logo
أخرى

إكرام أهل البيت الكرام وتبجيلهم

إكرام أهل البيت الكرام وتبجيلهم

[آثار التابعين وأتباع التابعين  ]

الحلقة الخامسة

أما بالنسبة للقرابة والعلاقة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الاحترام والإكرام مطلوب من أهل الإيمان لأهل بيته، وخاصة للأزواج المطهرات، وهو ما جاء ذكره من جوانب مختلفة في القرآن الكريم والأحاديث. فجاء في سورة الأحزاب:

اَلنَّبِيُّ اَوْلٰي بِالْمُؤْمِنِيْنَ مِنْ اَنْفُسِهِمْ وَاَزْوَاجُهٗ٘ اُمَّهٰتُهُمْ. (الأحزاب 33:6)

وبالمثل جاء في الآية 53 من السورة نفسها، وذلك قد أوجب على المسلمين ألا يتحدث رجالهم مع زوجات النبي المطهرات وجهاً لوجه، ولكن مهما كان المقصود من المحادثة، فيجب أن يتم ذلك خلف الستار. ثم إنه لا يحل لأحد أن يتزوج نسائه من بعده.كما قيل في الآية رقم 33 مخاطبًا للأزواج أن الله يريد أن لايمس أهل بيته الأطهارأي اتهام أخلاقي.فقال:

اِنَّمَا يُرِيْدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا.

 (الأحزاب33 : 33)

وفي سياق الآية فإن لفظ (أهل البيت) يشير إلى زوجاته، ومعناه الأوسع يشمل أيضًا بقية أقاربه، كما يتبين من استعمالات هذا اللفظ في الروايات والآثار.

وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم وغرس السلوك المرغوب في احترام وتكريم أهل بيته في كثير من أحاديثه. ولذلك، وامتثالاً لتعليمات الله تعالى، فعلّم الصحابة الصلاةَ على النبي، وأشمل أهل بيته في ذلك. وكلماته جاءت في الدعاء الإبراهيمي كالتالي:

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. (رواه النسائي، رقم  1279)

وفي روايات أخرى ورد بدلًا من الآل لفظ الزوجات والذرية، مما يوضح أيضًا معنى الآل:فقد جاء:

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.

(رواه النسائي، رقم 1285)

وكذلك نهى بعض عائلات بني هاشم عن أخذ الزكاة والصدقة من الناس، فقال:

إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ. (رواه مسلم، رقم 1849)

وفي عدة مناسبات، قد حذّر الناس من معاملة عائلته بسوء، وحرّضهم على أن تتم بشكل جيد واحترام نسبهم وعلاقتهم به. فمثلاً لما رأى السوء أو التجهم في تصرفات بعض الناس تجاه عمه سيدنا العباس (رضي الله عنه) فحذرهم قائلاً:

مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي الْعَبَّاسِ؟ فَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ.

(المعجم الکبیر، رقم17463)

وقد تقدم إليه بريدة رضي الله عنه ذات مرة بشكوى على سيدنا علي رضي الله عنه، فقال له صلى الله عليه وسلم:

يَا بُرَيْدَةُ، أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قُلْتُ:بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ. (مسند احمد، رقم  22367)

(الحديث ضعيف في كل أسانيده، المدير)

عندما تحدثت السيدة فاطمة مع السيدة عائشة بقسوة في بعض المرات، نصحها النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:

يَا فَاطِمَةُ، أَلَيْسَت تُحِبِّينَ مَنْ أُحِبُّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَتُبْغِضِينَ مَنْ أُبْغِضُ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ عَائِشَةَ فَأَحِبِّيهَا .

(أخرجه أبو یعلیٰ في مسنده رقم  4827)

وأراد علي رضي الله عنه أن يتزوج ابنة أبي جهل، ولكن عند شكوى السيدة فاطمة قد أبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنه الشديد على ذلك، وقال:

إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا. (مسلم، رقم  4588)

وجاء بلفظ "فاطمة جزء مني، ما يؤلمني هو ما يؤلمها. (مسلم، رقم 4588)

وخاصة في خطبته في غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع، قد نصح أصحابه في شأن أهل بيته عليهم السلام فقال:

أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي. (مسلم، رقم 4530)

وفي الفصل الذي نحن بصدده سوف ندرس آثار الصحابة والتابعين المتعلقة بهذا الموضوع.

أزواج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ

(1)

عَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمِسْوَرِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بَاعَ أَرْضًا لَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَسَمَهُ فِي فُقَرَاء بَنِي زُهْرَةَ، وَفِي الْمُهَاجِرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ بِنَصِيبِهَا فَقَالَتْ: مَنْ أَرْسَلَ بِهَذَا؟ فَقُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ (لأزواجه) ’’لَا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إِلَّا الصَّابِرُونَ‘‘، سَقَى اللهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ  سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ. (مسند أحمد، رقم 24205)

الشرح اللغوي

يَحْنُو عَلَيْكُنَّ: ’حنا عليه‘  أي عطف عليه والطف به.

الشرح

إن القرآن الكريم إذ أعطى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم صفة أمهات الأمة فإنه حرم على أحد أن يتزوج منهن بعده. وبالإضافة إلى ذلك، فُرض قيود خاصة للحجاب على الزوجات المطهرات، الأمر الذي ألزمهن بالبقاء في منازلهن وعدم السماح لهن بالخروج من منازلهن والاختلاط بالناس إلا لضرورة لا مفر منها. وفي هذا السياق باتت مسؤولية توفير احتياجاتهن والعناية بها تقع على عاتق المسلمين كافة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفكرويهتم بزوجاته من جهة أن لا يتضايق الناس من بعده إلى القيام بواجباتهم نحوهن، ولا يقصرون في حقهن. وفي هذا الصدد، قد أعرب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله المذكور أعلاه عن تقديره لأولئك الذين سوف يظلون بعده ثابتين على دعم حقوق ومكانة زوجاته وسيستمرون في رعاية احتياجاتهن بشكل مسؤول.

التخریج واختلاف الطرق

وقدجاء هذا الاثرعن طريق أم بكربنت مسوربن مخرمة عن عائشة رضي الله عنها في المصادرالتالية:

المستدرک علی الصحیحین، رقم  5361۔  الزهد لأحمد بن حنبل، رقم 1106۔ الطبقات الكبرى لابن سعد، رقم 2933۔  الشریعة للآجري، رقم 1740۔  مشکل الآثار للطحاوي، رقم 3045۔ 

و بالإضافة إلى مسور بن مخرمة قد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن عائشة. وكلماته هي كما يلي:

قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَحْنَى عَلَيَّ، فَقَالَ: ’’إِنَّكُنَّ لَأَهَمُّ مَا أَتْرُكُ إِلَى وَرَاءِ ظَهْرِي، وَ الله لَا يَعْطِفُ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ أَوْ الصَّادِقُونَ‘‘. (مسند أحمد، رقم 24371)

وقد جاء في حديث الترمذي أن الدعاء لعبد الرحمن بن عوف في آخر الحديث من قول السيدة عائشة:

قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ عَائِشَةُ: فَسَقَى الله أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الجَنَّةِ، تُرِيدُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ. (أخرجه الترمذي، رقم 3749)

وقد جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا فيمن له يصل الرحم  لأمهات المؤمنين من حديث أم سلمة رضي الله عنها في المصادر التالية:

مسند أحمد، رقم  26013۔  المعجم الکبیر للطبراني، رقم  19507۔  المستدرک علی الصحیحین، رقم  5362۔  الطبقات الكبرى لابن سعد، رقم 2932۔  معرفة الصحابة لأبي نعیم، رقم 475۔

(2)

عَنْ كَرِيمَةَ وَهِيَ ابْنَةُ المقداد … أَن الْمِقْدَاد أوصى لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن ابنى على بن أبي طَالب لكل وَاحِد منهما بِثمَانِيَة عشر ألف دِرْهَم وَأوصى لِنسَاء النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ  سَبْعَة آلَاف دِرْهَم لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ فقبلوا وَصيته .

(التاریخ الاوسط للبخاري، رقم 328)

الشرح

1. المقداد بن الأسود رضي الله عنه صاحب رسول الله وقد شهد بدراً. وقد جاء في الأحاديث أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحسن الظن بمن يقوم على زوجاته من بعده. فتروي زوجته زَبَاعة بنت الزبير:

عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْكَ شَكَكْتُ فِيهِ، قَالَ: ’’فَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الْأَمْرِ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ‘‘، قَالَ: قَوْلُكَ فِي أَزْوَاجِكَ: ’’إِنِّي لَأَرْجُو لَهُنَّ مِنْ بَعْدِي الصِّدِّيقِينَ‘‘، قَالَ: ’’وَمَنْ تَعُدُّونَ الصِّدِّيقِينَ‘‘؟ قَالَ: فَقُلْنَا: أَوْلَادَنَا الَّذِينَ يَهْلِكُونَ صِغَارًا، فَقَالَ: ’’لَا، وَلَكِنَّ الصِّدِّيقِينَ هُمُ الْمُتَصَدِّقُونَ‘‘. (مسند ابن أبي شيبة، رقم  489)

فعملًا بروح ماأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى المقداد بن الأسود رضي الله عنه بأمواله لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم و أحفاده (للأم) وهو المذكور في الأثر الذي نتحدث عنه.

2. «الصديق» صيغة المبالغة من «صادق»، ومعناها بلوغ درجة الكمال في الصدق والأمانة. وبنفس المعنى فقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم أيضًا في حق الأنبياء[8] وفي حق أولئك الذين كانوا في مقدمة من صدّقوا الأنبياء ونصروهم. [9]وقد فسر الطبري رحمه الله معناها الشامل بقوله:

الصِّدِّيقُونَ: تُبَّاعُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ صَدَقُوهُمْ وَاتَّبَعُوا مِنْهَاجَهُمْ بَعْدَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا بِهِمْ. (تفسیر الطبري 7/211)

وقد فسر المقداد بن الأسود الصديقين في الحديث المذكور بالأطفال الذين ماتوا صغارًا، ولعل ذلك من جهة أن الأطفال الذين ولدوا على الفطرة وماتوا قبل البلوغ من غيرمرورهم بامتحان كفر وإيمان يمكن أن يقال في الظاهر إنهم ماتوا على الإيمان والإقرار. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن المراد بالصديق هنا الذين يتصدقون وينفقون. وهذا مثال تفسير الكلمة بلازمها. وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم أراد أنه من ثبت على دينه وعهده بعدي وقام بواجباته الدينية فإنه ينفق أمواله على زوجاتي أيضًا لتوفير احتياجاتهن. ويبدو أنه في هذه الحالة فإن فعل العطاء والإنفاق يكون من شروط صدّيقيتهم.

التخريج واختلاف الطرق

وروي هذا الأثر أيضًا عن طريق كريمة بنت المقداد في تاريخ دمشق لابن عساكر 60  /181، وفي التاريخ الصغير للبخاري 1  /83.

(مترجمة من الأردية)                    [ يُتبع]