حلّية الزينات
لقد أنعم الله على الإنسان بحسّ الجمال، وهي فطرة أودعها فيه، وهيّأ له من الأسباب ما يشبع هذه الفطرة في الأنفس والآفاق على السواء. فالإنسان يتمتّع بذوق جمالي في النظر، والقول، والصوت، والسمع، فيسعى إلى تجميل بدنه، وتزيين مسكنه، وتحسين بيئته، ويُعنى برقة حديثه، وجمال أسلوبه، وعذوبة صوته. وكلّ هذه مظاهر من مظاهر الزينة التي خلقها الله لعباده، وهي من نِعمه التي أحلّها لهم، ولم يضع القرآن بشأنها أيّ قيد أو نهي، بل على العكس، وجّه اللوم إلى أولئك القادة الدينيين الذين يحرّمونها ويمنعون الناس منها باسم الدين.
وقد تضمّنت سورة الأعراف (الآيات 28 إلى 32) هذا التوجيه الإلهي الجازم، حيث قال الله تعالى:
وَاِذَا فَعَلُوْا فَاحِشَةً قَالُوْا وَجَدْنَا عَلَيْهَا٘ اٰبَآءَنَا وَاللّٰهُ اَمَرَنَا بِهَاﵧ قُلْ اِنَّ اللّٰهَ لَا يَاْمُرُ بِالْفَحْشَآءِﵧ اَتَقُوْلُوْنَ عَلَي اللّٰهِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ ٢٨ قُلْ اَمَرَ رَبِّيْ بِالْقِسْطِﵴ وَاَقِيْمُوْا وُجُوْهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَّادْعُوْهُ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَﵾ كَمَا بَدَاَكُمْ تَعُوْدُوْنَ ٢٩ﶠ فَرِيْقًا هَدٰي وَفَرِيْقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلٰلَةُﵧ اِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيٰطِيْنَ اَوْلِيَآءَ مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ وَيَحْسَبُوْنَ اَنَّهُمْ مُّهْتَدُوْنَ ٣٠ يٰبَنِيْ٘ اٰدَمَ خُذُوْا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَّكُلُوْا وَاشْرَبُوْا وَلَا تُسْرِفُوْاﵔ اِنَّهٗ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِيْنَ ٣١ﶒ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللّٰهِ الَّتِيْ٘ اَخْرَجَ لِعِبَادِهٖ وَالطَّيِّبٰتِ مِنَ الرِّزْقِﵧ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا فِي الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَّوْمَ الْقِيٰمَةِﵧ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ.
في هذه الآيات، ينكر الله على المشركين ارتكابهم الفواحش باسم الدين، ومن أبرزها طوافهم بالبيت الحرام عراة، رجالًا ونساءً، بزعم أن الثياب رجس من الدنيا لا يصحّ دخول بيت الله بها. وكان قريش، سدنة الكعبة، قد أفتوا بأنه لا يجوز لغيرهم أن يطوف بملابسه، بل يجب عليه أن يستعير من قريشي، أو يطوف عاريًا! وقد فصّل أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي تفسير لفظ "فاحشة" في هذا السياق موضحًا أن المقصود به هذه الأفعال الفاضحة التي تُرتكب باسم الدين، وهي ظاهرة لطالما ظهرت في المعابد الوثنية والطرق الصوفية المنحرفة، بإيحاء من كهانها وسدنتها.فيقول:
"في الأصل استعمل لفظ 'فاحشة'، ومن الآيات التالية يتضح أن المقصود به تلك الأفعال الفاحشة التي كانت تُمارَس باسم الدين. وقد كانت مثل هذه الممارسات شائعة في معابد المشركين وأضرحة الطرق الصوفية ومراكز عبادتهم. وكانت تنشأ نتيجة مكائد الكهنة والقائمين على هذه المعابد من سدنة ومجاورين. وتظهر الروايات أن العرب في الجاهلية كانوا يمارسون بدعة مشابهة، وهي الطواف حول الكعبة وهم عراة، معتبرين ذلك عملاً دينياً. وكانوا يعتقدون أن الله قد أمرهم به. وكان قريش هم سدنة الكعبة، وقد أفتوا بأن العرب من غير قريش لا يجوز لهم الطواف بالكعبة بثيابهم. فكان لا بد لهم إما أن يستعيروا ثياباً من أحد من قريش، أو أن يطوفوا عراة. وكأن ثياب الآخرين كانت تعتبر نجسة لا تليق بهذه العبادة العظيمة." (البیان، 2 /144)
قد نفى الله تعالى بشدّة أن تُنسَب إليه هذه الفاحشة، ووبّخ من يفتري عليه هذا القول الباطل من غير بيّنة ولا دليل، قائلاً: لِمَ تفترون على الله كذباً؟
وفي هذا السياق أمرَ سبحانه وتعالى بأن يُؤتى إلى بيوت عبادته متحلّين بزينة البدن، أي مرتدين اللباس. فكأنّما أُغلق الباب أمام الفحشاء بأن يأتي المرء عارياً، كما أُغلق الباب أمام الرهبانية بأن تُنسَب هذه القباحة وسوء الذوق إلى الله.
ومفاد ذلك أن الله تعالى لم يفرض هيئةً خاصة أو لباسًا معيّنًا للتعظيم عند أداء العبادة، ولم يفرض لباسًا رسميًّا، لا في المسجد الحرام ولا في غيره من المساجد. بل الهداية الإلهية أن يُلبَس ما يلبسه الناس عادةً، من غير تكلّف[2].
وقد أوضح سبحانه، إلى جانب زينة اللباس، أنه لا حرج أيضًا في زينة الطعام. فالأطعمة الطيّبة التي تستخدمونها في منازلكم للتمتع بالحياة وسلامة الأبدان يمكنكم أن تستخدموها كذلك في المساجد.
وكما أن ارتداء اللباس لا يتنافى مع الدين والتقوى، فكذلك التمتّع بنِعم الله في الأكل والشرب لا يتنافى مع الدين، بل هو من شكر النعمة واستعمالها في مواضعها المشروعة.
فإن الله يأمر بالزينة، لا التعري، ويأمر بالاعتدال، لا بالإفراط ولا بالتفريط. فليس في الدين ما يدعو إلى العري باسم التنسك، ولا إلى رفض الطيبات من الطعام واللباس باسم الزهد. فاللباس زينة، والطعام الطيب زينة، والله يحبّ أن يرى أثر نعمه على عبده، ما دام ذلك دون إسراف. فيقول الشيخ أمين أحسن الإصلاحي موضحاً ذلك:
"المنع الوارد في هذا السياق يتعلق بالإسراف. فالتجاوز عن حد الاعتدال وعدم الالتزام بالعدل والقسط في التعامل مع نِعم الله يعد إسرافًا. وكما أن التهاون في الاستفادة من نعم الله سلوك غير أخلاقي، فإن تبذيرها وإهدارها بغير فائدة يعد أيضًا تصرفًا مخالفًا للأخلاق. فرفض النعمة أو استخدامها استخدامًا عبثيًّا، كلاهما يعكس جحودًا وعدم تقدير لهذه النعم. ولا يمكن التسامح مع هذه الوقاحة وسوء الأدب في حق الفيض الإلهي. إن دين الله قائم على توازن الفطرة، ولهذا فهو يرفض كل خلل في هذا التوازن وكل صورة من صور الغلو والتقصير، لأنها تتنافى مع تزكية النفس. "
وقد كتب الشيخ أمين أحسن الإصلاحي في توضيح مزيد لهذا المعنى قائلاً:
"الله تعالى "قائم بالقسط"، ولذلك يحب "المقسطين"، أي الذين يلتزمون بالعدل والاعتدال، ولا يحب "المسرفين"، أي الذين يتجاوزون هذا الحد. وهذه المجاوزة قد تكون في صورة إفراط أو تفريط، وكلا الأمرين مخالف لما يحبه الله. فليس مما يرضي الله أن يجعل الإنسان الأكل والشرب واللباس غايته في الحياة، ينشغل بها ليله ونهاره، كما لا يرضيه أيضًا أن يترك هذه الأمور كالرهبان واليوغيين. فكل من التبذير والتقصير طريق من طرق الشيطان. إن الله يحب الاعتدال والعدل في كل شؤون الحياة." (تدبر القرآن ٣ / ٢٥١-٢٥٢)
وبعد دحض القيود الباطلة والمُختلقة على دخول المساجد، جاءت الآية 32 لتُبيّن التوجيه المبدئي بخصوص جميع مظاهر الزينة. وهذه الآية من القرآن المجيد تعد الكلمة الفصل في قضايا الحلال والحرام؛ حيث بيّن الله تعالى فيها بوضوح من هو الذي يملك حق التحليل والتحريم، وما هو حكمه المبدئي بشأن الزينة."فقال تعالى:
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللّٰهِ الَّتِيْ٘ اَخْرَجَ لِعِبَادِهٖ وَالطَّيِّبٰتِ مِنَ الرِّزْقِﵧ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا فِي الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَّوْمَ الْقِيٰمَةِﵧ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ.
(الأعراف:32)
الخلاصة:
- الزينة من نعم الله، وهي حلال.
- لا يقبل تحريمها باسم الدين إلا بدليل من الله.
- لا عُريّ ولا تزهّد مفرِط، بل اعتدال.
الاعتدال في الزينة والطعام والشراب هو من صميم التزكية.
