كلمة العدد
أيها القارئ الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن إذ نتقدم بالشكر والثناء على الله سبحانه ونحمده على ما وفقنا إليه من إصدار العدد الأول من المجلة العربية (الإشراق) ، ونتقدم بجزيل الامتنان لقرائنا الكرام على آرائهم القيّمة وتوجيهاتهم السديدة، التي تسهم في إثراء محتوى المجلة وتطوير شكلها، كما تساعدنا في تقويم مسارنا نحو تحقيق خطوات متقدمة تضمن تطورها ونموها المستمر.
واستجابةً لاقتراحات الأصدقاء، نطلق في هذا العدد الثاني باب الأبحاث المستقلة، الذي سيصبح ركيزةً أساسية في مجلتنا بإذن الله، ليضفي عليها مزيدًا من العمق والتنوع.
ندرك جميعًا أن العالم الإسلامي يمر في حاضره بمرحلة دقيقة، تعج بالتحديات على مختلف المستويات، من قضايا معقدة إلى أوضاع متأزمة، مثل القضية الفلسطينية ومعاناتهم وقضايا الأقليات المسلمة في البلدان ذات الغالبية غير المسلمة. وقد أشار أخونا الفاضل محمد حسن إلياس، في العدد الأول، وببراعة إلى خطورة هذا الوضع.
فقد أدت التقديرات الخاطئة وسوء التخطيط من بعض منظمات المقاومة في فلسطين المحتلة إلى نتائج كارثية، لم تقتصر على تدمير غزة العزة بالكامل جراء القصف الإسرائيلي الهمجي، بل وضعت أكثر من مليوني فلسطيني في مواجهة مصيرٍ أكثر قسوة، حيث يواجه أهل غزة المثابرون الصابرون المرابطون والصامدون للعدوان المستمر التهجيرَ القسري للمرة الثانية في تاريخ نكبتهم الطويلة، في ظل دعم متواصل شرس وغير مشروط من الولايات المتحدة الأمريكية للطرف الإسرائيلي المحتل.
ويخبرنا التاريخ الحديث أن المواجهة المسلحة مع القوى الغربية لم تثمر يومًا عن نتائج إيجابية. وعلينا أن ندرك أن مستقبلنا لن يكون مزدهرًا إلا إذا أولينا اهتمامًا حقيقيًا بالوعي العلمي، والتقدم التكنولوجي، والنهضة الاقتصادية. ويجب أن ندرك إدراكا جيدا أنه ما لم نكتسب الوعي العلمي، وما لم نحرز تقدماً كبيراً في العلوم والتكنولوجيا، لن يكون اقتصادنا قوياً. وما لم نفقد الرغبة في الاختراعات والاكتشافات العلمية الجديدة، فلن تأتي ثورة تعليمية وعلمية جديدة في مجتمعنا. وحتى ذلك الحين، لن يكون هناك جدوى من مواجهة الدول المتقدمة في العالم. وإذا أصررنا على منهجية الكفاح المسلح والنضال العنفي سنستمر في الخسارة، ولن يتغير الوضع أبدًا. وقد رأينا في التاريخ الحديث أنه تعلم الآخرون هذا الدرس جيدًا ونحن تأخرنا فيه فعلى سبيل المثال بعد عام 1877 المصيري، عندما فشل النضال المسلح من أجل الحرية، تركت الهند أيضًا مسار النضال المسلح وتبنت طرقًا أخرى ذات مغزى أدت إلى استقلال البلادأخيرًا. فيدل ذلك إن دل على شيئ أنه ما لم تتولد لدينا رغبة حقيقية في الابتكار والاكتشاف، لن نشهد نهضة علمية وتعليمية حقيقية، وسنبقى بعيدين عن تحقيق تطور ملموس في عالم اليوم.
لقد رأينا كيف أدركت أمم أخرى كدولةجنوب أفريقية مثلاً هذا الدرس في الوقت المناسب و اتخذت مسارًا مختلفًا ونجحت في تحقيق مقاصدها بأساليب أخرى أكثر فاعلية. بينما تأخرنا نحن في استيعابه. كما أن التاريخ يشهد أيضًا أن المسلمين كثيرًا ما فقدوا مكتسباتهم بسبب استراتيجيات غير مدروسة وسرديات تغلب عليها العاطفة. لذا، فمن الحكمة أن نعيد النظر في أساليبنا، ونعمل على اتخاذ قرارات تفضي إلى نتائج إيجابية ومستدامة.
إن التعليم، والتنمية الاقتصادية، والتقدم في العلوم والتكنولوجيا، وتعزيز الوعي السياسي، هي الركائز الأساسية التي يجب أن تنصبّ عليها جهود المسلمين، لا سيما في البلدان التي يعيشون فيها كأقليات. كما ينبغي أن يكون وجودنا بين الأغلبية غير المسلمة عامل عطاء وإبداع ومنبع استقرار وسلام، لا مصدر قلق واضطراب لها. فلا ينبغي أن يشعر المواطنون غير المسلمون بالخوف من مستقبلهم بسببنا، ولا أن تُربك تحركاتنا المشهد السياسي والاجتماعي في تلك الدول. فهذا هو السبيل الوحيد لضمان بقائنا واستمرار وجودنا، كي نتمكن من أداء رسالتنا الحضاري بحرية، وبما ينسجم مع قيمنا الإسلامية الأصيلة. ولكي نقوم بواجبنا الدعوي المنوط بإرادتنا الحرة وشخصيتنا الإسلامية.
وفي هذا العدد الثاني من (الإشراق) ، وكما في العدد الأول، نقدم للقارئ العربي مختارات من النسخة الأردية لعدد فبراير، إلى جانب بعض الأبحاث المستقلة. وسنواصل في المستقبل العمل بجدية أكبر لجعل مجلتنا أكثر حرية في طرح مواضيعها، وأكثر دقة في انتقاء مقالاتها وبحوثها، بما يضمن تقديم محتوى متميز ومبدع. كما نرحب بجميع الملاحظات النقدية من قرائنا الأعزاء، ونعد بأخذها بعين الاعتبار في مسيرتنا نحو التطوير المستمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين
أ. د محمد غطريف شهباز الندوي
