إكرام أهل البيت الكرام وتبجيلهم
سيدنا عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه
[آثار التابعين وأتباع التابعين ]
(الحلقة الثامنة)
(7)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ: وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ! وَاللہِ لَإِنْ بَغَتَهَا رَسُولُ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ فِي بِلَادِهَا فَدَخَلَ عَنْوَةً مَكَّةَ إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدهر … حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَظَرَ فَرَآهُ خَلْفِي، فَقَالَ عُمَرُ: أَبُو سُفْيَانَ! الْحَمْدُ للہِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَدَّ نَحْوَ رَسُولِ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ وَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ حَتَّى اقْتَحَمْتُ عَلَى بَابِ الْقُبَّةِ وَسَبَقْتُ عُمَرَ بِمَا تَسْبِقُ بِهِ الدَّابَّةُ الْبَطِيئَةُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ، وَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللہِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللہِ قَدْ أَمْكَنَ اللہُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللہِ، إِنِّي قَدْ أَمَّنْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ وَقُلْتُ: وَاللہِ لَا ينَاجِيهِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ دُونِي، فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ، قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، فو اللہِ لَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا لِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فو اللہِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللہِ صَلی اللہُ عَلَیہِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ. (دلائل النبوة للبیہقي ٥ /٣٤)
الشرح اللغوي
وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ: الترجمة الحرفية هي "يا صباح قريش". وهذا إشارة إلى الدمار والخراب. كان العرب يستخدمون هذا النداء لتحذير الناس عندما يهاجمهم جيش غازي عند الفجر.
بَغَتَهَا: من بغتةً‘ أي فأجأ أحداعلى غيروعي منه.
عَنْوَةً: إن كلمةعنا يعنو‘ تعني الاستسلام والخضوع لأحد. عندما يغزو جيش منطقة ما ويفتحها منطقة ما بقوة السيف، يطلق عليه اسم عنوةً،فيقال: ’دَخَلَ مكّةَ عَنْوَةً أَيْ قَهْرًا وغَلَبة. . . وَهُوَ مِنْ عَنَا يَعْنُو إِذَا ذَلَّ وخَضَع. والعَنْوَة: المرَّة الواحِدة مِنه، كَأَنَّ الْمَأْخُوذَ بِهَا يَخْضَع ويَذِلّ.‘ (النہایة، ابن الاثیر٣ /٣١٥)
الشرح
١- وهذا جزء من حديث طويل عن رحلة فتح مكة، يروي فيه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كيف أن سيدنا العباس صلى الله عليه وسلم لما رأى التبعات العسكرية لدخول الجيش الإسلامي مكة دون علم قريش، حاول إحلال السلام بين أهل مكة. ومن أجل ذلك اتصل بأبي سفيان وأقنعه بالقدوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقبول الإسلام وطلب الأمان لأهل مكة. ولم يكن سيدنا عمر رضي الله عنه يرى ذلك، ولم يكن يريد أن يقدم أي تنازل لزعماء قريش في هذه المناسبة بسبب كفرهم وبغضائهم. وفي هذا السياق جرى الحوار المذكور بين الرجلين عند النبي صلى الله عليه وسلم.
٢۔ ورداً على اتهام سيدنا عمرمن قبل العباس، أراد عمر أن يوضح أن سبب موقفه القاسي تجاه أبي سفيان لم يكن أي تعصب قبلي، بل كان لأبي سفيان دور سابق في العداء للإسلام. ولو كان الدافع هو العصبية القبلية لفضل إسلام أبيه الخطاب على إسلام سيدنا العباس، مع أنه كان أكثر سروراً بإسلام العباس من فرحه بإسلام أبيه الخطاب، والسبب الوحيد في ذلك أنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفضل إسلام عمه على إسلام الخطاب.
٣۔ والذي يجب أن يلاحظ أنه كان موقف سيدنا عمر تجاه أبي سفيان كان فقط قبل إسلامه. وبعد إسلامه، كان يكرمه ويحترمه باعتباره زعيماً عظيماً لقريش. فقد نقل أبو العباس المبرد:
"وكان عمر بن الخطاب يفرش فراشًا في بيته في وقت خلافته فلا يجلس عليه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب، ويقول: هذا عم رسول اللّٰه صلی اللّٰہ علیہ وسلم ، وهذا شيخ قريش. " (الکامل فی اللغة والادب ١ /٢٥٢)
التخريج واختلاف الطرق
وقد جاءت هذه الرواية لابن عباس في مصادر أخرى تالية:
السيرة النبوية، لابن هشام ٢ /٤٠٣
شرح معاني الآثار، للطحاوي، رقم ٣٥٤٢
المعجم الكبير، للطبراني، رقم ٧٠٩٨
تاريخ الطبري ٣ /٥٣
وقد وردت أحداث فتح مكة في كثير من الروايات، إلا أن هذا الحوار بين سيدنا العباس وسيدنا عمر لم يرد إلا في رواية ابن عباس رضي الله عنهما المذكورة. وفي رواية الطبراني وقع هناك بعض الالتباس في جمل الحوار، فنقل قول سيدنا عمر كما يلي:
"فوالله، لإسلامك يوم أسلمتَ كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفتُ أن إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب." (المعجم الكبير، رقم ٧٠٩٨)
وهذا بدهيًّا ناجم عن سوء فهم الراوي، والجمل الصحيحة هي تلك التي نُقلت في مصادر أخرى.
(8)
عن صالح بن كيسان … قال: وقال ابن شهاب: وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في ولايتهما لا يلقى العباسَ منهما أحدٌ وهو راكب إلا نزل عن دابّته وقادها، ومشى مع العباس حتى يبلّغه منزله أو مجلسه فيفارقَه.
(تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢٦ /٣٧٤)
وقد جاء هذا الأثر لابن شهاب نقلاً عن ابن عساكر والزبير بن بكار في مصادر ثانوية أخرى. أنظر:
المنتظم، لابن الجوزي ٥ /٣٨
جامع الأحاديث، للسيوطي، رقم ٣٠٦٧٩
فيض القدير، للمناوي ٤ /٣٧٣
كنز العمال، للمتقي الهندي ١٣ /٥١٧
وقد روى ابن أبي الزناد هذا عن بعض آل سيدنا عثمان، وفيه ذُكر عمر وعثمان رضي الله عنهما بدلاً من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:
"أن العباس لم يمرّ بعمر وعثمان وهما راكبان وهو راجل إلا نزلا حتى يجوزهما إجلالًا له، أو يمشيان معه حتى يبلغ منزله أو مجلسه."
(أنساب الأشراف، للبلاذري ٤ /١١)
وقد أضاف ابن عبد البر في هذا الطريق بعد "إجلالًا له" الجملة التالية:
"ويقولان: عمّ النبي صلى الله عليه وسلم." (الاستيعاب ٢ /٨١٤)
(9)
عن أنس بن مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقِنا." قال: فيسقَون. (البخاري، رقم ٩٧٨)
الشرح
١- كان عام ١٨ هـ عام مجاعة في المدينة المنورة، ويُعرف بـ "عام الرمادة". وفي هذه المناسبة جمع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسلمين للدعاء جماعةً للاستسقاء، ثم أخذ سيدنا العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، ووقف أمام الله سبحانه. وقد وردت هذه الحادثة في الأثر المذكور.
وقد وصف السائب بن يزيد مشهد هذه الصلاة بقوله:
"نظرتُ إلى عمر يوم خرج ليستسقي عام الرمادة، متواضعًا خاشعًا، عليه بُرد لا يبلغ ركبتيه، فرفع صوته بالاستسقاء، وعيناه تفيضان، والدموع تجري على خده ولحيته، وإن العباس لعن يمينه، فاستقبل القبلة يعج إلى ربه، وأخذ بيد العباس فقال: اللهم إنا نستشفع إليك بعم نبيك، والعباس قائم إلى جنبه، ملحّ في الدعاء، وعيناه تهملان." (أنساب الأشراف، للبلاذري ٤ /٧-٨)
كما جاءت كلمات الدعاء في أثر ابن عباس رضي الله عنهما على النحو التالي:
"اللهم إن هؤلاء عبادك وبنو إمائك، أتوك راغبين متوسلين إليك بعم نبيك، فاسقنا سُقيَا نافعة تعم البلاد وتحيي العباد. اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك، ونستشفع إليك بشيبته." (أنساب الأشراف، للبلاذري ٤ /٧-٨)
٢- يوصي القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء والاستغفار للمؤمنين، لأن دعاءه يجلب لهم الرحمة والسكينة، واستغفاره سببٌ لنيل فضل الله ورضوانه (النساء ٤: ٦٤، التوبة ٩: ١٠٣). ومن أسباب ذلك المكانة العالية التي يتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه، وما في قلبه الشريف من رحمة ورأفة بأمته، وهي الرحمة التي تنظر إليها العناية الإلهية بإجلال وتكريم.
وقد جاء في الحديث:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه أن يُعلِموه إذا مات أحدٌ في المدينة ليصلي عليه بنفسه." (ابن ماجة، رقم ١٥٢٢)
وعلى هذا الأساس، كان الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون دعاءه في حاجاتهم الخاصة والعامة.
٣- هذه العلاقة من الرحمة والشفقة نجدها أيضًا بين الوالد وولده، وإن اختلفت في الدرجة. فدعاء الوالد لولده يُستجاب، لما في قلبه من حب ورحمة وإحسان. وقد ورد في الحديث:
"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد لولده..."
(أبو داود، رقم ١٣٤٨)
ومن هذا المنطلق، قدّم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سيدنا العباس رضي الله عنه للدعاء، وطلب منه أن يشارك الأمة في الاستسقاء، نظرًا لما له من مكانة عظيمة، من جهة كونه عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جهة سنّه وجلالته بين الصحابة.
فكما أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مقبول عند الله، ودعاء الوالد في حق أولاده له مزية خاصة، فإن شفاعة عمّ النبي صلى الله عليه وسلم تُعد من أسباب القبول في الأمة.
التخريج واختلاف الطرق
وقد نقل هذا الحدث برواية أنس في مصادر تالية:
صحيح ابن حبان، رقم ٢٩٢٣
المعجم الأوسط، للطبراني، رقم ٢٤٨٢
المعجم الكبير، للطبراني، رقم ٨٢
السنن الكبرى، للبيهقي، رقم ٦٠٥٠
الطبقات الكبرى، لابن سعد، رقم ٤٤٢٣
الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم، رقم ٣٢٨
وقد جمع البلاذري عن ذلك آثارًا مختلفة عن نافع، والسائب بن يزيد، وأسلم مولى عمر، وأبي صالح، وسيدنا ابن عباس. (أنساب الأشراف، للبلاذري ٤ / ٧–٨)
وقد جاء في رواية أبي صالح أن كعب الأحبار، العالم الكتابي الشهير، كان هو الذي أشار على عمر رضي الله عنه أن يتوسل بشخص من آل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له:
"إن بني إسرائيل كانوا إذا احتاجوا إلى دعاء الاستسقاء يتوسلون بأحد من آل نبي من الأنبياء."
عن القاسم، قال:
"كان مما أحدث عثمان، فرُضي به منه، أنه ضرب رجلًا في منازعة استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له، فقال: نعم، أيفخّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه وأرخص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك ورضي به منه." (تاريخ الطبري ٤ /٤٠٠)
الشرح
وقد وردت في خلافة سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر حوادث متعددة من العقوبة على من أساء إلى أحد الصحابة الكرام. وكان سيدنا العباس، نظرًا لعلاقته برسول الله صلى الله عليه وسلم، يتمتع بمكانة عالية، يُعد عدم احترامها أو الاستخفاف بها سببًا يوجب التأديب.
غير أن أحدًا من الخلفاء قبله لم يتخذ موقفًا عمليًا تجاهه يوجب العقوبة. ولهذا فسّر القاسم بن محمد هذا الفعل من سيدنا عثمان رضي الله عنه بأنه مبادرة جديدة، لا بمعنى أنها تشريع مستحدث، وإنما كتفعيل لحقيقة مقررة.
التخريج واختلاف الطرق
وقد نُقل هذا الأثر عن القاسم بن محمد أيضًا في
تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٦ /٣٧٢).
(مترجمة من الأردية ) ( للبحث صلة)
