حیاة أمين
(سيرة الشيخ المولانا أمين أحسن الإصلاحي)
[وفقًا لوصية صاحب "تدبر قرآن"
من كاتب سيرته نعيم أحمد بلوش]
(الحلقة الرابعة)
[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السير والسوانح للشخصيات"، وهي تعكس آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، لذا، لا يلزم أن تتوافق المؤسسة مع جميع ما يرد فيها ]
الحصول على الموارد المالية للمدارس
من الخصائص الثورية لمدرسة الإصلاح أنها كانت تتمتع بنظام مالي خاص بها، يختلف تمامًا عن المدارس الدينية التقليدية في ذلك الوقت. كانت معظم المدارس الدينية تعتمد على التبرعات والزكوات والصدقات كمصادر رئيسية لتمويلها. وكان المدرسون والطلاب يشاركون في هذه الحملات، مما يؤثر بشكل سلبي على كرامتهم. كانت هذه الظاهرة تمثل عقبة كبيرة في تحقيق الحق والبحث الحر. في ذلك الزمن، كانت العادة الشائعة في المدارس العربية أن الطلاب يتسولون الطعام مثل رهبان البوذية.
وفي هذا السياق، لا بد من ذكر أن البوذيين قد ساهموا بشكل كبير في نشر ثقافة التسول في منطقة شبه القارة الهندية، وقد تبنى بعض الصوفيين المسلمين هذه العادة أيضًا، مما أدى إلى انتقالها إلى المدارس الدينية. ويكتب الأستاذ شرف الدين الإصلاحي في كتابه "ذكر فراهي" أن مدرسة الإصلاح كانت تعتبر التسول مخالفًا للشريعة. لم تكن هناك أي عادة للتسول في هذه المدرسة. في سرائي مير، كان الطلاب يحملون أكياسًا كبيرة ويتسولون الطعام من الناس، وكان يُطلق على ذلك "ملئ القرص". كانت هذه ظاهرة من التسول التي كانت شائعة في العديد من المدارس حيث كان يتم توفير التعليم والمأوى للأطفال الفقراء، وكان يُطلب من الآباء أن يخصصوا واحدًا أو إثنين من أبنائهم "للدين". لكن مدرسة الإصلاح لم تكن تهدف إلى تعليم أطفال الفقراء كوسيلة للنجاة في الآخرة. لذلك، على عكس المدارس التقليدية، كانت أغلب الأطفال في مدرسة الإصلاح من أسر ميسورة الحال. وكان الكثير من النبلاء في المنطقة الذين شاركوا في تأسيس المدرسة يرسلون أطفالهم إليها أيضًا. تؤكد تاريخ مدرسة الإصلاح على أن العديد من العائلات الغنية، مثل عائلة مولانا شبلي النعماني وعائلة المولانا حميد الدين الفراهي والأفراد الذين لهم انتماء بهما كانوايدعمون المدرسة مالياً. (ذکر فراہي 381)
كان غالبية الطلاب يدفعون رسوم التعليم وجميع المصاريف بأنفسهم. أما الطلاب الفقراء الذين لم يتمكنوا من تحمل هذه التكاليف، فكانوا يحصلون على مساعدات، لكنهم لم يكونوا يعلمون أن تعليمهم كان مجانيًا أو مدعومًا حتى لا تتأثر كرامتهم. لذلك، كان بيئة مدرسة الإصلاح مختلفة تمامًا عن المدارس التقليدية. (ذكر فراهي 395-396)
إلى جانب ذلك، قدم المولانا حميد الدين الفراهي نظامًا جديدًا لتوفير الموارد المالية لمدرسة الإصلاح. فيكتب المولانا سليمان الندوي:
"كان المولانا الفراهي يكره بشدة صفة التسول لدى العلماء. كان يرغب في إنهاء هذه العادة من المدارس الدينية. ولذلك، اشترى عقارًا ليكون مصدر دخل سنوي للمدرسة، وبدلاً من الاعتماد على التبرعات كما هو الحال في معظم المدارس العربية، أنشأ مصادر دخل تجارية وصناعية في مدرسته. وبمساعدة من بعض المحسنين، نصب مطحنة دقيق مع محرك لتوفير دخل يومي للمدرسة. كما أسس قسمًا لصناعة الأحذية داخل المدرسة حيث كان يتم صنع الأحذية الجيدة والصنادل. كان المولانا الفراهي من قبل يشغل منصبًا مهمًا في حيدر آباد، وكان له علاقات جيدة مع كبار الشخصيات هناك، لكن لم يطلب أبدًا مساعدة من الدولة لمدرسته. كان يقول إن الرضا يأتي من الثقة بالله والاعتماد عليه في أوقات الشك."(تذكرة الراحلين، سليمان ندوي 151)
من المهم أن نوضح أن حيدر آباد كانت في ذلك الوقت أغنى ولاية في شبه القارة الهندية. وكان مولانا حميد الدين الفراهي يشغل منصب رئيس مدرس في الجامعة العثمانية في ولاية حيدر آباد، وكان العلماء الكبار في الهند، مثل العلامة إقبال وعلامه شبلي نعماني، يعتبرون مساعدات مالية من الدولة أمرًا طبيعيًا، ولكن المولانا حميد الدين اتبع سياسة عدم قبول أي نوع من المساعدات الحكومية لمدرسة الإصلاح. وهذا المبدأ اتبعته المدرسة بشكل رسمي. وقد كان المولانا شبلي نعماني لا يرى أي عيب في قبول التبرعات الحكومية وكان قد حاول أيضًا جمع الأموال من الدولة لمدرسة الإصلاح، ولكن مولانا الفراهي كان ضد ذلك تمامًا، ولذلك جعل من سياسة المدرسة عدم قبول أي مساعدات من الحكومة.
وضحت هذه الفكرة في مقال نشره مولانا أمين أحسن في مجلة "الإصلاح" في يوليو 1939.
نظام التربية
بشكل عام، سواء كانت المدارس الدينية أو المدارس العادية، كان التعذيب والضرب من الممارسات الشائعة لتدريب الطلاب. ولكن، كانت مدرسة الإصلاح تتميز عن غيرها في هذا المجال أيضًا. (كان ذلك في الماضي، ونحن نتحدث عن تلك الفترة الزمنية ونأمل أن تظل المدرسة اليوم متمسكة بهذه التقاليد العظيمة). يذكر شرف الدين الإصلاحي، الذي كان أيضًا طالبًا في مدرسة الإصلاح، في كتابه "ذكر فراهي":
"في المدرسة، كان يتم تجنب إجبار الطلاب على أي شيء باستخدام القوة أو العقوبات الجسدية، بل كان يتم استخدام النصيحة والإرشاد بشكل غير مباشر، دون الإضرار بكرامتهم. كان يتم جمع الطلاب بشكل غير رسمي مرة في الأسبوع، حيث يتم توجيه النصيحة إليهم دون الكشف عن من ارتكب الخطأ. كان يتم التحدث إلى الجميع دون تحديد، إلا للطالب الذي ارتكب الخطأ." (ذكر فراهي 394-395)
أهداف التعليم الفريدة
على الرغم من أننا لا نريد التوسع في عرض المناهج التعليمية للمدرسة التي تستمر لمدة ثمانية أعوام، إلا أنه من المهم الإشارة إلى ميزة فريدة تتميز بها مدرسة الإصلاح. كانت هذه المدرسة هي الأولى والوحيدة في عصرها التي كانت تُدرس القرآن الكريم كاملاً، من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، دون إدخال أي تفسير. حتى تفسير المولانا الفراهي "نظام القرآن" لم يكن جزءًا من المنهج الدراسي.
تؤكد الكتابات والمستندات من المولانا أمين أحسن الإصلاحي، والمولانا بدر الدين الإصلاحي، والدكتور شرف الدين الإصلاحي أن هذا كان من الأسس المعتمدة في المدرسة.
تأثيرات شخصية
هنا لا بد لي من التعبير عن بعض التأثيرات الشخصية التي شعرت بها. عندما تأسست "المورد" في عام 1983، كان المناهج والأغراض والمقاصد التي تقف وراء تأسيس "المورد" (عام 1983) وكانت في ذهن الأستاذ المحترم، جاويد أحمد غامدي هي التي كانت تقف وراء تأسيس مدرسة الإصلاح. كما كان منهجها ونظام التعليم مشابهًا إلى حد كبير لما كان في مدرسة الإصلاح.
إذا تحدثنا عن المنهج، فقد تم تعليمنا دروسًا في النحو، "كليلة ودمنة"، "قراءة الرشيدة"، "المفصل" للزمخشري، "المعلقات السبع"، وغيرها. من بين أهداف "المورد" هو العمل الأكاديمي والبحثي مع وضع القرآن الكريم في مركزه، وتدريب العلماء والمحققين الصحيحين في الفكر.
وفي ذهني، ما زال يخطر ذلك الخطاب الرئاسي الذي ألقاه المولانا أمين أحسن الإصلاحي في قاعة جناح في لاهور، والذي حضره عدد كبير من العلماء والمفكرين. كان المولانا الإصلاحي يتحدث بعد سنوات طويلة من غيابه عن المنصات العامة. (سوف يتم ذكر التفاصيل في مكانها لاحقًا). وكان ذلك في عام 1983. كنت حينها طالبًا مبتدئًا، وكنت أشهد كتابة التاريخ. عندما وصلت إلى مجلدات مجلة "الإصلاح" التابعة لمدرسة الإصلاح، تبيّن لي أن "المورد" كان في الواقع إعادة تأسيس لمدرسة الإصلاح. وكان هذا نفس القافلة التي بدأها شبلي، وهي نفس القصة التي ذكرها الأستاذ المحترم في كتابه "مقامات" في المقالة "قافلة بعد قافلة".
ماذا كان يريد أن يصبح أمين أحسن؟
من خلال هذه التفاصيل، أصبح من الواضح ما كان يقصده المولانا الإصلاحي عندما تحدث عن كيفية تحرير المولانا الفراهي للمدرسة من الفكر التقليدي وإعادتها إلى مسارها الصحيح. لكن على الرغم من كل هذه الإصلاحات المميزة في المدرسة، كان هناك شيء واحد واضح، وهو أن الطلاب كانوا يأتون إلى هنا بعد أن قرر آباؤهم مستقبلهم. لم يكن هناك وعي كافٍ في ذلك الوقت بخصوص تعليم الأطفال بحيث يقرر الآباء مستقبل أبنائهم بناءً على مواهبهم وميولهم الطبيعية. ومع ذلك، بالنسبة لأمين أحسن، كان هذا الأمر حاسمًا: ما أراد أن يصبحه، فقد دفعته الطبيعة إلى الوصول إليه.
كان يقول:
"عندما كنت في السنة الثالثة من دراستي في المدرسة، دعا المولانا عبد الرحمن النجرامي الطلاب الأذكياء وسألهم: ماذا تريدون أن تصبحوا؟ فأجاب بعضهم شيئًا، وأجاب آخرون شيئًا مختلفًا. وعندما سألني، قلت له: أريد أن أصبح أديب الهند. ففرح كثيرًا بهذا الجواب. هل تعرفون من كان يقصد بأديب الهند؟ كان يقصد المولوي فيض الحسن. وبعد ذلك بدأ مولانا النجرامي يناديني بأديب الهند."
الشيخ فيض الحسن السهارنبوري
إذا كان أمين أحسن قد اعتبر المولانا فيض الحسن سهارنبوري (1816-1887) قدوته، فمن المهم أن نعرف ما الذي كان مميزًا في شخصيته. عندما سألنا المولانا عن هذا، أجابنا بجملة واحدة:
"عندما كان يقال أديب الهند، كان المقصود فقط شخص واحد: مولوي فيض الحسن سهارنبوري. وكان شيخَ أساتذة عظماء لدرجة أن شبلي والفراهي كلاهما اختارا أن يكونامن تلامذته، ويجب أن تعرفوا كيف فعلا ذلك!"
هذا الوصف يتطلب بعض التفصيل. كان فيض الحسن شخصية متعددة الجوانب. كان مصارعًا قويًا، وفارسًا ماهرًا، وطبيبًا، وشاعرًا، وأستاذًا، وأديبًا. في البداية، كان ميالة إلى الفروسية، وكان لديه أيضًا شغف بالطيران بالطيور. ثم نشأت لديه محبة للعلم، فبرع في اللغة العربية والفارسية، وتعلم في مدارس ومعاهد مختلفة في رامبور، دلهي، ولکھنؤ. في عام 1848، وعندما كان عمره ثلاثين عامًا، قام بتعليم أجزاء من "مقامات حريري" لسيد أحمد خان. استفاد في الشعر من المولوي إمام بخش الصهبائي. كما اجتمع مع شعراء كبار مثل شيفتة، غالب، مومن، وذوق، وتعلم الطب على يد الحكيم إمام الدين.
خلال ذلك الوقت، وعندما اندلعت ثورة 1857، عاد إلى مسقط رأسه في سهارنبور مع قافلة من الناس الذين كانوا يعتمدون عليه في قوته. كان قويًا جدًا لدرجة أنه كان يكسر السلاسل الحديدية بيديه. كان يشهر سيفه بمهارة لدرجة أن خصومه كانوا يشعرون بالرعب قبل أن يخرج سيفه من غمده. فتح عيادة طبية في سهارنبور، لكنه لم يكن راضيًا وانتقل إلى علي كره حيث عمل كأستاذ للغة العربية. قام أيضًا بترجمة بعض الكتب، لكن لم يكن قد وصل إلى وجهته بعد. كان الأطباء الإنجليز مثل الدكتور لايتنز معجبين بمهارته فدعوه إلى لاهور. في أكتوبر 1870، عين أستاذًا للغة العربية في الكلية الشرقية في لاهور، وفي وقت لاحق أصبح رئيسًا للمدرسة.
أهم نقطة
هنا يجب أن نتذكر حقيقة أخرى. في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، اختار أمين أحسن المولانا فيض الحسن سهارنبوري قدوة له، وكان يعلم أنه شخصية علمية بحتة. بالنسبة له، لم يكن هناك شخص آخر من مجالات السياسة أو الجيش أو الفنون الجميلة يستحق أن يكون قدوته. ثم أن حياة فيض الحسن تُظهر لنا أنه لم يكن له علاقة بالحكومة الإنجليزية أو نزاعات الهندوس والمسلمين. بالرغم من أن أساتذته كانوا من عائلة ناضلت ضد الإنجليز في حرب الاستقلال، كان فيض الحسن يرى أنه لا يوجد خطر على الإسلام من الحكومة البريطانية. وكان يعتقد أن الكلية الشرقية، التي كانت تحت حكم الإنجليز، لا تؤثر على إيمانه وإخلاصه.
أفضل أستاذ
لم يؤثر على أمين أحسن في المدرسة أحد كما أثر عليه مولانا عبد الرحمن النجرامي. وكان يقول عن أستاذه المفضل:
"كان مولانا شبلي النعماني يبحث عن مدرسين ممتازين. كان يحتاج إلى أستاذ متميز في مهاراته، لكن مع محدودية الموارد يقتنع أن يعيش حياة متواضعة، ووجد أخيرًا مولانا عبد الرحمن النجرامي. كان النجرامي شابًا وسيمًا من خريجي ندوة العلماء. وعندما جاء إلى المدرسة، أحدث ضجة كبيرة. كان فعلاً رجلًا عبقريًا. كان عالمًا، خطيبًا، أديبًا، شاعرًا، مفكرًا، وفيلسوفًا. أطلق الطلاب عليه لقب "ماهرفي كل شئي"(هرفن مولا)
"أنا الذي كنت قد يئست من المدرسة لأنني كنت أعتقد أنني لن أحقق شيئًا من خلال حفظ القواعد أو التأويلات غير المنطقية، لكن قدومه أضفى جوًا جديدًا، فبدأت أرى أنه يمكن تعلم الدين والعيش بكرامة. يمكن فهم العلوم بدلاً من حفظها. و يمكن خدمة الأمة، وكان المولانا النغرامي خطيبًا باللغات الثلاث، الأوردو والعربية والفارسية."
"أود أن أروي لكم نكتة عنه؛ كانت هذه الحكاية في ذلك العصر الذي لم أكن قد دخلت فيه المدرسة بعد، وكانت هذه الحكاية عن المولانا النغرامي مشهورة في تلك الفترة. حدثت مناظرة، ولم تكن هذه المناظرة بين طلاب مدرسة الإصلاح، بل كانت جلسة في مكان آخر حيث تم تنظيم المناظرة. كانت الشرط أن الخطابة ستكون باللغة الأوردية، وليس فقط، بل أيضًا باللغة العربية والفارسية. حضر المولانا النغرامي في هذه الجلسة، وقال: 'أريد أن ألقي خطابًا أيضًا'. فسمح له رئيس الجلسة. بدأ يتحدث باللغة الأوردية، ثم الفارسية، ثم العربية، ثم بدأ بالإنجليزية. وكان مولانا شبلي أيضًا جالسًا في تلك الجلسة، فقال: 'يا سيد الرئيس، يجب أن نوقف المولوي عبدالرحمن عن الخطابة، وإلا فإنه سيبدأ بالخطاب باللغة الفرنسية، ونحن لا نفهمها'."
"كان لديه نظرة خاصة عليّ. في أحد الأيام قلت له إني ضعيف في النحو. في البداية، لم يصدق أنه يمكن أن يكون هناك شيء خاطئ في لغتي. وبعد محادثة قصيرة، أراحني وأخذ يتفكر في كيفية مساعدتي. في يوم من الأيام، جاء لي بكتاب. كان هذا الكتاب باللغة الفارسية، ولا أذكر اسمه. كان يحتوي على حلول لجميع مسائل النحو العربي. طلب مني أن أقرأ الكتاب جيدًا. فعملت على قراءته بجدية. وقد حل جميع مشكلاتي. أعاد لي الثقة بنفسي. الآن كنت قادرًا على التنافس مع أكبر علماء النحو، بل يمكنني أن أجعلهم يتعجبون. وعرف الجميع أن تلك النقص الذي كانوا يذكرونه عني، والذي كانوا يفرضون به هيبتهم عليّ، قد زال. الآن، تحت إشراف المولانا النغرامي، أصبحت "علّامة". أصبحني طالبًا جيدًا بالفعل. "
(للحديث صلة)
