logo
أخرى

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

[مقتبس من حواره مع محمد حسن إلياس]

(الحلقة الخامسة)

في سورة الروم، في ختام هذا البيان، قال تعالى ما مفهومه أن الأمر ليس محصورًا فقط في الأشياء والمواضيع المذكورة، بل كل ما في الأرض والسموات تحت سيطرة الله وحكمه. فلا يحدث أي أمر إلا بإذنه. وفي كل شيء، في كل مسألة، في كل حادثة، تظهر علامات صفاته التي تُعلِم الإنسان أنه هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي سيعيده. لذلك، على الإنسان ألا يبحث عن مفر من دائرة قدرته، فهو العزيز الحكيم. قال تعالى:

وَلَهٗ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِﵧ كُلٌّ لَّهٗ قٰنِتُوْنَ وَهُوَ الَّذِيْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُهٗ وَهُوَ اَهْوَنُ عَلَيْهِﵧ وَلَهُ الْمَثَلُ الْاَعْلٰي فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِﵐ وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ.

 (الروم 30: 26-27)

ويقول المولانا أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره لهذا الموضع:

"قال تعالى إنه هو الذي يبدأ الخلق، ثم هو يعيده، وهذه الإعادة – إن تأملتم – أيسر عليه. والمقصود أنكم إذا أقررتم بأنه هو الذي أوجد الخلق أول مرة، فلماذا تستبعدون أن يعيده مرة أخرى؟ أي العمل أصعب: الأول أم الثاني؟ ... ثم قال تعالى إن له وحده تعود جميع الصفات العليا في السماوات والأرض، ولا يشاركه أحد فيها. وبعد ذلك، ذكر خصوصًا صفتين من صفاته – العزيز الحكيم – أي أنه غالب على كل شيء، متعالٍ على الجميع، وكل أفعاله تتصف بالحكمة. والمعنى أن لا شيء يصعب عليه، ولا يتدخل في إرادته شيء سوى حكمته، ولا يوجد في هذا الكون من يساويه في صفاته. ومن هذا يترتب نتيجة حتمية، وهي أنه إذا لم يكن له مثيل في صفاته، فلا يمكن أن يكون له مثيل في حقوقه أيضاً. "(تدبر القرآن، 6  /89)

الآيات الإلهية الخارقة في الأنفس والآفاق

واستُخدمت لفظة "آية" في القرآن الكريم أيضًا للدلالة على العلامات الخارقة للطبيعة التي تظهر في الأنفس والآفاق. والمقصود بها الأحوال والوقائع التي تقع بصورة غير معتادة كدلائل عظيمة لقدرة الله تعالى. وهي لا تقع بواسطة الأنبياء، بل بأمر مباشر من الله أو بواسطة الملائكة الموكّلين بتدبير الأقدار.

وتقع هذه الظواهر نادرًا وبصورة مفاجئة، ولذلك لا يكون لدى الناس معرفة سابقة بها، وتثير لديهم الدهشة والاستغراب بسبب مخالفتها للسنن المعتادة. ولا حاجة لأن يُنبَّه الناس إليها، فغرابتها وطبيعتها المثيرة تسترعي انتباههم من تلقاء نفسها. وقد تظهر مثل هذه الآيات في الأزمان العادية، لكن كثرتها تكون ملحوظة في عصور النبوة والرسالة.

وهي قد تأتي تنبيهًا وتذكيرًا، أو إنعامًا وإكرامًا، أو عذابًا ومشقة، لكنها في كل الأحوال تظهر على نحو لا يمكن معه اعتبارها حادثًا معتادًا، ولا يمكن نسيانها باعتبارها صدفة عارضة.

وقد ورد في القرآن الكريم ذكر لبعض هذه الآيات، وفيما يلي أمثلة منها:

1- ولادة عيسى عليه السلام من غير أب وكلامه في المهد

ولادة النبي عيسى عليه السلام من السيدة مريم عليها السلام من غير أب هو من قبيل الحوادث الخارقة. وقد وقعت هذه الولادة بأمر مباشر من الله تعالى، ولذلك اعتبر الله تعالى كلاً من مريم وابنها آية له.

يقول الله تعالى في سورة "المؤمنون:

"وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً..." (المؤمنون: 50)

وفي سورة الأنبياء عبّر عن هاتين الشخصيتين بعبارة "آية للعالمين"، فقال:

"وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ." (الأنبياء: 91)

وقد وردت هذه الحادثة بتفصيل أكبر في سورة مريم، مع بيان الغاية منها، كما في قوله تعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا". ثم قال سبحانه: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا..." إلى قوله:

"كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا" (مريم: 16-21)

من هذا التفصيل يتضح أن ولادة السيد المسيح عليه السلام من غير أب كانت آية خارقة، أظهرها الله تعالى علامة من علاماته. وقد تم هذا الأمر بأمر مباشر من الله، حيث خالف سنة الخلق المعتادة، وأوجد الجنين في رحم أمه بكلمته "كن"، ثم نفخ فيه من روحه. وهو من نفس نمط الأمر الذي صدر في خلق آدم وحواء. وستبقى هذه الآية دليلًا على الخلق والبعث إلى قيام الساعة.

يقول المولانا أمين أحسن الإصلاحي في ذلك:

"ولادة المسيح عليه السلام الخارقة هي علامة عظيمة من علامات القيامة. فإن أعظم شبهة عند الجهّال في أمر القيامة هي: كيف يُبعث الناس من غير أسباب؟ ووجود المسيح عليه السلام هو رد مباشر على هذه الشبهة، إذ كل شيء يَظهر بأمر الله بكلمة 'كن'. وقد خُلق المسيح عليه السلام بنفس هذه الكلمة. ولهذا سُمّي في الإنجيل والقرآن 'كلمة الله'.(تدبر القرآن، ج 4، ص 645)

أما كلام المسيح عليه السلام في المهد، فهو امتداد لهذه الآية. ففي سورة مريم، يُذكر أن الله تعالى أوحى إلى السيدة مريم أن تتوجه إلى قومها بالمولود، وأن لا تكلم أحدًا، وإن سُئلت فلتشر إلى الطفل.

فلما واجهها الناس بالاتهام، أشارت إلى الطفل، فقالوا: كيف نكلم من هو طفل في المهد؟

فإذا بالطفل ينطق، كما جاء في القرآن الكريم:

"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ، وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا". (مريم: 30-33)

ويعلّق المولانا أمين أحسن إصلاحي على هذا المشهد بقوله:

"عندما بلغت محنة السيدة مريم هذه الدرجة، وأثبتت نجاحها الكامل في كل مرحلة، جاء وقت إعلان الله تعالى كيف يُكرم عباده إذا اجتازوا امتحانه بنجاح ... ولأجل أن تخرج السيدة مريم من هذه المحنة بالعزّة والكرامة، كان من الضروري أن يشهد المولود الرضيع بنفسه على طهارتها ووجاهتها، بحيث لا يبقى بعدها مجال لأي افتراء أو تشكيك."

(تدبر القرآن، ج 4، ص 647-648)

(يتبع)

(ترجمة من الأردية)