أمة تقف على أنقاض التاريخ
(عزة مفقودة، حاضر صامت، ومستقبل معتم)
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، نهض العالم من تحت ركام الدمار، ليبني منظومة دولية جديدة تنشد السّلم، وتحلم بقيم حضارية رفيعة، تؤسس لعهد إنساني يقوم على التفاهم والكرامة والعدالة. غير أن شهر العسل لهذا العقد الرومانسي بين بني الإنسان قد أوشك على الأفول.
لقد ولد هذا الميثاق من رحم وعود حالمة بالحب والعدل والاحترام المتبادل، لكن الزمان سرعان ما كشف الغطاء عن وجهه الحقيقي؛ إذ طغت شهوة القوة، واستبدت غريزة المصالح، وسادت نزعة الهيمنة، فمزقت الأقنعة التي طالما زينت هذا المشروع، وأطاحت بما تبقى له من وهم العظمة الإنسانية ورمزية الارتقاء الحضاري.
كانت مواثيق الأمم المتحدة، وإعلانات حقوق الإنسان، والمحاكم الدولية، وشعارات سيادة القانون، ومزاعم السيادة الوطنية، تبشّر بعالم تقام فيه المعايير على أنقاض المصالح، وتحكمه القيم لا القوة، ويُساس فيه البشر بالعدل لا بالبطش. فبدا وكأن التاريخ بدأ يستفيق إلى وعي حضاري جديد، يمهد لتحول إنساني طال انتظاره.
لقد كشف الزمن عن حقيقة هذا السراب الآسر، ولم يلبث أن أزاح النقاب عن جوهره الخادع. فكلّ ما شيّد باسم المبادئ والعدالة والضمير الإنساني، لم يكن في نهاية المطاف سوى فترة موهومة من الخداع.
ذلك القناع الجمالي من الزيف الحضاري، الذي لم يصمد طويلًا أمام غريزة القوة، ووحشية المصالح، وعطش السيطرة الذي لا يروى منذ الأزل.
"كلّ شيء يرجع إلى أصله"
ها هي الدنيا تعود إلى حقيقتها الأولى، وتقف الإنسانية مرة أخرى على العتبة نفسها، حيث لم يعد للحق من معيار سوى القوة.
وفي خضم هذا المشهد، كانت حال أمة الإسلام أشد إيلامًا وأعظم عبرة.
تلك هي الأمة التي سقطت إلى قاع الانحطاط الفكري، والهزيمة الحضارية، والعبودية الاستعمارية؛ الأمة التي غابت شمس سلطانها الذي دام قرونًا، وغرب مجدها بعد ألف عام من السيادة. الصفويون، والمغول، والعثمانيون، جميعهم رحلوا عن مسرح التاريخ، وتواروا خلف الأفق، تاركين وراءهم تراثًا تهاوى، وعظمةً أضحت جثةً هامدة. وعلى أنقاض هذا المجد الغابر، شيّد صرح حضارة جديدة، لم تسمح للمسلمين سوى بدور المتفرّج المهزوم.
ومع ذلك، ومن تحت هذا الرماد التاريخي، ومن قلب هذه اليأس الحضاري، وفي أعماق هذه الهزيمة، شاء الله -بمحض إذنه- أن يمنح هذه الأمة فرصة جديدة. لقد اقتتل الفاتحون فيما بينهم، وفي غياب أي يقظة فكرية أو مشروع حضاري موحّد، بدأنا -نحن المسلمين- نحصل على أشكال متفرقة من الحكم الذاتي في أقاليم شتى، حتى تجسدت مع مرور الزمن في كيانات دولية ذات وجود سياسيّ على الساحة العالمية.
فإذا بالأمة تملك، من جديد، الأرض والوطن، والثروات والسكان، والثقافة والإيمان، وتشكلت بين أيديها سبع وخمسون وحدة جغرافية، تمثل مظاهر القوة الكامنة. لم يكن ذلك ثمرة تخطيط مدروس، ولا انعكاسًا لبصيرة سياسية راشدة، بل كان آية من آيات الله، وتنبيهًا إعجازيًّا، وعهدًا جديدًا يعبّر عن سنن النصرة الإلهية.
فليعلم أن هذه العطية لم تكن دليلًا على وحدة فكرية أو يقظة داخلية، وإنما كانت محض فرصة ربانية، قد توقد من رماد الهزيمة شرارة جديدة.
لكن كلّ فرصة، إذا وقعت في أيدٍ تفتقر إلى البصيرة، قد تتحول من نعمة إلى ابتلاء، ومن منحة إلى موعظة وعبرة. وهذا ما جرى معنا تمامًا.
فقد تلقينا هذه النعمة غير المتوقعة لا بشكر يصونها، ولا برشد يحتضنها، ولا بحكمة تحسن توجيهها. وبدلًا من أن نوظفها في سبيل النهوض، بعثرناها بين أيدينا، فضاعت كما تضيع الموجة في عرض البحر.
ففي الجبهة الداخلية، غرقنا في صراعات مذهبية وفرقية بدلًا من تحقيق وحدة فكرية، وفي المحيط الخارجي اخترنا طريق المواجهة غير المحسوبة، بدلًا من بناء القوة بالصبر والبصيرة.
وفي خضم هذا الانشغال بالتفاصيل الأدنى، تصدّرت المشهد قيادة دينية، انشغلت بصراعات جزئية، وتشبثت بأطلال الماضي، بدلًا من أن تطلق مشروعًا فكريًا يحيي الأمة من جديد. كانت تلك القيادة مدعوة لإشعال شموع في عتمة الطريق، لكنها آثرت الأحلام على البصائر، والحنين على الحركة، والاندفاع على الحكمة.
وبدلًا من أن نتلقّى تلك العطية الإلهية كطرقة ناعمة على باب الحكمة، غرقنا في أوهام استعادة المجد الغابر؛ كأن قرونًا من الانحدار يمكن أن تمحى بلحظة، وكأن التمكين العالمي سيعود بهتاف الحشود، وخطب الحماسة، وصيحات الغضب! يا للعجب!
وتحت وطأة هذه القيادة، لم نفلح في أن نبدأ رحلة الخروج من طبقات الانحطاط الفكري، ولا أن نصغي لصدى روح العصر، ولا أن نتصل بتلك المنابع الحقيقية للعلم والحكمة التي تخرج الأمم من أوهام الماضي إلى وعي الحاضر وتحدياته.
بل إن هذه القيادة، بدلًا من أن تجعل من أشكال الحكم الذاتي الممنوحة قاعدة للانطلاق إلى مراحل أرقى، نظرت إليها باعتبارها ظلماً مرفوضاً، ونبذتها كما ينبذ اليتيم نعمة الكنف والحماية والدفء لمجرّد أنّ دمية من لعبه قد تكسّرت! أيّ عقل هذا الذي يرفض العطية لمجرد أنها لم تأت كاملة؟
لقد أهديت إلينا حرية سياسية، وإن كانت منقوصة، فهي لم تأت بعد نصر باهر أو مجد مستعاد، بل بعد هزيمة كبرى، كنا فيها شهودًا على أمهاتنا يسقن سبايا، ويراد لأمتنا أن تمحى من خريطة التاريخ.
وفي ظل هذا السياق المظلم، كانت تلك الحرية، مهما بدت محدودة، سلّمًا أولًا في مسار طويل، ومرحلة تمهيدية يمكن البناء عليها لتحقيق سيادة حقيقية، واسترداد واعٍ لقرارنا ومصيرنا.
لكننا رفضنا هذه العطية لمجرد أنها لم تطابق أحلامنا على وجه الدقة. نبذناها بوصفها "ناقصة"، كالعطشان الذي يقدّم له نصف كأس من الماء، فيريقه على الأرض لأنه لم يملأ عن آخره!
لم يكن ذلك الرفض مجرد تفويت لفرصة، بل كان انزلاقًا إلى طريق من خداع الذات، جعلنا نلوذ باتهام الآخرين بدلًا من مواجهة الواقع بصدق وشجاعة. وفي معترك القوة، دخلنا بلا زاد، ولا عدّة من عقل أو حكمة، فلما كشفت الهزيمة عوراتنا، توهّمنا أنها علامة ثبات، وألبسناها لباس الحكمة، لنخفي بها جرح ضعفنا.
وهكذا، أخذ هذا الاضطراب الفكري يتجلّى في كل مجال. طلبنا الحق، لكننا أعرضنا عن الصبر والفهم والتدبّر، وهي المفاتيح التي لا يفتح بابه إلا بها. تعلّقنا بالشهادة كأنها زينة الإيمان، لكننا نظرنا إلى البناء والتدرج في مسيرة الحياة كأنهما دليل هزيمة لا سبيل إلى قبوله.
تعلمنا الصيحات، لكننا لم نصنع لها خططًا تسندها. آوينا إلى الاحتجاج، لكننا نفرنا من المحاسبة الذاتية، كأنّها مرارة لا تطاق. أشعلنا نيران الغضب مرات ومرات، لكننا لم نجرؤ أن نصوغ من تلك النيران مصابيح تهدي الطريق.
وحين تجرأ أحد على الخروج من هذه المسيرة الفكرية العرجاء، ودعا إلى البناء والتجديد، سرعان ما وصم بأنه أداة بيد الغرب، وخائن للأمة!
وتحت راية القيادة الدينية، ما زال قطار الهزائم يمضي بلا توقف...
فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، والآن إيران... في كلّ مكان نفس الادّعاء بالمقاومة، ونفس الغياب للبصيرة، ونفس المآل: خراب داخلي، عزلة خارجية، ثم ذلك الصمت الثقيل الذي يبتلع كلّ شعار.
وكأننا لا نحيا بعد كلّ هزيمة إلا لجمع الأنقاض، ولا نبقي من الأمل إلا ما يوارى في مرثية، وما إن تنتهي النكبة، حتى تغادر القيادة الدينية إلى ساحة جديدة، وهي ما تزال ترثي النكسة الماضية، لتعيد الدائرة من جديد: من الحماسة إلى الخراب، ومن الخراب إلى الحماسة، ثم تحويل كلّ نكبة إلى رمز للعزيمة، ليظل الحماس وقودًا للخراب القادم!
الهزيمة ليست قدرنا، لكنّ خداع أنفسنا بأنّها نصر، هو الهزيمة الكبرى!
ـــــــــــــــــــــــــ
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
وَلَستُ بِهَيّابٍ لِمَن لا يَهابُني
وَلَستُ أَرى لِلمَرءِ ما لا يَرى لِيا
فَإِن تَدنُ مِنّي تَدنُ مِنكَ مَوَدَّتي
وَإِن تَنأَ عَنّي تَلقَني عَنكَ نائِيا
كِلانا غَنيٌّ عَن أَخيهِ حَياتَهُ
وَ نَحنُ إِذا مِتنا أَشَدُّ تَغانِيا
(الإمام الشافعي عليه الرحمة)
