أية سورة من القرآن أنزلت أولًا؟
(الحلقة الرابعة)
(مقطتف من شرحه الحافل للجامع الصحيح البخاري تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)
]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[
وقال الزهري في آخرحديثه هذا "ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي وفترالوحي" يعني أن ورقة توفي بعد أيام ولم يدرك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قومه. وهذا صحيح وقد كذب ابن اسحاق إذ ذكر أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعَذب في الله فيجزع له ويسليه" وهذا يقتضي أنه أدرك زمن الدعوة . والدليل على كذبه أن لوكان كذلك لجاهر ورقة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معه معيناً نصيراً وعدوه أهل العلم من أصحاب رسول الله. والصواب الصحيح أنه توفي في زمن فترة الوحي وكان ممتدا إلى شهر كما في حديث الأوزاعي عن يحي بن كثير عن أبي سلمة عن جابر. (مسند أحمد 3 ص 306)
وذكر الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم حزن على فترة الوحي حزناً شديداً بلغنا أنه غدا من أجل ذلك الحزن مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفي بذروة جبل تبدى له جبريل قائلاً يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقرنفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا تمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال بمثل ذلك. (صحيح البخاري ص 1033 الباب الأول من كتاب التعبير)
والله لقد أخطأ البخاري إذ أثبته في الصحيح وكان واجباً عليه أن يسقطه. ويدل على بطلانه وجوه: (1 ) إنه يصرح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في زمن فترة الوحي مراراً والمصرح في حديث أبي سلمة عن جابرأنه لم يره قط بعد حراء إلا عند نزول أوائل سورة المدثر. وهذا الحديث رواه الزهري نفسه عن أبي سلمة.وبالاسف أن البخاري لم يخطربباله أن حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابرمضاد ومباين لهذا الذي ذكره الزهري من بلاغاته ولم يسم من ذكرله ذلك فكيف ذكره في كتابه هذا الذي سماه الجامع الصحيح المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
(2) لا يظن أحد إذا خلارسول الله ونفسه أن عدم إتيان الوحي الجديد حينئذ كان مثاراً لمثل هذالحزن الشديد.
(3) الانتحار من الذنوب الكبيرة والعزم على المعصية معصية فكيف يصح ويسوغ أن ينسب عزم الانتحارإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم!
تنبيه هام: ذكرالحافظ ابن حجرفي فتح الباري أن عبد الله بن لهيعة روى عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه يرى في المنام وكان أول ما رأى جبريل بأجياد. صرخ جبريل يامحمد فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال يامحمد جبريل فهرب فدخل في الناس فلم يرشيئاً ثم خرج عنهم فناداه فهرب ثم استعلن له جبريل من قبل حراء فذكر قصة إقرائه اقرأباسم ربك إلخ ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر-قال ابن حجروالترمذي من طريق مسروق عن عائشة لم يرمحمد صلى الله عله وسلم في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد-وهذا يقوي رواية ابن لهيعة(فتح الباري) العجب من ابن حجرماذا أراد بذكر رواية ابن لهيعة هذه وتقويتها برواية الترمذي! والحال أن رواية الترمذي هذه ضعيفة جداً. فإنها من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق. ومجالد هذا ضعيف بالمرة وهو أضعف من عبد الله ابن لهيعة بدرجات. فإنك تجد في ماروى ابن لهيعة أحاديث كثيرة صحيحة كما تجد أحاديث ضعيفة واهية ولكنك لاتجد في ماروى مجالد عن الشعبي شيئاًصحيحاً. وانظر إلى تلبيس ابن حجرأنه لم يذكراسم مجالد عمداً، فالصواب أن حديث مجالد عن الشعبي عن مسروق وحديث ابن لهيعة كلاهما منكران ساقطان.
روايات حديث أبي سلمة عن جابرفي نزول أوائل سورة المدثر
أخرجه البخاري في مواضع(الأول )هنا في بدء الوحي
(الثاني ) ثم أخرجه بعين هذا الإسناد في تفسيرسورة المدثر قال:
حدثنا يحىي بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، ح وحدثني عبد الله بن محمد ثنا عبد الرزاق أخبرنا عن الزهري قال: فأخبرني أبوسلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعباً فرجعت فقلت زملوني زملوني فدثروه فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر إلى قوله والرجز فاهجر قبل أن تفرض الصلاة، وهي الأوثان (ص 733 كتاب التفسير) وهي خطأ من الناسخ والصواب والرجز الأوثان كما في بدء الوحي وهذا تفسير من ابي سلمة. قول الزهري فأخبرني معناه أن عروة بن الزبيرأخبرني عن عائشة حديثا طويلاً في نزول إقرأ باسم ربك الذي خلق وبعد ذلك أخبرني أبوسلمة هذا الحديث عن جابر فثبت أن أوائل سورة العلق نزلت أولاثم نزلت أوائل سورة المدثر.
(الثالث) قال البخاري حدثنا يحي بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول أخبرني جابربن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثم فترالوحي فبينا أناأمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري إلى السماء فإذا الملك الذي جائني بحراء قاعد بين السماء والارض.(صحيح البخاري ص 915 كتاب الأدب باب رفع البصرإلى السماء
(الرابع) وقال حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث ثني عقيل عن ابن شهاب قال سمعت أبا سلمة أخبرني جابربن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثم فترالوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جائني بحراء قاعد بين السماء والارض. (صحيح البخاري ص 915 كتاب الأدب باب رفع البصرإلى السماء فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فأنزل الله تعالى يا أيها المدثر إلى قوله فاهجر قال أبو سلمة الأوثان، جئثت أي سقطت على الأرض (صحيح البخاري ص 459كتاب بدء الخلق ذكرالملائكة)
(الخامس) وأخرجه بعين هذا الإسناد في تفسير سورة المدثر وزاد في آخره ثم حمي الوحي وتتابع (البخاري ص 733 كتاب التفسير) ورواه أحمد عن حجاج بن محمد عن ليث به (مسند 3 ص) 325 ) ومسلم عن عبد الملك بن شعيب عن أبيه عن جده ليث به.
(السادس ) وأخرجه البخاري عن سعيد بن مروان البغدادي عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رٍزمة عن أبي صالح سلمويه عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري به. (البخاري ص 739 تفسيرسورة العلق وفيه أيضا أن الزهري قال فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمرعن الزهري به والترمذي عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق به(مسلم1 ص90 كتاب الإيمان طبع الهند وسنن الترمذي في سورة المدثر أبواب التفسير) ويستفاد من حديث الزهري عن أبي سلمة هذا أن جابراً لم يكن حاضراً إذ حدث رسول الله بقصة حراء ونزول أوائل سورة العلق وسمعتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها منه فحدثت به عروة وفي آخرحديثها أن الوحي فترمنه فترة فأتي جابروالنبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي فحدث به جابرأباسلمة وحدث به أبوسلمة الزهري فتلقى الزهري قصة نزول أوائل سورة العلق من عروة وحديث نزول أوائل سورة المدثر من أبي سلمة.
(السابع) قال البخاري حدثني اسحاق بن منصورثنا عبد الصمد ثنا حرب ثنا يحي قال سألت أبا سلمة أي القرآن انزل أول؟ فقال سألت جابربن عبد الله أي القرآن أنزل أولاً ؟قال ياأيها المدثر فقلت أنبئت أنه إقرأ باسم ربك الذي خلق قال لا أخبرك إلابما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا هو جالس على كرسي بين السماء والأرض فاتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماءً بارداً فانزل عليّ ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر (صحيح البخاري ص 733كتاب التفسير)
(التراجم) أبوسلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، اسمه كنيته، تابعي جليل ولد سنة ثنتين وثلاثين ومات سنة أربع ومئة على قول الواقدي وسنة أربع وتسعين على قول ابن سعد – وأمه تماضربنت الاصبغ الكلبية لم يسمع من أبيه شيئا توفي عبد الرحمن وأبو سلمة صغيرولم يسمع من أبي موسى الأشعري ولامن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها ولامن سلمة بن صخر البياضي ولم يدرك أبابكروعمرولم يسمع من عثمان ولاطلحة ولاعمروبن امية ولاعبادة بن الصامت ولاأبي الدرداء ،ولما تولى المدينة سعيد بن العاص لمعاوية المرة الأولى استقضى أباسلمة على المدينة.
يحي :هو ابن كثير الطائي ولاءً أبو نصراليمامي روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهلال بن أبي ميمونة ومحمد بن إبراهيم التيمي وخلق كثير وكان ثقة كثيرالعلم كثيرالإرسال ،رأى أنساً ولم يسمع منه ولامن أحد من الصحابة ولامن الأعرج ولامن أبي بكربن عبد الرحمن ولا من نوف ولا من السائب بن يزيد واختلف في سماعه من عروة أثبته يحي بن معين وأنكره أبوزرعة وأبو حاتم وأثبت أبوحاتم سماعه من زيد بن سلام وأنكره ابن معين وحسين المعلم وقال يحي بن سعيد مرسلات يحي بن أبي كثيرشبه الريح، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
جابربن عبد الله بن عمروبن حرام بن ثعلبة الخزرجي أبو عبد الله السلمي رضي الله عنه،لم يشهد بدراًولاأحدا وكان إذ وقعت غزوة بدرابن سبع عشرسنة وأراد أن يخرج في أحد فمنعه أبوه عبد الله رضي الله عنه وبعد ذلك لم يتخلف في غزوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يصح ماذكره أبومعاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابرقال كنت أمج أصحابي الماء يوم بدر. واختلف في سنة وفاته فقال ابن سعد والهيثم سنة ثلاث وسبعين وقال أبو نعيم وابن حبان سنة سبع وسبعين وقال عمرو على ويحي بن بكير وغيرهما سنة ثمان وسبعين- وصلى عليه أبان بن عثمان وهو آخرمن مات من الصحابة بالمدينة. وقال البخاري صلى عليه الحجاج (من تهذيب التهذيب)
الثامن: قال البخاري حدثني محمد بن بشارثناعبد الرحمن بن مهدي وغيره قالا ثناحرب بن شداد عن يحى بن كثيرعن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاورت بحراء مثل حديث عثمان بن عمرعن علي بن المبارك (صحيح البخاري ص 733تفسيرسورة المدثر)
قلت أن البخاري لم يخرج رواية عثمان بن هذه التي أحال إليها حديثه هذا،نعم أخرجها مسلم ولم يسق لفظه تاما،قال حدثنا محمد بن المثنى ثناعثمان بن عمرأنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثيربهذا الإسناد وقال :فإذا هو جالس على عرش بين السماء والارض(صحيح مسلم 1ص 90 كتاب الإيمان طبع الهند) ورواه أبان بن يزيد العطار والأوزاعي أيضا عن يحي بن أبي كثير به. قال أحمد حدثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي أنه سمع يحيي ح وحدثنا وكيع ثنا علي بن المبارك عن يحي بن أبي كثير المعنى قال سمعت أباسلمة أي القرآن أنزل قبل فقال ياأيها المدثر فقلت أو "اقرأ ؟"فقال سألت جابراً عن ذلك فقال أحدثكم ماحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري نزلتُ فاستبطنت بطن الوادي فنوديتُ فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي فلم أرأحداًثم نوديت-قال أبوالوليد في حديثه فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رجفة شديدة، وقالا في حديثهما فاتيت خديجة فقلت دثروني دثروني وصبوا علىّ ماءاً فانزل الله عزوجل ياأيها المدثر إلى قوله فطهر (مسند أحمد ص 306)كذا رواه مسلم عن زهيربن حرب عن الوليد بن مسلم به. (صحيح مسلم 1ص 9كتاب الإيمان طبع الهند) وفيه رجفة وقال أحمد حدثنا عفان ثنا أبان العطار ثنا يحى بن أبي كثيربه (مسند 3 ص 329)
فرواه عن يحي بن أبي كثير علي بن المبارك وحرب بن شداد والأوزاعي وأبان العطار.
(التاسع) قال البخاري حدثنا يحي ثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحي بن أبي كثيرقال سألت أباسلمة بن عبد الرحمن عن أول مانزل من القرآن قال: ياأيها المدثر قلت يقولون إقرأباسم ربك الذي خلق؟ فقال أبو سلمة سألت جابربن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل الذي قلتَ فقال جابر لاأحدثك إلابماحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديتُ فنظرت عن يميني فلم أرشيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً ونظرت أمامي فلم أرشيئاً ونظرت خلفي فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فرأيت شيئاً فاتيت خديجة فقلت دثروني وصُبواعليّ ماءً بارداً قال فدثروني وصبواعليّ ماءاًبارداً قال فنزلت: ياأيها المدثرقم فأنذر وربك فكبر (صحيح البخاري ص 732سورة المدثر) لم ينسب البخاري شيخه يحي وهما رجلان روياالحديث عن وكيع وعنهما البخاري فالمراد أحدهما واذكرترجمتهما مختصراً.
(التراجم) يحي بن جعفربن أَعيَن الأزدي البارقي أبوزكريا البخاري البيكندي روى عن ابن عيينة وأبي معاوية ووكيع ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وغيرهم وعنه البخاري وحده من بين أرباب الصحاح وابنُه الحسين بن يحي وحمدَوَيه وغيرهم مات في شوال سنة ثلاث وأربعين ومأتين.
يحي بن موسى بن عبدربه: بن سالم الحُداني أبوزكريا البلخي المعروف بخَتّ ثقة ثبت روى عن ابن عيينة وأبي معاوية ووكيع والوليد بن مسلم وغيرهم وعنه الجماعة إلا ابن ماجة.مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومأتين.
وكيع بن الجراح بن مليح الرُواسي الكوفي ثقة ثبت علم من الأعلام وأبوه ضعيف جداً. ولد وكيع سنة ثمان وعشرين ومأة.ومات يوم عاشوراء منصرفا من الحج بموضع يقال له فيد سنة سبع وعشرين ومأة. وكان يروي كثيراً بالمعنى.
علي بن المبارك الهُنائي البصري ثقة ضابط متقن روى عن عبد العزيز بن صهيب وأيوب وهشام بن عروة ويحي بن أبي كثيروحسين المعلم وغيرهم وعنه وكيع ويحى القطان وابن المبارك وابن علية وغيرهم.
فروى حديث أبي سلمة عن جابر هذا الزهري ويحيى بن أبي كثير. أما الزهري فرواه عنه عُقيل ويونس ومعمر بألفاظ متقاربة ومحمد بن أبي حفصة. أخرج حديثه أحمد وقد أخطأ ابن أبي حفصة فيه وخلط ين حديث عائشة وحديث جابر (مسند 3ص377) وأما يحي فرواه عنه علي بن المبارك وحرب بن شداد والأوزاعي وأبان العطار. ودلت روايات هذا الحديث على أن أباسلمة لم يحدث به الزهري ولايحي تاماً ذكرللزهري مالم يذكره ليحي وذكرليحي مالم يذكره للزهري ويتم الحديث إذا جمعنا بين حديث الزهري وحديث يحي.إنه صرح للزهري بأن حديث جابر هذا متعلق بفترة الوحي،ولم يذكرذلك ليحي. وصرح ليحي بجوار النبي صلى الله عليه وسلم أي اعتكافه بغارحراء ولم يذكره للزهري. وفي حديث يحي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى جواره وهبط من حراء وبلغ بطن الوادي نودي من السماء وليس هذا في حديث الزهري، وفي حديث يحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرفعت رأسي فإذا هو قاعد بين السماء والارض، فإلى مَن يرجع الضمير هو؟ إن مرجعه ليس بمذكور في حديث يحي وبينه حديث الزهري فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على عرش أو كرسي بين السماء والارض فلابد من الجمع بين الحديثين وجعلهما حديثاً واحداً لاتحاد المخرج.
فالحديث التام إذا أن جابراً رضي الله عنه أخبرأباسلمة بن عبدالرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم عن فترة الوحي بعد مالقيه جبريل بحراء أول مرة، والمراد بفترة الوحي أنه لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك ولابدون واسطته مدة قصيرة لم تتجاوز شهراً وذهب النبي صلى الله عليه وسلم بعد لقاءه ورقة إلى غار حراء على عادته المألوفة ليدعو ربه ويشتغل في ذكره وتسبيحه متبتلاً إليه منقطعاً عن ماسواه، فلما قضى جواره واعتكافه ونزل من جبل حراء راجعاً إلى بيته ودخل بطن الوادي إذ سمع منادياً يناديه، فنظرفلم يرأحداً فنودي وأحس أن الصوت من قِبَل السماء فرفع رأسه فإذالذي جاءه بحراء وغطه ثلاثاً واقرأه والذي قال فيه ورقة أنه الناموس الذي كان ينزل على موسى إذا هو جالس في الهواء على عرش بين السماء والارض فخرعلى الارض دهشة وهيبةً فلما أفاق أسرع إلى بيته وقد أخذته الرجفة الشديدة فقال لأهله خديجة رضي الله عنها دثروني دثروني وصُبوا عليّ ماءً بارداً ففعلت فأوحي إليه في تلك الحالة: ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولاتمنن تستكثر ولربك فاصبر وتلاجابر على أبي سلمة هذه الآيات إلى قوله: والرجز فاهجر، وقال أبوسلمة إن الرجز بمعنى الأوثان. والمستفاد من نظم الآيات ونسقها أنهانزلت حينئذ إلى قوله: غيريسير، فانكشف الغطاء وانجلي الأمر. أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بالدعوة إلى الله وإنذارالناس أخذه وعذابه.ذكرالبخاري رحمه الله حديث الزهري عن عروة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها المصرح فيه أن بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالرؤيا الصادقة ثم بتمثل الملك له رجلاً في غار حراء أمره بالقرأة وغطه ثلاثاً ثم لقنه أوائل سورة العلق بدون أن يعرف إليه نفسه، لم يقل له أناجبريل وأن الله أرسلني إليك وجعلك نبياً وهذا الذي لقنته إياك من كلامه نزلت به إليك.لم يقل له شيئاً من ذلك وتركه مندهشاً.فذكرله ورقة أنه الناموس ولم يقل إن اسمه جبريل وأخبره أن قومك يعني أهل مكة سيعادونك ويخرجونك منها.ثم ذكرالبخاري حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابرذكرفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الملك الذي اتاه بحراء فرأى ذلك الملك جالساً على كرسي بين السماء والأرض فرُعب منه وخرعلى الأرض مغشياً عليه ورجع إلى بيته إذ أفاق وهو يرتعد فقال لأهله دثروني دثروني وصبواعليّ ماءً بارداً فدثرته خديجة رضي الله عنها ففي تلك الحالة نزلت عليه أوائل سورة المدثروالظاهرأنها نزلت عليه في صوت مثل صوت الجرس ففصم عنه وقد وعاه وعياً فكان وحيهاإليه بدون واسطة الملك.
سورة الفاتحة هي أول ما نزل من القرآن: وقد ذكرت الحديثين كليهما بطرقهما ورواياتهما وأفرغت ماكان عندي من الجهد في بيان معانيهما وعُد أيهاالقارئ إلى ماكتبت في ترجمة الزهري ابن شهاب (وقد مضى في الحلقة الأولى من البحث والتي نشرت في الإشراق العربي، العدد الثاني في شهر مارس سنة 2025) ثم استمع إلى ما أقول:
إن السورة الأولى من القرآن المجيد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب وأم القرآن وهي أساس بُني عليه القرآن كله بسوَره الطوال وسوَره القصار، وعلم الله فيها العباد أن يحمدوا ربهم ويثنوا عليه ويعترفوا بأنهم يخصونه بالعبادة والاستعانة، لايعبدون إلا إياه، ولايستعينون أحداً سواه، ثم يسئلوه أن يهديهم الصراط المستقيم وبين الله لهم في جميع القرآن ذلك الصراط المستقيم الذي هو مطلوبهم ومسؤولهم. فقل لي بربك أليس أن الأساس يكون أول وجوداً من البناء نفسه؟ أيخلق الله الأولاد قبل أمهم ؟ أليس أن رسول الله سن وشرع في الصلاة أن يقرء المصلى سورة الفاتحة في كل ركعة منها؟ فنرى أن سورة الفاتحة هي أول القرآن نزولاً. وقد علمنا أن الزهري أخطأ في مواضع من هذا الحديث الذي رواه عن عروة عن أم المؤمنين رضي الله عنها:
(أ) إنه ذكريتحنث مكان يتحنف
(ب) وإنه قصر في حكاية ماقال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر أنه قد كان قال له"وأن بين يديك أياماشديدة" ولايصح بدونه ذكرُ ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم أن قومك سيخرجونك.
(ج) وذكر الزهري في آخرالحديث قصة باطلة لاأصل لها ولاتصح رواية ولادراية أعني قصة عزم النبي صلى الله عليه وسلم على الانتحار مراراً، فكذلك لعل الزهري قد أخطأ إذ ذكر في هذا الحديث إقرأ باسم ربك الذي خلق مكان الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إلخ.
(للبحث صلة )
