تحقيق (الحديث المسلسل بتحريك الشفتين)
(الحلقة الأولى)
(مقطتف من شرحه الحافل للجامع الصحيح البخاري تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)
]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[
قال البخاري: حدثنا موسى بن اسماعيل أخبرنا أبوعوانة ثناموسى بن أبي عائشة ثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عىنهما في قوله تعالى: "لاتحرك به لسانك لتعجل به" قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التىزيل شدةً وكان مما يحرك شفتيه فقال ابن عباس: فأنااحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما: وقال سعيد أنا احركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فانزل الله تعالى: لاتحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، قال جمعه لك صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه"قال فاستمع له وانصت ثم إن علينا بيانه ثم إن علينا أن تقرأه .فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا اتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كماقرأه (ص 3)
طرق الحديث:
2-وقال البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا أبوعوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس نحوه، ولم يقل مما ،وقال جمعه لك في صدرك ثم تقرأه، ولم يذكر الآية ثم إن علينا بيانه وفي الآخر كما اقرأه. (ص 1122كتاب التوحيد )وأخرجه مسلم عن عتيبة به مثله سواء (صحيح مسلم المجلد 1 ص 18كتاب الصلاة باب الاستماع للقرأة طبع الهند)
(3) قال البخاري: حدثنا الحميدي ثنا سفيان (هو ابن عيينة) ثناموسى بن أبي عائشة وكان ثقة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه ،ووصف سفيان (أي حرك شفتيه) يريد أن يحفظه فأنزل الله تبارك وتعالى: لاتحرك به لسانك لتعجل به (ص 33كتاب التفسيرسورة القيامة) ورواه الترمذي عن ابن عمرعن ابن عيينة به.كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يريد أن يحفظه فأنزل الله تبارك وتعالى لاتحرك به لسانك لتعجل به .قال كان يحرك شفتيه وحرك سفيان شفتيه.(سنن الترمذي تفسيرسورة القيامة)
(4) وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن موسى بن أبي عائشة أنه سأل سعيد بن جبيرعن قول الله" لاتحرك به لسانك لتعجل به" قال: قال ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرك به شفتيه إذا انزل عليه فقيل له لاتحرك به لسانك "يخشي أن ينفلت منه، إن علينا جمعه -أن نجمعه في صدرك وقرآنه أن تقرأه، فإذا قرأناه ،يقول أنزل عليه (أي تم وانتهى نزوله) فاتبع قرآنه ،ثم إن علينابيانه ،أن نبينه على لسانك.
(5) قال البخاري :حدثنا قتيبة بن سعيد ثناجريربن عبد الحميد عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى :لاتحرك به لسانك لتعجل به قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يُغرف منه فأنزل الله الآية التي في "لاأقسم بيوم القيامة "لاتحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه،قال علينا أن نجمعه في صدرك وقرأنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه: فإذا انزلناه فاستمع ثم إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك،قال :فكان إذا اتاه جبريل أطرَقَ فإذا ذهب قرأه كماوعده الله(ص 734)رواه مسلم عن قتيبة وأبي بكربن أبي شيبة واسحاق بن ابراهيم كلهم عن جرير به مثله .(صحيح مسلم 1ص183)طبع الهند. وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو يحى التيمي (هو اسماعيل بن ابراهيم الأحول) ثنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبيرعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انزل عليه الوحي يلقى منه شدة وكان إذا أنزل عليه عُرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل الله تعالى: لاتحرك به لسانك لتعجل به. تفسير ابن كثير 4 ص449كلمة مما في هذا الحديث بمعنى ربما وهو معروف في كلام العرب قال الشاعر:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على وجهه تُلقى اللسان من الفم
(التراجم) موسى بن اسماعيل التبوذكي البصري المنقري ولاءً -والتبوذكي نسبةً إلى تبوذك وهي قرية ،اشترى موسى بهاداراً فنسب إليها(تهذيب الكمال )روى عن جريربن حازم ومهدي بن ميمون ومبارك بن فضالة وأبان بن يزيد العطار وغيرهم وعنه البخاري وأبوداؤد والذهلي والحسن بن علي الخلال وغيرهم ،وكان ثقة متقناً كثيرالحديث. مات بالبصرة ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب سنة ثلاث وعشرين ومأتين ودفن يوم الثلاثاء (من تهذيب التهذيب)
أبوعوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي مولى يزيد بن عطاء ،كان من سبي جُرجان. روى عن أشعث بن أبي الشعثاء والأسود بن قيس وقتادة وأبي بشروموسى بن أبي عائشة وغيرهم ورأى الحسن وابن سيرين وسمع من معاوية بن قرة حديثاواحداً-وعنه شعبة وابن علية وأبو داؤد الطيالسي وأبوداؤد وأبو الوليد الطيالسي وغيرهم وآخرمن روى عنه الهيثم بن سهل التستري،ثقة ثبت صحيح الكتاب في قتادة، مات في ربيع الأول سنة ست أو خمس وسبعين ومأة، مولاه المعتِق يزيد بن عطاء ضعيف في الحديث وهو -أبو عوانة- ثقة (من تهذيب التهذيب)
موسى بن أبي عائشة: أبو الحسن الكوفي مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومي-روى عن عبد الله بن شداد وسعيد بن جبير وعُبيد الله بن صرد وعنه شعبة وإسرائيل وأبوعوانة وغيرهم.وثقوه وهذالحديث يدل على أنه كان قد يكذب فإن ذكره تحريك الشفتين كذب وافتراء على سعيد بن جبيروعلى ابن عباس.
سعيد بن جبيربن هشام أبومحمد الكوفي من ثقات التابعين،كان جده هشام مولى بني والبة،وهم بطن من بني أسد بن خزيمة،روى مرسلاً عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وعن عبد الله بن مغفل وعدي بن حاتم وعلي بن أبي طالب وأبي مسعود الأنصاري وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم ولم يدركهم وروى عن ابن عباس بالواسطة وبدونها. فإن صرح في حديث بسماعه من ابن عباس فهو متصل واعتبرت مارواه عن ابن عباس من تفسيرأو حديث فوجدته مرسلاً. وروى عن ابن الزبيروابن عمروعمروبن ميمون وأبي عبد الرحمن السلمي- وعنه ابناه عبد الملك وعبدالله ويعلى بن حكيم ويعلى بن مسكم وأبواسحاق السبيعي وأيوب السختياني والأعمش وغيرهم .كان سعيد بن جبير معدوداً من العلماء الثقات إلاأنه وسمَ سيرته بسمة البغي، قد كان الأمير حجاج بن يوسف الثقفي يكرمه ويسدي إليه، ولكنه نبذ إحسانه وراء ظهره وخرج مع ابن الأشعث في فتنته وبغيه على أميرالمؤمنين عبد الملك بن مروان ،فلما هُزم ابن الأشعث هرب سعيد بن جبيرفقبض عليه بعد مدة بمكة وأتي به الحجاج بواسط فجعل الحجاج يقول له أم أفعل بك كذا وكذا يُذكره ماكان انعم عليه فيقول بلى،قال فماحملك على الخروج علينا؟ قال بيعة كانت عليّ يعني كنت بايعت ابن الأشعث، فغضب الحجاج وصفق بيديه وقال بيعة أميرالمؤمنين كانت أسبق وأولى يعني انك قد كنت بايعت أميرالمؤمنين عبد الملك بن مروان من قبل أن تبايع ابن الأشعث، ولم يكن يجوزأن تبايع ابن الأشعث بعد ماكنت بايعت أمير المؤمنين فسكت فضربت عنقه، فانظروا إليه أنه قد كان أذنب ذنباً عظيماً ثم لم يتب منه ولم يندم عليه ولم يعترف بخطيئته.ولكن الذين اشربوا في قلوبهم بُغض بني أمية عدواسعيد بن جبيرهذا بطلاً من أبطال الورع والتقى الذين لايخافون في الله لومة لائم.ذكر في تهذيب التهذيب أنه قتل في شعبان سنة خمس وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة، وعلى هذا كان مولده سنة ست وأربعين.
عبيد الله بن موسى بن باذام الكوفي الحافظ:كان جده باذام عبدا لبني عبس فاعتقوه فهو عبسي بنسبة الولاء، روى عن إسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة وأيمن بن نابل والأعمش وغيرهم وعنه أحمد بن أبي سُريح الرازي وأحمد بن اسحاق البخاري وأبوبكربن أبي شيبة ومحمد بن يحي الذهلي ومحمود بن غيلان وغيرهم وسمع منه محمد بن إسماعيل البخاري وروى عنه سبعة وعشرين حديثا في الصحيح بدون الواسطة وروى عنه أحاديث بواسطة أحمد بن أبي سريج وأحمد بن اسحاق .وانظر إلى أيمة الرجال ماذا قالوا في هذا الرجل :
(يحي بن معين) ثقة وأرجو أن يكون صدوقاً وليس حديثه بالقوي (أبو حاتم) صدوق ثقة حسن الحديث (العجلى) ثقة وكان عالمابالقرآن (أي يحفظ ماقال السدي والضحاك ومجاهد وقتادة وغيرهم) رأسا مارأيته قط رافعاً رأسه ومارئي ضاحكا قط. (ابن سعد)كان ثقة صدوقا إن شاء الله تعالى كثيرالحديث حسن الهيئة وكان يتشيع ويروي أحاديث في التشيع منكرة وضعف بذلك عند كثير من الناس وكان صاحب قرآن. (عثمان بن أبي شيبة) صدوق ثقة وكان يضطرب في حديث سفيان الثوري اضطراباً قبيحاً، (ابن قانع)كوفي صالح يتشيع (الساجي) صدوق كان يفرط في التشيع (أحمد بن حنبل) كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء وكان أحمد بن فضيل استرمنه وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية وقد رأيته بمكة فاعرضت عنه وقد سمعت منه قديماً سنة 188. (أبوداؤد) كان محترقاً -أي شيعياً غاليا- سمعياً جازحديثه يعني اشتهربين الناس. (يعقوب بن سفيان) شيعي وإن قال قائل رافضي لم انكر عليه وهو منكر الحديث. (أبو اسحاق الجوزجاني) عبيد الله بن موسى أغلى واسود مذهباً وأروى للعجائب (أبو مسلم البغدادي) عبيد الله بن موسى من المتروكين تركه أحمد وقد عوتب أحمد على روايته عن عبد الرزاق (فإنه كان شيعياً أيضاً) فذكرأن عبد الرزاق رجع (تهذيب التهذيب).
فتلخص من هذه الأقوال أنه كان مفرطا في التشيع منكرالحديث منافقاً قد كتم مذهبه السئي بالتقية وإظهارالخشوع والتقوى وهيئة الصالحين.لايضحك أمام الناس يجلس منكساًرأسه ويحدث فإذا كان في مجلسه رجال من أهل السنة حدث بأحاديث معروفة كي لايتفطن السامعون لما في قلبه من المرض،وإذا كان عنده رجال من أهل مذهبه حدثهم بمايفرحون به من أحاديث منكرة موضوعة في منقبة علي رضي الله عنه وأهل بيته وذم مخالفيه.
وقد وجدت تلبيساً له لم يدركه البخاري فخلط بين حديثين رواهما أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي أحدهما عن البراء بن عازب في ذكرعمرة القضاء والثاني عن هبيرة بن يريم وهانئ بن هاني الرافضيين عن علي في ذكربنت حمزة رضي الله عنه أن علياً اتى بها من مكة فاختصم في كفالتها علي وأخوه جعفر وزيد بن حارثة وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي أنت مني وأنامنك،وهو حديث مختلق باطل ولكن عبيد الله بن موسى حدث به محمد بن إسماعيل البخاري وحذف اسم هبيرة وهانئ من الإسناد وجعل الحديثين حديثاً واحدا من طريق أبي اسحاق السبيعي عن البراء بن عازب-ولم ينتبه البخاري لتلبيسه هذا ،وأثبت هذا الحديث الباطل في صحيحه،فإذا كان هذا الساحرقد سحرالبخاري فماظنك بغيره من الذين سمعوا منه!
فينبغي أن يكون الناظر في الحديث على حذر شديد من حديث هذالرجل ولايقبل إلاماتابعه عليه الثقات. وذكرفي تهذيب التهذيب أنه كان يحج كل سنة ولايصلى جمعة ،فقال عتبوا عليه ترك الجمعة مع إدمانه الحج -قلت عتبوا عليه عبثاً كان عليهم أن يرفعوا أمره إلى الأميربمكة، وكان عذره واضحاً فإنه لم يكن يحج إلا ليلقى أهل مذهبه،وكان يرى أن الجمعة لاتصح إلا خلف إمام من ذرية علي-ولد سنة ثمان وعشرين ومأة ومات في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومأتين. فالبخاري سمع منه في حداثة سنه.
إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي: الهمداني الكوفي أبو يوسف روى عن جده أبي إسحاق وزياد بن علاقة وزيد بن جبيروإسماعيل السدي وهشام بن عروة وغيرهم- حفظ أحاديث جده ولكنه سمع منه إذ تغيرواختلط.قال صالح بن أحمد إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخره(تهذيب التهذيب) وقال يحي بن سعيد القطان أن إسرائيل روى عن أبي يحي القتات مناكير-وقال يعقوب بن شيبة إسرائيل صالح الحديث ثقة صدوق ليس في الحديث بالقوي ولا بالساقط وقال ابن سعد كان ثقة وحدث عنه الناس حديثاً كثيراً ومنهم من يستضعفه. ولد سنة مأة ومات سنة ستين أو إحدى وستين أو ثنتين وستين ومأة. (تهذيب التهذيب)
جريربن عبد الحميد بن قرط: أبوعبد الله الضبي الرازي القاضي ولد بقرية من قرى اصبهان ونشأ بالكوفة ونزل الري ثقة ثبت متقن روى عن عبد الملك بن عمير وأبي إسحاق الشيباني ويحي بن سعيد الأنصاري وسليمان التيمي والأعمش وعاصم الأحول وغيرهم وعنه إسحاق بن راهويه وابناأبي شيبة وقتيبة وعلي بن المديني وغيرهم ولد سنة سبع ومأة ومات في ربيع الآخرسنة ثمان وثمانين ومأة. كان من العباد الخشن وقال قتيبة هو الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية رضي الله عنه علانيةً .(تهذيب التهذيب)
(شرح الحديث)
نسب سعيد بن جبيرإلى عبد الله بن عباس أنه ذكرأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أوائل الوحي يعجل بقراءة كلمات الآية أو الآيات التي توحي إليه من القرآن مخافةَ أن يفوته شيئ منها، ولايخفى أن الكلام لايفيد فائدته إلا إذا سمعه المخاطب تاماكاملاً. وإن بقي بصدد الرجع والتكرير يتكلم المتكلم بكلمة فيرددها المخاطب وهكذا إلى آخرالكلام فربما لايفهم المخاطب أكبر شيئ من مراده وفحواه. فارشد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم للطريق الصحيح الصائب لتلقي الوحي وأحذه فأمره بأن يُنصت ويستمع لمايوحى إليه فقال لاتحرك به لسانك لتعجل به، ووعده أن لاتفوته كلمة من الوحي ويصيركله محفوظا مَوعيافي قلبه جارياً سلِساً على لسانه -ومناسبة هذا الحديث لبدء الوحي ظاهرة.
نقد الحديث:
ولاأرى نسبة هذا القول وهذا التفسير إلى ابن عباس صحيحة لأن سعيد بن جبيرلم يقل حدثني أو أخبرني أو أعلمني أو أنبئني ابن عباس ولم يقل سمعت ابن عباس وإنما قال عن ابن عباس ولاريب في أن سعيداً سمع من ابن عباس أحاديث فرواها وسمع أحاديث من رجال عن ابن عباس فرواها عن ابن عباس بدون أن يذكر الواسطة ويسمى من سمعها منه، فإن كان في الإسناد مايدل على سماع سعيد ذلك الحديث من ابن عباس كان الحديث متصلاً وإن كان معنعناً لم يجزم باتصاله. وهذا الحديث تفرد به موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير ورواه عن موسى أبوعوانة وابن عيينة واسرائيل وجرير بن عبد الحميد وأبو يحي إسماعيل بألفاظ متقاربة وكلهم ذكروا في إسناده"سعيد بن جبير عن ابن عباس "فلايحصل الجزم بأن سعيداً سمعه منه. ومارواه عن ابن عباس إلاسعيد بن جبير- فلوأن ابن عباس حدث بهذا الحديث لكان مجاهد وعكرمة أولى بروايته، وهما أتقن وأوثق من سعيد وأكثرأخذا والزم صحبة لابن عباس-
وإن سلمنا أن ابن عباس ذكره وحدث به سعيدَبن جبيروفسرله هذه الآيات هذا التفسير فلاريب في أن ابن عباس لم يكن وُلد إذ نزلت سورة القيامة فإنها من أوائل السور المكية وولد ابن عباس قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. ثم إنه ما ادعى أنه سمع مافسربه بهذه الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صاحب من أصحابه فما هو إلا ما ابتكره ابن عباس من عند نفسه بالتفكر، فهذا المعنى والتفسير مما رأى ابن عباس وليس مماروى-وقد اجمع أهل العلم على أن الحجة في ماروى الصحابي لافي مارأى.
(للبحث صلة)
