logo
أخرى

مقطتف من ’’مقامات ‘‘

مقامات

(الحلقة الخامسة)

الخمر الباقی

قال الحافظ الشیرازي (الشاعر الفارسي) مامفھومه:

"أیھا الساقي أعطنا الخمر الباقي لأنك لاتجد في الجنة سواحل نھر ركنا باد ولا خضراء المصلی."

لست أعلم أن أمنیة شاعر شیراز ھذه اكتملت أم لا ولكن رأیت مراراً أن الساقي عند سواحل نھر ركناباد لاھور یھریق الخمور كل یوم. ونھر ركناباد قد أجراه الدیلمي وكل جرعة من ماءھا الزلال یمنح الشارب عمر الخضر كما قال:

"فعند ركناباد – لا اوحشھا الله – لأن زلالھا یمنح الشارب عمر الخضر علیه السلام."

ونھر لاھور لم یجره دیلمي ولا یجري فیه الماء الزلال العذب. سبل ماءه مشرب بالطین كالملح في میاه البحر ولكن المشھد الذي یتولد من جریه البطیئی والأشجار والخضراء المتواجدة في سواحله بطرفین كلیھما یورث له جمالا خالدا یجذب الأنظار إلیه. ویستقر ھذا المشھد في الأبصار إلی حد أن لو ألقی إلیه شخص ما نظرة خاطفة لاترجع إلیه ولسانه یفیض بالأبیات الشعریة تلقائيا كما قال الشاعر:

"إن خسارة واحدة لسانیة تربح القلب الف ربح."

وماء ركناباد یتفجر من "منبع الله أكبر" ویقال أن ماء الخضر معینه "موضع ظلمات". كما قال الحافظ وتفنن فیه، ومفھومه:

"إن بلدة شیراز وماء ركناباد وھذا نسیم الطیب لاتعبه فإنه كالخال في وجه ملك السبع السیّار (البلدان) والفارق بینه وبین عین الخضر أن عین الخضر ینفجر من "الظلمات" وإن ماءنا منبعه "الله اكبر"."

ولم أحاول قط معرفة منبع نھر مدينتنا ھذا. غیر أنی علی علم بماھیته فركناباد. كما قال قال الحافظ یبتدأ من "ممرة الله اكبر". وھذا النھر بالنسبة لي ینتھي دوما علی مقام "الله اكبر". نعم لم تبدعه الطبیعة، ولكن في خضم أبنیة المدینة الحجریة ھذا النھر بمثابة مراقبة السحر. فرأیته أنا عدة مرات في حین انبثاق الفجر إذا انتشر النور انتشارا في الفضاء وكأنه یرتفع من حضیض إلی آفاق السماء. وسكان المدن الحاضرة الذین ینتھي لھم الیوم بعد متصف اللیل ویطلع الصبح قبل قلیل من منتصف النھار لایستطیعون إدراك ما قلته. فإنھم إن رأوا یوما مشھد طلوع الشمس علی حافة النھر في ظل النجوم الغاربة لعلموا أن ذلك لیس نھراً بسیطاً بل إنه طریق الاھتداء إلی خالق الأرض والسماء.

إن الحضارة الجدیدة لم تحرمنا القرآن الذي تأتي الحقائق فیه في لباس الألفاظ والعبارات فقط، إنھا حرمتنا ذاك القرآن الذي نلمس آیاته في صحیفة الفطرة والطبیعة، والتي كان الإنسان في وقت ما یقرءھا لیلاً ونھاراً. والیوم إنه یستقیظ من النوم في منتصف النھار ویشرب الماء الأسود (الشاي) ویقرأ صحف الیوم التي تحدث عنه عن أخبار العالم كله ولكن لیس ھناك خبر بنفسه ھو.

ففي مثل ھذه الأیام واللیالي من این یعلم ما ھو الشراب الصبوحي الذي يھراق علی شاطئي نھرِ ركناباد بلاھور ؟ یاتری ما أجمل شعر تذكرته الآن. وأظن أن الذي قاله قال إذ رأی الصبح ینزل في مقام كھذا وھو ھذا، ومفھومه:

"إن لأھل النظر كأمثالنا لولم یات الرسول لكفانا الصبح لإثبات الحق جل وعلا. "

[١٩٨٦م]

الشعلة والدار

في الأشھر السالفة العدیدة اضطررت إلی تبدیل بیتي مرتین. أولا ارتحلت من نیو غاردن تاون إلی اقبال تاون ولم تمض علی ذلك إلا خمسة عشر أو عشرون أسبوعاً فقط أن صاحب الدار الجدید بإقبال تاون قد قضی بشراء البیت فكان كما قال الشاعر:

"جئنا ولم نكد نجلس حتی أخرجنا."

وأنا قد تجشمت الكثیر في حصول ھذا البیت ثم تزینیه ولم یخلد في ظني أننی سوف اتخلی منه علی عجل كھذا. وكان صاحب الدار أیضا یحس ذلك، إلا أنه جاءنی وذكر لي أعذاره وھو نادم جداً. فلو انكرته لسكت یقیناً. وخیل إلیّ أنه كیف أجد اللذة التي في الجمع بین الشعلة والدار، لا أجدھا في طمأنیة تحصل لي ھنا إذا انكرت المغادرة. لذا وعدته للتخلي عن الدار وقال الشاعر، ما مفھومه:

"أنظر أنی جمعت الأسباب لتعمیر المسكن ثم أنظر أن الشعلة أیضاً اتمنیٰها."

وفي أثناء الخمسة عشر سنة قد تحولت من مسكن إلی مسكن آخر. والمرء مضطر إلی مغادرة سكن الغیر. وكلما طلبني صاحب دار أن اتخلی منه لشعرت بأنه تذكیر لحقیقة كبری. وھو أننا نسكن في الدنیا في بیت غیرنا وھو طالب لامحالة للتخلي عنه في یوم ما. ونجادل في الدنیا صاحب دار، ولكن لا امكان للجدال أمامه. وھنا نذھب بكل متاعنا ولا یكون ذلك ھناك، فنحن مضطرون أن نتنازل عن مسكنه یوماً ونكون مسئولین أن كیف تعاطیناه. فھذه حقیقة كبری لھذا العالم لا مفر لأحد منه. وكل حادث ھنا یذكر لنا ذلك الواقع الحقیقی كما قال الشاعر الفارسي ما مفھومه:

"إن الحوادث تكون بمثابة مدرسة للأھل العقل والفكر فإن لطمة الموج لا تقل عن عصا في ید الأستاذ."

[١٩٨٦م  ]

معجزة الفن

قال غالب أكبر شعراء الأردیة ما مفھومه:

"إن الجمال الكامل لا یحصل لكلام یا أسد (اسم غالب) حتی لا یحترق قلب المتكلم له."

في المحلة التي أسكنھا واجھة مسجدھا الجامع یجری فیھا عملیات العمارة منذ شھور سالفة. وكان ھناك قبل أبواب ساذجة تدخل منھا في ردھات المسجد والآن أریدت تحویلھا إلی محاریب لھا صدعات وأجزاء مسقفة علیھا تاج. وابتدأ العمل قبل ثلاثة أو أربعة أشھر. ورأیت أن جدران الصدارة تھدمت في أیام والبناء الجدید قد قام من الأساس إلی السقف في بضعة أیام. وكان ظني أن صحن المسجد سیكون خالیا من اللبنات والطین وغیرھا في أسابیع عدة فقط. ولكن إذا بلغ الأمر إلی بناء أبراج التاج والمنارات فإذا بھا وكأن الوقت قد ركد وأیدی الصناع والمھندسین  قد توقفت عن العمل. وكان قبل ذلك أن لم یكد البناء أن یتأسس حتی یبلغ الجدار إلی النھایة والآن یستغرق بناء برج وبناء صدعاتھا وقممھا عدة شھور. وھذا مسجد صغیر لحینا. ولا علم لي أن البنائیین للمسجد العالمكیري والقلعة المعلاة ومحاریب التاج وأبراحھا كم أمسوا وأصبحوا علی ھذه البنایات، فإن جلس بناء ینحت الشفة الجوھریة فمالم تمر علیه الشھور لاتبرز زاویة الفم.

كما یقال أن:

"العقیق تم تشقیقه مئة مرة فجاءت جوھرة."

وھكذا كل إنتاج یبلغ إلی مرتبة الكمال. فإن من الشعر إذا توفر لك لوازمه من القافیة والردیف یكون شعرا ویحصل لك دیوان شعر في كل شھر ثاني. ومن الشعر ما لقوله تردف اللیل بالنھار حتی تستیقظ الدیك والطیر والسمك. ففي الصورة الأولی إذا لم تفقد اللوازم تحصل لك النتیجة في بضعة أیام. وفي الصورة الثانیة لا تأتي الثمرة من اللبنات والتوابل بل تتولد من حرقة القلب كما قال الشاعر الاردي:

"لوناً كان أو لبنة وحجرا، قیثارة كانت أو حرفا وصوتا إنما تجیئی المعجزة والبراعة في كل فن من حرقة القلب."

ولم تحدث أول مرة في زماننا ھذا أن الناس قصروا في الفرق بین الصورتین وبین نتائجھما. إن تاریخ بنی آدم معظمه مفعم بتلك الحوادث. ففي ھذه الدنیا قد مر أن الناس حاولوا تقییم جعفر زتلي وغالب بعَد شعرھما. وأرادوا تقییم یوحنا والمسیح علیھما السلام بعدد من آمنوا بھما فمن لھم یقول لھم، كما قال الشاعر:

"إن نظرك قاصر ویدك مغلولة فھل ھذا ذنبك أو ذنب النخل الطویل الرفیع؟"

[١٩٨٩م  ]

علی وفاة الوالد

قد ارتحل من الدنیا الشخص الذي كان وجوده لنا بمثابة ظل رحمة الله علینا. فقد توفي والدي في صباح ١٩ من ینایر عام ١٩٨٦م. وكان یتمنی أن یلقی ربه وھو یسیر علی أقدامه. واستجاب الله له دعاءه ھذا فإنه إذ ذھب إلی فراشه ما كان یظن أحد أنه لا یری صبح الیوم المقبل. إنه نھض من النوم لصلاة التھجد حسب عادته وتوضأ وأخبرنا أنه یواجه صعوبة في التنفس. وذھبنا كلنا إلیه، وكنا نرى أنه ستستقر حالته عن قریب. ولكن نفسه ما كان أن تستقر. وكنا قائمین عند فراشه ورأیناه لعله كان یرید أن یضطجع فساعدناه فوضع رأسه علی وسادة ولفظ نفسه الأخیر في ثوان.

إنه بدأ سفر حیاته مع بدایة ھذا القرن العشرین. ولما كان إبن عشرین ونیفا تقریباً تقدم إلی واد التصوف. وظل طول حیاته متشبثا بذیوله. ولم یتوخ سبیل الرخصة فیما اعتقده دینا. وكان یجب شیخه حبا شدیداً. وكان یستشھد مرات ببیت ما مفھومه:

"إنی شغف قلبي حبه منذ صغري وكان ما كان."

وكان ھناك تباعد كبیر بین نظریاته وأفكاري بعد السماء والأرض. وكان یحاول أن یقنعني بمذھبه واتقدم بما ثبت من الكتاب والسنة في ذلك، وأحیانا جرّ ذلك إلی قیام الجدل والمناظرة بیننا. ولكن بحمد الله لم یتولد قط تنافر وتباعد في علاقاتنا الودیة. وظل مقیماً عندي ومن الحق أنني لم استوف خدمته كما ھي حقه ولا ریب أنه استوفی حق حبه لي استیفاءً كاملاً وكانت حرفته أباً عن جد إجارة الاراضي، وبعد وفاة الجد المرحوم شغف بحرفة الطب ثم ظل شغوفا به وما أقل ما بذل منه علی نفسه وعلی أھله وعیاله مما یکتسبه به. وكم نذر كل ماله لشیخه. فقد ظل غیر متعلق بدنیا وما فیھا من ذخارف. وظل مطمئنا وقائماً علی روتینه فی السراء والضراء سواء. یغدو صباحاً ویقفل مساءً في أكثر الأوقات وكلما رأیته خارجاً أحسست أنه شغوف بسفر بلا نھایة لا منزل له، كأنه یقول بلسان الشاعر الفارسي ما مفھومه:

"ذقت لذة السفر والطیران فلم استقر بمنزلي فتارة جلست علی فروع زھرتي وتارة وجدتني علی شاطئ النھر."

فكما كان یجلس عند شخص ما لثوان عدیدة وھو في طریقه فقد قعد مثل ذلك وانتھی سفر حیاته. ولا ریب لیس لنا علم بنھایة سفرنا أین ومتی. ولكننا نعلم علم الیقین أنه مختتم لا محالة فإن الحقیقة الكبریٰ لھذا العالم،

"أن كلنا نسیر إلی واد الصامتین وھو نھایة سفرنا. " 

[١٩٨٦م  ]

(للحديث صلة)