الثورة الإسلامية
[ كتب الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذا المقال في عام ١٩٩4م، وهو منشور ضمن كتابه المعروف "برهان"]
شارف نصف قرن على الانقضاء ونحن نحلم بتحقيق الثورة الإسلامية في هذا البلد. لقد مضى الجيل الأول الذي نهض لتحقيق هذا الحلم، وها هو الجيل الثاني يخوض غماره. وقد كتب الكثير في هذا السبيل، وقامت ضجّات عظيمة، وسالت دماء الشباب، ودفن الشيوخ آمالهم مرة بعد مرة. وبعد هذا الجهد الدؤوب وهذه التضحيات الجسام، كان يمكن على الأقل أن نأمل أنه، وإن لم نبلغ الغاية، فسنرى معالمها تلوح أمام أعيننا، غير أن الواقع يثبت أن الطريق إلى الهدف لا تزال مجهولة المعالم. لقد رحل القادة، وأعيى التعب المسافرين، ومن بقي لديه شيء من العزم، فقد بذل كل قوته، وكل ما يملك، بل ضحّى حتى برصيد علمه وأخلاقه في سبيل هذه المسيرة. ومع ذلك، لم يتغير الحال:
میری رفتار سے بھاگے ہے بیاباں مجھ سے
(تسبقني الصحراء رغم سرعتي)
ولم يكن الأمر أن هذه القوافل الصابرة اكتفت بالسير الشاق في هذا الطريق، بل شهدنا في تاريخ هذا البلد مرحلة ارتفع فيها صدى الثورة الإسلامية من داخل قصور الحكم نفسها.(١) ذاك النداء الذي كان يعلو من المحراب والمنبر ويرتد خائبًا عن جدران القصور، أصبح يصدر من أروقتها. لقد بشرتنا أسماعنا مرارًا، في تلك السنوات، بأن المجتمع الأول الذي به بدأت حضارتنا، ذلك المجتمع الذي تجسدت فيه كل القيم الأخلاقية واقعًا حيًا محسوسًا، قد آن أوان عودته. ومع تعاقب الأيام، وتتابع الشهور والسنين، كانت النتيجة الماثلة أمامنا:
وہ جو رکھتے تھے ہم اک حسرت تعمیر سو ہے
(تلك الأمنية في البناء التي كنا نحملها، ما زالت أمنية فحسب)
لماذا حدث ذلك؟
يمكن أن يقال فيه الكثير، وسيقال. بعضهم قد ينسبه إلى قضاء الله وقدره، ويراه مأساة إلهية لا مرد لها، وبعضهم سيبحث عن أسبابه في تعقيدات السياسة والواقع الراهن.
أما نحن، فبعد تأمل عميق، خلصنا إلى أن مكمن الخطأ الجوهري إنما هو في التخطيط والعمل، وفي المنهج والاستراتيجية. وعليه، وفي هذا الوقت الذي دفعت فيه نتائج الانتخابات الأخيرة (٢) الكثيرين إلى إعادة التفكير، نرى أنه من المناسب أن نعرض رؤيتنا لهذه القضية بكل وضوح.
إننا نشهد اليوم نهاية مرحلة وبداية أخرى في مسيرة هذا الكفاح. ولسنا نتصور أن من هم في الميدان سيغيرون طريقهم استجابة لهذه الملاحظات، ولكننا نأمل أن تبقى هذه الكلمات نصب أعين من سيحملون راية هذه الثورة في المستقبل.
خطة العمل للثورة
في الحضارة الإنسانية، لم تعرف منذ القدم وحتى اليوم إلا أربع وسائل يمكن لأي دعوة، سواء أكانت دعوة حق أم باطل، أن تصل من خلالها إلى الحكم والسلطة:
١- أن يتم الاستيلاء على السلطة من خلال عمل مسلّح.
٢- أن يتم إخراج الناس إلى الشوارع في شكل انتفاضة شعبية تجبر أصحاب السلطة على التنحي وتسليم الحكم لأهل الدعوة.
٣- أن يتم الوصول إلى السلطة عبر السياسة الانتخابية.
٤- أن يتأثر أصحاب القرار والنفوذ في الأمة بهذه الدعوة، فيذعنون لها ويخضعون لحجتها واستدلالها، فيسلّمون لها الحكم طواعية.
أما الطريقتان الأوليان، فهما ما يعرف في الشريعة الإسلامية بمصطلحي المنازعة والخروج. وبما أن الإسلام يصر على أن حرمة النفس الإنسانية لا يجوز انتهاكها إلا في حالتي القتل أو الفساد في الأرض، وأن النظام الجماعي للمسلمين، مهما بلغ من الفساد، لا يجوز الإخلال به بأي ثمن، كما لا يجوز لأي شخص، مهما علا قدره، ولو كان في مرتبة الصديق أو الفاروق رضي الله عنهما، ومهما ارتدى عباءة الشريعة، أن يفرض على المسلمين دون رضاهم، فإن الإسلام لا يجيز هذين النوعين(٣) من الثورة السياسية إلا إذا توفرت ثلاث شروط:
أولاً: أن يرتكب الحاكم كفراً بواحاً (كفراً ظاهراً معلناً).
ثانياً: أن تكون حكومته استبدادية، لا تستند إلى اختيار المسلمين، ولا يستطيع أحد أن يغيرها برأي أو شورى.
ثالثاً: أن يكون القائم بالخروج شخصاً تلتف حوله أكثرية الأمة، وتثق بقيادته ثقة كاملة.
ودليل الشرط الأول: أن القرآن الكريم يوجب طاعة أولي الأمر من المسلمين، ما داموا من بين أهل الإيمان، ولا يرفضون سيادة الشريعة، سواء في شؤونهم الخاصة أو في نظام الحكم. فلا يجوز لأي مؤمن أن يعرض عن طاعتهم أو ينقلب عليهم. قال الله تعالى:
يٰ٘اَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْ٘ا اَطِيْعُوا اللّٰهَ وَاَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وَاُولِي الْاَمْرِ مِنْكُمْﵐ فَاِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ اِلَي اللّٰهِ وَالرَّسُوْلِ اِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوْنَ بِاللّٰهِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِﵧ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَّاَحْسَنُ تَاْوِيْلًا. (النساء4: ٥٩)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في توضيح هذه الآية:
إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان. (مسلم، رقم ٤٧٧١)
كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. (مسلم، رقم ٤٧٦٣)
دليل الشرط الثاني هو أن الإسلام قد وضع قاعدة "أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ"(٤) لتنظيم عملية حكم الدولة وإجراء التغيير فيها. إذا تم تطبيق هذه القاعدة بشكل كامل، وكانت الحكومة تقوم وفقًا لها، ويمكن تغييرها وفقًا لهذا المبدأ، فإن محاولة تغيير الحكومة عبر الثورة أو الخروج عليها تعتبر خرقًا صريحًا لهذا المبدأ. وعليه، لا تعتبر هذه المحاولة مجرد تمرد ضد الحكومة، بل تمرّدًا ضد المسلمين أنفسهم. وفقًا للشريعة الإسلامية، هذا يعد فسادًا في الأرض، وهو أمر تستوجب له الشريعة القتل.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد:
من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه.(٥)(مسلم، رقم ٤٧٩٨)
دليل الشرط الثالث هو أن قاعدة "أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ" تنص على أن حق الحكم في الإسلام يقوم على تأييد الأغلبية من المسلمين. وبما أن الحكومة تؤسس وتستمر بناءً على تأييد هذه الأغلبية، فإنّ الحق في التمرّد أو الخروج ضدّ الحكومة يقتصر على الشخص الذي يمكن التأكّد بشكل كامل من أن أغلبية الأمة الإسلامية تؤيّده، وأنها مستعدة لتقبل قيادته بدلاً من الحكومة الحالية.
وقد ورد عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته:
"من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايعه ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا." (البخاري، رقم ٦٨٣٠)
إذا تم اتخاذ مسار الثورة المسلحة، فيجب على المتمردين أولاً أن يهاجروا إلى منطقة مستقلة ويؤسسوا فيها حكومة خاصة بهم. والدليل على ذلك هو أن الله سبحانه وتعالى لم يسمح لأي من أنبيائه، الذين هم آخر من يعرض الحجة، باستخدام السيف إلا بعد أن هاجروا وأقاموا جماعتهم في منطقة مستقلة، حيث أصبح لديهم سلطة حقيقية على تلك الجماعة بالقوة.
على سبيل المثال، سيدنا موسى عليه السلام لم يؤذن له بحمل السلاح إلا بعد أن تحققت هذه الشروط، وكذلك لم يسمح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال إلا بعد أن أسسوا جماعة مستقلة في المدينة بعد بيعة العقبة. السبب في ذلك هو أن الجهاد بدون سلطة سياسية لا يعدو أن يكون فسادًا. فالنظام الذي لا يملك السلطة في تطبيق حدود الله ولا في معاقبة المجرمين، لا يمكن السماح له بالقتال. وقد اتفق علماء الأمة على هذا الشرط، كما ورد في كتاب "فقه السنة":
"والنوع الثالث من الفروض الكفائية يشترط فيه الحاكم، مثل: الجهاد وإقامة الحدود." (السيد سابق، ٣ /٣٠)
يقول الإمام حميد الدين الفراهي:
"الجهاد داخل البلاد دون هجرة لا يجوز. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح من خلال قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام والآيات المتعلقة بالهجرة. كما أن أحداث حياة النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد ذلك. والسبب في ذلك هو أن الجهاد لا يكون مشروعًا إلا إذا كان تحت قيادة أمير قوي ومؤهل. فإذا لم يكن الجهاد بقيادة صاحب سلطة وتنظيم، فإنه يصبح مجرد فوضى وفتنة وفساد."(٦)
(تفاسير الفراهي، ٥٦)
كتب الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في كتابه "دعوة الدين وطريقتها العمل" موضّحًا هذا الشرط في قوله:
"السبب الأول هو أن الله تعالى لا يرضى بوجود اختلال أو فوضى في أي نظام وإن كان باطلا، ما لم يكن هناك احتمال أن الذين يغيرون هذا النظام الباطل قادرون على إقامة نظام حق بدلاً منه. الفوضى والاضطراب حالة غير طبيعية، بل هي بعيدة عن الفطرة الإنسانية، حتى أن النظام غير العادل يصبح مفضلًا مقارنة بالفوضى. لهذا السبب، لم يعط الله تعالى لأي جماعة الحق في إشعال الحرب إذا كانت تلك الجماعة غير منظمة أو مجهولة القوة، التي لا يوجد لها قيادة قوية، ولا خضوع لأمير، والتي لم تختبر ولاءاتها، ولا تمثل جماعة منظمة يمكنها أن تقاوم انتشار الفوضى. لا يمكن الوثوق إلا في جماعة قد أصبحت بالفعل جماعة سياسية منظمة داخل نطاقها، ولديها ضوابط ونظام يمكن تطبيق مصطلح الجماعة عليها. قبل أن تحقق الجماعة هذه الصفة، يحق لها أن تسعى لتشكيل الجماعة، وهو جهاد في حد ذاته، لكن لا يحق لها أن تبدأ فعلاً في الجهاد بالسيف أو القتال."
السبب الثاني هو أن أي جماعة تشارك في القتال تكتسب سلطة على أرواح الناس وأموالهم، وهذه السلطة غير عادية وهامة لدرجة أنه لا يمكن لأي جماعة تحملها إلا إذا كان قادتها لديهم سلطة حقيقية وليست مجرد سلطة أخلاقية. السلطة الأخلاقية لا تضمن قدرتها على منع الفساد في الأرض. لهذا السبب، لا يحق لقائد إسلامي أن يعطي أتباعه الحق في رفع السيوف بناءً على الثقة في السلطة الأخلاقية فقط. وإلا، هناك احتمال كبير أن تصبح تلك السيوف خارجة عن حدود الحلال والحرام، ويحدث ما كان من المفترض أن يمحى. الجماعات الثورية العامة التي تهدف فقط إلى قلب النظام القائم وإلغاء السلطة الحاكمة قد تخوض هذه المعركة دون اعتبار للأخلاقيات أو النظام، لأن هدفهم الأساسي هو الوصول إلى السلطة على حساب النظام الحالي. أما القادة العادلون في الجماعات الحق، فيجب عليهم أن يراعوا جيّدًا ما إذا كانوا قادرين على توفير نظام أفضل للناس مما يزيل النظام القائم، وهل هم قادرون على منع الظلم في صفوفهم قبل أن يزيلوه من الآخرين. إذا لم يكن لديهم القدرة على ذلك، فلا يحق لهم المخاطرة بأرواح الناس وأموالهم بناءً على الاحتمالات، بل قد يخلقون فسادًا أكبر مما حاولوا القضاء عليه." (دعوة الدين وطريقتها العمل، ٢٤١)
من الواضح أنه في النظام الديمقراطي لدولة باكستان، لا يمكن بأي حال من الأحوال اتباع الطريقتين اللتين تتعارضان مع الشريعة الإسلامية من أجل تحقيق الثورة السياسية. وبالتالي، فإن أولئك الذين يعرضون برامج لتجنيد الفدائيين بهدف إحداث تغيير من خلال الجهاد والقتال أو "النهي عن المنكر باليد"، فإن تصرفهم يتناقض تمامًا مع الشريعة التي يدّعون إحيائها وتنفيذها. في هذا السياق، كان أبرز دعاة الثورة الإسلامية في العصر الحديث، الشيخ السيد أبو الأعلى المودودي، قد أكّد في خطابه في الاجتماع التاريخي في ماجي كوته، قائلاً لأعضاء جماعته الإسلامية:
"في إطار نظام دستوري وديمقراطي، لا يجوز شرعًا اتخاذ أي طريق غير دستوري لتحقيق تغيير القيادة، ولذلك فإن دستور جماعتكم قد ألزمكم باتباع الأساليب الدستورية والديمقراطية لتحقيق الإصلاح والثورة."
(خطة العمل للحركة الإسلامية في المستقبل، ٢٠٥)
في الحالة الثالثة، أي السعي للوصول إلى الحكم والسلطة عبر السياسة الانتخابية، لا يمكن الاعتراض عليها شرعًا. ومع ذلك، إذا تأملنا الأمر، فإن هذه الطريقة تتطلب ثلاث شروط أساسية: أولًا، يجب أن يكون القائد في هذه الحركة شخصًا يتمتع بكاريزما القيادة ويمتلك المهارات السياسية. فالأشخاص مثل إقبال، وأبي الكلام، وأبي الأعلى المودودي، الذين هم في الأساس علماء ومفكرون وباحثون، ليس هذا مجالهم. لهذه الغاية، ينبغي أن ننتظر شخصًا مثل جناح أو بوتو، الذي قد يبرز شخصيته السياسية ويقود هذا التحول. لا شك أن ظهور شخصية من هذا النوع في ميدان السياسة باعتبارها حاملة لراية الثورة الإسلامية سيؤدي إلى نتائج غير مسبوقة. ومع ذلك، يعتبر من المؤكد أنه إذا دخل العلماء والمفكرون هذا المجال، فسينتهي الأمر إلى ما قاله الشاعر غالب:
ہاں اہل طلب! کون سنے طعنۂ نایافت
دیکھا کہ وہ ملتا نہیں، اپنے ہی کو کھو آئے
(نعم، أيها الطالبون! من يسمع لانتقاد غير معثور عليه، فهو بذلك قد أضاع نفسه)
ثانيًا، عندما يتم تأسيس أي تنظيم، يجب أن يكون حزبًا سياسيًا مثل حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (مسلم ليك) وحزب الشعب الباكستاني (بيبلز بارتي) - حزب يتخذ من الثورة الإسلامية هدفًا رئيسيًا له، ويسعى في الأصل إلى جمع أولئك الأشخاص على منصته ممن لهم مكانة سياسية في المجتمع، بحيث يمكن أن يكونوا حملة هذه الدعوة في الميدان السياسي بوصفهم قادة طبيعيين - أما الأحزاب الدينية، فلا يمكن أن تكون مناسبة لهذا الغرض، ولن تتمكن من تحقيق أي نتيجة إيجابية، فالهزائم المتتالية وفقدان الهوية التدريجي سيؤديان حتمًا إلى المزيد من الإخفاقات.
ثالثًا، يجب أن تستند الاستراتيجية المتبعة في الانتخابات إلى الحقائق السياسية الراهنة. فالتوجه نحو الانتخابات ليس فقط وسيلة لتوسيع الدعوة وتعريف الآخرين بها، بل هو ساحة للتأكيد على المكانة السياسية في الواقع القائم، والهدف منها هو تحقيق النصر. فلا يمكن تجاهل مسألة النصر أو الهزيمة، فذلك يتناقض مع الفطرة الإنسانية، ومن المؤكد أن ما يخالف الفطرة لا يمكنه الاستمرار طويلًا في هذه الحياة. هذه هي المتطلبات الأساسية في هذا السياق.
إذا تم التغاضي عن هذه المتطلبات واعتمدت الدعوة طرقًا غير مناسبة، ستكون النتائج مشابهة لتجربة الجماعة الإسلامية في الخمسين عامًا الماضية. فكل شخص يمكنه أن يلاحظ أن السعي وراء النجاح في هذا الطريق قد أسفر عن:
١- فقدان الدعوة تدريجيًا لروحها، وأصبح من الصعب العثور على أي أثر لحيويتها من حيث التذكير والفكر السليم والدافع لإحقاق الحق.
٢- فقدان القيادة في التنظيم على جميع المستويات من العلماء والمفكرين، ليتم تسليمها إلى أفراد لا تأثير لهم في المجال السياسي، ولا قاعدة علمية لهم، مما أدى إلى ضياع التأثير في السياسة والدعوة.
٣- التدهور الكبير في القيم الأخلاقية التي كانت قد جمعت بصعوبة، حيث ضاع الكثير منها بالفعل، ويبدو أن ما تبقى منها لن يصمد طويلًا.
لذلك، من المؤكّد أنه إذا كان يمكن أن تكون هذه الحالة مناسبة لداعية إسلامي، عالم أو مفكر، فإنها لن تكون كذلك إلا في حالتين: الأولى، أن تكون دعوته قد لاقت قبولًا في المجتمع، وأن قيادته قد تأصلت إلى درجة أن الانتخابات لن تعتبر مجرد إجراء دستوري للانتقال إلى السلطة، بل ستكون أداة لتأكيد سيطرته على القرار، بحيث يكون بإمكانه تحصيل تأييد الأمة لصالحه في أي وقت.
أما بالنسبة للحالة الرابعة، والتي تتعلق بمحاولة غزو عقول النخب من خلال الدعوة فقط، فإنها رغم كونها قد أصبحت غريبة إلى حد ما في عصرنا، إلا أن الحقيقة هي أن هذه الطريقة هي الأكثر تفضيلًا وفقًا لديننا وشريعتنا، وهي الأنجع في تحقيق النتائج المرجوة. (٧) فقد اختار الأنبياء دائمًا هذا الأسلوب في تاريخهم، وكان هذا هو الطريق الذي سلكوه في جميع الأوقات، ولم يختاروا طريقًا آخر أبدًا لتحقيق أهدافهم. وإنه من المؤكد أن دعوتهم قد قوبلت بالرفض في بعض الأحيان، وواجهوا المنفى والقتل مرارًا، لكنهم لم يتراجعوا عن هذا المسار ولم يسلكوا أي طريق آخر من أجل تحقيق النجاح. وقد وجههم الله دائمًا للبقاء ثابتين على هذا الطريق، وأكد لهم أن مهمتهم هي التعليم والتذكير، وأنهم لم يبعثوا لحكم الناس كولاة أو حكام.
إن هذا الطريق هو الذي تحقق من خلاله النجاح التاريخي، حيث نجحت دعوة سيدنا موسى عليه السلام في الوصول إلى قلوب قومه، ونجحت دعوة سيدنا يونس عليه السلام كذلك في إقناع قومه وزعمائهم. والأهم من ذلك، أن حكومة النبي صلى الله عليه وسلم في يثرب قد تحققت بنفس الطريقة.
لقد رفضت النخب في مكة، على مدى أكثر من عشر سنوات من الجهد الشاق، دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم تجاوبًا من قومه، عرض دعوته على القبائل الأخرى وفقًا لأمر الله. واستجاب بعض من أهل يثرب لهذه الدعوة، وفي غضون عامين فقط، استسلمت قيادة المدينة كاملة لدعوة الحق، ليعلن البيعة الثانية في العقبة، والتي كانت قرارًا بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ليصبح إمامًا وحاكمًا عليها. وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قال أحد الصحابة، أبو قيس صرمة رضي الله عنه، في أبياته:
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
يذكر لويلقي صديقا مئواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم ير من يؤوي و لم ير داعيا
إذا قال أحد من السياسة في هذا البلد إنه يسعى لتحقيق الثورة الإسلامية، فسيوجه إليه النصيحة باتباع الطريقة الانتخابية لتحقيق ذلك. ولكن بالنسبة للعلماء، الطريق الوحيد الذي ينبغي عليهم سلوكه هو ما اختاره الأنبياء من دعوة، لأنهم ورثتهم. وإذا تخلى العلماء عن هذا الطريق، فإنهم سيتخلون عن إرثهم، وستكون النتيجة الحتمية أنهم سيفقدون تدريجيًا هويتهم في صراع السياسة الحزبي. مسألة اختيار هذا الطريق ليست من مسائل اختيارهم الشخصية، فالله سبحانه وتعالى قد بيّن في القرآن الكريم بوضوح منصبهم، وهو الدعوة فقط، وعليهم من خلال الدعوة أن يوجهوا قومهم وزعماءهم نحو التغييرات التي يريد الإسلام أن يحدثها في حياتهم الفردية والاجتماعية. كما قال تعالى:
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُوْنَ لِيَنْفِرُوْا كَآفَّةًﵧ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوْا فِي الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوْا قَوْمَهُمْ اِذَا رَجَعُوْ٘ا اِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُوْنَ. (التوبة9: 122)
ما يجب أن يكون علينا خطة العمل للثورة الإسلامية؟
على الرغم من أن أسس خطة العمل هذه واضحة تمامًا في القرآن الكريم، إلا أن التفاصيل قد تختلف بالطبع حسب ظروف كل أمة واحتياجات كل عصر. في دولة باكستان، من وجهة نظرنا، فإن الخطة المثلى للعمل هي كما يلي:
١- يجب إنشاء مؤسّسات تعليمية تقوم على أسس راسخة تستند إلى القرآن الكريم كمرجعية أساسية، بحيث تؤسس علوم الدينية مجددًا على أساس منابعها الأصلية: القرآن والسنّة.
٢- يجب إطلاق حركة فكرية تهدف إلى جذب العناصر المبدعة في الأمة، خصوصًا القادة وصناع القرار، بحيث تتوجه الدعوة إليهم يوما بعد يوم، مع التركيز على ترسيخ مفاهيم القرآن في أذهانهم.
٣- تعتبر الدعوة من خلال التذكير بالقرآن أساسًا رئيسيًا لهذه الحركة. يجب أن يدعى الناس إلى تبني منهج واضح يعرض كيف يمكن أن تحدث تغييرات جذرية في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والتعليم، والنظام القضائي، بناءً على المبادئ الإسلامية. ويجب أن يكون هذا بعيدًا عن الانتماءات الطائفية أو التعلق بأشخاص محددين.
٤- من الضروري إنشاء شبكة من المدارس التعليمية على مستوى عالٍ في جميع أنحاء البلاد، الّتي تصل إلى مرحلة الثانوية العامة (FA/ FSc)، حيث يتم تدريس القرآن وتثبيت مفاهيمه في أذهان الطلاب ليتمكنوا في المستقبل من الثبات على دينهم.
٥- يجب أن يتفق دعاة الإسلام على أنه حتى تصبح الأغلبية في الأمة موافقة لدعوتهم، فإنهم يجب أن يواصلوا الدعوة والتحذير من أجل تحقيق التغيير المطلوب دون اللجوء إلى خطوات أخرى. إذا تم تنفيذ هذه الدعوة وفقًا للخطة المذكورة، فإن النتائج المتوقعة قد تكون كما يلي:
١- قد يأتي وقت، فيتمكن دعاة الإسلام من ترك مهمتهم للأجيال القادمة، مثلما حدث مع معظم أنبياء بني إسرائيل.
٢- قد تنغرس الدعوة في قلوب قادة الأمة، فيلجأون إلى التوبة والإنابة، ويتوجهون إلى الله بقلب صادق.
٣- قد تتحد الأمة حول قادة الدعوة بشكل يتيح لهم أن يقرروا شؤون الحكم والسلطة حسب ما يتناسب مع رغباتهم.
٤- قد يتبنى أحد القادة السياسيين هذه الدعوة ويستخدم السياسة الانتخابية لتحقيق السلطة والحكم في النظام الديمقراطي الباكستاني بناءً على شخصيته.
الهوامش:
١- في عهد الرئيس الجنرال محمد ضياء الحق.
٢- انتخابات عام ١٩٩٣م، التي منيت فيها الجماعة الإسلامية في باكستان بأسوأ هزيمة في تاريخها.
٣- هنا يجب أن يكون واضحًا أن هذا الأمر يحتمل فقط، ولا يعدّ واجبًا ولا مستحبًا بأي حال من الأحوال.
٤- الشورى ٤٢: ٣٨.
٥- هذا التوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم مبني على الآية ٣٣ من سورة المائدة (٥).
٦- كتب هذا المقال في سياق دعوة "الجماعة الإسلامية"، ولذلك نوقشت الدعوة هنا كوسيلة من وسائل التغيير الثوري. ومع ذلك، يجب أن يتضح أن "الثورة السياسية" ليست هدفًا أصيلًا لهذه الدعوة في ميزان الدين. فالهدف الحقيقي لها، كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم، هو "لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"، ويجب على من يتصدى لهذه المهمة أن يقوم بها دومًا على أساس "مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ".
٧- للتفصيل، ينظر: كتابنا "ميزان"، باب "قانون الدعوة".
