إشراقة
مأساة غزة وأزمة الأمة الإسلامية: قراءة في الواقع وسبل المعالجة
(وجهة نظر في ظل الوضع الكارثي في غزة)
اگر "غزّاویوں" پر کوہِ غم ٹوٹاتوکیاغم ہے کہ خونِ صدہزارانجم سے ہوتی ہے سحرپیدا
(محمد إقبال)
(إذا انقضّ جبل الحزن على أهل غزّة، أفذلك مدعاة للأسى؟ إنّ الفجر لا يولد إلا من دماء مئة ألف نجم.)
مدخل: جراح غزة واستفاقة الضمير
رغم وجود أكثر من مليار ونصف مسلم، وعشرات الدول الإسلامية، والمنظمات والمؤسسات والجيوش القوية فإن المشهد في غزة يظهرنا على مأساة مضاعفة: مأساة الدماء والمجازر، ومأساة العجز والصمت. يذبح الأبرياء، تقصف المستشفيات، ويباد القطاع من البحر والبر والجو، بينما تقف الأمة - رسميًا وشعبيًا - أمام كارثة غزة إما مشلولة أو مرتبكة، باستثناء قلة مقاومة تقاتل وحدها في الميدان،وهم فصائل المقاومة في غزة في الداخل والمجاهدون الحوثيون من اليمن العزيزة كحركة مساندة من الخارج تعززهم إيران المظلومة.
وهذا المقال المتواضع يحاول تحليل أسباب هذا العجز الكبير، بالرغم من أن العالم الإسلامي يملك عناصر قوة هائلة، لكنه يظل غائبًا عن معادلة التأثير، سياسيًا وعسكريًا وحتى إعلاميًا.
أولًا: عناصر القوة في العالم الإسلامي
من الإنصاف القول إن العالم الإسلامي لا يفتقر إلى الإمكانات:
فله موقع جغرافي استراتيجي يتحكم في أهم الممرات البحرية (السويس، مضيق هرمز، باب المندب).
وهويتمتع بثروات طبيعية هائلة من النفط، الغاز، الذهب، والمعادن النادرة. كمايتمتع بقوى بشرية شابة قادرة على الإنتاج والابتكار.ولاتنقصه الجيوش الكبرى الهائلة مثل جيوش تركيا، باكستان، مصر، وإيران وغيرها من الدول ومن بين هذه الدول فإن باكستان هي صاحبة القنبلة النووية الواحدة في العالم الإسلامي كله.
لكن كل هذه المقوّمات ظلت عاجزة عن تغيير مجرى الأحداث أو ردع العدوان الإسرائيلي على غزة، أو على الأقل فرض شروط إنسانية في الصراع القائم.
ثانيًا: جذور الأزمة: أسباب الضعف البنيوي
(أ) ضياع مفهوم "الأمة" في المسلمين على الصعيد العالمي
فرغم بقاء مفهوم الأمة الإسلامية في الخطاب الديني، إلا أن الواقع السياسي اليوم تحكمه الدولة القُطرية الحديثة، حيث تقدّمت مصالح الدولة على قيم الوحدة والولاء الإسلامي.فقد أصبح شعار "بلدي أولاً" هو المعيار، حتى في القضايا الكبرى كفلسطين. ولهذه الخطورة لنظرة القطرية الضيقة الأفق الفتاكة للدين ومقوماته قال الشاعر محمد إقبال:
ان تازہ خداؤں میں بڑاسب سے وطن ہے جوپیراہن اس کا ہے وہ مذہب کا کفن ہے
(بين هذه الآلهة الحديثة، أعظمها الوطن، وإن الرداء الذي يلبسه أصبح كفنًا للدين.)
(ب) غياب الإرادة السياسية
ليست المشكلة في ضعف الإمكانات، بل في ضعف الإرادة لدى صانعي القرار في الدول الإسلامية. لم تكن حتى الدعوات الصالحات لغزة مسموحة في المسجد الحرام في بداية الأمركيلاتنزعج منهاالولايات المتحدة المربية الكبري للكيان الصهيوني الشرس المحتل الظالم الطاغي . وممايؤسف به أسفا شديداً أنه في الوقت الذي كانت فيه غزة تحترق، استمرت الحفلات الغنائية الفاحشة للمغنية الراقصة الأمريكية جينيفر لوبيز في بعض العواصم الإسلامية بتمويل رسمي! ولا يزال هذا الفجور قائمًا فيها. ولم يسجل العلماء والجماعات الإسلامية المتواجدة في العالم كله أي احتجاج حقيقي ومؤثر على ذلك. نأمل أن يقدم علماء الدين في باكستان والهند وبنغلادش، ممن يتمتعون بعضوية في مؤسسات مثل رابطة العالم الإسلامي وغيرها استقالاتهم، لأن الاستمرار في عضوية مثل هذه المؤسسات في ظل الفجور الرسمي لا مبرر له عندنا.
كما أنه لم يخرج العلماء والمثقفون والصحفيون والسياسيون المسلمون بأعداد كبيرة من المسيرات والمظاهرات للضغط على حكوماتهم وأرباب حلهم وعقدهم وجيوشهم. لم يطالبوا برلماناتهم باعتبار إسرائيل دولة إرهابية. لو فعلوا ذلك، لكان من الممكمن أن تضطر القوى الغربية إلى أخذهم بعين الاعتبار.
(ج) الانقسامات الداخلية
من الانقسام السنّي الشيعي، إلى الانقسام السنّي نفسه العميق بسبب الانتماءات و الصراعات القبلية، إلى الخلافات السياسية المزمنة، تتشرذم الأمة وتتناحر، مما يمنح الخصوم وخصوصاً الغرب فرصًا ذهبية للتدخل المستمر. الاجتماعات العربية تتكرر دون نتائج. والقمم تعقد دون فعاليات جادة مثمرة. هكذا رأينا اجتماع الجامعة العربية المنعقد حاليا في مايو ٢٠٢٥ يخلو من الحضور الفاعل لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، بينما غادر أمير قطر مبكرًا!
ثالثًا: زيارة ترامب وفضيحة الولاء السياسي
زيارة الرئيس الأمريكي السابق حالياً دونالد ترامب إلى الخليج مثّلت لحظة كاشفة للواقع العربي الرسمي؛ من احتفاء مفرط، وصفقات مشينة (وصلت إلى ١.٤ تريليون دولار)، إلى هدايا شخصية (كطائرة خاصة بقيمة ٤٠٠ مليون دولار)، وممايذكر أنه قد أساءت الإمارات المتحدة إلى الثقافة الإسلامية عبر رقصات نسائية عارية لاستقبال وترحيب الرئيس الأمريكي من غيرضرورة له، بينما لم يطلب أحد من ترامب حتى إدانة العدوان على غزة بل بالعكس، كرر الأخير الرواية الإسرائيلية مثل الببغاء متهِمًا الفلسطينيين بالإرهاب، دون أي رد عربي رسمي يذكر!
هذا المشهد لم يكن سوى تكرار لتاريخ ملوك الطوائف في الأندلس، حيث الفرقة، والتنازل، واللهاث خلف العروش، ولو على حساب القضية الأم.
المشهد الأخير
والأخطر من كل ذلك هو الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، وهو ما كنت أخشاه وأشرت إليه في افتتاحية الإشراق العربي في الشهر الماضي، حيث بدا أن إسرائيل كانت تعد العدة لمهاجمة البرنامج النووي الإيراني. وإذا ما أقدمت على ذلك، فلن يكون في مقدور أحد في العالم أن يردعها. ولهذا، لم تعترض أمريكا على ذلك، بل ساهمت فيه عبر تقديم الدعم الاستخباراتي والتنسيق العملياتي. أما القوى العالمية الأخرى، كالأمم المتحدة ونحوها، فقد التزمت الصمت.
في ليلة ١٣ يونيو، شنت إسرائيل أكثر من ٣٠٠ غارة جوية، أسفرت عن اغتيال ستة من العلماء النوويين الإيرانيين وعدد من كبار القادة العسكريين. وكان هذا الهجوم شبيهًا بذلك الذي اغتالت فيه إسرائيل الشيخ إسماعيل هنية داخل إيران.
إما أن إيران كانت غافلة، مخدوعة بالمراوغات الأمريكية التفاوضية، ولم تتصور أن إسرائيل ستجرؤ على ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة، وإلا لكانت وفرت الحماية لعلمائها وقادتها العسكريين في ملاجئ محصنة تحت الأرض؛ أو أنها ببساطة لا تمتلك منظومات رادارية متطورة قادرة على صد الغارات الجوية الإسرائيلية.
ولكن رغم خطورة الموقف ففي غضون ساعات قليلة تمكنت إيران العزيزة المجاهدة من تهدئة نفسها و اتخذت موقفًا حازما حاسمًا ثم الترتيبات اللازمة وكانت مستعدة للرد وقامت بالرد والانتقام القاسي من هذا العدوان الإسرائيلي. لكن الحقيقة المؤلمة هي أنها تبدو عاجزة عن المواجهة العسكرية المباشرة لإسرائيل -أمريكا- إذا استمرالتصعيد بين البلدين واستمرالغدرالعربي والخزلان الإسلامي ولذلك لن تستطيع على الأرجح أن تلحق أذى يُذكر بالكيان المحتل،وليدة الاستعمارالغربي، في حين أن أمريكة الطاغية الأكبرعلى وجه الأرض مادامت تقف مع الطغيان الإسرائيلي الجاري الجاني.
هكذا هو عالم القوى العظمى. لا أحد يقف مع إيران في محنتها العصيبة هذه. نعم، لقد أصدرت روسيا بيانًا شديد اللهجة، وأدلت السعودية ودول الخليج الأخرى بتصريحات تنديدية شكلية. أما الأردن، فيبدو أنها تدعم إسرائيل، إذ لم تغلق مجالها الجوي في وجه الطيران الإسرائيلي، بينما أغلقته أمام إيران. علماً أن حدود إسرائيل لا تتصل بإيران مباشرة، لكنها استغلت المجال الجوي العراقي. والسؤال هنا: لماذا لم يمنعها العراق؟
أمّا الإعلام الغربي، التابع للصهيونية، فقد أصبح مفضوحًا في تغطيته؛ إذ ينطلق من فرضية أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، فصوّر الضربات على أنها خطوات استباقية مشروعة ضد تهديدات محتملة. وكأن إيران، وهي دولة ذات سيادة، لا تملك حق الأمن والسلامة! وكأن أرواح علمائها وقادتها العسكريين لا قيمة لها لدى هذا الإعلام المنحاز!
ليت إيران كانت قد أصبحت قوة نووية حتى الآن، فلربما ما كانت إسرائيل لتتجرأ على مهاجمتها بهذه السهولة والجرأة الفاضحة!
رابعًا: بين المقاومة والاستسلام
طرحت بعض الأصوات الخليجية فكرة انسحاب المقاومة الفلسطينية مؤقتًا، للحفاظ على ما تبقى من أرواح ومقدرات. لكن التاريخ يعلمنا أن هذا التراجع هو بداية النهاية، وأنه لو توقفت حماس والفصائل عن القتال اليوم، فغدًا تبدأ إسرائيل بترحيل الفلسطينيين، ولا أحد سيمنعها. المجتمع الدولي مات ضميره في غزة، والأمم المتحدة مكبّلة بالفيتو،والمؤسسات الدولية الأخرى نائمة في النوم العميق المتجاهلة تماما والدول العربية ستدين قليلاً ثم تصمت. فنرى أن مصرتحت ضغوط إسرائيلية لا تسمح لقافلة الصمود لكسرحصارغزة بالدخول إلى رفح!
إنّ الخط الأمامي الوحيد المتبقي هو خط المقاومة، ولا خيار آخر. نعم، قد تكون التضحيات جسيمة، لكن لا طريق لتحرير الأرض أو الدفاع عن الكرامة بدون مقاومة.
وأخيرا قد انتهت الحرب وبحمد الله خرجت ايران منها منتصرة على الكيان الصهيوني المتعجرف ولكن مع الأضرار الجسيمة في الأرواح والمشروع النووي. وخابت امريكة الطاغية وعميلها الذليل الكيان المحتل على الساحة الدولية.
خلاصة وتوصيات
١- إعادة بناء الوعي السياسي الإسلامي القائم على مفهوم الأمة، وليس الدولة القطرية فقط.
٢- دعم مقاومة غزة سياسيًا، ماليًا، وإعلاميًا من قبل الشعوب والعلماء والأحرار، دون الاعتماد على الحكومات وحدها.
٣- تفعيل دور البرلمانات الإسلامية، واستثمار القوى الشعبية في الضغط والتأثير
٤- المقاومة هي الخيار الوحيد المتاح حاليًا، ومطلوب من الفصائل تطوير أدائها، ولكن دون أن تتراجع.
٥- الاستثماروالتقدم في التعليم والتكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي، فهذا هو مفتاح التغيير الحقيقي في موازين القوى في العالم المعاصر
٦- ما من خيار أمام أهل غزة إلا أن يكملوا الطريق... لأن بقاءهم، وبقاء فلسطين، مرهون ببقاء المقاومة والكفاح المستمرضد العدوان الغاشم وضد الاحتلال الصهيوني المشؤوم.
(للحديث صلة)
بين يدي العدد السادس
بحمد الله وفضله، نضع بين أيديكم العدد السادس من مجلة الإشراق، مستكملين المسيرة التي بدأناها في خدمة الفكر والوعي، وماضين في تقديم مختارات مترجمة من النسخة الأردية لعدد يوليو ٢٠٢٥م، إلى جانب دراسات وتحليلات أصيلة تسعى إلى تعميق النظر وتوسيع الأفق.
لقد التزمنا منذ انطلاقة المجلة بأن تكون منبرًا حرًا للفكر المسؤول، ومجالًا رحبًا للتأمل الرصين، تجمع بين صدق المقصد ودقة الطرح، وبين رصانة المحتوى وجِدّية التناول.
وإذ نقدّم هذا العدد، فإننا نفتح قلوبنا وصدورنا لملاحظات قرّائنا الكرام وآرائهم السديدة، فهي زادنا في درب التطوير، وعوننا على بلوغ التميّز.
نسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به القرّاء والباحثين، وأن يكتب له القبول في الأوساط العلمية والأدبية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين
أ. د محمد غطريف شهباز الندوي
(١5 يونيو ٢٠٢٥م، علي كره)
