التصور الديني للّحية
الحلقة الثانيةوالأخيرة
[إنه قد لخص السيد محمد حسن إلياس برنامجًا في "سلسلة 23 اعتراضا" حول اللحية. والنص الحالي يعتمد على استخلاص من حديثه واستفادة منه.]
مراجعة الاعتراضات على موقف غامدي
ولا يوافق العلماء غامدي على هذا الرأي. وقد اعترض العلماء على رأيه بثلاثة اعتراضات رئيسية، ففي ضوئها لا يعتبرون رأيَ غامدي بهذا الصدد مقبولًا.
الاعتراض الأول الذي يورد عليه العلماء هو أن مقولةَ غامدي بأنه لا يوجد دليل على إعفاء اللحية في القرآن والسنة يخالف الواقع، إذ إن في سورة الروم من الآية 30 إلى الآية 32 دليل يمكن أن يستفاد منه حكم وجوب إعفاء اللحية. فقد قال الله تعالى:
فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفًاﵧ فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِيْ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاﵧ لَا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ. (الروم30: 30)
واستشهاداً بهذه الآية يزعم العلماء بأنها تقول: يجب عليكم أن تتبعوا الفطرة التي خلقكم الله عليها ولا تغيروها. ولما كانت اللحية ظاهرة طبيعية في جسم الإنسان، فإذا قص الرجل لحيته كان كمن خالف خلق الله والطبيعة التي خلقه عليها ،ولذلك فإن القرآن الكريم يأمر الإنسان ولو بطريقة غير مباشرة بإرخاء اللحية، لأن اللحية طبيعة والطبيعة لا يمكن أن تتغير. علاوة على ذلك فإن قص اللحية هو في الواقع تشويه للطبيعة.
وقد رد الغامدي على هذا الاعتراض بقوله: إذا نظرنا إلى سياق الآية (context) يتبين لنا أن الآية لا تتحدث عن أي تغير في الصورة الجسمانية المادية، بل تتحدث عن مفهوم التوحيد. فحديث القرآن هنا عن تغيير خلق الله وسياقه التوحيد والشرك. ففي زمن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الناس يعانون من آثام الشرك وسئيات الكفر، ولهذا السبب فإن القرآن الكريم يدين الشرك ويدعو إلى التوحيد. وهذه الآية أيضا تتحدث عن نفس الشيء وتقول إن الشرك لا يتفق مع طبيعة الإنسان، بينما التوحيد جزء من طبيعة الإنسان. ومن هنا يتبين من سياق الآية أن القرآن الكريم يقول ويؤكد للناس أن التوحيد شيء موجود في فطرتكم، وعندما تتركون التوحيد وتعتنقون الشرك فكأنكم تناهضون هذه الإنجازات الطبيعية والهداية الفطرية الكامنة في أنفسكم، ولذلك إذا قرأت هذه الآية في سياقها فإنها تشير إلى الحديث عن التوحيدلاغير. فقال:
فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفًاﵧ فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِيْ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاﵧ لَا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اللّٰهِﵧ ذٰلِكَ الدِّيْنُ الْقَيِّمُﵱ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ. مُنِيْبِيْنَ اِلَيْهِ وَاتَّقُوْهُ وَاَقِيْمُوا الصَّلٰوةَ وَلَا تَكُوْنُوْا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ. مِنَ الَّذِيْنَ فَرَّقُوْا دِيْنَهُمْ وَكَانُوْا شِيَعًاﵧ كُلُّ حِزْبٍۣ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُوْنَ. (الروم30: 30-32)
والواضح من هذه الآية بداهةً أنها تدعو إلى التوحيد وتدين الشرك. فالاستدلال بهذه الآية أن اللحية تنبت على الجسم طبيعيا، فقص اللحية إذن تغيير للطبيعة والقرآن ينهى عنه، فلا يوجد في هذه الآية شيء يتعلق باللحية إطلاقًا.
والاعتراض الثاني أن بعض الأحاديث تدحض ما يقوله غامدي. فإذا قبلنا قوله بأن اللحية غير مأمور بها في الدين، فماذا نفعل بالأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتي تنص على خلاف ذلك؟ والعلماء يحتجون عليه بالحديث الذي يقول أن عشرة أشياء من الفطرة ومن هذه الأشياء العشرة إعفاء اللحية. فيقولون: إننا بعد أن وجدنا هذا التوجيه بشأن اللحية في حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث بشأن الأشياء المتضمنة في الطبيعة، ينبغي لنا الآن أن ننظر إلى التغيير في الطبيعة المذكور في القرآن الكريم في ضوء هذا الحديث. علاوة على ذلك، فإن التراث الحديثي نفسه يخبرنا أن وجود اللحية هو جزء من الطبيعة، وأن اللحية هي واحدة من الأشياء العشرة المتضمنة في طبيعة الإنسان. وعلى هذا فقد جاء في صحيح مسلم:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى اللّٰه عليه وسلم: عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ. قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. زَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِى الاِسْتِنْجَاءَ. ( رقم 627)
والآن لننظر هل هذا الحديث يثبت ما يريد العلماء عادة إثباته؟ ولذلك ينبغي أن يعلم أن كبار علماء الحديث أنفسهم أثاروا حول هذا الحديث تساءلات مهمة جداً ولم يقبلوه. وقد تعرض هذا الحديث لانتقادات شديدة من قبل الإمام ابن عبد البر رحمه الله وغيره من العلماء. يقولون أن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن راوي هذا الحديث ليس بثقة. وأيضًا فإن الراوي لم يستطع أن يتذكر الشيء العاشر هنا، فلا يعقل أن يتذكر بقية الأشياء التي وصفها. وعلى العكس من ذلك، يقول العلماء إن هناك حديثًا آخر يصف خمسة أشياء من فطرة الإنسان، ولا تدخل اللحى ضمنها. هذا الحديث روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وروي في كتاب عظيم كالبخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما۔[18]والأمام مسلم نفسه أخرج حديثا يؤيده فقد جاءفيه:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ -أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ- الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ.
(رقم 620)
ولم يرد في هذا الحديث ذكر اللحية. والآن، مقابل هذا حديث لم يثبت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحد، ورواته غير موثوقين عند كبار العلماء كابن عبد البر، فكيف يصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن إعفاء اللحية أمر من أمورالفطرة وهناك حديث آخر يروى في الكتب الكبيرة وليس فيه ذكر للحية إطلاقًا؟
الاعتراض الثالث: أن في أحاديث اللحية التي قبلها غامدي أو شرحها أو بحث عن سياقها فإن الألفاظ المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الأحاديث مشتملة على فعل الأمر، أي أن الفعل المذكور جاء بمعنى الأمر، لأن الأمر في اللغة أصله الأمر الواجب .(compulsary thing)
وهذا يعني أنه كلما ظهر فعل أمر في الجملة، فإنه يبدو أنه يجعل شيئًا ما إلزاميًا أو ضروريًا. ولما جاء فعل الأمر في (واعفوا اللحى ) و(قصوا الشوارب) في هذه الأحاديث، فسره العلماء على أنه يجب إعفاء اللحى وقص الشوارب، وكأن هذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.An order from him.
ويقول غامدي رداً عليه: إن القول بأن كلمة أمر في الحقيقة تشير إلى الوجوب ليس صحيحاً من أساسه. فإن كلمة (أمر) تأتي للإلزام، وتأتي أيضاً للندب، وتأتي أيضًا للإذن والإباحة، وتأتي أيضاً بمعاني أخرى مختلفة، حيث إن الله تعالى نفسه يستعمل كلمة (أمر) في مواضع كثيرة من القرآن الكريم في معاني كثيرة. فمثلًا يقول الله تعالى:
كُلُوْا وَاشْرَبُوْا مِنْ رِّزْقِ اللّٰهِ. (البقرہ2: 60)
لا يستطيع أحد في العالم يقرأ هذه الآية أن يقول إن الله تعالى يوجب الأكل والشرب باستخدام الفعل (وكلوا واشربوا) فيها. الكل يعلم أن الله تعالى هنا لا يأمر المسلمين بالأكل والشرب بالضرورة، بل الجميع يقولون أن الأمر هنا ليس للإلزام، بل للإذن والإباحة(Permission).
لذلك فإن خلفية الجملة أو السياق يحددان دائمًا معنى الفعل الذي يجيئ فيها. والآن ننظر إلى الرواية التي جاءت فيها الكلمات المتعلقة باللحية. فسترى أن الأمور المذكورة فيه هل أوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وقد روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:
خَرَجَ رَسُوْلُ الله صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ عَلٰی مَشْیَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارٍ بِیضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: یَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، حَمِّرُوْا وَصَفِّرُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا: یَا رَسُوْلَ الله، إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَتَسَرْوَلَوْنَ، وَلَا یَأْتَزِرُوْنَ، فَقَالَ رَسُوْلُ الله صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ: تَسَرْوَلُوْا، وَائْتَزِرُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا: یَا رَسُوْلَ الله، إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَتَخَفَّفُوْنَ، وَلَا یَنْتَعِلُوْنَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ: فَتَخَفَّفُوْا، وَانْتَعِلُوْا، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. قَالَ: فَقُلْنَا: یَا رَسُوْلَ الله، إِنَّ أَهْلَ الْکِتَابِ یَقُصُّوْنَ عَثَانِیْنَهُمْ، وَیُوَفِّرُوْنَ سِبَالَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّی الله عَلَیْهِ وَسَلَّمَ: قُصُّوْا سِبَالَکُمْ، وَوَفِّرُوْا عَثَانِیْنَکُمْ، وَخَالِفُوْا أَهْلَ الْکِتَابِ. (رواه أحمد في مسند ه ، رقم :22283)
وقد ترجم غامدي وآخرون أيضا(حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا) بـ: (يمكن أن تجعلوا لحاكم حمراء أو صفراء)، ولم يترجمها بـ: (اجعلوا لحاكم صفراء أو حمراء بالتاكيد). فإذا كنتم في هذا الحديث تقبلون فعل (أمر) على أنه واجب في اللحية، فإنه لا بد أن تقبلوا صيغة (أمر) على أنه واجب في الأشياء الأربعة الأخرى المذكورة أيضًا، أي يجب علينا أن نقول أيضًا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب أيضًا لبس السراويل، ولبس العمامة، ولبس الجوارب، ولبس النعال. وكما أن الصلاة واجبة في الجوارب والنعال، فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم خضاب اللحى.
ولذا، فيعلم الكل أن سياق الحديث يدل على أن السائل طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الناس لايجيزون هذا الفعل، بل يعتقدون أنه لا يجوز شرعًا. ولذلك فإن كلمة (أمر) التي استخدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا هي للإذن والإباحة، وهذا يعني أنه يجوز لك أن تفعلوا هذاو يمكنكم القيام بذلك إذا كنتم تريدون ذلك، فخالفوا أهل الكتاب في ذلك.
ملخص القول
وخلاصة هذا الحديث أن الأستاذ غامدي لا يعتبر إعفاء اللحية فرضًا من فروض الإسلام، لأنه لم يثبت في الدين شيء من ذلك. ولم يرد ذكره في القرآن الكريم ولا في السنة. وأما الحديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكراللحية فيه إرشادًا ولا أمرًا، بل ذكره على وجهين: أحدهما: الاستنكار على من له شوارب طويلة ولحى قصيرة بطريقة متغطرسة (Arrogent behaviour).
والآخر: معارضة البدع (Religious Innovations)
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بالإضافة إلى هذه الأحاديث، فإن السنة التي هي سنة دينية ثابتة قد صدرت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منفصل بقص الشارب أو تقصيره، وهو أمر لم تتطرق إليه هذه الأحاديث. وفي هذا الصدد يمكن دراسة كتاب "ميزان" لغامدي. متوفر اليوم في اللغة العربية أيضًا.
(مترجم من الأردية)
