logo
أخرى

مقطتف من ’’ميزان‘‘

ميزان

(الحلقة الحادية عشرة)

 

مبادئ تدبر الحديث

ولنأخذ بعد ذلك مبادئ فهم الحديث

ذوق العربية

الأول أن لغة الحديث أيضًا كمثل القرآن عربية عالية. ولا شك أنه قد روي الحديث في أكثر الأحاديث روايةً بالمعنى، ولكن مع ذلك فقد احتفظت لغة النبي صلى الله عليه وسلم ولغة الصحابة لحد أنه يمكن لصاحب ذوق أن يميز بينها وبين الأشياء الأخرى إلى حد كبير. فعلى نحو القرآن للحديث أيضًا معيار لغوي لا يرتضى بشيء آخر أقل معه. ولذا من الضروري أن يحصل لطالبي الحديث براعة أن لا يترددوا في رد أشياء مثل "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، (رواها الموطأ رقم ٢٥٦٨ وابن ماجه رقم ١٥٣) بمحض أساس لغوي. وأن لا يواجهوا صعوبة في فهم أساليب مشكلة لغوية ونحوية. ولابد من نظر عميق على ما قد كتبه العارفون البارعون لهذه الفنون في هذا الباب. فإنه لا يمكن لشخص أن يحل مشكلات الحديث دون وقوف على دقائق اللغة وأساليب العربية.

ضوء القرآن

والثاني أن يفهم الحديث في ضوء القرآن وقد بينا من قبل ما للقرآن من مقام رفيع في الدين. وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في مكانته الرسالية والنبوية قد انبثق من القرآن بذاته، فهو مصدره ومأخذه القطعي. فعلاقة القرآن بالحديث علاقة تكون لأصل بفرعه ولمتن بشرحه، وذلك في معظم مضامين الحديث. فلا يمكن فهم الفرع والشرح إلا بالرجوع إلى متنه وأصله أيما فهم. وإذا استعرضنا أخطاء أو سوء فهم الحديث بدقة النظر ختى اليوم لوجدنا هذه الحقيقة واضحة جلية. فالكثير من الأحكام التي صارت مصدر ارتباك من مثل أحداث الرجم في العهد الرسالي وقتل كعب بن أشرف، وروايات عذاب القبر والشفاعة وحكم "أمرت أن أقاتل الناس" رواه البخاري رقم ٢٥ ومسلم ١٢٩) وحكم "من بدل دينه فاقتلوه: رواه البخاري رقم ٣٠١٧) فقد حصل ذلك لأنه لم تتم محاولة لفهم هذه الأمور بربطها بأصلها في القرآن. فإذا لاحظنا هذه القاعدة في فهم الحديث لتتم تصفية معظم الارتباكات في فهم الحديث.

الموقع والمكان

الثالث أن يعين مدلول الحديث برعاية مضمونه ورعاية محل وروده. أي أن ينظر في أي وقت اتجه الكلام وفي أي صدد ولمَن؟ فإنه إذا لم تُلحظ هذه الأمور فأحيانًا يصير الكلام الواضح أيضًا عقدة لا تحل. وعليه فهذا الأصل  له أهمية كبيرة في فهم الحديث.فهناك رواية مشهورة "الأئمة من قريش.(رواه أحمد رقم ١١٨٩٨) وأخطأ علماؤنا بظاهر ألفاظه أن أئمة المسلمين في السياسة يجب أن يكونوا من قريش فقط. مع أنه إذا سلمنا هذا المبدأ فما هو الفرق بين الإسلام والبرهمية في النظام السياسي على أقل حد؟ والباعث على هذا الخطأ في الفهم أن هذا الكلام الذي قد روي في خلفية وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والحالة السياسية ما بعده فوراً، وقد تم حمله على أنه حكم ديني مستقل. وفي ذخيرة الحديث هناك روايات كثيرة مثل ذلك وردت في مواضيع هامة. وفي فهم مرادها لا بد من رعاية هذا المبدأ.

النظر في أحاديث الباب

الرابع أنه يجب وضع روايات الباب جميعها امام النظر في وقت تعين مدلول الحديث ومراده. فربما يفهم إنسان مفهومًا خاصًّا من الحديث ولكن إذا درست روايات ذلك الباب كلها يبرز ذلك المفهوم في صورة أخرى تمامًا. ومثل ذلك روايات واردة في ما يتعلق بالتصوير. فيبدو لمن قرأ بعضها أن التصاوير كلها محرمة وممنوعة. ولكن إذا جمعت تلك الروايات كلها اتضح لك أن الحرمة إنما جاءت فقط في صور اتخذت للعبادة، ويمكن لنا تقديم عشرات أمثلة من هذا النوع من ذخيرة الحديث، ولذا أصبح من اللازم أنه في حالة تردد في دلالة وفهم حديث ما أن لا يُبنى رأي قاطع فيه دون جمع أحاديث الباب تامة.

العقل والنقل

الخامس أنه يجب أن يراعى في فهم الحديث أنه لا تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح. وقد أوضحنا في المذكورة أعلاه أن الدين متأسس على مسلمات العقل والنقل، ولذا فاذا بدا لنا شيء يعارضها ويخالفها يجب أن يُنظر فيه مرارًا وتكرارًا. فليست هذه طريقة علمية أن يتعجل المرء في الحالة كهذه إلى رد الحديث فوراً ويتفرغ منه أو أن يقبل له معنى مرجوحًا أو خطأ، مغمضًا عينيه عن العقل وتشهد  التجربة أنه إذا صح النظر في دراسة أي حديث لم يبق هناك اختلاف في الأكثر وتوضح الأمر من كل ناحية. والظاهر أن ذلك إنما يحصل عندما يعتقد المرء وبثقة كاملة أنه لا يمكن هناك أي تعارض بين العقل والنقل ولا منافاة.

ومن لا حظ هذا المبدأ من محققي السلف والخلف يمكن أن ترى ثمرات ونتائج ذلك في تحقيقاتهم في أمكنة كثيرة. ولذا فلا ينبغي أن يغض النظر عن ذلك في فهم الحديث في أي حال.

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

(يتبع ...)