کذلک ناقدوا کلام العرب من تمییز خالصه من منحوله علی المعاییر الواضحة للروایة والدرایة. ولذلک قد أجمع علماء الأدب واللغة دائما أن کلام العرب یعتمد علیه بعد کلام الله والذي یقوم کحجة وسند في تحقیق اللغة بناءً علی صحة النقل والروایة باللفظ. یقول في ذلک صاحب خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عبد القادر بن عمر البغدادي:

’’الکلام الذي یستشھد به نوعان: شعر وغیره فقائل الأول قد قسمه العلماء على طبقات أربع: الطبقة الأولی: الشعراء الجاھلیون وھم قبل الإسلام کامرء القیس والأعشیٰ، والثانیة: المخضرمون وھم الذین أدرکوا الجاھلیة والإسلام کلبید وحسان، والثالثة: المتقدمون ویقال لھم الإسلامیون وھم الذین کانوا في صدر الإسلام کجریر وفرزدق، والرابعة: المؤلدون ویقال لھم المحدثون وھم من بعدھم إلی زماننا کبشار بن برد وأبي نواس، فالطبقان الأولیان یُستشھد بشعرھما إجماعاً. ‘‘ (خزانة الأدب ١  /٣)

وقد قال ھٰذا القول سیدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وھو یخطب المسلمین من علی منبره:

’’یا أیھا الناس، علیکم بدیوانکم، شعر الجاھلیة فإن فیه تفسیر کتابکم ومعاني کلامکم‘‘. (الجامع لأحکام القرآن، القرطبي ١٠  /١١٠)

وقال ابن عباس رضي الله عنه عالم جلیل الشان بعلم الدین في الصحابة:

 ’’إذا خفي علیکم شیئ من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه دیوان العرب.‘‘

 (المستدرک للحاکم، رقم: ٣٨٤٥)

ولیلاحظ ھنا أن کلام أھل الجاھلیة ھٰذا لیس فقط مأخذ اللغة وأسالیب اللغة بل إنه مع ذلک مأخذ أیضا لثقافة العرب وحضارته التي إذا لم یتواجد تصوره الصحیح في الذھن سیصعب فھم أسالیب الإشارة والتلمیح والتعریض والکنایة التي ھي رأس مأل البلاغة في روائع الأدب ھٰذه.

فما ھي الخصائص الأساسیة لمعاشرة واجتماع العرب؟ وما ھي الأشیاء التي یرونھا معروفا أو منکراً؟ وما ھي معاییر الخیر والشر في اجتماعیتھم؟ وما ھي نوعیة دیانتھم وآدابھم وتقالیدھم؟ وما ھي الأسس التي قامت علیھا ثقافتھم وتشکل بھا اجتماعھم؟ وما ھي نظراتھم السیاسیة وشغلھم الشاغل لیلاً ونھارا؟ فھل کانوا قطیعاً للبھائم رفعھم الإسلام وأوصلھم إلی منصب قیادة العالم؟ أوھم مع کل وحشتھم قوم یحمل خصائص وأوصافا قد مُنِحوا الکتاب مثل القرآن بناءاً علیھا، وفازوا بمکانة شھادة الحق للعالم کله من الله سبحانه وتعالی؟ ھٰذه تساولات یاتي جوابھا الصحیح من ھٰذا الکتاب. وھٰذا الجواب في ضوءه تتوضح إشارات القرآن وتلمیحاته وتعریضاته وکنایاته في جماله الأدبي الرائع وفي کمال معنویته الخالدة علی طالبیه ومحققیه.

ولذا لیس فقط في أمر اللغة بل لکل ھٰذه الأمور المذکورة فلیراجع طالبوا القرآن إلی کلام العرب.

إبانة اللغة

والأمر الثاني أن القرآن لم ینزل في اللسان العربي فقط بل في لسان عربي مبین. أي في لغة مبینة واضحة لا غموض فیھا ولاتعقید. کل لفظتھا واضحة وکل أسلوبھا مأنوس لمخاطبیه، کمال قال تعالیٰ:

نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الْاَمِيْنُ، عَلٰي قَلْبِكَ لِتَكُوْنَ مِنَ الْمُنْذِرِيْنَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِيْنٍ. (الشعراء: ١٩٣-١٩٥)

وقال: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِيْ عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُوْنَ. (الزمر: ٢٨)

فھٰذه حقیقة واضحة للقرآن. إذا سلمت بھا فعلیک أن تسلم کنتیجة لازمة لذلک أن أیة لفظة للقرآن وأي أسلوب له لم یکن شاذا في مفھومه ومعناه، لأنه نزل في ألفاظ وأسالیب معروفة متداولة لمخاطبیه. فلیست فیه أیة غرابة لغویة من أي نوع کانت. بل کل شیئ فيه واضح معروف. ولذا من اللازم رعایة معاني معروفة ومدلولات غیر منکرة في ترجمة معانیه وتفسیر مفاھیمه في کل مکان ولایقبل أي تأویل دون ذلک. ولذا فالنجم في ’’والنجم والشجر یسجدان‘‘[18]لم یکن إلا في معنی النجم و’’تمنی‘‘ في ’’إلا إذا تمنی‘‘[19]تعطي معنی الإرادة والأمنیة والإبل في ’’أفلا ینظرون إلی الإبل‘‘[20]قد جاء في معنی الإبل والجِمال و’’البیض‘‘ في ’’بیض مکنون‘‘[21]لیس إلا في معنی البیض. وانحر في ’’فصل لربک وانحر‘‘[22] تعطي معنی الأضحیة والقربان فقط. فلا یراد بھا ’الأعشاب‘، و’’التلاوة‘‘، و’’السحاب‘‘ و’’الغشاء المكن للبیضة‘‘ و’’وضع الذراعین علی الصدر‘‘.

وعلاوة علی الألفاظ تُعامل مع وجوه الإعراب وأسالیب البلاغة أیضا نفس المعاملة، إن علماء البلاغة والنحو قد جعلوا أشیاء کثیرة فیما یتعلق بھٰذه الفنون من الشواذ والمستثنیات. ولکن الحق أن ذلک ناشیئ من قلة التتبع والبحث فقط، ففي عصرنا ھٰذا إن العمل الذي تم علی أیدي أکابر مدرسة الفراھي: الإمام حمید الدین الفراھي والأستاذ الإمام أمین أحسن الإصلاحي علی لغة القرآن اتضحت منه ھٰذه الحقیقة أن أسلوب القرآن في ھٰذه الأمور ھو أسلوب العرب المعروف لاغیر. فطالبوا القرآن الذین یتذوقون بھذه المباحث یمکن لھم العثور علی کثیر من الإرشادات في ذلک في ’’مفردات القرآن‘‘ و’’أسالیب القرآن‘‘ و’’جمھرة البلاغة‘‘ للإمام الفراھي وفي "مجموعة التفاسیر" له وفي ’’تدبر القرآن‘‘ للأستاذ الإمام أمین أحسن الإصلاحی. فإن رعایة ھذا الأصل في تفسیر القرآن یتقاضاھا إبانته. وإبانته کما مر آنفا ثابتة بنص القرآن. وعلیه فلا یصح شرح وتفسیر للقرآن بغض النظر منھا.

ندرة الأسلوب

والشیئ الثالث أن أسلوب القرآن هوأسلوب منفرد، فإنه یحمل سزاجة النثر وربطه وسلاسته وتسلسله. ومع ذلک لایقال له نثر، کما أنه یحمل غناء النظم وموسیقاه وحسن تناسبه ولکنه لایقال له نظم أیضا. ولا ھو کتاب کمثل کتابات نحن واقفون علیھا، والتي یبحث فیھا عن موضوع أو موضوعات تحت أبواب وفصول. وأھل العرب كانوا أحیانا یقولون إنه شعر وأحیاناً یشبھونه بسجع الکھان. ولکن ترددھم ھٰذا ینم عن عدم اطمئنانھم ھم في مقولتھم ھٰذه. والواقع أن القرآن کتاب فذ فرید باعتبار أسلوبه. یحمل سلاسة الأنھار وشدة البحار وندرة حسن الاستدلال، وطراز ربط المعنی. أمثلة وقصص ورجوع الکلام إلی مرکزه مرات ومرات، وأسالیب متنوعة للتھدید والزجر والعتاب. والأسف والحسرة، شدة الیقین مع صور الإعراض والإنکار. ففیه کیف علی مواقع العجب والالتفات ،تصوره شاعر فارسي بقوله ’’ما ھٰذا الذي یقع علی صدري کالندیٰ، وفیه مشھد علی مواقع الغضب عبر به الشاعر کأنه طوفان تنبض منھا وتقشعر قلوب الأنھار‘‘.

وفیه تصرفات عجیبة للخطاب أن المرء یفقد نفسه فیه. ولھٰذه الخصائص الأسلوبیة یقول عنه:

لَوْ اَنْزَلْنَا هٰذَا الْقُرْاٰنَ عَلٰي جَبَلٍ لَّرَاَيْتَهٗ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللّٰهِﵧ وَتِلْكَ الْاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُوْنَ. (الحشر:٢١)

ولکن من أي أصناف الکلام ھو؟ کل ما یمکن أن یقال في ذلک أنه یشبه کلام الخطباء. ولاشک أن ھٰذه المشابھة ھي فقط إلی حد التشابه لاغیر. فلایمکن أن یطلق علیه وصف الکلام الخطابي علی الإطلاق، لکنه متقارب له ولذا یطلب من دارسیه وطالبیه أشیاء تالیة:

۱۔ تبذل الجھود في سبیل فھم القرآن لتفھم ما حوله من ملابسات وخلفیات وحالات نزلت فیھا سورة من القرآن ولاتحتاج لذلک إلی شیئ خارج من القرآن. بل ھٰذه الأشیاء سوف تتوضح في ضوء القرآن نفسه. فإذا تدبر أحد في القرآن وعکف علی کل لفظ له ویحاول فھم ھیکل الجمل والأساس الذي تقوم علیه الکلمات یظھر له مواقع الکلام للسورة بتمامھا مظھراً تاما وتدل علی وجودھا دلالة لاتحتاج إلی دلیل آخر معھا. یقول الأستاذ الإمام:

’’الطریقة الصحیحة إنما ھي أن تحاول لفھم خلفیة القرآن من اشاراته ھو. فإذا عرفت مَن الذین یخطبھم الکلام. ولأي من المخاطبین خطابه مباشراً ولمن ھو غیر مباشر. وبأیة مرحلة یمر بھا المخاطب. وما ھي السؤالات التي أثارتھا تلک المرحلة، تنتظر جوابھا الأصدقاء والأعداء وأیة نوعیة اختارتھا معاداة الأعداء وفي أیة حالة الأصدقاء. وما ھي الأحزاب في صفوف الأعداء وما ھي وسائلھا وسلاحھا وفي أي طراز تتفکر جماعات مختلفة للموافقین، ینکشف لک نظام الکلام کله تلقائیاً. فإن ھٰذا کله یتکلم من داخل فحوى الکلام نفسه. فإذا سعدت جھودک بتعیین ھٰذه الأشیاء ینکشف لک نظم الکلام بنفسه ویتأثر القلب بقرأة سورة من القرآن تأثره بالإستماع إلی خطبة مناسبة لخطیب مصقع‘‘. (مبادي تدبر القرآن، ص ٢١٠)

وثانیاً أن یُعین وجھة خطابه في کل مکان، ففي القرآن یختلف توجیه الخطاب في الوقفات القلیلة بل في الآیة الواحدة أحیاناً مرات. فالآن کان المسلمون مخاطبین إذ صار توجیه الخطاب إلی المشرکین. والآن کان أھل الکتاب مخاطبین أن فأجأ الخطاب المسلمین. ویکون ھٰذا التغیر في صیغتي الواحد والجمع. ثم إن ھٰذه المسئلة لم تکن في منتھی الخطاب بل في صدره أیضاً. فالآن کان الله عزوجل یتکلم أن بدأ جبرئیل یتکلم. وکان جبرئیل یتکلم إذ جری الخطاب علی لسان رسول الله صلی الله علیه وسلم، فکما أن الخطیب لایزال یغیر مخاطبیه أثناء الخطاب من طریق تغییر لھجته وأسلوبه ومن دوران العیون والجواجب ومن طریق نبرات الکلام، یتغیر الخطاب في القرآن الکریم أیضاً في لحظة وآن. فلابد من إعطاء أھمیة کبیرة لذلک في تفسیر القرآن ومن بذل الجھود لتعیین مصدر الخطاب ھل ھو مثلاً الله سبحانه أو جبریل أو الرسول صلی الله علیه وسلم أو الناس، ویُعین منتھی الخطاب کذلک مثلاً ھل ھو الله سبحانه أو جبریل أو الرسول أو الناس. ثم لیوضح في کون الناس ھل ھم مسلمون أو منافقون أو الیھود والنصاریٰ أو المشرکون من بني إسماعیل أو اثنان منھم أو الثلاثة أو الکل، ثم یکون ھناک مواقع الالتباس بأن تخاطب الأمة عن طریق خطاب النبي صلی الله علیه وسلم، أو یکون الخطاب بظاھر الحال إلی النبي صلی الله علیه وسلم ولکن یراد توجیه الخطاب إلی رؤساء قریش أو إلی الیھود والنصاریٰ. ففي القرآن أمثلة کثیرة لذلک ھنا وھناک. ولذا من اللازم أن یکون ھناک تمییز بحیطة کاملة في ذلک، ویُعین توجیه الخطاب في واقع الأمر، لأنه بدونه لایتوضح مضمون القرآن بطریقة صحیحة.

الثالث أن یمیز بین عامه وخاصه، فإن القرآن ینھج نھجا في مواضع کثیرة أن یستخدم ألفاظا عامة بظاھرھا ولکن سیاقھا وسباقھا يدلان دلالة قطعیة أنه لم یرد بھا حکما عاماً، فمثلاً القرآن یستعمل کلمة الناس ولکن لم یرد بھا أحیانا العرب کلھم فضلاً عن سائر العالم. وھو یستخدم تعبیر "علی الدین کله "ولکنه لم یرد به أدیان العالم کلھا. ویستعمل لفظة ’المشرکون‘ ولم یرد بھا المشرکین أجمعین. ویأتي بألفاظ ’’وإن من أھل الکتاب‘‘ ولکنه لم یرد بھا سائر أھل الکتاب في العالم کله، کما یستخدم کلمة ’’الإنسان‘‘ ولم یرد بھا سائر أولاد بني آدم کذلک. فھٰذا ھو أسلوب عام للقرآن إذا لم یُراعیٰ یبطل مراد المتکلم في تفسیر القرآن من أساسه. ویصل الکلام إلی مالم یقصده المتکلم، ولذا لابد في ذلک من إبقاء حکومة عرف القرآن وسیاقه وسباقه علی ألفاظه علی کل حال.

(يُتبع)