logo
أخرى

دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن»

دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن الكريم»

للعلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي

(الحلقة الثانية)

استخدام الأحاديث الصحيحة:

يعتبر المفسر الميرتْهي استخدام الأحاديث الصحيحة والاستدلال بها أمرا لا غنى عنه. على سبيل المثال، في تفسير قوله تعالى: "سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" (آل عمران: ١٨٠)، نقل حديثا رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك".

(أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن صالح عن أبي هريرة، وأخرجه ابن حبان وأحمد والنسائي أيضا بطرق مرفوعة) ١٢.

أي من لم يدفع الزكاة في الدنيا، ففي يوم القيامة يُطوق بثعبان سام يلتف حول عنقه ويمسكه بفكيه، ويقول له: "أنا كنزك، أنا مالك".

ومع ذلك، فيما يتعلق بصحة الأحاديث وتضعيفها، فإنه يرى ضرورة التحقيق في كل حديث، ولا يكتفي في ذلك بالاعتماد على آراء السلف، وقد التزم بهذا المنهج التزاما كبيرا في جميع التفسير.

الإسرائيليات:

هذا التفسير فارغ تماما من الإسرائيليات. وحتى في الأقوال التفسيرية، لا يقبل من أقوال الصحابة والتابعين إلا ما جاء مرفوعا متصلا، وما يناسب سياق الآية وسباقها، ويتوافق مع نظم القرآن وتناسقه. وإلا فإنه يرده ردا قاطعا، لأنه يعمل بمبدأ: "الحجة فيما يرويه الصحابي، لا فيما يرى".

كما يشير إلى الروايات الموضوعة والضعيفة المنتشرة في كتب التفسير، ويبين مصادرها ويرفضها بحجج قوية.

مثالا على ذلك، في تفسير قصة آدم في سورة البقرة، عند قوله تعالى:

"يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة" (البقرة: ٢٥)،

يقول: "ينبغي أن يُفهم من الآية أن حواء خُلقت قبل دخول آدم إلى الجنة، فالروايات التي تقول إن آدم لم يكن يأنس وحده في الجنة، ولذلك خُلقت حواء لتؤنسه، روايات باطلة، من الإسرائيليات، ولا يوجد فيها حديث صحيح" ١٣.

الاستفادة من المفسرين القدامى والمعاصرين:

كان المفسر الجليل يعتمد على كبار المفسرين القدامى، مثل: الرازي، الطبري، ابن كثير، الزمخشري، أبو حيان الأندلسي، وأبو مسلم الأصفهاني، دون أن يتعصب لمذهب أو مشرب معين.

ورغم أن الزمخشري وأبا مسلم الأصفهاني من المعتزلة، فقد استفاد من ذوقهما في فهم القرآن.

أما المفسرون المتأخرون، فقد كان في الغالب ينتقدهم، وخصوصا مؤلفي تفسيري "المدارك" و"الخازن".

وفيما يخص الترجمات الأردية، فلم تكن له آراء إيجابية بشكل عام، فقد قال عن ترجمة وتفسير مولانا أشرف علي التهانوي:

"لا أدري لماذا أُعجب مولانا التهانوي بتفسير روح المعاني، الذي هو كتاب مليء بالحشو واللغو، ومع ذلك فإن تفسيره (بيان القرآن) يُعد من أحب التفاسير الأردية وأكثرها قبولا بشكل عام."

كما أثنى على جهود مولانا عبد الماجد الدريابادي في مجال تفسير القرآن.

ورغم اختلافه مع العلامة حميد الدين الفراهي في كثير من الأمور – كاعتراضه على تفسيره لسورة الفيل، وتأييده لتفسير السلف – فقد كتب عنه كلمات رفيعة، قال فيها:

"المولانا حميد الدين الفراهي كان عالما ذا فكر وبصيرة... وكان موضوع فكره ونظره القرآن الكريم، وقد نفخ هذه الروح المباركة في المدرسة العربية الشهيرة 'مدرسة الإصلاح' في سرائي مير (أعظم كره)."

نقده لتفاسير أردية أخرى

وفي التفاسير الأردية، وجّه العلامة الميرتهي انتقادات عدة لتفاسير أمثال السرسيد، وتشودري غلام أحمد برويز، كما انتقد في مواضع متعددة "تفهيم القرآن"للأستاذ المودودي. رغم إقراره بعظمة مولانا المودودي الكتابية وفهمه العصري، فإنه لم يكن مقتنعًا به كثيرًا في مجال علوم الإسلام، وخاصة في ميداني التفسير والحديث.

الترابط بين الآيات والسور:

تحدّث المفسر الجليل بإسهاب عن الترابط بين السور والآيات. فعلى سبيل المثال، كتب عن العلاقة بين سورة النور وسورة المؤمنين ما يلي:

"في بداية سورة المؤمنين، ذُكر أن من صفات المؤمنين العفة والطهارة، وهي من الصفات الست التي تقود إلى الفوز والفلاح. وفي سورة النور، جاءت تأكيدات متعددة على العفة والطهارة، مع بيان وسائل الحفاظ عليها، سلبًا وإيجابًا. وبذلك يمكن القول إن معظم سورة النور هي بمثابة شرح وتفسير لآية {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (المؤمنون: ٦)".

نزول السور منظم ومرتب:

يرى صاحب "مفتاح القرآن الكريم" أن كل آيات لسورة نزلت بالترتيب الذي هي عليه الآن في المصحف. قد يحدث أن تسبق سورة أخرى في النزول وتُدرج بعدُ في المصحف، لكن لم يحدث أن وقع تقديم أو تأخير بين آيات نفس السورة. ولم تنزل أي آية أو سورة أكثر من مرة. فيقول:

"القول الصحيح أن آيات سورة آل عمران نزلت بنفس الترتيب الذي هي عليه في المصحف، كما هو الحال مع بقية السور. نعم، ترتيب السور ليس زمنيًا؛ فالسور الأربع الأولى: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة مدنية، تليها سور مكية كـالأنعام والأعراف. لكن ترتيب الآيات في كل سورة هو زمني. الاعتقاد بأن هناك اختلالًا في الترتيب الزمني للآيات هو وهم وخطأ، وأصل هذا الرأي يعود للرافضة الذين أرادوا الطعن في الصحابة. وقد روّج الرواة غير الدقيقين – أو الرافضة أنفسهم تحت غطاء التقية – لهذا الرأي في أوساط أهل السنة."

وقد كرر هذا الرأي في مواضع متعددة. فعندما انتقد الرأي للمولانا المودودي لنزول سورة آل عمران، قال:

"السؤال هو: متى علّم النبي ﷺ هذه السورة للمسلمين؟ هل بعد اكتمال نزولها في السنة التاسعة للهجرة، كما يفترض المولانا المودودي؟ أم أنه كان يُعلّمها للصحابة آيةً آيةً فور نزولها، ويأمر كتاب الوحي بتدوينها؟ من المؤكد أن النبي ﷺ كان يُقرئ الصحابة الآيات حال نزولها ويأمر بتدوينها فورًا، وليس بعد سنوات. وقبول رأي المودودي يعني أن الصحابة قرؤوا السورة سنوات وهم يضعون آيات من منتصفها قبل آيات في أوائلها، وهذا محال. لذا، فإن الرأي الذي يؤدي إلى هذا المحال هو في ذاته رأي باطل".

الحروف المقطعات:

الرأي السائد بين المفسرين أن معاني الحروف المقطعة لا يعلمها إلا الله، ولا حاجة لمحاولة تأويلها. ومع ذلك، فقد حاول بعض المفسرين تفسيرها، مثل المولانا ثناء الله الأمرتسري، وينتمي العلامة الميرتهي أيضا إلى هذه المدرسة، فقد فسّر معاني كل حرف مقطع، وجمعها في مطلع سورة البقرة، واستمر في مناقشتها على مدى سبع صفحات. كتب في بدايتها:

"الم. هذا عنوان السورة الكريمة، وكذلك هو عنوان للسور التالية: آل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وهناك ٢٩ سورة في القرآن تبدأ بالحروف المقطعة، اثنتان منها – البقرة وآل عمران – مدنيتان، والبقية مكية. تسمى هذه العناوين بالحروف المقطعة لأنها تُلفظ مفصولة كما في الحروف الأبجدية. وقراءة النبي ﷺ لها على هذا النحو ثابتة. وهذه الحروف تشير إلى مضامين السور نفسها."

ثم ضرب مثالًا بسورة "ص"، فقال:

"في بداية السورة، نُقل قول الكافرين: {امشوا واصبروا على آلهتكم} (ص: ٦)، حيث دعوا إلى الثبات على الباطل ورفض دعوة التوحيد. ثم جاء الرد الإلهي للنبي ﷺ: {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد} (ص: ١٧). ثم عُرضت نماذج من صبر الأنبياء، وفي ختام الركوع الرابع تم التفريق بين مصير الصابرين على الحق والثابتين على الباطل. وفي الركوع الخامس ذُكر إبليس كمثال لقائد الباطل. وعليه، فإن الصبر هو الموضوع المحوري في السورة، والحرف "ص" رمز لهذا المعنى".

وفي ختام بحث الحروف المقطعة، كتب:

"ينبغي أن نفهم جيدًا أن استخدام الحروف المقطعات كعناوين للسور من خصائص القرآن الفريدة ومعجزاته اللغوية. فلا نظير يوجد لهذا الأسلوب في الكلام العربي قبل نزول القرآن، ولا دليل على أنه كان معروفًا أو مستخدمًاقبل نزوله، مما ينفي أن يكون أسلوبًا مهجورًا. كما أن جميع الأساليب اللغوية الفصيحة التي كانت معروفة وقت نزول القرآن لا تزال حية بفضل القرآن الكريم، وستبقى كذلك ما دام القرآن موجودًا".

الدقائق اللغوية:

كان المفسر رحمه الله يمتلك خبرة واسعة في اللغة العربية وأدبها، وفي علم النحو والصرف والبلاغة، مما مكنه من إدراك أدق المعاني والنكات اللغوية بسهولة. ولأنه كان يتأمل القرآن باستمرار، فقد كانت تتجلى له معانٍ وتحقيقات جديدة باستمرار، كما قال الشاعر إقبال مامفهومه:

"إذا لم ينزل الكتاب على ضميرك، فلن يحل عقدك لا الرازي ولا الزمخشري".

على سبيل المثال، ورد في الآية الكريمة:

حَتّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ. (هود: ٤٠)

فقد تُرجمَتْ في مفتاح القرآن على النحو التالي:

"حتى إذا جاء أمرنا وفاض التنور (نبع الماء من التنور)، لقلنا أي في المستقبل: احمل في السفينة من كل نوع زوجين اثنين، وأهلك – إلا من سبق عليه القول (أي: قُضي عليه بالهلاك) – ومن آمن. ولم يؤمن معه إلا قليل من قومه."

ثم كتب تحت عنوان "تنبيهات":

من خلال هذا التفسير والترجمة، يمكن للقارئ أن يدرك أن هذه الآية مرتبطة بالآية:

"واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون"

 (هود: ٣٧)

وقد وقع المفسرون والمترجمون الآخرون في خطأ عند ترجمة الآية:

"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور" (هود: ٤٠) حيث ترجموا الآية:

"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور (نبع الماء)، قلنا. أي في الماضي

في حين أن وجود كلمة "إذا" يمنع صحة هذا التفسير. فلو كانت الكلمة "لمّا" أو "إذ" لكان هذا التفسير صحيحاً، لأن "إذا" تفيد الاستقبال، وقد تأتي بصيغة الماضي ولكن بمعنى المضارع.

ولو أن هؤلاء المترجمين أخذوا في الاعتبار آية سورة المؤمنين:

فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ، فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ، وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا، إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. (المؤمنون: ٢٧)

لكانوا تجنبوا هذا الخطأ في الترجمة

اللوح المحفوظ:لقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن "اللوح المحفوظ" هو كتاب عظيم قد كُتبت فيه كلّ تفاصيل هذا العالم دون نقصان، وذلك منذ ما قبل خلق الكون. فكل أفعال العباد، حسنة كانت أو سيئة، وكل ما سيواجهونه من أحوال، مسجلة فيه سلفاً. وجميع الكتب السماوية التي أُنزِلت على الأنبياء، بما في ذلك القرآن الكريم، كانت مكتوبة فيه من قبل. ويُقال إن هذا اللوح مصنوع من الزمرد، وطوله يعادل مسيرة خمسمائة عام، وعرضه مسيرة مائة عام. ولكن الحقيقة أن هذا الوصف المزعوم للّوح المحفوظ لا وجود له في القرآن الكريم، ولا ورد في أي حديث صحيح. ٢٥

المراجع والحواشي:

١٣- العلامة الميرتهي رحمه الله، تفسير مفتاح القرآن، المجلد الأول، الطبعة الثانية، مؤسسة الدراسات الإسلامية، نيودلهي، ص ١١٤، مارس ٢٠٢٣م.

وكذلك الدكتور سيد شاهد علي، دراسة في التفاسير الأُردية في القرن العشرين، كتابي دنيا، دلهي، ٢٠٠١م، ص ١١٠.

١٤- العلامة الميرتهي رحمه الله، عبّر عن آرائه حول المترجمين والمفسرين الأُرديين في مقال مختصر غير منشور بعنوان "التفاسير القرآنية المكتوبة بالأُردية"، وهذا المقال محفوظ عند الكاتب بصيغته الأصلية.

١٥- كتب العلامة الميرتهي رحمه الله: "قام مولانا عبد الماجد دريابادي بخدمة القرآن الكريم رغم عدم معرفته باللغة العربية، وقد نقل في ترجمته وتفسيره آراء أولئك العلماء الذين كان يثق بعلمهم وتقواهم".

١٦- المرجع السابق.

١٧- المرجع السابق.

١٨- من بين التفاسير المعاصرة، كانت أكثر انتقادات المؤلف موجهة إلى تفهيم القرآن.

١٩- العلامة الميرتهي رحمه الله، مفتاح القرآن، تفسير سورة النور، ص ٢، المجلد الرابع، مؤسسة الدراسات الإسلامية، نيودلهي، ٢٠٢٤م.

مفتاح القرآن، آل عمران، ص ٥٨٣، المجلد الأول، مارس ٢٠٢٣م.

٢٠- العلامة الميرتهي رحمه الله، مفتاح القرآن، آل عمران، ص ٥٨٣، المجلد الأول، مارس ٢٠٢٣م.

٢١- نفس المصدر، ص ٥٨١.

٢٢- كتب المولانا أمرتْسري: "لقد وقع اختلاف كبير في تفسير هذه الحروف... وأرى أن التفسير الأرجح هو ما نُقل عن ابن عباس رضي الله عنه، أن كل حرف منها يمثل اسماً أو صفة من صفات الله. ولذلك قمت بهذا الترجمة التي ترونها، وهي منقولة عن ابن عباس رضي الله عنه".

مثال على ترجمة بعض الحروف المقطعة:

ألـم: "أنا الله، الأعلم بكل شيء".

ألـرا: "أنا الله، أرى وأسمع كل شيء".

تفسير ثنائي، ثناء الله أمرتْسري، أكاديمية أمرتسري، دلهي، ١٩٧٩م، ص ٤٦ و٣.

٢٣- العلامة الميرتْهي رحمه الله، انظر: مفتاح القرآن، المجلد الأول، ص ٣٨.

٢٤- العلامة الميرتْهي رحمه الله، تفسير مفتاح القرآن، سورة هود، المجلد الثالث، ص ١١٥، مارس ٢٠٢٤م.

٢٥- العلامة الميرتْهي رحمه الله، تفسير مفتاح القرآن، المجلد الثاني، ص ٣٨٢.

(للبحث صلة)