ميزان
(الحلقة الخامسة)
وهذا أيضًا يطلق على القربان، والاعتكاف والختنة وبعض الرسوم والآداب الأخرى. فهذه الأشياء لم تزل جارية معلومة ومتعينة ومتعارفة جيلًا بعد جيل. فما كانت حاجة أن يفصلها القرآن. فالألفاظ التي كانت مستعملة لها في اللغة العربية مصداقيتها متواجدة أمامهم. فلما جاء القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكوة وصوم رمضان والإتيان للحج والعمرة كانوا يعرفون من قبل ما هي الصلاة والزكوة والحج والعمرة. أي القرآن لم يبدأها أصلًا إنه قام بالإصلاح والتجديد فيها، وإنه يوضح منها ما يطلبه مقصد الإصلاح والتجديد، من توضيح وتفسير. وهذا الجزء من الدين الإبراهيمي الذي يصطلح عليه ب"السنة "هو "الدين" عند القرآن، فإذا ما يأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام فكأنه يأمر بأخذ هذه السنة تمامًا. ثُمَّ اَوْحَيْنَا٘ اِلَيْكَ اَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ اِبْرٰهِيْمَ حَنِيْفًاﵧ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ. (النحل: 123)
والشيء الثالث الصحف السماوية المتواجدة اليوم في صورة مجموعة صحائف الكتاب المقدس العهدين: الجديد والقديم (التوراة والزبور والإنجيل) نعم قد ضيع الجزءَ الكبير منها حاملو هذه الكتب المقدسة السيئو الحظ وأدخلوا تحريفات كثيرة فيها، ومع ذلك فقد يمكن رؤية خزانة ثراء للحكمة والشريعة المنزلة من السماء في أساليب البيان الخاصة بها. ويعرف طالبو القرآن أنه قد أشار إليها هنا وهناك. وخاصة أشار إليها بالبيان للجمل في قصص الأنبياء التي جاءت فيه وقد رد عليها على تحريفات اليهود والنصارى كما رفض التاريخ الذي يقدمه اليهود والنصارى. وإتمام الحجة كله الذي قام به القرآن على أهل الكتاب هو مبني على هذه الصحف السماوية، فمصدره ومنبعه أيضًا تلك الصحف.
فقال تعالى:
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَاَنْزَلَ التَّوْرٰىةَ وَالْاِنْجِيْلَ مِنْ قَبْلُ هُدًي لِّلنَّاسِ وَاَنْزَلَ الْفُرْقَانَﵾ اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِاٰيٰتِ اللّٰهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌﵧ وَاللّٰهُ عَزِيْزٌ ذُو انْتِقَامٍ. (آل عمران:3-4)
وقال:
اِنَّا٘ اَوْحَيْنَا٘ اِلَيْكَ كَمَا٘ اَوْحَيْنَا٘ اِلٰي نُوْحٍ وَّالنَّبِيّٖنَ مِنْۣ بَعْدِهٖﵐ وَاَوْحَيْنَا٘ اِلٰ٘ي اِبْرٰهِيْمَ وَاِسْمٰعِيْلَ وَاِسْحٰقَ وَيَعْقُوْبَ وَالْاَسْبَاطِ وَعِيْسٰي وَاَيُّوْبَ وَيُوْنُسَ وَهٰرُوْنَ وَسُلَيْمٰنَﵐ وَاٰتَيْنَا دَاوٗدَ زَبُوْرًا. (النساء:163)
فهذه هي الخلفية التي برعايتها علينا أن نسلم بعض الأشياء كمبادئ لشرحه وتفسيره:
أولًا إن هذا الدين كله يكتمل من حقائق مبتنية على شعور الحسن والقبح المستودع في الفطرة الإنسانية منذ الأزل، والذي يعبربه القرآن بالمعروف والمنكر. وأوامر الشريعة ونواهيها التي بينها القرآن بالتعيين تبتني على تلك المعروفات والمنكرات وتقوم على أساسها هي: فإن أقيم تصور للشرع بتركها يكون ذاك التصور ناقصًا وخلافًا لمراد القرآن خلافًا كليًّا.
وثانيًا: إن السنة لا تتخلف القرآن بل تتقدمه. ولذا تؤخذ باللزوم بإجماع وتواتر الحاملين له. والأحكام التي يذكر ها القرآن من هذه السنة تتعين تفاصيلها برواية مبتنية على ذاك الإجماع والتواتر ولا يؤخذ من القرآن مباشرًا كما فعله بعض مفكري القرآن بزعمهم في هذا الزمان وغيروا بذلك في مراد القرآن ومدلوله تغيرًا معاكسًا.
الثالث: إنه لفهم أساليب القرآن وإشاراته ولتفصيل إجماله عما يتعلق بأساليب خاصة للصحف السماوية وتاريخ اليهود والنصارى وقصص أنبياء بني إسرائيل والموضوعات المختلفة المتصلة، تكون الصحف العتيقة المأخذ الأصلي. وعليها يتأسس سائر البحث والنقد في الدراسة. والروايات المنقولة في هذا الباب في كتب التفسير جلها أو أغلبها يبتني على الأقاويل السماعية فلا تستحق أي التفات إذن.
فإن الضوء الذي يحصل على هذه الموضوعات من الصحف العتيقة وبطريق تقبل ألفاظ القرآن تفاصيلها أو توضح الحقائق الأصلية عن شيء جاء في تلك الصحف لا تكون هذه الروايات التفسيرية بدلًا له بأي طريق كان. والتي لا تورث ً في طالب للقرآن وليست هي تصير حجة على أهل الكتاب بأي طريق.
حكاية إنذار الرسول
وسابعًا: إن القرآن هو حكاية إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار مضمونه. تقرؤه من البداية إلى النهاية ترى هذه الحقيقة ثابتة بكل صفحة منه، ووجه ذلك أن الله تعالى لم يجعله فقط مجموعة التشريعات والحكم فقط بل أنزله كوسيلةلإنذار قومه. فقال:
وَاُوْحِيَ اِلَيَّ هٰذَا الْقُرْاٰنُ لِاُنْذِرَكُمْ بِهٖ وَمَنْۣ بَلَغَ. (الأنعام:19)
ومعلوم عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان فائزًا على منصب الرسالة مع النبوة. فمن يبعثه الله تعالى لهداية الخلق ويرشدهم بطريق الوحي والإلهام يطلق عليه اسم "النبي" ولكنه ليس ضروريًّا لكل نبي أن يكون رسولًا أيضًا. فإن الرسالة هي منصب خاص، ناله العديد من الأنبياء فقط. ويبدو مما فصله القرآن في ذلك أن الرسول يأتي كعدالة إلهية ويودع الدنيا يعد الفصل فيهم. ويفيد القرآن أن هذا القضاء الحاسم في دعوة الرسل يصدر مرورًا بمراحل الإنذار، الإنذار العام، إتمام الحجة والهجرة والبراءة، ويصدر بحيث تقوم محكمة السماء على وجه الأرض وتظهر دينونة الله سبحانه وتقوم القيامة الصغرى لمخاطبي الرسول. وتاريخ الدعوة الذي بيّنه القرآن يُعلم منه أنه تكون هناك صورتان في عامة الأحوال بهذه المناسبة. إحداهما أن يقل أصحاب الرسول ولم يتهيأ له دار الهجرة أيضًا. والثانية أنه يخرج مع عدد مناسب لأصحابه وأنصاره، وقد هيأ الله سبحانه له قبل خروجه المعاش الحر، والتمكن في أرض. وفي كلتا الصورتين تصدق سنة الله على الأرض فيما يتعلق برسله مصداقية لازمة. والتي جاءت في القرآن على نحو تالي:
وَلِكُلِّ اُمَّةٍ رَّسُوْلٌﵐ فَاِذَا جَآءَ رَسُوْلُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ.
(يونس:47)
ففي الصورة الأولى ينفذ على القوم هذا القضاء بعد أن هجرهم الرسول سواء بوفاته أو بهجرته إلى دار آخرة، بطريق أن تنزل عليهم جنود من السماء وأرسل عليهم طوفان من الساف والحاصب، وجنود السحب والرياح تهاجمهم بطريق لا يبقي ولا يذر أي معادي للرسول. ولكن يتم ذلك مع المشركين في مصطلح القرآن. أما الناس الذين يعتقدون أصلًا بتوحيد الله سبحانه لا يكون ذلك معهم. بل الضابطة فيهم أن يسلط عليهم عذاب الذلة والمحكومية والهوان. ومعلوم أن بني إسرائيل كان معها هذا الأمر. وعلى خلاف ذلك قد دثرت الأقوام الكثيرة من وجه الأرض، بما فيها قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، وقوم لوط وقوم شعيب والأمم الأخرى غيرها كذلك. وهذه الضابطة نفسها تُختار وتُتخذ يوم القيامة أيضًا كما قال في سورة النساء في الآية 48 أن الله تعالى لن يغفر الشرك هناك أيضًا ويغفر دون ذلك لمن يشاء.
ويصدق هذ القانون نفسه في الصورة الثانية ولكن ينفذ قضاء العذاب فيها بطريق سيوف الرسول وأصحابه. ويمهل القوم إمهالًا مزيدًا في هذه الصورة. والرسول يقوم بإتمام الحجة على مخاطبيه في دار هجرته. ويقوم بتربية المؤمنين به وتطهيرهم وتزكيتهم وبإعدادهم لهذه المحاربة بين الحق والباطل. ويحكم اقتداره وسلطته في دار هجرته استحكامًا أن يناضل المنكرين ويستأصلهم ويُنجح الحق وأهله.
قد حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصورة الثانية. ولذا فإن القرآن هو كله حكاية عن إنذار النبي صلى الله عليه وسلم، الإنذار العام، وإتمام الحجة والهجرة والبراءة والعقاب للمعاندين والجزاء الحسن للمؤمنين الموافقين.
(يتبع)
