logo
أخرى

غزة: رحلة خالدة إلى حضارة الإيمان

غزة: رحلة خالدة إلى حضارة الإيمان*

نحمده سبحانه وتعالى، ونصلّي ونسلّم على رسوله الكريم، أما بعد ...

أصحاب السعادة ... الأساتذة الأجلاء ... إخوتي الأحبة ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،                  

حديثنا اليوم عن غزة... عن غزة العزة، عن تلك البقعة المباركة التي صنعت من الحصار بطولة، ومن الدمار كرامة، ومن الدماء حياة! غزة ليست مجرد مدينة فلسطينية محاصرة، بل هي قلعة الصمود، وحصن الإيمان، ومئذنة الشرف التي لم تنحنِ لعواصف الطغيان. غزة يا سادتي ليست مأساة، بل ملحمة! ليست جرحًا مفتوحًا فحسب، بل شعلة تضيء دروب الأحرار في زمن الانكسار.

لقد تحرّكت غزة... فاهتزت الضمائر، تحرّكت... فاستيقظت الأمة من سباتها العميق، تحرّكت غزة... بأطفالها الذين يحملون في صدورهم قنابل من الصبر، وبنسائها اللواتي يرضعن البطولة، وبشيوخها الذين يزرعون العزيمة في صخور الأمل. إنها لم تدافع عن جدار، ولا عن حجر، بل دافعت عن القدس، وعن الأقصى، وعن العقيدة والمقدسات، عن كرامة الأمة كلها!

أيها الأحبة ...

غزة، ساحة للكرامة والإيمان والثبات، هي أرض الأنبياء، ومحراب العابدين، ومسرى الحبيب المصطفى ﷺ، هي الأرض التي باركها الله في كتابه، هي أرض الرباط، وأرض الحشر والمنشر، هي حيث تتلاقى دموع الأمهات بزغاريد النصر، وحيث يكتب التاريخ بدماء الشهداء.

قال الله عزّ وجلّ:

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٣٩-٤٠)                

إنها لم تدافع عن جدار، ولا عن حجر، بل دافعت عن القدس، وعن الأقصى، وعن العقيدة والمقدسات، عن كرامة الأمة كلها!

عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال:

"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرّهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتى أمر الله، وهم ظاهرون على الناس." (صحيح مسلم: ١٠٣٧)

وقد جاء في بعض الروايات أن هذه الطائفة المنصورة تكون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

فمن يا ترى تلك الطائفة اليوم، إن لم تكن غزة التي تتربع في قلب أكناف بيت المقدس؟

ومن إن لم يكونوا هم أبطالها الرابضين على الثغور، والمرابطين على باب القدس، حماة الأقصى وحراس العقيدة؟!

السادة الحضور...

غزة لا تطلب دمعًا... بل وعيًا. لا تنتظر تعاطفًا... بل موقفًا، ومساندة، وانحيازًا للحق. وإن لم نستطع أن نكون معهم في ميادين القتال، فلنكن معهم في ميادين الكلمة والدعاء والدعم، فإن المعركة لم تنته، وقضيتنا واحدة، والمصير مشترك! وفي ظل هذه الملحمة، نرى أنفسنا أمام مشهد يدمي القلوب:

غزة تحاصر، تقصف، تجوّع، وتحرق، والعالم يصمت! صمت إجرامي من "الأمم المتحدة"، وتواطؤ مفضوح للمجتمع الدولي، ومواقف باهتة مخزية من قيادات إسلامية لا تستحق أن تمثل هذه الأمة العظيمة.

وبينما تتمادى إسرائيل في جرائمها، مرتكبةً أبشع أشكال الإبادة الجماعية، يبقى أبناء غزة صامدين كالجبال، يدافعون بدمائهم عن العزة والحق والأقصى والكرامة.

أيها الحضور الكرام...

غزة اليوم تعلّمنا معنى العزة الحقيقية، والانتماء الأصيل، والتضحية من أجل العقيدة. غزة تعيد للأمة بوصلتها، وتشعل فينا شعلة الأمل من جديد. غزة تقول لنا: لا موت لمن وهبوا أنفسهم لله، بل حياة لا تنتهي... فلنجدد العهد معها، ولنرفع لواءها، ولنوقن أن النصر آتٍ، لا محالة ... وإن التاريخ يعلّمنا، والواقع يؤكد لنا، أن الحل الوحيد للظلم المستمر، وللأرض المغصوبة، هو الجهاد والمقاومة.

فما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة.

وليست هذه دعوة للعنف، بل هي دعوة للعزة والكرامة والدفاع عن الحق والمبادئ.

وفي ختام خطابي، أترككم مع أبيات مختارة، ينطق فيها المسرى شاكياً إلينا، معاتباً ضمائرنا بصدق لا يحتمل التأجيل.

يقول الشاعر محمد الشرقاوي في قصيدته البديعة «مسرى المصطفى» حيث يتجسّد المسرى صوتاً حيّاً يبوح بالألم ويوقظ الوعي:

ومسرى المصطفى يبدو حزينا
هتفتُم مرةً باسمي وعدتُم
فعاد ذئابُ هذا الكونِ نحوي
رأيتُ مدائني أشلاءَ تبكي
ولستُ أرى بأعينِكم صلاحًا
إذا لم تحشدوا جيشًا لنصري
فليس لكم مدى الأيامِ وزنٌ

ويشكو من خنوعِ المسلمينا
لبابِ الكهفِ صرتُم نائمينا
وأمسوا للحضارةِ هادمينا
وترزحُ تحتَ سطوةِ حاقدينا
فقد أمسى بعهدِ الغابرينا
يسوقُ إلى الجحيمِ الكافرينا
ولن تحيَوا كرامًا آمنينا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تشرّفت يوم الأربعاء الموافق ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥م بالمشاركة في المسابقة الوطنية الخطابية باللغة العربية، التي أقيمت في جامعة بنجاب بمدينة لاهور، تحت عنوان: «غزة: رحلة خالدة إلى حضارة الإيمان»

وقد كانت نيّتي الأساس من هذه المشاركة أن تكون تعبيرًا صادقًا عن التضامن مع أهلنا الصامدين في غزة، وتذكيرًا بأن قضيتهم جزء لا يتجزّأ من وجدان أمتنا وعنصر أصيل من هويتها الإيمانية.

ويشرفني اليوم أن أضع بين أيدي القرّاء الأعزّاء في مجلة «الإشراق» نصّ خطابي هذا، امتثالًا لأمر أخي الكريم، رئيس التحرير الدكتور محمد غطريف شهباز الندوي، إيمانًا برسالة الكلمة ودورها في نصرة الحق وإيقاظ الوعي.

لقد كان شرفًا عظيمًا لي أن أمثّل جامعتنا العزيزة، جامعة العلامة إقبال المفتوحة بإسلام آباد، في هذه المسابقة، وقد منّ الله عليّ بنعمة الفوز بالمركز الثالث بين المتسابقين من مختلف الجامعات والمدارس. وما كان هذا التوفيق إلا من فضل الله تعالى أولًا، ثم بفضل رعاية ودعم أساتذتي الأجلّاء ومساندة أصدقائي الأعزاء، فلولا توجيههم وتشجيعهم لما بلغت هذا المستوى، فجزاهم الله عني خير الجزاء. ولا يفوتني في هذا المقام أن أخص بالذكر وأعبر عن خالص تقديري وامتناني العميق للصديقين العزيزين والشاعرين المبدعين، الأديب محمد الشرقاوي (مصر) والأستاذ عمر محمود ضوبع (سوريا) على ما قدّماه من دعم كبير في إعداد نص الخطابة وصقل الأسلوب وتحسين الإلقاء وما بذلاه من وقت ثمين، فجزاهما الله خير الجزاء.