logo
أخرى

أسباب الضلال الفكري

أسباب الضلال الفكري

الحلقة الثانية

[قتطف ومستفاد من محاضرة الأستاذ محمد حسن إلياس مدير البحث والاتصال مركز غامدي للتعلم الإسلامي  المورد الأمريكة، والتي ألقيت خلال زيارته إلى البحرين في عام 2022م.]

وثانياً۔ التعرض للمتشابهات

فقد علمنا من القرآن أن الدين الذي أعطانا الله يشتمل أساسيا على جزئين: المحكمات والمتشابهات.

والآيات المحكمات هي آيات واضحة لا لبس فيها ولا خفاء. وهي تستند إلى المعتقدات الأساسية للدين وأحكام الشريعة الإسلامية والمبادئ الأخلاقية. لا يوجد تعقيد أو غموض في معانيها ومضامينها ودلالاتها وهذه الآيات هي الجزء الرئيسي للدين. من ناحية أخرى، فإن المتشابهات هي آيات وإن كانت معناها أيضًا ثابت معين، لكنها تحتوي على حقائق لا يستطيع عقلنا وحواسنا فهمها وإدراكها بالكامل ولن يكون تحقيقها الحقيقي ممكناً إلا في الآخرة. ولماذا ذلك؟ لأن نطاق معرفة الإنسان متعين ومحدود. فلا يكتسب الإنسان المعرفة إلا من خلال التحصيلات الخارجية والداخلية لطبيعته ونتائج التفكير والاستنتاج العقلانيّين. هذه حقيقة بديهية.

لذلك، نستمد نحن البشر علاقتنا بالحقائق من خلال أمثلة على المفاهيم الموجودة مسبقا. ويدرك عقلنا الواقع بمساعدة نفس المفردات وذخيرة الألفاظ والتجارب التي قدمتها لنا حواسنا، ولكن هناك بعض الحقائق في الكون التي لا يمكن لله أن يضعها أمامنا بنفس الطريقة التي هي عليها في الواقع ، ولكن يمكنه فقط شرحها لنا مراعاةً بمعرفتنا. على سبيل المثال، الماهية الحقيقية للجنة والجحيم، ووجود الله وصفاته، وعلامات العرش والسماء، هي أشياء لا يمكننا فهمها تماما حتى نلاحظها بأنفسنا. هذا هو السبب في أن الله يستخدم المقارنات والأمثلة لإعطائنا فهماً عموميا لها. لذلك من أجل شرح حقيقة الجنة قيل في القرآن أنه ستكون هناك أنهار متدفقة، وحدائق عطرة، وستكون هناك بركات لا يمكن للإنسان أن يتخيلها. كما قد تم  إعطاء أمثلة للنار والسلاسل والماء المغلي لشرح عذاب الجحيم. وبنفس الطريقة قال الله عن نفسه:’لَيْسَ كَمِثْلِهٖ شَيْءٌ‘، وهذا يعني أنه لا يمكن مساواة ذات الله سبحانه وصفاته تماما بأي شيء آخر، لأنها تتجاوز التجربة البشرية.

لذلك فإن أهم شيء في فهم القرآن هو وضع المتشابهات ضمن حدودها واعتبار المحكمات أساسا للدين. فأولئك الذين يتخبطون في أشياء غامضة باسم الدين ويؤلون القرآن حسب إرادتهم، فإنهم في الواقع يعانون من الارتباك الفكري. لهذا يحثنا القرآن مرارًا وتكرارًا على فهم الدين في ضوء أسسه الحقيقية، أي محكماته، وتجنب التكهنات غير الضرورية في مسألة المتشابهات. كما يقول الله تعالى:

هُوَ الَّذِيْ اَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ مِنْهُ اٰيٰتٌ مُّحْكَمٰتٌ هُنَّ اُمُّ الْكِتٰبِ وَاُخَرُ مُتَشٰبِهٰتٌ فَاَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاْوِيْلِه وَمَا يَعْلَمُ تَاْوِيْلَه اِلَّا اللّٰهُ وَالرّٰسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ يَقُوْلُوْنَ اٰمَنَّا بِه كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ اِلَّا اُولُوا الْاَلْبَابِ. (آل عمران۳: ۷)

فعندما يدخل فكر ديني أو عالم في مجالات المتشابه، يجب أن يطرح على الفور السؤال عما إذا كان ذلك صحيحا علميا أم مجرد تخمين. المتشابهات هي حقائق لا يمكن للعقل البشري فهم حقيقتها بشكل كامل. لهذا السبب ينص القرآن بوضوح على أن من يتتبع ماهيتها، فإن قلوبهم زائغة وملتوية. وموقفهم لا يقوم على البحث العلمي، بل هو نتيجة الخسارة الفكرية، لأنهم يحاولون فهم أشياء خارج نطاق الحواس والمعرفة البشرية.

وإن الاضطراب الحقيقي الذي نشأ في التقليد الصوفي هو أيضًا نتيجة لهذه الظاهرة. فإن الغوص في حقيقة الله، التي لا يمكن أن تحققها المعرفة والحواس البشرية، إنها خسارة فكرية أساسية أن نركض على خيول وفرس الخيال ونؤسس تصورات مختلفة عن الله سبحانه. يظهر هذا الاتجاه في العديد من النظريات الصوفية، حيث يبدأ الناس في البحث عن "المواجهة الحقيقية" لله و "الطرق البديلة للقرب" منه، وتقديم مفاهيم التجسيم الكوني عنه، والادعاء بأنهم رأوا الله على العرش أو التقوا به. كل هذه الأفكار ولدت من هذا الخطأ الفكري الأساسي المتمثل في أن الإنسان بدلا من العيش في دائرة معرفته قد دخل إلى المجال الذي لا نملك أي وسيلة للذهاب إليه.

فقد أوضح القرآن أن المحكمات هي الأساس الرئيسي للدين، لأنها تتكون من حجج لا لبس فيها وهي محددة. ونحن لا نعرف أين هو الله وما هي كنهه وماهيته، لذا فإن اعتبار التجارب الروحية للصوفي أو الشيخ أو المرشد مصدرا لماهية الله ليس فقط غير علمي بل مرفوض تمامًا من الناحية الدينية. فإنه من المبادئ المسلمة بها أن شخصية الله وصفاته لا يمكن أن توضع تحت استخدام التجربة البشرية، لأنه أسمى وأعلى من كل شيء آخر. وبالمثل، فإن ما يخبرنا به القرآن عن الجنة والجحيم يعتمد فقط على المقارنات والأمثلة حتى نتمكن من الحصول على فكرة عامة عنها. عندما يقول القرآن "وَفِيْهَا مَا تَشْتَهِيْهِ الْاَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْاَعْيُنُ وَاَنْتُمْ فِيْهَا خٰلِدُوْنَ"،[53] فإن معناه الحقيقي وكنهه يتجاوزان فهم الإنسان. لا يمكننا أن نعرف ما هو الواقع الحقيقي للفردوس وفي أي حالة هي في الوقت الحالي، لأننا لم نلاحظه بأنفسنا. لهذا السبب أوضح الله هذه الحقائق من خلال الأمثلة حتى يمكن إعطاء العقل البشري وعيا عاما، لكن حقيقتها النهائية وماهيته لايمكن إدراكها .

ونظرا لأننا لا نستطيع أن تكون لدينا معرفة كاملة بحقيقة المتشابهات، فقد أوضح القرآن أن أولئك الذين يتضللون في الدين يتشابكون في هذه المتشابهات ويبدأون في تحديد تفسيراتها وتعبيراتها ومصداقاتها التعسفيةللحقائق. لقد وصف الله هؤلاء الناس ب "الذين زاغت  قلوبهم"، لأنهم يحاولون خلق الشكوك في الدين على أساس المشتبهات. وعلى العكس من ذلك، فإن أصحاب المعرفة القوية "الراسخون في العلم " على حد تعبير القرآن لهم هم أولئك الذين يتمسكون بقوة بالمحكمات ويفهمون الدين على أساس المبادئ الواضحة، بدلًا من الركض وراء المقارنات الغامضة والأمثلة الظاهرية.

لذلك، فإن التأويل غير الضروري للمتشابهات والبحث عن واقعها يؤدي إلى ارتباك فكري. ويصف القرآن هذه الطريقة بأنها طريقة تفكير أولئك الذين انحرفت قلوبهم. ولذا من أجل فهم الدين النزاهة الأكاديمية تتطلب التركيز على المحكمات، في حين أن ملاحقة المتشابهات والانغماس في التفسير والتكهنات غير الضرورية لها ليس سوى تعزيز لتقليد علمي غير أصيل وتخميني.

(مترجمة من الأردية)  (يُتبع)