ميزان
(الحلقة الرابعة)
كتابا متشابها
الخامس أن القرآن يبين ما يدعو إليه في صور وأساليب متنوعة، حتى إنه صار بنفسه تفصيلا لإجماله، وشرحا وتفسيرا لكلامه المعجز، بدرجة لا نظير لها في أي كتاب آخر. ولهذا وصف القرآن نفسه بأنه "كتابا متشابها"، كما قال تعالى:
اَللّٰهُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَدِيْثِ كِتٰبًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ. (الزمر ٣٩: ٢٣)
وقال أيضا:
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِيْ هٰذَا الْقُرْاٰنِ لِيَذَّكَّرُوْا. (بني إسرائيل ١٧: ٤١)
وفي آيات كثيرة أخرى على هذا النمط، أشار القرآن إلى هذا المعنى باستخدام لفظ "التصريف"، أي بيان القول بأساليب وطرائق متعددة، كما قال:
كِتٰبٌ اُحْكِمَتْ اٰيٰتُهٗ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيْمٍ خَبِيْرٍ. (هود ١١: ١)
أي جاءت الآيات أولا مجملة، جامعة، محكمة، ثم فصلت بعد ذلك، وكأنها جمل مركزة.
ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في وصف هذا الأسلوب القرآني:
"إذا تلوت القرآن أحسست أن مضمونا واحدا يتكرر في سور مختلفة. وربما يخيل إلى المبتدئ أن ذلك تكرار لمضمون واحد فقط. ولكن المتدبر فيه يعلم أن القرآن منزه عن التكرار المجرد، فالقول الواحد لا يأتي في كل موضع بالخلفية نفسها، ولا بالمقدمة نفسها، بل تتغير أطرافه وروابطه وعلاقاته، ويقدم بصورة جديدة توضح ما خفي، وتفصل ما أجمل."
ويضيف: "تجربتي الطويلة أن لفظة تبدو مبهمة في آية، تفهم فهما بينا في آية أخرى. وما لا يظهر دليله هنا، يتلألأ كنور الشمس هناك. وهذا الأسلوب يرسخ كل مقولة في ذهن القارئ المتدبر."
ويقول الشاعر الأردي مير أنيس ما ترجمته:
"مضمون واحد لوردة، سأؤديه من مئة ألوان."
ورغم أنه قد يبدو مبالغة شعرية، فإن هذا واقع محسوس في القرآن، لمن أوتي ذوقا سليما.
ويضيف الأستاذ الإمام:
"إن طالب القرآن إذا تدبره دراسة دقيقة، وجد أن القاعدة: (القرآن يفسر بعضه بعضا) لا تنطبق فقط على تعليماته العامة، بل حتى على الألفاظ والأساليب. فإن كثيرا من العبارات التي تحير أهل اللغة والنحو، نجد لها نظائر وشواهد في مواضع أخرى من القرآن نفسه، تحل الإشكال وتقوي اليقين دون حاجة إلى الرجوع إلى كتب اللغة." (مبادئ القرآن، ص ٦٠)
كتاب أخير للدين
السادس أن القرآن ليس الكتاب الأول، بل الكتاب الأخير في سلسلة الوحي الذي جاء به هذا الدين. وتاريخ هذا الدين يعود إلى فجر البشرية، حين أودعت في فطرة الإنسان الأسس الأولية لهذا الدين. وأخبر الإنسان، أولا عن طريق أبي البشر آدم عليه السلام، بأن الله هو خالقه وربه ومولاه، وهو وحده المستحق للعبادة، وأن وجوده في هذه الدنيا للابتلاء والامتحان، وأنه مهيأ للإدراك والتمييز، وممنوح الإرادة والاختيار.
ووعد الله أن يرسل له هدايته كلما احتاج، فمن اهتدى نجا، ومن أعرض خسر، كما قال تعالى:
وَاَنْزَلْنَا٘ اِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا٘ اَنْزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعْ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ... اِلَي اللّٰهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيْهِ تَخْتَلِفُوْنَ. (المائدة ٥: ٤٨)
وهكذا اكتمل الدين، وتلخصت دعوته في ثلاثة مصادر تأسيسية:
١ – فطرة الإنسان
٢ – رواية الدين الإبراهيمي
٣ – صحف الأنبياء
ويتعلق الأول بأسس الإيمان والأخلاق، وهو ما يعبر عنه القرآن بـ "المعروف" و"المنكر"، وهما مفهومان فطريان يدركهما الإنسان إدراكا جبليا.
وقد تبنى القرآن "ملة إبراهيم" أساسا عمليا للتشريعات، فالصلاة والزكاة والصوم والحج كلها من شعائر ملة إبراهيم، وكان العرب في عصر البعثة يعرفونها، بل يمارسونها إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال:
١ – كان بعض الصحابة، كأبي ذر، يصلون قبل البعثة (رواه مسلم)
٢ – كانت صلاة الجمعة معروفة لديهم
٣ – كانوا يصلون صلاة الجنازة
٤ – وكانوا يصومون صوما مقاربا لما نصومه اليوم
٥ – وكانت الزكاة من الواجبات المتعارف عليها عندهم
٦ – وكانوا يؤدون الحج والعمرة على نحو قريب من الملة الإبراهيمية، رغم بدع أضافتها قريش، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل البعثة على الحنيفية الخالصة (رواه البخاري ومسلم)
(يُتبع)
