تصوّر "الواجب" في الفقه الحنفي
تتميّز الشريعة الإسلامية بأن أوامر الله تعالى فيها تأتي على وجه من القطع والوضوح، يخلو من أي غموض أو التباس. وهذه التوجيهات الثابتة هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بلفظ "آيات محكمات"، أي تلك الأحكام القاطعة واليقينية التي تعبّر تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة الإلهية، وتمثّل الأساس التشريعي للدين.
ولفهم هذه الأحكام على وجهها الصحيح، لا بد من النظر في طبيعة كل حكم شرعي، من حيث درجة الطلب التي وجّهها الشارع إليه:
فهل هو طلب جازم على جهة الإلزام، كالصلاة المفروضة التي يجب على كل مسلم مكلّف أداؤها؟
أم هو طلب غير ملزم، يدخل في دائرة الاستحباب والاختيار، كالسعي بين الصفا والمروة، الذي هو سبب للأجر والثواب، إلا أن تركه لا يترتّب عليه إثم أو مؤاخذة؟
وعلى هذا الأساس، تمّ تصنيف الأعمال النفلية، أي التي لا تندرج تحت الإلزام، لكنها تعد من أسباب القرب إلى الله تعالى، لما يترتب عليها من الأجر والثواب. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللہَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٥٨)
وهذا نص صريح يبيّن أن فعل الخير الاختياري، وإن لم يكن على وجه الوجوب، يعدّ من الأعمال المقبولة والمقدّرة عند الله، وهو وسيلة مشروعة لنيل رضاه وقربه.
على خلاف باقي المذاهب، ذهب الحنفية -بناءً على اجتهادهم الفقهي- إلى إثبات مرتبة ثالثة بين "الفرض" و"النفل"، أطلقوا عليها اسم "الواجب".
يرى الحنفية أن هناك من الأفعال ما هو مطلوب من جهة الشارع بطريق التأكيد، إلا أن دليله لا يبلغ درجة القطع، بل يستند إلى دليل ظني.
وبما أن هذه الأفعال تحتل منزلة أرفع من النفل، وأدنى من الفرض، فقد رأى الحنفية ضرورة تصنيفها في درجة مستقلة، وهي "الواجب". وتعدّ هذه المرتبة من أبرز معالم التحليل الأصولي عندهم، إذ تسعى إلى ضبط مراتب التكاليف الشرعية على نحو دقيق ومنهجي.
لقد شعر الحنفية بالحاجة إلى هذا التقسيم الاجتهادي حينما واجهوا عددًا من العبادات والأعمال التي ثبت عن النبي ﷺ ملازمته لها والتزامه بها، ولكنها لم تنقل إلى الأمة بطريق التواتر أو النص القطعي، بل وردت عن طريق الأدلة الظنية.
وقد رأى الحنفية أن إدراج هذه الأعمال تحت مسمّى "النفل" ينقص من شأنها، ويتعارض مع ما ورد فيها من تأكيد شرعي والتزام عملي من الرسول ﷺ. لذا اختاروا لها مصطلح "الواجب"، ليعبّر عن موقعها الوسيط: فلا تعدّ فرضًا لعدم قيام دليل قطعي عليها، ولا تُعامَل كنوافل عادية يتسامح في تركها.
وبمرور الزمن، أصبح "الواجب" في الفقه الحنفي مرتبة مستقلة من مراتب الأحكام التكليفية. فهو عندهم: دون "الفرض" من حيث قوة الدليل، لكنه فوق "النفل"
من حيث وجوب الالتزام به.
وعلى هذا، فإن العمل بالواجب لازم شرعًا، وإن كان الاعتقاد بفرضيته غير ملزم. كما أن تركه لا يبطل العبادة ولا يمسّ أصل الإيمان، بخلاف الفرض.
وقد عبّر الإمام السرخسي رحمه الله عن تعريف "الواجب" بهذا الضبط الدقيق، حيث قال:
"فأما الواجب فهو: ما يكون لازم الأداء شرعًا ولازم الترك فيما يرجع إلى الحل والحرمة... من غير أن يكون دليله موجبًا للعلم قطعًا."
(أصول السرخسي، ١/١١١)
وهذا التعريف يعبّر بدقّة عن رؤية الحنفية للواجب بوصفه مرتبة وسطى بين الفرض والنفل، إذ يطلبه الشارع طلبًا جازمًا من حيث العمل، دون أن يرقى دليل إثباته إلى درجة القطع.
وتتجلّى التطبيقات العملية لهذا المفهوم الأصولي بوضوح في مختلف أبواب الفقه الحنفي. فعلى سبيل المثال:
يعدّ القراءة في الصلاة فرضًا عندهم، لأن الأمر بها ورد في نص قرآني قطعي. بينما تعدّ قراءة سورة الفاتحة واجبة، لا فرضًا، لأن دليلها عندهم هو خبر آحاد، وهو ظني الثبوت. وبناءً عليه، فإن ترك سورة الفاتحة لا يبطل الصلاة عند الحنفية،
ولكنه ينقص من كمالها ويخلّ بتمامها، لما في ذلك من مخالفة لمقتضى الواجب.
ومن الأمثلة الأخرى المشابهة:
إعفاء اللحية، فإن الحنفية يعتبرونه واجبًا، رغم أن الأحاديث الواردة فيه لا تبلغ درجة التواتر أو القطع، لكن لما فيها من تأكيد وتشديد من النبي ﷺ، فقد رأوا أن مكانتها الشرعية أرفع من النفل، وتستحق أن تدرج ضمن الواجبات، لإبراز أهميتها ورفع منزلتها.
في رأينا المتواضع، إن هذا التصوّر الحنفي لإثبات الأحكام الشرعية، يثير على المستوى الأصولي عددًا من الإشكالات.
وأهمّ هذه الإشكالات يتعلّق بأساس تصنيف الأحكام إلى "فرض" و"واجب" و"نفل"، إذ إن طبيعة أي حكم شرعي لا يمكن أن تحدّد اعتمادًا على الفهم العقلي أو القياس الذهني، ولا يمكن أن تبنى فقط على نوع الدليل، سواء كان قطعيًّا أو ظنيًّا.
إن نوعية النقل، مهما بلغت من القوة، لا تكفي بذاتها لتكون معيارًا مستقلًّا لتحديد الصفة الشرعية للحكم، سواء كان فرضًا أو نفلًا.
فالمرجع الوحيد في بيان مراتب الأحكام إنما هو الشارع، أي محمد رسول الله ﷺ، الذي فوّضه الله تعالى بالتشريع، وأناط به مهمة تحديد طبيعة الأحكام الشرعية، ودرجتها في سلم التكليف.
وبالتالي، فإن إضفاء وصف "الوجوب" على عملٍ ما لمجرد وجود تأكيد أو مواظبة أو التزام عام من النبي ﷺ، دون صدور تصريح منه بوجوبه، يُعدّ تجاوزًا للحدود، وتدخّلا غير مشروع في مقام التشريع.
وقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذا الأصل الأصولي بدقّة، حيث قال:
"فليس لغير الشارع أن يجعل شيئًا من ذلك فرضًا أو نفلًا."
(الاعتصام، 2 /٣٥٤)
لقد بلّغ رسول الله ﷺ جميع الأحكام الشرعية إلى الأمة بأعلى درجات الوضوح والعناية والقطع، من خلال القرآن والسنة، وبيّن بنفسه طبيعة كل حكم في حينه، سواء أكان فرضًا أم نفلًا أم مستحبًا. فالأعمال التي ألزم بها النبي ﷺ أمته، انتقلت بالضرورة عبر الإجماع والتواتر العملي، لكن لا يصحّ اعتبار هذين الطريقين دليلًا على الوجوب، بل هما نتيجة طبيعية للإلزام التشريعي الذي صدر عن النبي ﷺ بقول أو فعل أو تقرير.
ومن الصواب القول إن الأحكام الشرعية المستقلة في ذاتها، والتي وصلتنا عن طريق مصادر قطعية كالقرآن والسنة، إنما نقلت إلينا عبر وسائل قطعية كذلك، كالإجماع والتواتر. غير أن هذا لا يعني أبدًا أن وسيلة النقل نفسها تُحدّد طبيعة الحكم الشرعي؛ إذ إنها ليست سوى وسيلة لنقل إرادة الشارع، وليست مصدرًا للتشريع في ذاتها.
فالعمدة في معرفة طبيعة الحكم، ليست في طريق نقله، بل في الإرادة التشريعية للنبي ﷺ، التي تتجلى من خلال قوله أو فعله أو تقريره. فهي المصدر الوحيد الذي يعتدّ به في تحديد ما إذا كان الحكم فرضًا أو نفلًا أو غير ذلك.
وبناءً على هذا الأصل، فإن الرغبة في تعظيم شأن عمل ما أو إبراز مكانته يمكن أن تتحقق عبر الوعظ، والنصيحة، والترغيب، وهي وسائل مشروعة لتشجيع الأمة على الخير. لكن لا يجوز أن تتحوّل هذه الوسائل إلى أداة لتغيير الحكم الشرعي أو لترفيع مرتبته من نفل إلى وجوب، ما لم يدلّ على ذلك نصّ تشريعي صريح.
فالوعظ والترغيب وسائل إرشادية، لا تتضمن بذاتها أيّ مقتضى تشريعي، ومن ثَمّ فإن معيار الحكم ومصدره يظل محصورًا في إرادة النبي ﷺ التشريعية، كما ظهرت في قوله، وفعله، وتقريره. يمكن توضيح هذا الأمر بمثال بيّن:
فالأضحية عبادة عظيمة، ورد ذكرها في القرآن الكريم، ونقلت فضائلها في الأحاديث النبوية، وشهد عليها عمل الصحابة الكرام، واستمر عليها العمل المتوارث في الأمة، مما يعكس جلالتها ومكانتها. ومع ذلك، فإن رسول الله ﷺ لم يوجبها على الأمة، ولهذا فإن حقيقتها الشرعية تبقى في دائرة "النافلة"، وإن لم تكن نافلةً عادية؛ إذ تمتاز بمكانة سامقة لما تحمله من دلالة على شعائر الإسلام، وارتباطها بالإيمان، وانتمائها إلى سنة الخليل إبراهيم عليه السلام.
ومن هنا، تتجلى الحقيقة الأصولية وهي أن طبيعة الأحكام الواردة في القرآن والسنة والحديث، أكانت إلزامية أم تطوعية، لا يمكن تغييرها استنادًا إلى مصدر ظني، أو تواتر تاريخي، أو بناءً على فهمنا واجتهادنا الشخصي.
إن تصنيف الحنفية لمرتبة "الواجب"، رغم أنه محاولة لتنظيم الرغبة في أداء النوافل وتحقيق الضبط الفقهي، يفضي على المستوى الأصولي إلى إشكال معرفي خطير، يتمثل في تسليم مهمة التشريع، شيئًا فشيئًا، إلى الاجتهادات الفقهية والقرائن الظنية، بينما يختص بها النبي ﷺ وحده.
وهذا هو التساؤل الجوهري الذي يستدعي تدبرًا عميقًا.
يرى بعض أهل العلم أن هذه التفرقة تستفاد من القرائن الداخلية للنصوص ومجموع الأدلة، ويقولون: "إنه قد تظهر من الشارع تأكيدات تجعل من غير الممكن إبقاء الحكم في دائرة النافلة فقط."
وهذا صحيح فقط إذا كانت تلك التأكيدات موجودة صراحة في النص، ودالة على إرادة الشارع.
أما إذا لم يوجب الشارع الفعل صراحة، فإن استنادنا إلى الفهم أو الانطباع الاجتهادي لجعل الحكم واجبًا، يعدّ تجاوزًا لحدود التشريع.
نعم، يمكن تصنيف النوافل ضمن درجات متفاوتة، وفقًا للقرائن والاعتبارات، ولكن هذه التصنيفات يجب أن تظل داخل إطار "النافلة"، ولا يصح أن تتحول إلى إلزام.
ومن التأويلات الشائعة كذلك أن المجتهد، حين يرى تعارضًا بين الأدلة أو تباينًا في القرائن، يلجأ إلى الاحتياط فيحكم بوجوب الفعل، كما يظهر مثلًا في استعمال مصطلح "المكروه التحريمي" في الفقه الحنفي.
غير أن هذه التأويلات لا تستقيم من حيث المبدأ، لأن مصطلح "الواجب" في هذا السياق لا يستخدم على سبيل الاحتياط، بل على أنه طلب شرعي ملزم.
فإذا كان هذا الإلزام قائمًا على دليل ظني فقط، فإن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يمكن أن يكون فهم المجتهد بمفرده مصدرًا من مصادر التشريع؟
كما يقال أحيانًا: إن اجتماع عدة قرائن على وجوب فعل ما، وإن كانت ظنية، يمكن أن يكون دافعًا لقبوله واجبًا. لكن المسألة الأصولية الحاسمة هنا هي: هل جعل الشارع نفسه من هذا المجموع دليلاً على الوجوب؟
فإن لم يكن هناك نص قاطع يدل على ذلك، فإن هذا الفهم يظل في دائرة الاستنباط الفقهي، ولا يرقى إلى مرتبة التشريع.وفوق هذا، إذا سلّمنا بإمكان بناء الأحكام الإلزامية على مصادر ظنية، فإننا نواجه إشكالًا أصوليًا آخر:هل من المعقول أن الشريعة تكلّف المكلفين بأحكام إلزامية لا يمكنهم الوصول إليها إلا من خلال قرائن ظنية؟
فإذا لم تكن هذه القرائن في متناول كل مسلم، فكيف يطالب بوجوبها؟ وهل يكون حينئذ مخاطبًا بها شرعًا؟
كل هذه النقاط تدفعنا إلى نتيجة أصولية واضحة، وهي أن مرتبة الأحكام الشرعية، فرضًا أو نفلًا أو استحبابًا، لا يمكن أن تعتمد إلا إذا كانت محددة من قبل الشارع نفسه.
فالشريعة مصدرها الوحي الإلهي، وأساسها إرادة النبي ﷺ التشريعية، ولايجوز أن تبدّل مراتب الأحكام إلا بدلالة قاطعة صادرة عنه، أما القرائن الظنية أو الفهوم الاجتهادية، فلا يجوز أن تستقل بتحديد مرتبة من مراتب التكليف.
