logo
أخرى

دراسة سنن ابن ماجة

دراسة سنن ابن ماجة

[الاستفسارات المتعلقة بأحاديث سنن ابن ماجة وإجاباتها ]

(الحلقة الخامسة)

مطيع سيد: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عتق ولد الزنا، فقال: "الجهاد في سبيل الله مرتين خير من إعتاق ولد الزنا." [4]

وقد ترك المحدثون هذا الحديث، ولكن ابن ماجة قد روى هذا الحديث بدون جرح أو نقد، فهل لم يكن عنده قبول أو رفض الحديث يعتمد على صحة أو بطلان مضمون الحديث؟

عمار ناصر:  لهذا الحديث تفسير موجود. فقد روي هذا الحديث عن طريق الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه أمام السيدة عائشة رضي الله عنها، فذكرت السبب وراء ذلك. قالت إن بعض الناس لما سمعوا أمر القرآن بتحرير العبيد وإعتاقهم قالوا للنبي ﷺ: "ليس لدينا عبيد نحررهم، ولكن يمكننا أن نفعل ذلك بإنجاب ولد من الجواري بفعل الزنا، فنحرره في سبيل الله." فرد النبي ﷺ أن الجهاد بزوجين من الأحذية في سبيل الله أفضل من تحرير ولد الزنا. وربما كان هذا التفسير معروفًا لابن ماجة رحمه الله فاطمأن له، وهذا واضح لأن أسلوب كتابه لا يتضمن توضيح مثل هذه التفسيرات، ولكن إذا كان الحديث قابلًا للتفسير، فلا بأس أن يقبله.

مطيع سيد: قالت السيدة عائشة رضي الله عنها للنبي ﷺ: "العبد والجواري زوجان، وأريد أن أعتقهما." فقال النبي ﷺ: "يجب عتق الزوج أولًا، ثم الزوجة." [5]

يفسر الشراح أن السبب في ذلك هو أن المرأة إذا تحررت أولًا، يكون لها حق فسخ الزواج، فهل كانت هذه العثرة في سبيل منع المرأة من استخدام هذا الحق؟

عمار ناصر:  من حيث المبدأ، صحيح أن للجواري عند تحررها حق فسخ الزواج، لكن في تطبيق ذلك على حالات معينة يجب النظر في جوانب أخرى. فقد وضع النبي ﷺ هذا المبدأ، لكنه في حالة معينة منع تطبيقه. وهذا يعني أن الأصل صحيح، لكن في حالات خاصة يجب النظر هل من الأفضل أن تعطي هذا الحق أم لا. في القرآن مثلاً يُقال عن العبيد والجواري الذين يريدون الحرية: "إن علمتم فيهم خيرًا"، أي إذا رأيتم أنهم قادرون على حياة مستقرة، حرروهم. وكذلك في حق الأيتام، قال الله: "فإن آنستم منهم رشدًا فأدفعوا إليهم أموالهم"، أي مع حق تسليم المال مع التأكد من قدرتهم على التصرف فيه.

مطيع سيد: فيما يخص السكران، قيل: "إذا شرب الخمر عدة مرات، اضربوه بالسوط، وإذا عاد للمرة الرابعة، اقتلوه." [6]

مطيع سيد: لكن المحدثين قالوا إن هذا الحديث منسوخ.

عمار ناصر:  التعبير الأفضل ليس "منسوخ" بل "متروك العمل به"، أي لم يعد يُعمل به. في صحيح الترمذي ورد هذا الحديث، ومعه أن رجلاً جاء للنبي ﷺ بعد شربه للمرة الرابعة أو الخامسة، لكنه لم يُقتل. ابن القيم وغيره من العلماء قالوا إن هذه الكلمات كانت للتشريع النظري فقط، أي أنه إذا اقتضى الأمر قتل المدمن للخمر، يجوز ذلك تعزيرًا لكنه ليس واجبًا. لذلك فقها وصفوا الحديث بالمتروك.

مطيع سيد: أحد أدلة النسخ هو قول النبي ﷺ أن المسلم لا يُقتل إلا لثلاث جرائم.

عمار ناصر: هذا الحديث له سياق، ولا يحد من تطبيق عقوبة القتل على هذه الثلاث فقط. النبي ﷺ أمر بقتل من يرتكب محرمات أخرى مثل من يتزوج أمه أو من يجامع الحيوان، فهناك عدة أحكام أخرى.

مطيع سيد: بشأن من يأخذ شيئًا بالاحتيال والاختلاس وليس بالسرقة، لماذا لا يُقطع يده رغم أن الأمر أشد إدانة من السرقة؟ [7] 

عمار ناصر: ذلك يعتمد على زاوية النظر. العقوبة على السرقة تعتمد على عدة شروط منها أن يكون المال محفوظًا في مكان آمن. والسرقة تعني كسر الحماية وأخذ المال بالقوة. أما إذا كان المال متروكًا دون حماية، فيدخل في سوء حفظ المالك. مثال: سرقة جوال من دراجة نارية في الطريق تختلف عن اقتحام محل وسرقة جوالات منه. الفرق في العوامل التي سهّلت الجريمة يؤثر في نوع العقوبة.

مطیع سید: هناك أمر مشابه، وهو أن يأخذ شخص الفاكهة مع عناقيدها من الشجرة، فيجب عليه أن يدفع ضعف ثمنها. وإذا كانت الفاكهة قد وُضعت للتجفيف في الحقل وحرز وسُرقت، يُقطع يد السارق. [8]

عمار ناصر: السبب أن الفاكهة أصبحت محفوظة الآن. فالفاكهة طالما هي على الشجرة يمكن لأحد أن يأخذها، لكن إذا أُزيلت ووُضعت في مكان آمن أصبحت محظورة.

مطیع سید: قبل فترة صدر قانون للجرائم في الشوارع ينص على أنه إذا ارتكب شخص جريمة وهرب، يمكن إطلاق النار عليه. هل يجوز اتخاذ مثل هذا الإجراء القاسي؟

عمار ناصر: هذا يعتمد على السياق. معالجة الجرائم الفردية والنادرة تختلف عن الجرائم المتكررة أو التي تتحول إلى ظاهرة عامة. إذا أصبح الجرم شائعًا أو مهنة لبعض الأشخاص، فيُعتبر فسادًا في الأرض ويجوز اتخاذ إجراءات صارمة.

مطیع سید: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "التعزير لا يزيد على عشرين جلدًا" [9] 

لكن الفقهاء أحيانًا يصلون إلى تسعين جلدة.

عمار ناصر: الحديث لا يُطبق ظاهريًا بهذا الشكل دائمًا. بعض المفسرين يرون أن النبي قصد تحديد حد للتأديب العائلي أو التربوي، كحق الأب على ابنه، أو الزوج على زوجته، فلا يتجاوز عشر الجلد.

مطیع سید: عن علي رضي الله عنه أنه قال: "من عوقب في الدنيا بحد، فإن الله أعدل منه أن يعاقبه مرة أخرى." [10]

ولكن هناك جرائم لا يمكن إنفاذ عقوبتها بالكامل في الدنيا، مثل قتل عشرة أشخاص. هل لا يعاقب هؤلاء في الآخرة؟

عمار ناصر: هذه قضايا تأصيلية. إذا ازداد جرم الجريمة وخطورتها، فالحديث لا يشملها بالضرورة.

مطیع سید: في حديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل غلامه نقتلُه، ومن قطع أنفه نقطع أنفه." ولكن في حديث آخر، قاتل شخص غلامه عمدًا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة، ونفاه سنة، ولم يقتل.[11]

عمار ناصر: الفقهاء يختلفون في ذلك. أغلبهم يرون أن المساواة في القصاص غير موجودة بين المالك والغلام، لذلك لا يُقتل المالك على قتل غلامه. الحديث قد يكون منسوخًا أو تهديدًا وليس تنفيذًا فعليًا. ابن حزم يرى القصاص واجبًا.

مطیع سید: هناك أحاديث كثيرة في إنكار النسب. إذا أنكر شخص ابنًا في حياته، فلن يُحتسب ذلك الولد وريثًا حتى ولو أقر ورثته بعد ذلك. [12]

اليوم لدينا اختبار DNA الذي يثبت النسب. هل ما زال الإقرار أهم من نتائج DNA؟

عمار ناصر: هذا موضوع يحتاج إلى دراسة. الفقهاء عمومًا يعطون أهمية لإقرار الشخص الذي يُنسب إليه الطفل، لكن أيضًا يجب النظر إلى حقوق الطفل. اختبار DNA مهم لكن لا يُعتمد عليه بشكل مطلق، يجب مراعاة الظروف والأحكام الأخرى.

مطیع سید: اختبار DNA قد يُساء استخدامه، مثل أن امرأة في فندق فاخر تحملت حملًا من خلال واقٍ ذكري لشخص ثري لتثبت نسب الطفل وتحصل على المال.

عمار ناصر: لذلك يُعطى الإقرار أهمية كبيرة. وأيضًا الشرع يشترط أن يكون النسب عن طريق علاقة شرعية أو عقد نكاح فاسد، وليس الزنا.

مطیع سید: إذا أطلق الطفل صرخة بعد الولادة ثم مات، هل يكون وريثًا؟ وإذا مات الوليد فورًا، فيرث لأي شيئ.[13]

عمار ناصر: إذا صدرت الصرخة فهي دليل على الحياة، ولو توفي بعد ذلك فيُعتبر وارثًا لأبيه، وينتقل ماله إلى ورثته بعد وفاته.

مطیع سید: إذا اعتنق أهل الكتاب الإسلام على يد مسلم، فإنه يكون أقرب إليه في الحياة والموت. [14]

ما معنى ذلك؟ هل يتضمن حق الوراثة؟

عمار ناصر:  لا، لا يعني حق الوراثة.بل يعني إقامة علاقة الولاء التي كانت موجودة في الجاهلية بين القبائل، والتي ألغاها القرآن حين قال: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله." لكن في بعض الحالات الخاصة قد يُقر هذا الولاء ويرث.

مطیع سید: هل يحصل المسلم على مال الذي اعتنق الإسلام على يده من الوراثة؟

عمار ناصر:  إذا تم عقد الولاء، فيكون مال المسلم هو وارث مال ذاك الشخص، لأنه ينقطع عن أهله الأصليين ويتبع الذي دخل في إسلامه.

مطیع سید:  وإذا لم ينقطع المسلم الجديد عن أهله، هل يزال المال من أهله ويذهب للمسلم الذي دخل في الإسلام على يده؟

عمار ناصر:  إذا لم يكن هناك عقد ولاء، لا يُطبق حق الوراثة. قد يحصل على بعض الأمور بالوصية أو صلة الرحم، لكن لا يُعتبر وارثًا.

مطیع سید:  هل يجوز للمسلم الجديد أن يأخذ الوراثة من أهله إذا كان يحصل عليها؟

عمار ناصر:  في الفقه خلاف. الجمهور لا يقر بذلك، وبعض الفقهاء يقولون إذا لم يمنع الدين فلا بأس، ومعاوية رضي الله عنه أفتى بأن يُعطى نصفها ويُجمع النصف في بيت المال.

مطیع سید:  في البلدان الغير المسلمة، هل تسمح القوانين للمسلمين الجدد أن لا يعطوا وراثتهم لأهلهم؟

عمار ناصر:  يجب التحقق، لكن غالبًا القوانين الحديثة لا تدعم هذا التمييز. والفقه ينطبق على نطاق المسلمين، وأهل هذه البلاد عليهم أن يلتزموا بقوانينها.

مطیع سید: وجاء في الحديث أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال  من الخيل " والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي رجله اليسرى أوفي يده اليمنى وفي رجله اليسرى بياض ،أي ثلاث أرجله بيضاء ولون الجسم مختلف. [15]

بعض المفسرين يقولون إنه كان يعتبر هذا الحصان ناقص الحظ، لكن النبي كان يرد على الخرافات.

عمار ناصر: بلا شك لم يكن يقصد توهمًا، بل ذوقًا شخصيًا. قال المفسرون إنه يبدو كأن أرجله مربوطة ويصعب عليه الحركة، وليس فيه نحس، مجرد مسألة ذوق وجمال.

(للحديث صلة)