logo
أخرى

قانون الشهادة

قانون الشهادة

[كتب الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذا المقال باللغة الأردية عام ١٩٨٧م، وأدرجه ضمن كتابه «برهان»، ويسرّنا أن نقدّم اليوم ترجمته العربية لقرّاء مجلة «الإشراق»]

(الحلقة الأولى)

لم يفرض القرآن الكريم طريقة معينة لإثبات الجريمة، ومن ثم، فمن المؤكد قطعًا أن القانون الإسلامي لا يقتصر في إثبات الجرائم على أسلوب واحد، بل تثبت الجريمة فيه بجميع الوسائل التي تعد مقبولة في أخلاقيات القانون، وتقرها الفطرة السليمة والعقل كوسائل لإثبات الجرم. وبناءً عليه، فإن الظروف والقرائن، والتقارير الطبية، وتشريح الجثة (postmortem)، وبصمات الأصابع، وشهادة الشهود، وإقرار المتهم، واليمين، والقسامة، وغير ذلك من الأدلة، كلّها تعد في الشريعة الإسلامية وسائل صالحة لإثبات الجريمة، تمامًا كما هو الحال في القوانين المعمول بها في العالم المعاصر. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله:        

"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر."١

وقد علّق الإمام ابن القيم على هذا بقوله:

"البينة في كلام الله ورسوله، وفي كلام الصحابة، اسم لكل ما يبين الحق، فهي أعم من البيّنة في اصطلاح الفقهاء، حيث قصرها الفقهاء على شاهدين أو شاهد ويمين." (إعلام الموقّعين، ١  /١٣١)

واستثناءً من هذا الأصل، توجد حالتان فقط لا يكتفى فيهما بالطرق المعتادة في إثبات الجرم:

أولًا: إذا اتهم شخص رجلًا أو امرأة من أهل العفة والطهارة، ممن عرفوا بين الناس بالصلاح، بفاحشة الزنا، ففي هذه الحالة يوجب القرآن الكريم تقديم أربعة شهود عيان على وقوع الجريمة. وإذا لم يقدم هذا العدد من الشهود، فإن الدعوى ترفض تلقائيًا، ولا يقبل فيها أي دليل آخر من ظروف أو قرائن أو تقارير طبية.

فإذا كان المتهم شخصًا معروفًا بالفجور، فيمكن عندئذ الاستناد إلى الأدلة والقرائن لإثبات الجريمة. لكن إذا كان صاحب سمعة طيبة وسيرة نقية، فإن الإسلام في هذه الحالة يرشد إلى التستر عليه وعدم التشهير به، حتى لو كان مذنبًا، اتقاءً للفضيحة والضرر الاجتماعي. ولذلك يطلب القرآن الكريم في مثل هذه الحالة تقديم أربعة شهود، فإن لم يتوافروا، يعدّ القاذف نفسه مجرمًا مستحقًا للعقوبة. قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٤ - ٥)

ثانيًا: إذا وجد في المجتمع نساء يمارسن الفاحشة علنًا، أي كنّ من القواعد الموصوفات بالقحبة في اصطلاح العرب، فإن القرآن الكريم يبيّن كيفية التعامل معهنّ بأن يطلب أربعة من الشهود المسلمين ليشهدوا أن فلانة امرأة مشهورة بفعل الزنا، معروفة في المجتمع بهذه الصفة.

فإذا أدلى هؤلاء الشهود بشهادتهم أمام المحكمة بكل مسؤولية، وقالوا: "نعلم يقينًا أن هذه المرأة معروفة بالفاحشة ومشهورة بها"، واطمأنت المحكمة بعد التحقيق والتمحيص إلى صدق هذه الشهادة، فبإمكانها أن تصدر حكمًا بالعقوبة على هذه المرأة. قال تعالى:

﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ٢ فَاثْبُتُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ تَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾

(النساء: ١٥)

وباستثناء هاتين الحالتين، لا تفرض الشريعة الإسلامية طريقة مخصوصة لإثبات الجريمة؛ سواء كانت من حدود الله أو من الجرائم الأخرى. الأمر متروك لتقدير القاضي. فله أن يقرر قبول شهادة هذا أو ذاك، بناءً على ما يظهر له من صدق ودقة، دون تمييز بين شهادة الرجل والمرأة. فالمرأة، إذا شهدت بوضوح ودقة دون ارتباك أو تناقض، لا ترد شهادتها لمجرد أنها امرأة، حتى وإن لم يرافقها شاهد آخر رجلًا كان أو امرأة. وفي المقابل، لا تقبل شهادة الرجل لمجرد كونه رجلًا، إذا كان في شهادته غموض أو اضطراب. فالعبرة في النهاية هي بمدى اطمئنان المحكمة إلى صدق الشهادة بناء على مجمل البينات والقرائن. وإذا اقتنعت المحكمة بثبوت الجريمة، فإنها تقضي بذلك، وإذا لم تطمئن، فلها كامل الصلاحية في رفض حتى عشر شهادات من رجال. وهذا المعيار ينطبق كذلك على شهادة غير المسلمين، إذ إن المسألة تعود إلى قناعة القاضي لا إلى ديانة الشاهد. غير أن فقهاء الأمة اختلفوا في هذه المسألة. وقد عرض ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد" هذا الخلاف فقال:

"وقد اتفقوا على أن الأموال تثبت بشهادة رجل عدل وامرأتين، لقوله تعالى: ’فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ‘ واختلفوا في قبول شهادة النساء في الحدود. فذهب الجمهور إلى أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود، لا مع رجل ولا منفردات. وقال أهل الظاهر: تقبل إذا كان معهن رجل وكانت النساء أكثر من واحدة، في كل شيء على ظاهر الآية. وقال أبو حنيفة: تقبل في الأموال، وفيما عدا الحدود من أحكام الأبدان، مثل الطلاق والرجعة والنكاح والعتق.

وأما مالك فلا يقبلها في شيء من أحكام الأبدان. واختلف أصحاب مالك في قبولها في حقوق الأبدان المتعلقة بالمال، مثل الوكالة والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين، وقال أشهب وابن الماجشون: لا تقبل فيها إلا شهادة رجلين. وأما شهادة النساء منفردات، أي دون الرجال، فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطّلع عليها الرجال غالبًا، مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء."

(بداية المجتهد، ٢  / ٣٤٨)

الآية التي استند إليها الفقهاء في رأيهم حول عدد الشهود، هي قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾

(البقرة: ٢٨٢)

(للحديث صلة ...)

الهوامش:

١- الترمذي، رقم ١٣٤١. "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر."

٢- أي من النساء المسلمات المعروفات بممارسة الفاحشة على نحو معتاد.