دراسة نقدية لتفسير «مفتاح القرآن الكريم»
للعلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي
(الحلقة الثالثة)
تفسير القرآن بالقرآن:
بحسب قول الدكتور السيد شاهد علي، "فيما يخص تفسير الآيات، يتبع المؤلف منهج تفسير القرآن بالقرآن بشكل كامل. وغالبًا ما يحاول أن يفسر آية ما بمساعدة آيات أخرى، ولا يقتصر على بيان الآيات الأخرى فقط، بل يوضحها ويشرحها أيضًا. وبهذا يحيط بالموضوع إحاطة تامة، ويكون متبعًا تمامًا لمنهج السلف الصالح. فعلى سبيل المثال، في تفسيره لقوله تعالى: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. فقد فسرها في ضوء آيات أخرى."(26)
النقد لبعض التصورات الفكرية المعاصرة:
وهذه أيضًا من الخصائص المعرفية والفكرية المهمة لهذا التفسير. ونريد هنا عرض المناقشة الجدلية التي أشار إليها المفسر باختصار، والتي أصبحت محل نقاش موسّع لاحقًا، مع أن من ناقشها لم يذكر اسمه ولم يحل إلى كتاباته وهذا من الخيانة العلمية وعلى كل، فهذه المناقشة تدور حول: هل الإنسان خليفة الله؟ كما روجت لها الأدبيات الإسلامية الموسعة اللهم إلامانقد الفكرة من الإمام ابن تيمبية في الأسلاف وبعض العلماء السلفية المعاصرة. إن "الاستخلاف في الأرض" يعني أن تأتي أمة بعد أمة، أو فرد بعد فرد. وقد وردت ألفاظ مثل "خليفة"، و"استخلاف"، و"خلائف"، وغيرها من المشتقات في القرآن الكريم في نحو خمس عشرة موضعًا، وكلها تعني أن الله تعالى منح قومًا أو فردًا مكان قوم أو فرد آخر. وقد أخطأ كثير من المفسرين في فهم هذه الآيات، وبدون دليل قالوا إن الإنسان خليفة الله. وكان للمولانا المودودي -رحمه الله- الدور الأكبر في تعميم هذا الفهم الخاطئ في العصر الحديث،مع ضعفه في علم الحديث، إذ جعله فلسفة كاملة.
وقد جعل أنصار "الخلافة الإلهية" من قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) [البقرة: 30 ] أساسًا لهذا الفهم، بينما قدّم مؤلف ’’مفتاح القرآن‘‘ تفسيرًا جدليًا ومفصلًا لهذا النص. حيث ناقش الأقوال المتعددة ثم عرض رأيه أن من قال إن المقصود بـ"خليفة" هو "نائب الله فقد أخطأ خطأاًفاحشاً"(27) وقال: "عدد من أهل العلم فهموا من (خليفة) في هذه الآية أنه خليفة الله، أي نائبه، واعتبروا أن المقصود به الإنسان عمومًا، وقد وجدنا أن من أبرز من عبّر عن هذا الرأي بوضوح وتفصيل هو المولانا أبو الأعلى المودودي -رحمه الله-.". ثم نقل عبارته ونقدها.
وقد فسر المؤلف الآية بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة:
"أي: إني واضع في الأرض مخلوقًا سيتوارثها جيلًا بعد جيل. ومعنى ذلك أني قررت أن يكون نوع الإنسان مستوطنًا في الأرض على نحو متعاقب. و"الجعل" هنا بمعنى الوضع. فالإنسان هو ذلك المخلوق الذي يوجد فيه نظام الخلافة والتعاقب بشكل طبيعي. وقد سُمي الإنسان في القرآن خليفًة، والبشر خلفاء وخلائف بهذا المعنى، لكن لم يرد في القرآن من أوله إلى آخره أن الإنسان "خليفة الله"، لا في حق أي نبي ولا غيره. حتى بالنسبة لداؤد عليه السلام قيل: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض [ص: 26 ]، أي خليفة في الحكم لطالوت وفي النبوة لسموئيل، وليس المعنى "خليفتنا"، ومن ترجمها بهذا الشكل فقد أخطأ، فكلمة "خليفتنا" إضافة خاطئة تمامًا. كذلك فإن ترجمة (إني جاعل في الأرض خليفة) إلى "إني جاعل نائبًا لي في الأرض" غير صحيحة، إلا إذا قيل "خليفتي" أو "خليفة لي"، فحينها يصح هذا التفسير. وقد استشهد كذلك بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لمن ناداه بـ"خليفة الله"، فرد قائلًا: "أنا خليفة رسول الله، لا خليفة الله."(28)
الشورى:
يرى المؤلف أن الشورى ليست ملزمة، أي لا يجب على أمير المؤمنين اتباعها، لكن بحسب تعبيره: "حسن السياسة يقتضي ألا يخالف الأمير رأي الأغلبية ما استطاع." وقد وجه في هذا السياق نقدًا لمن يستخدم مبدأ الشورى كدليل على الديمقراطية المعاصرة.(29)
القراءات السبع:
أصبح موضوع القراءات السبع اليوم مجالًا للبحث والنقاش، مثل اختلاف الروايات، وخاصة مسألة الأحرف السبعة، وجمع القرآن في عهد أبي بكر، والرأي القائل بأن ترتيب القرآن كان باجتهاد لا بنص. كما أن هناك روايات عن اختلاف ابن مسعود مع مصحف عثمان، وأكثر ما يثير الالتباس هو تأويل الأحرف السبعة. فبعض العلماء يرون أنه يمكن استخدام ألفاظ مترادفة مثل "أقبل"، "هلم"، و"تعال"، وكذلك "أمهل" بدل "عجل"، ما دام المعنى لا يتغير. يقول الطبري: إن النبي ﷺ قال لعمر: "كلها شافٍ كافٍ، ما لم تجعل عذابًا بدل رحمة أو رحمةً بدل عذاب".بل إن في كتب مثل ’’كنز العمال‘‘ و’’الإتقان في علوم القرآن‘‘ روايات كثيرة تفيد بأنه لا بأس في تغيير المعنى بسبب تغيير في الإعراب، مثل: فَتَلَقّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ) تُقرأ أحيانًا:( فَتُلْقَىٰ آدَم) وكذلك: الآمانات في قوله تعالى:وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: 8 ]، قرئت بصيغة المفرد: لأمانته.
لكن العلامة الميرتْهي لا يوافق على هذه القراءات ويعارض بشدة أي قراءة تخالف المصحف المدون. ففيي تفسيره للآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: 184 ]، يرفض ما نُقل عن عطاء أن ابن عباس كان يقرأها "يطوّقونه"، ويقول:
"هذه التفسير مردود لسببين: أولًا، إن صح أن ابن عباس قرأها كذلك، فهذا غير جائز، لأن نصوص القرآن لا تقبل القياس، وهي منقولة بالتواتر، وقد علمنا أن النبي ﷺ قرأها "يطيقونه" وعلّمها كذلك، ولا يجوز لأحد مخالفة النقل المتواتر. ثانيًا، ربما أراد ابن عباس بذلك التفسير والشرح لا القراءة." (30)
ثم فسر الآية بقوله:
الترجمة: وعلى المرضى والمسافرين الذين يقدرون على دفع الفدية، عليهم إطعام مسكين عن كل يوم. الشرح: إذا كان المريض أو المسافر قادرًا ماليًا على دفع فدية، فعليه القضاء والفدية معًا، وإن لم يكن قادرًا، فعليه القضاء فقط." ثم ناقش أقوال السلف والخلف حول الآية، بما يستحق القراءة. (31)
البحث اللغوي:
رغم أن قواعد اللغة العربية سماعية غالبًا، فقد اجتهد المؤلف أحيانًا وخالف المتقدمين، مثلًا في تفسيره لقوله تعالى: يوم يأتٍ لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد) هود: 105). فقال:
"قرأ بعض القراء (يأتي) بوجود الياء، لكن في مواضع أخرى من القرآن تأتي الكلمة بدون ياء مثل (يوم يأتيهم)، و(يوم تأتِ كل نفس تجادل عن نفسها). ومن هنا اعتبر الطبري أن الصواب هو حذف الياء موافقة لخط المصحف. لكن المؤلف لا يوافق هذا، ويرى أن (يوم) مثل (متى) تأتي أحيانًا بمعنى الشرط، وإذا كانت للشرط يُجزم الفعل بعدها، لذا فـ(يوم يأت) هنا بمعنى (إذا جاء اليوم...) و(فمنهم شقي وسعيد) هي جواب الشرط."(32)
الفرق الجوهري بين العبادة والطاعة:
شرح مؤسس الجماعة الإسلامية المولانا المودودي -رحمه الله- نظريته في كتاب "المصطلحات الأربعة في القرآن"، وقرب بين مفهومي العبادة والطاعة باستخدام معاجم اللغة. وسار على نهجه سيد قطب -رحمه الله-، رغم أن حسن الهضيبي -رحمه الله- خالفه. ويتبع معظم علماء الجماعة الإسلامية رأي المودودي، إلا أن بعض العلماء الكبار، مثل أبي الحسن الندوي، منظور أحمد النعماني، و وحيد الدين خان -رحمهم الله-، خالفوه. ومنهم العلامة الميرتْهي، حيث ناقش في ’’مفتاح القرآن‘‘ أن هناك فرقًا جوهريًا بين العبادة والطاعة.
وخلاصة رأيه:
"العبادة تعني التعبد الطوعي لكائن فوق بشري بهدف نيل رضاه. والطاعة تعني تنفيذ أوامر كائن صاحب سلطة.قد يجتمع المعنيان في فعل واحد، وقد ينفصلان. ومثال ذلك: الصلاة المفروضة عبادة وطاعة، لكن النافلة عبادة دون طاعة.قطع يد السارق طاعة، لكن ليس عبادة.ويُقال مجازًا: "كل عمل المؤمن عبادة"، لكنه تعبير غير دقيق، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وهي من أعظم أصول الإسلام، بينما الطاعة تشمل أيضًا طاعة الرسول وأولي الأمر." (33)
المصادروالمراجع:
26- الدكتور سيد شاهِد علي، دراسة في التفاسير الأردية في القرن العشرين، الصفحة 110
27- لمزيد من التفاصيل وكذلك لنقد هذا الفلسفة يُرجى الرجوع إلى مصادر تالية:
تفسير مفتاح القرآن، العلامة شبير أحمد الأزهر الميرتهي، الجزء الأول، من الصفحة 91 إلى 94
الطاف أحمد الأعظمي، إحياء الأمة وثلاث جماعات دينية،البروفيسور محمد صبيح الدين الأنصاري، هل الإنسان خليفة الله؟، مكتبة الفوزان، الدكتور غطريف شهباز الندوي، هل الإنسان خليفة الله؟ دراسة علمية، مجلة التبيان، دلهي، نوفمبر 2007م 2007م،
المولانا وحيد الدين خان تذكير القرآن مكتبة الرسالة، الطبعة النانية الصفحة 25
28- العلامة الميرتهي، مفتاح القرآن، تفسير سورة آل عمران، الجزء الأول، الصفحة 759
29- نفس المرجع، الصفحة 366
30- نفس المرجع تفسير مفتاح القرآن، الجزء الأول، الصفحة 368.
31- نفس المرجع، من الصفحة 365 إلى 370
32- تفسير مفتاح القرآن، الجزء الثالث، تفسير سورة هود، الصفحة 150
33- مفتاح القرآن، تفسير سورة الفاتحة، الجزء الأول، الصفحة23
(للبحث صلة)
