حدود الدعوة
]نشر هذا المقال للأستاذ جاويد أحمد غامدي عام ١٩٩٠م، وهو ضمن محتويات كتابه الشهير "برهان"[
شهدت مسيرة الدعوة إلى الدين في هذا العصر حادثة جسيمة، تمثلت في أن كثيرًا من الدعاة لم يراعوا، في الغالب، الحدود التي ينبغي الالتزام بها ضرورة في هذا المجال. أمّا ما وقع في الماضي، فلا مجال لإصلاحه الآن، غير أن من سيحملون هذه الرسالة في المستقبل ـ وسيكون ذلك بإذن الله ـ فهم أحوج ما يكونون إلى وضوح الرؤية والتزام الضوابط. ومن ثم، نبيّن هنا جملة من الحدود التي يجب أن تكون حاضرة في أذهانهم، حتى لا تبقى لباحثي الحق شبهة ولا التباس.
١- الحجة النهائية في الدين
أول هذه الحدود أن النبوة قد ختمت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم. وبهذا الختم الإلهي، لم يعد لأحد من الناس أن يزعم لنفسه الحق في أن ينزل رأيه أو اجتهاده منزلة الحجة القطعية التي لا تقبل النقاش، أو أن يجعل من قوله أو فعله معيارًا يميز به الحق من الباطل، ثم يطالب الناس باتباعه على هذا الأساس. إنما هذا حق خالص للأنبياء، قال تعالى:
فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم. ١
وهو وحده من خاطبه ربه بقوله:
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. ٢
ومن ثم، فإن من يقوم بالدعوة بعده صلى الله عليه وسلم، لا يملك إلا أن يقدم رأيه واستنباطه مستندًا إلى دلائل من الكتاب والسنة، مع التصريح بأن ذلك اجتهاده الخاص، الذي يطمئن إليه، لكنه لا يدّعي له العصمة من الخطأ. وما يطرحه على الناس إنما يعرض بقوة الحجة، لا بقوة المنزلة. وأي وحي خاص، أو إلهام، أو رؤيا، أو انشراح صدر، لا يمكن أن يمنح هذه المكانة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن يقال في صاحبه: ’إن الحق يدور معه حيث دار‘.٣
٢- السّمع والطّاعة
أما الحد الثاني، فهو أن حق طلب السمع والطاعة لا يملكه أحد في ذاته إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو وحده الذي خاطب قومه بقوله: اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ٤ ومن بعده، فإن هذا الحق لا يثبت إلا لأولي الأمر من المسلمين، أي الحكام الذين يطلبون الطاعة في نطاق ما أمر الله به وشرعه، بشرطين واضحين في القرآن الكريم أن يرد النزاع إلى الله ورسوله وأن يحتكم في الأمر إلى مبدأ الشورى كما في قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم. ٥وقد بيّن الله تعالى هذا الأصل في قوله:
يٰ٘اَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْ٘ا اَطِيْعُوا اللّٰهَ وَاَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وَاُولِي الْاَمْرِ مِنْكُمْﵐ فَاِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ اِلَي اللّٰهِ وَالرَّسُوْلِ. (النساء: ٥٩)
فهذا الحق (السمع والطاعة) محصور في ثلاث جهات: الله، ورسوله، وأولو الأمر من الحكّام. أما سائر الدعاة إلى الدين، فلا يملك أحد منهم هذا الحق، وليس في الكتاب أو السنة ما يدل على منحه لهم. وغاية ما يحق لهم طلبه من الناس هو: المعاونة في أعمال البر والتقوى، ٦ والنصرة في سبيل الله، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله٧، وإذا تأسّس تنظيم لأغراض الدعوة بناءً على التشاور والاتفاق، فإن الالتزام به يكون داخلًا في عموم قوله تعالى: أوفوا بالعقود.٨ حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن له حق الطاعة من الله، لم يطلب ـ وهو في مكة ـ من أحد من قومه بيعة على السمع والطاعة. بل إن أكثر ما طلبه في مقام الدعوة، قوله: فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ (رواه أحمد، رقم ١٣٧١) فالداعية، إن شاء، فليأخذ من رفاقه بيعة الأخوة والصحبة، أما بيعة الطاعة المطلقة، فليست له بحال. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب هذه البيعة من أهل يثرب إلا في بيعة العقبة، حين دعوه إلى المدينة ليكون حاكمًا عليهم. أما قبل ذلك، فقد مكث ثلاث عشرة سنة في مكة، لم يطلب فيها من أحد تلك البيعة.
٣- التزام الجماعة
الحد الثالث هو أن الأمر الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم:’ أنا آمركم بالجماعة‘ ٩، إنما يتعلّق بالنظام السياسي للمسلمين. وهذا ما يظهر جليًا في روايات ابن عباس التي أوردها الإمام البخاري، حيث جاء: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية. (البخاري، رقم ٧٠٥٤) وجاء في رواية أخرى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية. (البخاري، رقم ٧٠٥٣) يتبيّن من هذه الروايات أن كلمتي "الجماعة" و"السلطان" استخدمتا بمعنى مترادف، وهو ما يدل بوضوح على أن "الجماعة" المقصودة هي السلطة السياسية. وبالتالي، فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها لا ينطبق إلا على جماعة المسلمين التي تملك سيادة سياسية في بقعة من الأرض، ويكون فيها نظام إمارة قائم. هذا هو ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالالتزام به، وجعل الخروج عليه بمثابة الخروج من الإسلام. أما الجماعات الدينية والتنظيمات التي لا تملك سلطانًا سياسيًا، فلا يشملها هذا الحكم، ولا يصح إسقاطه عليها.١٠
الهوامش:
١. النور ٢٤: ٦٣
٢. النساء ٤: ٦٥
٣. عبقات، عبقة ١١، الشاه إسماعيل الشهيد – "فالحق يدور معه حيث دار." وقد وصف صاحب "عبقات" هذه المرتبة التي يسمّيها الشيخ أحمد السرهندي بـ"الولاية العليا"، بل وذكر: "فالحق تابع له لا متبوع."
٤. نوح ٧١: ٣
٥. الشورى ٤٢: ٣٨
٦. المائدة ٥: ٢
٧. الصف ٦١: ١٤
٨. المائدة ٥: ١
٩. أحمد، رقم ١٧١٠٤ – "أنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله."
١٠. لا يشترط في الدعوة إلى الله وجود تنظيم جماعي دائم؛ فقد قام علماء الأمة بهذا الواجب في الغالب أفرادًا، وما زالوا قادرين على أدائه كذلك متى انتفت الحاجة إلى العمل الجماعي.
(يتبع)
