logo
أخرى

مقطتف من ’’مقامات ‘‘

مقامات

(الحلقة الحادية عشرة)

أمین أحسن

واطمئن إلی رضا الله سبحانه في سائر الاوضاع الحارة والقارة. وأصیب بفاجعة موت ولده الشاب الصالح مثل ''أبي صالح'' في كارثة حدثت في القاھرة بمصر فنشر ما طرأ علیه من العواطف في مجلة "المیثاق" ولكن لم ینطق لسانه بكلمة جزع وفزع. وفي أخیر أیامه قضی عامین أخیرین في حالة التعذر والاحتیاج والمعاناة مالم یكن سھلا ولكن في ھذه الحالة أیضا لم یقل إلا "أنه لا معاناة في الدنیا إذا لم تكن في الآخرة.''

وكان یتمتع بكرائم الأخلاق من الغیرة والوقار والتمكنة والاستغناء الكبیر فقد سأله الجنرال أیوب خان في حین رئاسته: یا شیخ أي خدمة أقوم لك؟ فأجاب: ماذا أرجو منك أن تقوم به أفسره في افتتاحیات "میثاق" فاعمل به. فھذا ھو خدمة كبری لي. وقد أرسل إلیه رئیس الوزراء بوتو أن الحكومة ترید أن تخدمك خدمة ما فأجاب: كنت قلت في حق المرتزقین بالحكومة بأنھم ''بايعوا الملة'' والآن اعمل بنفسي ھذا العمل؟ وكذلك سعی الجنرال ضیاء الحق للارتباط به فانما قال له فقط أنه یكفي لك أن ترسل كل ما كتبته من كتابات إلی المكتبات. فكان في كل تحركاته ونشاطاته ينادي نداءً:

أنت تتكدر بسبب نغمات شوقي، تجد فيها رموز الفقر وغناء الملوك

غیر أنه كان متواضعا عطوفاً للأصدقاء والأصحاب. ففي أیام كان مقیما في رحمن آباد جئت أزوره فأقمت اللیلة عنده فأحسست أن ھناك شخص علی قلیل من البعد یملأ دلوا من صنبورة الماء الیدویة ثم یفرغه. وما كنت أظنه أنه یكون أمین أحسن. ثم جاءني بعد برھة قلیلة عند سریریتی وقال: أنا أخرجت الماء الطریئ فقم وتوضأ فلم اتفطن ما أقول وماذا أفعل.

وكان في صدقه وصراحته وصرامته في مكانة یطلق علیھا تعبیر ''الخطیر'' إذا وزن في معیار رعایة المصالح. فكان یصارح ما كان یری بدون أدنی تردد ولا یحتمل مضادة الفكر والعمل أیما احتمال في أي حال. كان حبه بلا نھایة ولكن كما كان حبه یتفجر من عمق إخلاصه كان كذلك منفجراً بغم وحزن ولا یشوبه شائبة البغض والعداوة والمكر كأنه كما قال الشاعر الاردي:

إن قھره أیضا یكون عطفا علی عباد الله.

إلی أین انتھی من كتابة أقاصیصه؟ الیوم حینما أحاول تصویر عكسه في الألفاظ أواجه عجز البیان وأفكر كثیراً أن شرف اللقاء والتلمذ لخمسة وعشرین علی أقل حد، الذي حصلت علیه فیا لیتني حصل لشخص آخر قدیر علی اللغة والبیان مثل قدرة أمین أحسن علیھما. فھذا من سوء الزمان أن نادرة الزمان كمثله لم یتوفر له للتعریف به إلا مثلي الذي لایقدر علی بیان ولا كتابة، والذي مثله كما وصف الشاعر الفارسي:

لا تأتي له الألفاظ علی لسانه ولكن الحدیث عنه باقي

ولم یكن عالما دینیا فقط بل كان له نظرة ثاقبة علی قضایا الدستور والقانون والسیاسة الحاضرة إلی حد أن الباحثین البارعین یستطیعون أن یتعلموا منه الكثیر عن ھذه الأمور. فكان له أسلوب خاص للنظر في ھذه القضایا وكان مختلفا جدا عن أھل زمانه. مثلاً إذا اُعلن إعدام ذی الفقار علی بوتو فالحلقات الدینیة عموماً أعربوا عن طمأنینة. وزرته في الیوم المقبل في رحمان آباد فوجدته مغموماً علیه مضطربا. فسألته عن سبب ذلك فسكت برھة قلیلة ثم قال:

"أي تعاطف یكون لي مع الزعیم الوطني كبوتو ولكن الحمقاء الذین اختاروا ھذا الطریق لإعدام زعیم وطني لایعرفون أنھم بسبب ذلك قد وضعوا أساساً للعناد المستقل في سیاسة ھذا البلد."

 كما كان یفھم جیدا مضمرات ما كان یحدث في افغانستان في البدایة ینظرھا الناس الیوم بأم أعینھم. وكذلك كان یری أمور واتجاھات الحركات السیاسیة الإسلامیة في تركیا ومصر والشام والجزائر بنظرة لعل زعماءنا الدینین سوف  ینظرونھا بھا حین یغرق الكثیر ولا مناص للاعتذار. فإن الموقف الذي اتخذه حین غادر الجماعة الإسلامیة لایحتاج الآن لصحته إلی بحث واستدلال فإصابته ثبت بعمل المكابرین له من بین مستشاري المودودي الیوم. فإننا قد نظرنا بأعیینا وسمعنا بآذاننا أنھم یقولون لأمیرھم بنفس الشیئ الذي قد قال أمین أحسن "للأمیر المؤمین لھم في تلك الأیام قبل أعوام كثیرة.

وكان إنسانا حیا یری معضلات الحیاة كما یراھا إنسان حیي متیقظ. ومرتبته الكثیرة العلمیة لا تجوز له أن یكون له شغف بالألعاب ولكن كان محب الوطن حبا زایداً أنه إذا كانت ھناك مباراة الکرکیت بین الھند وباکستان. فكان یسأل كثیرا عن النتیجة وما یطمئن إلا حین یستیقن أن باكستان قد أحرز النجاح، وكان یمدح مدحا كثیرا شعراء أردیین أمثال غالب وإقبال وشبلي، یكرر شعرھم في أكثر الأحایین وكان في طبعه مزحة ومرح، إذا ذكر علالته ذكر بلھجة وأسلوب مرح أن تبتسم الوجوه.

وكان یتعرض كثیراً للحماقات التي ترتكبھا الجماعات الدینیة فإذا ذكر ذلك في مجلس فلا تسئل عن حديثه الباسم عنھا فكان یوجد معاني ملیحة وتعریضیة من كل لفظة ینطق بھا أن المستمع إلیه إذا كان صاحب الذوق الكلامي أعجب به إعجاباً كبیراً. وكان من خلانه القدماء صدیق وزعيم دیني وصدر منه بعض الحماقات فعلق علیه بأسالیب جدیدة ممتعة جداً إن لم یكن ھناك خوف لفساد واضطراب خلق لذكرت ذلك الآن ویری الناس ما متعته القدرة الإلھیة من مقدرة علی ربط اللفظ بالمعنی وبأعلی درجة من الكمال في ذلك فإنه ذھب من الدنیا والواقع أنه علی حد قول الشاعر:

قد سكتت الخضراء المتحدثة.

والشاعر حالي كان تلمیذاً لغالب رثاه علی موته وختم رثاءه بأبیات شعر، حملھا الناس غالباً في ذلك الزمان علی حسن اعتقاد حالي بغالب، ولكن قد أثبت التاریخ والوقت أن غالب كان ھو الذي رأه حالي بعینیه، كذلك شھدت الكثیر من العلماء وقرأت الكثیر واستمعت إلی الكثیر منھم ولكن كان أمر أمین احسن واستاذه حمید الدین الفراھي كما قاله حالي:

وأنی لھم من غالب عارف بالنكت وأنی لأرض بالسماء.

(١٩٩٧م)