logo
أخرى

مبنى هذا الدين

مبنى هذا الدين

] المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

إنّ لهذا الدين بناءين عظيمين يقوم عليهما وجوده في النفس والواقع معًا:

١- الفطرة التي تمثل بناءه المعنوي،

٢- وملّة إبراهيم التي تمثل بناءه الصوري الظاهر.

فالفطرة هي الأصل الأول؛ يولد عليها كل إنسان في صفاءٍ يلتفت إلى ربه من غير تعليم خارجي، ويتشوّف إليه قبل أن يسمع دعوة أو يرى مثالًا، وهي لا تقتضي التوحيد فحسب، بل تفرح به وتطمئن إليه، وتتألم إذا حُجِبت عنه، وفي طيات هذه الفطرة إدراك قوي للحسن والقبح، فأصله فطري، وتفصيله بيّن في الوحي، ومؤيد بالعقل السليم.

والإنابة إلى الله والشعور بالافتقار إليه، والسرور بذكره، من الحقائق الراسخة في هذا البناء المعنوي للدين؛ فهي جذور الفطرة التي تنبثق منها السعادة الروحية، وقد كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام أصفى من أدرك هذه الفطرة، فأصغى إليها بعقل سليم، واستجاب لها بحجةٍ تتفوق على حجج البشر كافة. فالفطرة، حين يجاوبها العقل السليم، تدفع الإنسان دفعًا نحو إلهه الحق، فيفيض صدره شوقًا إليه، ولا يسكن إلا بالقرب منه.

وإذا استجاب الإنسان لفطرته استجابة كاملة كان رشيدًا؛ إذ إن الرشد هو موافقة الفطرة من جهة النفس، وموافقة الكون من جهة الوجود، فالسماوات والأرض وما بينهما سائرةٌ إلى ربها طائعة، منسجمة مع طبيعتها من غير صراع، أما الإنسان، فهو وحده القادر على مناقضة طبيعته، وبناء عادات وثقافات وأخلاق تلائم أهواءه لا فطرته، وتنافر ما جُبل عليه، ومن هنا كان الرشد قائمًا على التمييز بين ما تقتضيه الفطرة وما يضادها.

ثم تأتي ملّة إبراهيم بوصفها البناء الصوري للدين، الصورة التي تتجسّد فيها الفطرة وتظهر ملامحها في العمل والحياة. وقد قامت هذه الملّة على ثلاثة أركان:

أولها الحنيفية، وهي توجه الإنسان إلى الله وحده، واعتماده عليه اعتمادًا لا يداخلُه اعتمادٌ على غيره، وشكره وعبادته واستعانته به دون سواه. ولم يبلغ إبراهيم هذه الحنيفية بتقليدٍ أو عادة، وإنما بلغها بطريق البحث العميق، بما يشبه رهبانية الفكر التي يزكو بها العقل وتصفو بها البصيرة، ويتهيأ صاحبها لشجاعة الحق قولًا وعملاً. وهذه الشجاعة الفكرية والأخلاقية سمتان لازمتان لحنيفية إبراهيم.

وثانيها الإسلام، إذا اكتملت الحنيفية في القلب جاء الإسلام، لا إسلام الهوية والانتماء، بل إسلام التسليم الخالص الذي يطلبه الله من عباده: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين"، وهكذا أوصى إبراهيم بنيه، ثم أوصى يعقوب أبناءه من بعده، بأن يجعلوا هذا التسليم منهاجًا لحياتهم، لا لقبًا ولا ميراثًا شكليًا.

وثالثها عدم الإشراك، ويظل نفي الشرك أصلًا لا تقوم ملّة إبراهيم إلا به؛ إذ لا مساواة بين الخالق والمخلوق في عبادة ولا استعانة. وأيّ تهاون في هذا الأصل يضعف أساس البناء، ولذلك جاء وصف الملّة الإبراهيمية مقرونًا بهذا النفي الجازم: "بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".

وهكذا يكتمل البناءان: فطرةٌ معنوية تُقيم حقيقة الدين في النفس، وملّةٌ إبراهيمية تُقيم صورته في الواقع، فإذا اجتمعا، عاد الإنسان إلى ذاته الأولى، تلك الذات التي تعرف ربها قبل كل معرفة، وتستضيء باسمه قبل كل نور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *استخدم الرابط التالي للوصول إلى مقالات الشيخ محمد أكرم الندوي على القناة على واتساب:

https://whatsapp.com/channel/0029VbAxp2qGpLHHqQ3LoY0w

ـــــــــــــــــــــــــ