هل كانت قريش تخشى خلافة بني هاشم؟
(ردًّا على تعليق للدكتور محمد عمار خان ناصر)
(الحلقة الثانية)
]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[
الافتراض القائل إنه لو وجد في بني هاشم شخص بمستوى سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر، لجئ إلى إبعاده عن الخلافة، ليس مجرد افتراض، بل هو اتهام جسيم. والحقيقة أن بني هاشم لم يكن لديهم مرشّح مؤهل للخلافة، فلم يكن هناك ما يستدعي من قريش أي مؤامرة لإبعاده. ولهذا السبب، لم يظهر لبني هاشم أي حضور، لا بالنفي ولا بالإثبات، في أول انتخابين للخلافة.
إذا تم قبول الانطباع القائل بأن قريش كانت متورطة في محاولة واعية لإبعاد بني هاشم عن الخلافة، فإن أمانة وصدق القيادة القريشية في ذلك الوقت، التي كان يتولاها كبار الصحابة، ستكون موضع تساؤل. ومع ذلك، والحقيقة أن النظر في هذا السياق ينفي هذا الانطباع عن قريش. بل إن الحقائق التي ستعرض لاحقًا تثبت أن جهود الخلفاء هي التي أهّلت حضرة علي ليكون محل النظر في اختيار الخليفة، وإلا فإن ميوله الطبيعية وعلمه كانا عائقًا أمام مشاركته السياسية. تمامًا كما ظل غير بارز في المشهد السياسي خلال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظل أيضًا بعيدًا عن الظهور في المجال السياسي أثناء فترة الخلفاء. وفيما يلي تفصيل ذلك:
لم يتولّ سيدنا علي رضي الله عنه في عهد رسول الله ﷺ أي منصب رسمي، ولم تسند إليه أي مهمة إدارية أو تنفيذية إلا في مرات معدودة. كما لم يعهد إليه، في أي من أسفار النبي ﷺ، القيام مقامه في إدارة شؤون المدينة.
فعلى سبيل المثال، في غزوة تبوك، أوكله النبي ﷺ إلى رعاية شؤون بني هاشم والإشراف عليهم، بينما عيّن محمد بن مسلمة الأنصاري نائبًا عنه في إدارة المدينة المنوّرة.١ حتى أواخر عهد النبوة، كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرى نفسه شاباً قليل الخبرة، ولم ينقل أن النبي ﷺ نفى عنه هذا الشعور أو صحّحه بصورة مباشرة. وفي هذا السياق تروى الحادثة الآتية:
"عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال ﷺ: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضِ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء". قال علي: فما زلت قاضياً، أو ما شككت في قضاء بعد ذلك."
(رواه أبو داود، رقم ٣٥٨٢)
والمقصود بقدرتهم على القضاء في الحديث المتقدم هو القدرة على الفصل في القضايا والأحكام الشرعية، لا الخبرة بإدارة شؤون الدولة، إذ إن ذلك يتطلب دراية وتجربة لم تتح له قبل تولّيه الخلافة.
كان سيدنا علي رضي الله عنه بارعاً في فن القتال، وتعرف له شجاعة لا نظير لها، غير أنه لم يولّ قيادة جيش كامل في أي معركة من معارك النبي ﷺ. وقد اشتهر ببطولته في غزوة خيبر، حينما فتح حصن قموص، وهو أحد الحصون التابعة للحصن الكبير المسمّى الكتيبية.٢ ولم يتجاوز دور سيدنا عليّ رضي الله عنه في فتح خيبر هذا الحدّ، إذ اقتصر إسهامه على ما تقدّم ذكره.
وهذه هي الأسباب التي جعلت اسمه لا يطرح مطلقاً في الاجتماعين اللذين تمّ فيهما اختيار الخليفتين الأولين، حيث لم يذكر بين المرشّحين للخلافة آنذاك. وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعد رسول الله ﷺ، لم يتولّ سيدنا عليّ أي منصب رسمي، ولم يشارك في أي حملة عسكرية خارجية، كما لم يكن له دور مباشر في الفتوحات التي اتّسعت رقعتها في تلك الفترة.
ومع ذلك، فإن بروزه المتدرّج في الساحة السياسية كان ثمرة دعم الخلفاء وتشجيعهم له، إذ كان حضوره وتأثيره في الحياة العامة نتاج عنايتهم ورعايتهم أكثر من كونه نتيجة مبادرة ذاتية منه.
يتّضح ذلك من الحقائق الآتية:
"عيّن أبو بكر الصديق رضي الله عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أميراً على كتيبة لحماية المدينة، وأشركه لأول مرة في المشاورة في الشؤون العامة. وكان لسيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلة خاصة بأهل بيت النبي ﷺ، فكان يقدّمهم في كل أمر، وجعل لسيدنا علي وأبنائه في العطاء نصيباً مساوياً لأكابر الصحابة." (كتاب الخراج للإمام ابي يوسف، فصل كيف كان فرض عمر لأصحاب الرسول، تحت توزيع المال على الصحابة، صـ ٤٤-٤٣)
وكان نصيب ذوي القربى من واردات أموال فيء بني النضير وفدك يصل إليهم حسب العادة، وكانت مسؤولية توزيع هذا المال على علي رضي الله عنه. (كتاب الخراج، صـ ٣٠)
ومنح سيدنا عمر رضي الله عنه سيدنا عليّاً أراضي في ينبع وغيرها، فزاد بذلك قوته المالية. (الخراج لـ يحيى بن آدم، صـ ٧٣)
وفي عهد سيدنا عثمان بن عفّان رضي الله عنه، حين كثرت الأموال والثروات، كان علي يعطى من العطايا أكثر من غيره. (الطبقات الكبرى، ٥ /٤٦-٤٧)
أنفق علي بن أبي طالب رضي الله عنه من تلك الأموال والثروات على الناس، فزاد ذلك في محبته ومكانته بينهم. وقد أشركه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على وجه الخصوص في مشاورات الشؤون السياسية، وكان إذا غادر المدينة جعله نائباً عنه، فكان بذلك له الدور الأبرز في تأهيل علي سياسياً ورفع مكانته بين الناس. ولهذا ضمّ اسمه إلى المرشحين للخلافة في اللجنة التي شكّلت لاختيار الخليفة الثالث.
وأبدى سيدنا عمر رضي الله عنه رغبته في أن تنتقل الخلافة بعده إلى سيدنا علي رضي الله عنه٣، غير أنه كان يخشى ألا يتحقق ذلك، لا لأن قريشاً لم تكن تريد علياً خليفة، بل لأن وجود عدد من كبار الصحابة الذين كانت خدماتهم الدينية والاجتماعية والسياسية أوضح وأشمل، جعل اختيار سيدنا علي أمراً صعباً. وكان هؤلاء الصحابة البارزون أعضاء في مجلس الشورى.
ومع ذلك، لما تنازل ثلاثة منهم عن حقهم في الخلافة، بقي علي وعثمان رضي الله عنهما، فاختير سيدنا عثمان، لأنه كان أكبر سنّاً وأظهر خدمةً. ومن بين أولئك الذين تنازلوا لصالح علي طلحة بن عبيد الله من بني تيم، والزبير بن العوام من بني أسد، إذ منحتاه أصواتهما. وكان عمر رضي الله عنه مؤيّداً له من قبل، وهكذا كانت طائفة كبيرة من سادة قريش تميل إلى جانب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وخلاصة القول إن بني هاشم لم يكن فيهم في ذلك الحين من يعدّ مؤهلاً للخلافة. ومع هذا، فقد أراد أقوى بطون قريش، وهم بنو أمية وحلفاؤهم بنو أسد، عند اختيار الخليفة الأول، أن يولّوا الخلافة أحد رجال بني هاشم، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم إن منزلة علي السياسية أخذت تتعاظم في عهود الخلفاء اللاحقة، على الرغم من أنه لم يتولّ منصباً رسمياً ولم يضطلع بمهامّ حكومية، حتى إذا جاء وقت اختيار الخليفة الثالث، كان من أبرز المؤيدين له عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وهم من كبار زعماء قريش.
وأما ما نسب إلى قريش من تهمة إقصاء بني هاشم عن الخلافة، فلا دليل عليه من اعتراف صريح أو واقعة ثابتة. فلم يذكر في أي من مجالس الشورى أو المناقشات التي دارت حول اختيار الخلفاء ما يدلّ على وجود توجّه لإبعاد بني هاشم عن منصب الخلافة. ولم يكن ثمة موجب لذلك، إذ لم يكن في بني هاشم من يستحق الخلافة بمعيار الكفاءة، كما لم يكن في بني أمية من هو أولى بها من غيره. بل إن عثمان رضي الله عنه، على جلال قدره وسمو منزلته، لم يكن في بادئ الأمر داخل دائرة الترشيح، فكيف يتصوّر أن يتآمر على أحد من بني هاشم لإبعاده عن الخلافة أو يدبّر أمر في هذا السبيل؟
إنّ تعليق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذلك الانطباع المتعلّق بقريش إنما يعبر عن رأيه الشخصي، ويمكن تفسير شدّة إحساسه فيه بما كان بينه وبين أهل بيت النبي ﷺ من صلة خاصة ومودة صادقة. ومع ذلك، فإن التهمة التي توجّه إلى قريش في هذا الشأن لو أمكن أن تنصرف إلى أحد، لكانت في ظاهرها تتوجه إلى عمر نفسه، لأنه هو الذي منع اجتماع بني عبد مناف لاختيار سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة عند البيعة لأبي بكر رضي الله عنه. غير أن عمر لم يكن يعدّ نفسه داخلاً في هذه التهمة، وكان محقاً في ذلك، إذ لم يمنع بني عبد مناف فحسب، بل منع الأنصار أيضاً من أن يختاروا خليفة من دون مشورة عامة بين الصحابة كافة، ولم يكن يقصد بذلك إلا أن يحفظ وحدة المسلمين وألا تقع الجماعة الناشئة في اضطراب سياسي في أوّل عهدها.
وأما اتهام قريش بإقصاء بني هاشم عن الخلافة، فإنما يحتمل توجيهه إلى بني أميّة، الذين نشبت بينهم وبين بني علي بعد ذلك الخصومات، غير أنهم في المرحلة الأولى كانوا، بدافع العصبية لـ بني عبد مناف، من المشاركين في السعي إلى مبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة.
ولو وجد في قريش من يظن أن انتقال الخلافة إلى بني هاشم سيجعلها حكراً عليهم، فإن سلوك كبار قريش كان على خلاف هذا التصور تماماً؛ إذ كانت مواقف زعمائهم وجهودهم الدائمة في دعم علي بن أبي طالب رضي الله عنه سبباً في أن يصبح مؤهلاً للترشح للخلافة، رغم أنه لم يتولّ منصباً سياسياً ولم يقم بدور رسمي من قبل.
وأما الظنّ بأن قريشاً تعمّدت إقصاء بني هاشم عن الخلافة، فلا يقوم على أساس صحيح، إذ لم يكن في بني هاشم آنذاك من يوازي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في الفضل والخبرة والخدمة للدين والأمة، ثم أهمل أو أقصي عن عمد. فالخليفتان الأولان، مع أنهما من بطون ليست من أقوى بطون قريش، نالا الخلافة لما تميزا به من بلاء عظيم في الإسلام، وحنكة سياسية، وسبق في الدعوة والجهاد. فلو كان في بني هاشم من يبلغ منزلتهما في الكفاءة والقيادة، لما كان من الممكن تجاهله، خاصةً وأن العصبية السياسية لـ بني عبد مناف كانت ستقف إلى جانبه، ومعها تقاليد الزعامة والقيادة الراسخة فيهم.
(يتبع ...)
الهوامش:
١- البداية والنهاية، ١1 /162.
٢- السيرة الحلبية، 3 /48، في باب حصون الكتيبية؛ وانظر كذلك: سيرة سيدنا عليّ المرتضى، تأليف الشيخ محمد نافع، دار الكتاب، الطبعة الأولى، يناير ٢٠٠٧م، صـ ٧٨، سوق الأردية، لاهور.
٣- وفي مناسبة من المناسبات، عبّر سيدنا عمر رضي الله عنه عن رغبته قائلاً:
"فلمّا خرجوا من عند عمر قال عمر: لو ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق، فقال له ابن عمر: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيًّا وميّتًا."
(الطبقات الكبير، ٣ /٣١٧)
